﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].
بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً ومرحباً بكم مع هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم فاستبقوا الخيرات. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، ويقول: «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». كنا قد تكلمنا فيما مضى عن الكثير من الأحكام، ولم نتطرق لأدلة تلك الأحكام بشكل مفصل؛ لأن الغرض الأساسي كان توصيل الأحكام بشكل ميسر، فالتفاصيل ما كان يدخل فيها الشيخ يتكلم عنها. وقد أحببنا في هذه الحلقة أن نضرب بعض الأمثلة على أصول تلك الأحكام من النصوص الشرعية وبعض استنباطات الأئمة.
أهلاً بك يا فضيلة الشيخ الدكتور سعيد البديوي، يا مرحباً، حياك الله وحيا المشاهدين الكرام. ما دمنا في هذا البرنامج وهذا الموسم نتكلم شيخنا عن البيت الحرام والحج، فأعتقد لا ننسى أن نتكلم أيضاً قليلاً عن المسجد الأقصى، خصوصاً والمسجد الأقصى من المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وله أكيد منزلة عظيمة عندنا نحن كمسلمين، فما هي هذه المنزلة خصوصاً في ظل ظروف الاعتداءات التي يتعرض لها إخواننا في القدس؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. بالنسبة للمسجد الأقصى يقول الله تبارك وتعالى فيه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر المسجد الأقصى، وذكر أنه مسجد بني لله بعد المسجد الحرام. وفي الحديث أيضاً: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». يقول النبي عليه الصلاه والسلام: المسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى، وهو ثالث المساجد الثلاثة، فمكانته في قلوب المسلمين مكانة عظيمة.
وفي الحقيقة في هذه الأحداث الجارية التي لا يمكن أن تخفى على أحد، وتدمي في الحقيقة قلوب المسلمين، كل المؤمن يتوجع لما يحصل اليوم في المسجد الأقصى، ولإخواننا الفلسطينيين الذين يجاهدون في سبيل الله في هذه القضية التي ليست هي قضية لهم وحدهم، وإنما هي قضية جميع المسلمين. في الحقيقة لا يسعني إلا أن أتوجه إليهم بببالغ تحية الإجلال والإكبار لما يقومون به. هؤلاء الرجال المرابطون في المسجد الأقصى هم والله يمثلون الصمود والجهاد، هم عنوان للدفاع عن مقدسات الأمة والدفاع عن كرامة الأمة وهويتها وعزتها. تراهم يتلقون هذا العدو الغاشم بصدور عارية أو بأيدٍ ليس فيها شيء، وهؤلاء مدججون بالسلاح. الواحد منهم كأنه لا يخشى الموت، يقدم على السلاح وهو يراه. قد رأيت مشهداً عجيباً وهو أن شاباً يقفز من فوق مكان مرتفع على مجموعة من الجنود. الذي يقول تأخرت واستبقيت الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدمها ولا الناس. حقيقة ينبغي أن ترفع القبعة لهم، نرفع العقال لهم كما يقولون، ولا نخذلهم ولا نتردد في نصرتهم، هم ضربوا أروع الأمثلة، اختبروا وامتحنوا ودخلوا الكثير فخرجوا ذهباً أحمر.
حالهم كحال من يقول فيهم الشاعر: لهم خلائق بيض لا يغيرها صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب. والآخر يقول: فإن تكن الأيام فينا تبدلت بنعمة وبؤساء والحوادث تفعل، فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للذي ليس يجمل. كم من المتخاذلين عنهم؛ هم يجاهدون في سبيل الله مع قلة الناصرين وتخاذل المتخاذلين ومكر الماكرين، ومع ذلك ما زالوا صامدين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجازيهم عنا وعن جميع المسلمين خير الجزاء، فهم الصخرة المنيعة والحصن الحصين الذي حفظ الله به المسجد الأقصى. الذي أتوجه به لنفسي ولإخواني وللأمة الإسلامية، الشعوب الإسلامية، للحكومات، أن نقف معهم في هذه المحنة. الحكومات لا ينبغي أن تقصر، ينبغي عليها أن تقوم بكل الوسائل المتاحة التي تدعم وتنصر بها إخواننا المجاهدين في سبيل الله في فلسطين، فإنه الجهاد الحقيقي. وهكذا الشعوب، ينبغي عليها أن تناصرهم بقدر ما تستطيع؛ ولا أقل من نصرتهم بالمال ونصرتهم بالكلام ونصرتهم بالدعاء، ورفع الأيدي في هذه الليالي المباركة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصرهم نصراً مؤزراً، وأن يجازيهم عنا خير الجزاء. هذا ما يسعني أن أقوله فيما يتعلق بهذه المحنة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصرهم عاجلاً غير آجل.
بالأمس الحمد لله هناك كانت حملة كفل فيها القطر 400 أسرة من فلسطين وأيضاً 700 يتيم، وما شاء الله حكومة وشعباً دائماً يدعمون هذا الشعب المناضل. شيخنا الآن ندخل في حلقة اليوم، كيف للأئمة أن يستنبطوا بعض الأحكام بدقة من النصوص التي تأتي من القرآن والسنة؟
بالنسبة لاستنباطات الأئمة، تعلم أننا تكلمنا في هذه الحلقات الماضية وما دخلنا في الاستدلالات بعمق، أحياناً نشير إلى بعض الأدلة لكن بعض المسائل التي تعرضنا لها بشكل سريع لو عرضنا استدلالات الأئمة وكيف اختلافهم فيها وما أدلة هذا الفريق وما أدلة هذا بالتفصيل، لعلم الناس أن هؤلاء الأئمة لم يذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من فراغ. فالأئمة رضي الله عنهم هم امتداد لفقه الصحابة وفقه التابعين، الأئمة الأربعة بالذات، وهكذا من قبلهم ومن بعدهم من الأئمة. والعجيب أننا نجدهم يبذلون الوسع؛ بعضهم ينام الليل وهو يتقلب على فراشه يفكر في حديث واحد إلى الصباح ليستنبط منه الأحكام.
على سبيل المثال، ابن القاص الشافعي أورد حديثاً، هذا الحديث أحكامه قليلة وهو حديث أنس بن مالك، يقول كان لي أخ صغير يقال له أبو عمير، وكان يلعب بعصفور، والعصفور يسمى النغير طائر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيهم ويباسطهم ويضاحكهم وينبسط إليهم فيقول: «ما فعل النغير يا أبا عمير؟». فالناس الآخرون الذين يطعنون على أهل الإسلام وعلى المحدثين يقولون: أنتم يا أهل الإسلام تروون أشياء عن نبيكم لا فائدة ولا معنى لها، إيش تستفيد من فعل النغير يا أبا عمير؟ فهذا العالم ابن القاص أورد في هذا الحديث 60 حكماً، 60 فائدة. ويقال إن أحد العلماء كان يفكر على فراشه حتى الفجر وأخرج من هذا الحديث ما يقرب من 70 مثلاً. البخاري بوب عليه بابين، باب في المداعبة والانبساط إليهم، وبعض آخر في كنية الصغير، أن الصغير يكنى؛ لأن كان يقول له يا أبا عمير طفل صغير فكناه، فجواز التكنية. ومن الأحكام التي أوردوها بهذا الحديث أحكام كثيرة، منها أن حرم المدينة ليس كحرم مكة؛ لأن حرم مكة لا يجوز اللعب بالعصافير ولا بالصيد، بخلاف حرم المدينة؛ فهذا النغير صيد ولا يقول شيء، فهناك أحكام. وهذا من دقة الأئمة ومن تفكرهم.
حتى ابن العربي رحمه الله، صاحب أحكام القرآن، وهو كتاب عظيم جداً في تفسير القرآن، تفسير الأحكام، ذكر عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] إلى آخر الآية، هي آية الوضوء أو آية التيمم، ذكر أن بعض العلماء استخرج منها ألف حكم. تخيل آية واحدة يستخرج العلماء منها ألف حكم! قال: واجتمع أصحابنا، يقول بلغنا أن أحد العلماء استخرج منها ألف حكم، قال فاجتمع أصحابنا في مدينة السلام بغداد -كانت تسمى مدينة السلام ولا زالت إن شاء الله مدينة السلام- فاجتمع أصحابنا، وكانت مكة الفقه هي والكوفة والبصرة، قال فأرادوا أن يخرجوا هذه الأحكام الألف، فبلغوا 800 حكم من هذه الآية.
وهكذا الأئمة كانوا يستنبطون استنباطات عجيبة. مثلاً عندنا في الحج، لو أردنا أن نتكلم عن فقط الآيات ليست الأحاديث، الأحاديث كثيرة جداً، لكن الآيات في الحج التي وردت في القرآن، أصل الآيات عندنا آية في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، وعندنا بعدها أربع آيات متوالية من قول الله تبارك وتعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197] من قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] إلى آخر الآيات تقريباً خمس أو أربع آيات. وعندنا أيضاً في الحج تقريباً سورة الحج ست آيات من قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]، يستشهدون ويستدلون بهذه الآيات على أدلة عجيبة وكثيرة، وهي لغة لاحظها، مجرد آية واحدة ربما إذا نظرت إليها تقول ما فيها شيء من الأحكام إلا حكم واحد مثلاً، وهم يستنبطون منها أحكاماً عديدة. وهكذا آية ثانية في سورة المائدة وآية في سورة آل عمران؛ تقريباً هذا مجمل الآيات الموجودة فيما يتعلق بالحج.
فلو أردنا نحن في هذه الحلقة أن نبدأ بشيء من هذه الآيات، مثلاً أول آية في البقرة تتكلم عن هذا الموضوع هي: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، عندنا فيها أسئلة، لكن نترك الأسئلة، لكن نتكلم في الآية التي بعدها ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، هي آية طويلة في الحقيقة، سأحاول أني مع كل جملة من الآية أني أستنبط منها وأبين ما استنبطه العلماء من الأحكام فيها.
السؤال طرحناه في تويتر كان يقول: أي الآيتين تدل على وجوب إكمال الحج بعد الشروع فيه؟ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أم ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؟ 43% كلهم صحيح، كل المصوتين أجابوا بشكل صحيح. الأولى هي التي سنتحدث عنها إن شاء الله، هي واضحة، أتموا الحج معناها إذا دخلتم فيه، ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فهي تدل على فرضية إتمام الحج بعد الشروع فيه. الآية الثانية وهي ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، فكيف يفرض الحج بالدخول فيه؟ إذا دخل فيه كأنه فرضه على نفسه، مما يدل على أنه إذا دخل فيه صار واجباً ولو كان تطوعاً. فالاية الأولى والآية الثانية كلاهما يدل على أن الحج بالشروع فيه يصبح واجباً ولو كان تطوعاً، فلا يجوز له أن يتركه.
بخلاف ما عداها من القربات؛ الصلاة تطوع يمكن الإنسان يترك التطوع، إذا أقيمت الصلاة على صلاتها إلا المكتوبة، تترك النافلة وتدخل في الصلاة، ويمكن أن يترك النافلة سواء كان صلاة أو صياماً أو حتى صدقة؛ شخص أخذ نقوداً أراد أن يتصدق ثم تراجع، لا إشكال في ذلك. بينما الشروع في الحج ليس كالشروع في الصلاة، في الصيام، ولا كالشروع في الصدقة، الشروع فيه يوجبه بدليل هاتين الآيتين. الذين قالوا الآية الأولى هي أصرح الآيات، الذين قالوا الآية الثانية أيضاً كلامهم صحيح؛ لأن الآيتين تدلان على هذا المعنى.
بالنسبة للآية الأولى وهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، أولاً هذه اللفظة "وأتموا" تدل على وجوب الحج والعمرة بشرع فيهما، هذا اللي ذكرنا إذا شرعتم. الأمر الثاني، تدل هذه الآية على أن الإفراد أفضل من التمتع من القرآن؛ لأن الآية دلالتها صريحة، لأنه قدم الإفراد فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، والحج معناه المفرد؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، وهذا هو قول المالكية، وقد تركه الحنابلة والحنفية لسبب آخر، واضح أن الآية تدل على فضيلة الإفراد. لكنهم فضلوا الحنابلة التمتع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به أصحابه فكان من حج أحلاً إحرامه وصار متمتعاً، فقالوا يدل على أفضليته. وأما الحنفية فقالوا بأولوية القرآن لسبب خارج وهو أن النبي كان قارناً، هذا قالوا لو كان الإفراد أفضل لما اختار له القرآن، فإنه كان مفرداً فجاءه جبريل وقال: «قل عمرة في حجة»، دل على أن هذا أفضل؛ فلكل منهم ملحظ.
الأمر الثاني قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، هذا اللفظ "أتموا" وبعده ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ يدل على أن الأنساك الثلاثة جائزة، الإفراد والتمتع والقرآن، بمعنى أنها مشروعة وأنها مقبولة وأنها جائزة؛ أن يختار أي مسلم أي نوع منها؛ لأن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ فبدأ بالحج، فهذا مشروع بمعنى جائز مفردين، ثم قال ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾، فدل على جواز التمتع بقسمه، التمتع الذي فيه إحلال والتمتع الذي فيه قرآن؛ لأن التمتع يطلق على القرآن وعلى التمتع المعروف. فهذه الآية دلت على جواز الأنساك الثلاثة. وبالتالي قول ابن حزم ومن تبعه من المعاصرين؛ ابن حزم ماذا يقول؟ لا يجوز الإفراد لأن النبي قال في مكة: «أحلوا عمرتكم»، وأمر أصحابه وغضب عليهم لما ترددوا، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»، فدل يقول ابن حزم على أن الإفراد لا يجوز؛ وهكذا تبعه الشيخ ناصر الدين الألباني وبعض المعاصرين الشباب، وكانوا يتشددون في المسألة. والآية أصرح ما يكون ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾، والقرآن فكيف نقول بأن هذه الآية لا يجوز؟
إضافة إلى أشياء أخرى عند الجمهور وهي أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كلهم أفردوا؛ كلهم حجوا مفردين. فهل كان هؤلاء لا يعلمون بعدم وجود جواز الإفراد؟ وهل من استنبط من ذلك الحديث أن الإفراد لا يجوز أعلم من هؤلاء مع وجود الآية وصلاحيتها إلى غير ذلك من الأدلة؟ الشاهد أن الآية دلت على أمور: دلت على وجوب الاستمرار في الحج بالشروع فيه، ودلت على أن الإفراد أفضل، ودلت على جواز الأنساك الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].
دلت على شيء عند الحنفية عجيب باستدلال عجيب، يقولون القارن عليه سعيان وطوافان كما أن المتمتع عليه سعيان وطوافان. أنت الذي تعرفه أن المفرد عليه سعي واحد وطواف واحد؛ يطوف طواف القدوم ويسعى، ثم ليس عليه سعي بعد ذلك إلا طواف الإفاضة، فعليه طوافان طواف القدوم وطواف الإفاضة وعليه سعي واحد، هذا المفرد. والقارن قلنا إنه مثل المفرد لأنه دخلت عمرته في حجه، إنما الفرق النية أنه عمرة واحدة، وأما المتمتع فإنه يحل يبدأ بالعمرة فيكون عليه طواف وسعي، ثم يحج فيكون عليه طواف وسعي، إذاً عليه طوافان وعليه سعي. الحنفية يقولون بأن القارن أيضاً عليه طوافان وسعي لعمرته.
قالوا هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وإنما استثناء التمتع فمن تمتع بالعمرة. وقالوا الإتمام لا شيء، قالوا الإتمام يوجب علينا أن نأتي بعمرة ونأتي بحج، والتمتع قسمان: التمتع المعروف وتمتع القران، ونحن نقول القارن مثل المتمتع ليس مثل المفرد، وإنما الفرق بينهما أن هذا يحل وهذا لا يحل. إذاً عند الجمهور وهذا دليل جيد لكن الجمهور تملص منه بأحاديث، فقالوا الآية محتملة والمقصود بإتمام الحج والعمرة هو الحج المنفرد بنفسه والعمرة المنفردة، هذه التي إتمامها مقصود بإكمال لها إذا شرعت فيها.
أيضاً من أدلة العلماء على الإتمام على أن الإفراد أفضل، هذه الآية يقولون الدليل على فضيلة الإفراد أن عمر يقول: من إتمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وهكذا قال علي وغيرهم. ما معنى من دويرة أهلك؟ يعني من مكانك، فإذا كنت من أهل المدينة تحرم من مكانك، إذا كنت من، طبعاً من العلماء من يقول دويرة أهلك معناها من الجهة التي أنت تأتي منها فمن ميقاتك. وبالتالي المتمتع والقارن يحرمون من مكة ليس من دويرة أهلك بخلاف الحاج المفرد فإنه يحرم من دويرته، وهكذا الذي يأتي بعمرة فإنه هذا اللفظة الأولى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
أيضاً مما استدلوا به هذه ليست آية، هذه جملة واحدة، الجملة الأولى من الأدلة التي فيها أن الحج على التراخي، وعندنا مشهد أظن في هذا الموضوع، شو رأيك نأخذ الشرح والمشهد بعد الفاصل إن شاء الله؟ إن شاء الله فاصل أعزائي المشاهدين ونواصل مع فضيلة الشيخ الدكتور سعيد الداوي المريض استنباطاته من استنباط العلماء إن شاء الله من آية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
(مشهد درامي): أبو محمد: عندي موضوع شاغل بالي وايد أفكر فيه. عسى ما شر، إيش صاير خبرنا؟ أنتم تعرفون يا جماعة أنا من زمان أنتظر موافقة إني أروح الحج، والسنة هذه الحمد لله جاتني الموافقة. اصبر اصبر، هاي والله اليوم أخبار غير طبيعية. خليني أكمل يا ولد الحلال، عندي ولدي يبي يتزوج زين، وحددوا وقت العرس اللي هو 9 يوليو اللي يصادف يوم التروية، عرفت شلون؟ وأنا بصراحة محتار وما أعرف شو أسوي. المشكلة الثانية، يا يبه هو الحين مستطيع والله سبحانه وتعالى يقول ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، شلون مستطيع ووراه مصاريف عرس ولده؟ تبيه يخلي ولده بروحه بالعرس؟ لا يروح يوقف مع ولده، والحج إن ما كانت السنة ولا اللي بعدها ولا اللي بعدها، والله هو غفور رحيم. هاي المحيرني بصراحة، ومحتار ودي أكون مع ولدي وفي نفس الوقت أخاف يطوف علي الحج وما أقدر أحج السنة الجاية. لا تحتار ولا شيء، وقف مع ولدك في العرس أحسن لك، والحج أجله السنة الجاية ولا اللي بعدها، متى ما استطعت الله غفور رحيم ما عليك من السوالف، اسمع، الحج فرض عليك وهو الركن الخامس، يعني الله بيحاسبك عليه، أما الزواج فهو مكملات بس، الله لا راح يحاسبك ولا شيء، حضرت ما حضرت ترى عادي. والله بصراحة كلامك قوي وفعلاً بتوكل على رب العالمين وبحج، لأن الواحد ما يضمن عمره.
أهلاً ومرحباً بكم أيها الأحبة، الراي الدارج عند الناس يعني لما ﴿اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، الشيء الطبيعي الحين عرس ولده بيروح يترك عرس ولده ويروح يحج، الراي الثاني يقول لا لازم تحج، هل في كلام آخر غير عن الشيء اللي إحنا نعرفه؟ في اختلاف؛ هل الحج على الفور أو على التراخي؟ إيش معنى على الفور؟ يعني متى ما استطعت عليك أن تذهب على طول مباشرة، أو أنه على التراخي يعني في مدة يمكن أن تقدر أنك تستطيع الحج فيها. وفي الآية التي تكلمنا فيها ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ من ضمن احتجاجاتهم بهذه الآية الاحتجاج على أن الحج على التراخي.
المالكية والشافعية في قولهم بأن الحج على التراخي، لماذا؟ كيف يقولون؟ الله سبحانه وتعالى أوجب في هذه الآية الحج بقوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾، فإنه لا يكون إتمام شيء إلا ويكون واجباً قبل ذلك، يعني إيجاب الشيء بالإتمام فيه لا بد أن يكون سبقه. وقد جاء حديث وكان في السنة السادسة وذكر الحج فيها، فيقولون إذا كان الحج قد وجب بهذه الآية في السنة السادسة أو في الخامسة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في سنة 10، وقد كان عليه الصلاة والسلام ذهب إلى فتح مكة، وذهب إلى حنين وغنم غنائم كثيرة، واعتمر من الجعرانة في ذي القعدة وهي قريبة من الحج في ذي القعدة، ثم رجع إلى المدينة ولم يحج، ما حج إلا في سنة 10، وقد خلف عتاب بن أسيد على مكة لما فتحها يحج بالناس، وأرسل أبو بكر الصديق في السنة التاسعة يحج بالناس، ولم يحج عليه الصلاة والسلام لا هو ولا أكثر أصحابه، مما يدل على أن الحج على التراخي.
الحنابلة ومعهم الحنفية يقولون هذه الآية لا تدل على وجوب الحج، وإنما تدل على إتمام ما بدأت فيه وجوب إتمام ما بدأت فيه، وأما الآية الدالة على وجوب الحج فهي قوله تبارك وتعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم تلك السنة، وإنما أمر أبا بكر أن يحج بالناس؛ لأنه كان يحج أناس مشركون وكانت يحج عراة، ولذلك ذهب ينادي فيهم: لا يحجن بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، هكذا قال هؤلاء القوم في احتجاجهم. أيضاً من الأدلة أو هذا قد يأتينا سؤال فيه أن قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ يوجب أن تكمل الحج ولو كان فاسداً، هل سيأتينا إن شاء الله في سؤال آخر؟ السؤال عندك شيء الحين ولا نكمل شرح الآية؟ الآية فيها استنباطات كثيرة.
الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]. هذه الآية تدل على جواز التطوع بالسعي أكثر من مرة؟ لا، جواز التطوع بالحج والعمرة هذه بالإجماع أن الجائز جواز التطوع بالحج والعمرة، أما التطوع بالسعي فلا يجوز بالإجماع؛ يعني لا يجوز لشخص أن يلبس ثيابه بعد عمرته كما يتطوع بالطواف، لا يجوز له أن يذهب ليتطوع للسعي، حتى لو طاف يعني السعي لا يكون إلا في حج أو عمرة، يعني إما أن يكون قد يكون بإحرام وقد يكون بدون الإحرام، من دون الإحرام مثل في الإفاضة، أنت حللت إحرامك ورحت للإفاضة وباقي عليك سعي، لكنه هو سعي واجب، سعي للحج أو سعي للعمرة، وليس تطوعاً. ولا يتطوع بالسعي أيضاً، إنما يتطوع بالطواف.
عندنا حديث في نفس الآية هذه يا شيخنا عن عروة بن الزبير رضي الله عنه، قال قلت لعائشة: ما أرى علي جناحاً أن لا أطوف بين الصفا والمروة، قالت: لماذا؟ قلت: لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ...﴾ الآية، فقالت: لو كان كما تقول لكان «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»، فلا لعمرى ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. متفق عليه. هذا الحديث مشهور. والآية أيضاً هي محل خلاف بين العلماء: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، هل السعي واجب أو فرض أو أنه ليس بواجب ولا فرض وإنما سنة؟ الآية ظاهرها أنه يفهم منها أنه لا جناح على من تطوع، ورفع الجناح معناها أنه مباح أو أنه مستحب وليس فيه دليل على الفرضية، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، لم يوجبها.
هنا اختلف العلماء، فمن العلماء حتى من الصحابة ولكن ليس من المذاهب الأربعة، من الصحابة وغير الصحابة، يعني ابن مسعود ذكر عنه ذلك وكعب بن عجرة وابن عباس وغير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم قالوا آية الطواف بين الصفا والمروة تطوع، مع أنهم لا يتركونه، ما معنى تطوع؟ لو تركه الإنسان ليس عليه الجناح. لكن أهل المذاهب الأربعة ذهبوا إلى أحد رأيين: إما أنه ركن، وهذا قول الجمهور، وإما أنه واجب يجبر بدم، هذا قول الحنفية ورواية عن الإمام أحمد. طيب ما دليلكم؟ قالوا أولاً ﴿مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وشعائر الله إنما تقال في الشيء العظيم الذي لا يمكن أن يكون مجرد استحباب. الأمر الثاني عندنا دليل من الخارج ليس من الآية، لو لم يكن إلا هذه الآية لما وجب السعي، ولكن عندنا حديث، عندنا حديث أبي موسى في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أحسنت، لما قال أهل الرسول عليه الصلاة والسلام قال: أحسنت، فطف بالبيت واسعَ بين الصفا والمروة ثم أحل، وأيضاً قال في حديث ابن بنت أبي تجراة لما قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسعى وإن إزاره لا يرتفع من شدة سعيه وهو يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي»، فقوله «كتب عليكم السعي»، الكتابة ما معناها؟ الوجوب.
لكن الحنفية ذهبوا إلى مجرد الوجوب دون الركنية، قالوا لأنه هناك صحابة آخرون قالوا بالتطوع، والآية تقول لا جناح، فأنا آخذ بين هذا وبين الركنية وبين السنية، وهو رواية عن الإمام أحمد. وأما الجمهور فيقولون كما قالت عائشة، يعني عائشة ليست هي وحدها معها بعض الصحابة، وقالت التطوع بعكس الصحابة الآخرين، عائشة تقول: «ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة». هذا بالنسبة ما يتعلق بالآية، وفي أحكام أخرى لكن أنا أريد أن أخصص هذه الأحكام للآية التي بدأنا بها ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، إذا أردت نكمل منها. وقت عندنا تقريباً نقول أربع دقائق حتى بعدين نأتي للأسئلة.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. أحصرتم هنا إحصار بالعدو عند قول عند الجمهور، إيش دليلكم يا جمهور؟ قالوا لأن هذه الآية نزلت في الحديبية عندما حُصر النبي عن مكة، والذي حصر هو عدو، فهذه الإحصار بالعدو. والدليل على أنهم بالعدو أنه قال في آخرها ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾، فمن تمتع... فإذا أمنتم، والأمن إنما يكون من الخوف أو من العدو، وبالتالي أحصرتم هنا الإحصار فقط إحصار عدو، فقال الصحابة: لا إحصار إلا من عدو. بينما ذهب الحنفية إلى أن الإحصار يكون أيضاً من المرض، وقالوا أحصرتم نفسه، هذا رباعي والرباعي هو حقيقة في المرض، مجاز في العدو، فينبغي أن نقول بالحقيقة أولاً، وأما فإذا أمنتم فيحتمل وإذا خفتم وإذا برئتم، وإنما نص على أحدهما، هكذا ذكر هؤلاء.
قال ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، أيضاً يجب على المحصر إذا أراد الإحلال أن يدفع هدياً، لذلك قال ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وقال له شاة، وهذا مذهب الجمهور. أما المالكية فقالوا: لا يجب على المحصر لإحلاله الهدي، والآية صريحة في وجوب الهدي نعم. ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، أيضاً لا تحلقوا رؤوسكم، هذا فيه دلالات من ضمن الدلالات أن حلق الرأس من محظورات الإحرام، فقال ﴿لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ مادام أنكم، ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، الأمر الثاني أن الحلق يكون بعد الهدي، ﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فقالوا تهدي إذا كنت محصراً ثم تحلق، وهكذا في الحج، وإن كان الجمهور يقولون بأن تقديم شيء منها على الآخر لا إشكال فيه. أنا سأستعجل شوي، ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ... وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ... فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾، هنا فدية الأذى مخير فيها الذي يقع في.
المحظور بين ثلاثة أشياء، ففدية من صيام أو صدقة، تختار بينها. بينما هدي التمتع كما سيأتي: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]. ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
فمن تمتع بالعمرة فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، هذه بالنسبة لهذه التمتع، فإن عجز عنه ينتقل بعد ذلك إلى الصيام. أما في فدية الأذى والمحظورات؛ كحلق الرأس وتقليم الأظافر والتطيب، ففيها مخيرة بين ثلاثة أشياء، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك.
إذا كنا نأتي لبعض المسائل في موضوعنا الذي ذكرها شيخنا هنا. السؤال الأول: أذن الزوج أو الأب لها في التطوع بالعمرة فأحرمت، ثم أمرها بالتحلل، فما الحكم؟ يجوز لأنها عمرة تطوع، ولا يجوز لآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. الصواب الثاني: لا يجوز لأنهم أذنوا، فلما أحرمت صار الحج واجباً عليها، فلا يجوز أن تتحلل، لا تكون محصرة حتى العمرة، ما دام باشرت الإحرام، المرأة أو للشاب إذا كان أبوه الذي سامح له، لا يجوز له إطاعته سبحان الله، لأنه أذن وشرع هو وسار، والآية تقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فينبغي عليه إتمامه، مما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، أحد الأمرين التاليين: وجوب العمرة، وجوب المضي في فاسد النسك.
وجوب المضي في فاسد الحج: الشخص نفسه، فالعمرة تفسد والحج بشيء واحد هو الجماع، فهذا يفسد الحج ويفسد العمرة. يفسد الحج إذا كان قبل التحلل الأول، قبل أن يرمي الجمرة، قبل أن يفعل شيئاً من الثلاثة التي هي طواف الإفاضة ورمي الجمرة وحلق الرأس، إذا فعل وأتى امرأته قبل هذه الثلاثة، قبل أي شيء منها فهذا فسد حجه. طيب ما عليه إذا فسد حجه؟ عليه أن يمضي في فاسد الحج، يستمر ويحج من قابل. ما الدليل على الاستمرار فيه؟ قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وما الدليل على أنه يجب عليه الحج من قابل؟ نفس الآية؛ لأنه أفسد الحج وينبغي عليه إتمامه صحيحاً، فيأتي من قابل، وهكذا أفتى الصحابة، وأيضاً في نفس الآية مما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، أحد الأمرين التاليين: أن وجوب الحج على التراخي، أن الإفراد أفضل. المسلك الثاني هو الدليل، مع أن التراخي استدل به ناس لكن هو دليل محتمل في المعارضة، أما الإفراد فواضح أن الآية تدل على أن الإفراد أفضل ولا يخرج عنها إلا بدليل آخر كما فعل غير المالكية.
وهنا مسألة أخرى أيضاً، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ إلى نهاية الآية، يدل على أن المقصود هنا حصر العدو لا حصر المرض، حصر العدو. ذكرنا هذا لأنه قال: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾، يكونون العدو، الآية صريحة في حصر العدو، لكن الذي يريد أن يدخل فيها حصر المرض يدخله قياساً أو بحديث آخر، وهو حديث: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج»، وإن كنا بينا الإشكالات في الحديث وكذلك في الاستدلال بالآية.
نعم، وأيضاً مسألة أخرى: قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ يدل على وجوب الهدي على المحصر، لأنه قال: ﴿فَإِذَا أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، يعني يحل لكم الإحلال إذا ذبحتم شيئاً من الهدي.
أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، هل يدل على أن من اعتمر ثم رجع إلى بلده لحجه ثم حج، أنه متمتع، صح أم خطأ؟ من استنباطات الأئمة من هذه الآية أن من رجع إلى بلده بعد عمرته لا يعتبر متمتعاً، لأنه قال: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، يعني من استمتع بسفرة واحدة من العمرة إلى الحج، فلما رجع وسافر مرة أخرى دل على أنه ألغى التمتع، فلا دم عليه، فلا يكون متمتعاً، يكون مفرداً، إذاً خطأ.
ليلة ٢٩، أولاً هذه الليلة من ليالي الأوتار، وهي آخر ليلة وترية في شهر رمضان، واحتمال أن تكون ليلة القدر احتمال كبير، وما أريد أن أقول لكم شيئاً ربما يكون أصحابه الرؤى، تعلم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لقد سكن في العشر»، يعني هناك عدد من الرؤى تدل على أن هذه الليلة ليلة القدر، لكن علينا أن نجتهد في هذه الليلة، هي آخر الوترية. وهناك علامات وهناك أشياء من الاستنباطات، هذه الليلة الوترية هي ليلة الثلاثاء، نحن اليوم الاثنين، والنبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه القرآن يوم الاثنين، ليلة الاثنين وهي الليلة التالية، لأنه الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خير يوم ولدت فيه يوم الاثنين»، علي أنزل فيه، فأنزل في ليلته التي بعده لا التي قبلها، وهي ليلة الثلاثاء، فهذا مما يمكن أن يرجح أن الليلة أيضاً ليلة القدر.
اجتهدوا، ادعوا لنا، ما تنسونا في الدعاء إن شاء الله، فاستبقوا الخيرات بالقيام، وادعوا لإخواننا في فلسطين ولجميع المسلمين، بالقيام، بقراءة القرآن، بالصدقة، الأولى القيام والدعاء، نشكر فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بديوي المري، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، والسلام عليكم ورحمة الله.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].
د. سعيد المري