دخولتسجيل الدخول

الحلقة 30

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

فقد تكلمت في الحلقات الماضية عن كثير من مسائل النوازل، وبقيت مسائل في أبواب متفرقة، سأحاول أن آتي على المهم منها بإذن الله سبحانه وتعالى.

المسألة الأولى: مسألة التمثيل. هذه المسألة من المسائل الحادثة، وقد اختلف أهل العلم المعاصرين فيها على قولين: القول الأول التحريم، وعليه جماعة من أهل العلم؛ وذلك لأنه كذب، ولأنه لا ينفك عن أفعال محرمة كاختلاف الرجال بالنساء، وظهور النساء متبرجات ونحو ذلك من الأفعال المحرمة.

القول الثاني القول بالجواز، وذلك إذا خلا من المحاذير الشرعية كالآفات المنحرفة والتبرج ونحو ذلك من الأمور الرائجة في عالم التمثيل، وهذا القول في الحقيقة هو الأظهر عند كثير من العلماء؛ فإن التمثيل مجرد وسيلة من الوسائل لها حكم المقصد الذي تستعمل فيه، والوسائل لها حكم المقاصد كما يقال. فإن استعملت في مقصد سام كتعليم المبادئ والأخلاق أو العلم مع التحرز من المحاذير كان ذلك جائزًا، وإن استعمل في مقصد محرم كنشر الرذيلة أو الأفكار المنحرفة كان ذلك محرمًا.

وأما الاستدلال بكونه كذبًا على حرمته، فاستدلال بعيد غريب ولا وجه له فيما أحسب؛ لأن التمثيل اسمه مجرد تمثيل، لا يقصد منه الكذب، وإنما يقصد منه إيصال معنى معين بطريقة التمثيل، وهذا يقع كثيرًا حتى في التعليم بالأمثلة.

ويحضرني الآن في هذا الصدد نقاش حصل بيني وبين أحد الأصدقاء والزملاء الفضلاء من أهل الفقه أيام الدراسة، كان هو يدرس الفقه وكنت أنا أدرس الحديث، وكان بيننا بعض المزاح المتعلق بالتخصص؛ فهو مرة يمدح الفقهاء ومرة يمدح المحدثين، وكلنا ينافس الآخر في تخصصه. ومرة من المرات أخذ يتباهى بمعرفة الفقهاء وأنهم الملجأ والمفزع للناس لكونهم الأطباء، والمحدثون الصيادلة، وهي عبارة مشهورة معروفة، وأنا أرد عليه بمثلها وأذكر بعض الأبيات، مثل قول الشاعر:

ألا الوحي حمل خفيف والحديث له صدعٌ .. وجذبٌ لقلب المغش العاتي والفقه قحا تقسي القلب كثرته وتلك كفي .. في القلب من أدهى الملمات

المهم أذكر له أنه المحدثون لا يستغني عنهم الفقهاء ونحو هذا الكلام، ثم أراد أن يحرجني فسألني عن حكم التمثيل، وهذا هو الشاهد؛ فقال لي: ما حكم التمثيل مع اشتماله للكذب أو على الكذب؟ فقلت له: ما رأي الفقهاء؟ -وأنا أقصد - فقال: لا بأس به. فقلت: ما دليلك؟ فقال: لأن التمثيل الجيد فيه مصلحة وهي تفوق ما فيه من المفسدة وهي وسيلة. فقلت له: هذا الدليل محل نقاش، لكني سآتيك بدليل لا تستطيع رده، فقال: هات.

وفي الحقيقة لم يسبق لي -يعلم الله- التفكير في مثل هذا الموضوع قبل ذلك اليوم، فقلت له: حديث أبي هريرة في الصحيحين عن الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى، حين بعث الله إليهم ملكًا فمسح عليهم، والحديث مشهور وشفاهم الله وأعطى كل واحد منهم ما تمناه من النعم؛ هذا إبل وهذا بقر وهذا غنم. ثم إن الملك الذي أرسله الله أتى كل واحد منهم في صورته السابقة؛ فأتى الأقرع في صورة أقرع، وأتى الأبرص في صورة أبرص، وأتى الأعمى في صورة أعمى. والشاهد أن الملك تمثل في صورة غير صورته الحقيقية من باب الاختبار أو إيصال المعنى المراد، وهذا هو عين التمثيل، ولا شك أن الملك والملائكة إنما تفعل ما أمرها الله به، كما قال تبارك وتعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. فعند ذلك تعجب صاحبي وأقر بأن الفوز اليوم لأهل الحديث.

المسألة الثانية: تمثيل الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم. هذه المسألة فرع عن المسألة التي قبلها؛ وهي هل إذا قلنا بجواز التمثيل يجوز تمثيل الأنبياء والصحابة؟ والذي عليه عامة علماء العصر والمجامع الفقهية أنه لا يجوز تمثيل شخصيات الأنبياء ولا شخصيات الصحابة، ومن العلماء من قصر التحريم بالنسبة للصحابة على تمثيل شخصيات كبار الصحابة كالخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين. وقد احتج العلماء بالأدلة الموجبة لتعظيم الأنبياء ولتعظيم الصحابة رضي الله عنهم، وأن من عدم تعظيمهم أن يقوم بمحاكاة أفعالهم ومواقفهم من ليس مثلهم؛ لأن الممثل ليس كالصحابة وليس كالنبي.

المسألة الثالثة: مسألة التصوير بالصوير الفوتوغرافي أو بالفيديو ونحو ذلك. هذه المسألة أيضًا من المسائل التي وضعت تحت البحث واختلف فيها المعاصرون في بداية الأمر، وكان اختلافهم على قولين: القول الأول التحريم، وذلك للأدلة الكثيرة في حرمة التصوير وعقوبة فاعله، ومنها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، ومنها حديث عائشة في الصحيحين أيضًا؛ قالت: قدم النبي ﷺ وقد سترت سَهوة لي بقرام، والسهوة هي الكوة مثل النافذة أو الكوة في الجدار، أسترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، أي فيه صور، فالقرام هو الساتر، فلما رآه النبي ﷺ هتكه وقال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله». هذا هو القول الأول، وهذه هي أدلتهم على التصوير الذي هو التماثيل.

القول الثاني قالوا بالجواز، وذلك لأن التصوير الفوتوغرافي والتصوير بالفيديو ليس هو المراد بهذه الأحاديث التي فيها النهي عن التصوير، وإنما التصوير المنهي عنه ذاك الذي يعمله الإنسان بيده من تماثيل ورسم يضاهي به خلق الله سبحانه وتعالى، وأما التصوير الفوتوغرافي والفيديو فهو مجرد مرآة تمكن العلم الحديث من الإبقاء عليها ومن جعل الناس يرونها، ولذلك إذا رأى الناس صورة فوتوغرافية لمنظر جميل مما خلقه الله سبحانه وتعالى قالوا: سبحان الخالق، ولم ينسبوا تلك الصور أو ما في الصورة من مخلوقات إلى المصور. وعلى العموم القول بالتحريم قول قديم مرجوح، ولا أدري هل بقي عليه أحد من الناس اليوم أم لا. وفي هذه المسائل التي قبلها يقول الناظم: والخلف في التمثيل عنهم آتٍ .. وهكذا التصوير بالآلات ومنعوا تمثيل الأنبياء .. وصحب النبي الأتقياء

المسألة الرابعة: مسألة المؤثرات الصوتية. هذه المسألة من المسائل الجديدة، وهي أن هناك مؤثرات صوتية تكون أحيانًا كالموسيقى لكنها ليست موسيقى، فهل تأخذ حكمها؟ في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، منهم من يراها كالمعاملة، وفي هذا يقول الناظم: «مؤثرات الصوت كالمعادن».

المسألة الخامسة: حكم الملاكمة. وهذه من الرياضة كما يقول الناس في هذه الأيام، هذه المسألة عن الملاكمة وما يشبهها، كالمصارعة الحرة مثلاً التي أصبحت تمارس اليوم في حلبات الرياضة على أنها رياضة، والحقيقة أنها ممارسة محرمة في الشريعة الإسلامية؛ لأنها تقوم في الأساس على استباحة إيذاء كل من المتغالي للآخر إيذاءً بالغًا في جسده، قد يصل إلى العمى، وقد يصل إلى الكسر أو الكسور، وقد يصل إلى الموت، مع أن الضارب ليس مسؤولًا في نظر...

القانون عن ذلك الفعل، والعجيب أن الجمهور يفرحون ويؤيدون المنتصر ويبتهجون بما حصل للآخر من الأذى، وهذا في الحقيقة عمل مشين محرم. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]. ويقول النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار».

ولذلك فإن هذه الرياضة وأمثالها من الرياضات، أو ما يسمى رياضة على هذا النحو المتعارف عليه، لا تجوز شرعًا، ولا يجوز تسميتها رياضة أصلًا؛ لأن الرياضة قائمة على التمرين دون الإيذاء. ولذلك لو كانت هذه الملاكمة ونحوها من الوسائل تستخدم من باب التمرين دون محاولة الإيذاء، وذلك من أجل الدفاع عن النفس ونحو ذلك من الأغراض الصحيحة، فهذا لا إشكال فيه. وكذا إذا جعل المنظمون لها بعض القواعد والقوانين التي لا يكون فيها إلحاق ضرر بالآخرين، بهذه الطريقة تكون رياضة مستساغة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المسألة السادسة: مسألة مصارعة الثيران، وهي هذه المسألة معتادة في بعض بلاد العالم، وفيها يقتل المدرب الثورة ببراعة فائقة. فهذه المسألة في الحقيقة هي مسألة محرمة؛ لأنها تؤدي إلى قتل الحيوان تعذيبًا بما يغرس في جسده من سهام، وكثيرًا ما تؤدي إلى موت المصارع نفسه أو المدرب نفسه. وهذه المصارعة في الحقيقة عمل وحشي يرفضه الشرع الإسلامي، الذي يقول فيه الرسول ﷺ في حديث صحيح: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض». فإذا كان هذا الحبس للهرة يوجب النار، فكيف الحال في تعذيب حيوان بالسلاح حتى الموت؟

المسألة السابعة: التحريش بين الحيوانات، وهذه المسألة من المسائل التي تقع في بعض البلدان أيضًا، وهي أنهم يقومون بالتحريش بين الحيوانات كالجمال والكباش والديك وغيرها حتى يقتل بعضها بعضًا أو يؤذي بعضها بعضًا. وهذا الفعل أيضًا محرم لا يجوز ولا يعتبر من الرياضة بحال؛ وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ «نهى عن التحريش بين البهائم»، وهذا الحديث في سنن أبي داود والترمذي بإسناد صحيح. والشوكاني رحمه الله يذكر أن وجه المنع أو وجه النهي كونه إيلامًا للحيوانات وإتعابًا لها بدون فائدة، بل بمجرد العبث. وفي ذلك يقول الناظم: وحرموا في المجمع الملاكمة ... وهكذا اللجنة -أعني الدائمة- ومنعوا مصارعات حرة ... تصارع الثيران حبس الهرة تحريش حيوان على القتال ... كالكبد كجميع

إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تكلمت قبل الفاصل عن بعض المسائل، وكان آخر تلك المسائل مسألة التحريش بين الحيوانات. ومن المسائل أيضًا المسألة الثامنة: مسألة تحديد النسل. هذه المسألة إما أن تكون إلزامية من قبل الدول والحكومات، وهذا لا يجوز بحال؛ لأنه تحريم لما أحله الله سبحانه وتعالى. وإما أن تكون من الأشخاص أنفسهم، وذلك لمجرد صعوبة المعيشة أو لخوف الفقر أو بحجة الاكتفاء بعدد معين من الأولاد ونحو ذلك من الأعذار، وهذا أيضًا لا يجوز؛ لما في ذلك من ضعف اليقين على الله عز وجل أو على وعد الله بالرزق، ولما فيه من مصادمة شرع الله الذي ارتضاه لعباده.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 151]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31]. إن قتلهم كان خطأ كبيرًا، بل إن تكثير النسل مطلب شرعي؛ لما فيه من تكثير سواد الأمة، ولأنه عامل مهم من عوامل قوتها. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تزوجوا الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود.

ومع ذلك فإن أهل العلم قالوا: لا بأس بتنظيم الحمل وتأخيره من فترة لأخرى من أجل التفرق لحضانة الطفل السابق مثلاً، فالتنظيم لا بأس به، وكذا التوقف عن الحمل لأسباب صحية ونحو ذلك. وأما تحديد النسل فهذا هو الذي لا يجوز. وفي ذلك يقول الناظم: وحذروا من دعوة التحديد ... للنسل بل يرغب في المزيد

المسألة التاسعة: عقد الزواج العرفي وزواج المسيار. المقصود بعقد الزواج العرفي هو الزواج الشرعي الذي اكتملت فيه الأركان والشروط، إلا أنه لم يوثق لدى سلطة رسمية. وهذا العقد في الحقيقة هو عقد لا إشكال فيه، إلا أن الاكتفاء به دون التوثيق الرسمي قد يؤدي إلى ضياع حقوق أحد الطرفين. وإذا اختل أيضًا -أحيانًا بعض الناس يسمونه عقدًا عرفيًا- وهو مختل فيه بعض الشروط والأركان، فإذا اختل بعض الشروط والأركان فهو عقد فاسد.

أما زواج المسيار فهو من الزواجات المستحدثة، وهو زواج تتنازل فيه المرأة عن حقوقها، كأن تتنازل المرأة أو الفتاة عن السكن أو عن النفقة أو عن المبيت أو القسم بين الزوجات، وذلك بأن يأتي الرجل إلى دارها في أي وقت من ليل أو نهار، أو تظل هي في دار أهلها ثم يلتقيان متى رغبا في مكان آخر أو في بيت أهلها. وهذا العقد في الحقيقة عقد صحيح إذا توافرت فيه الأركان والشروط المعتبرة للزواج، وكذا إذا خلا من الموانع، لكن لو اختل شيء من الشروط والأركان لم يجوز وتركه في الحقيقة.

وأيضًا هنا أمر ينبغي التنبيه عليه، وهو أن من العلماء من يقول بفساد هذا الاشتراط؛ اشتراط أن تتنازل المرأة عن حقوقها أو بعضها، هذا شرط فاسد عند بعض العلماء. ويترتب على القول بفساده -دون فساد العقد- أن المرأة يجوز أن تطالب بحقوقها، فإذا طالبت بهذه الحقوق مرة أخرى وجب إعطاؤها إياها من وقت المطالبة. وفي ذلك يقول الناظم: صح زواج العرف والمسيار ... ويفسد الشرط على المختار

المسألة العاشرة: دخول الانتخابات في البلدان غير الإسلامية. هذه المسألة أثير حولها الكلام؛ لأن المسلم إذا دخل في انتخابات بعض الدول الغربية مثلاً كان عليه أن يلتزم بقوانينهم، فهل يجوز دخول المسلمين في مثل هذه الانتخابات في مثل تلك الدول؟ الذي عليه أهل العلم جواز ذلك؛ لما فيه من تحقيق المصلحة للمسلمين، مثل تقديم صورة الإسلام بصورة صحيحة، ومثل الدفاع عن قضايا المسلمين في ذلك البلد ونحو ذلك من المصالح المهمة، لكنهم يشترطون ألا يترتب على الدخول والمشاركة ما يؤدي إلى التفريط في دينه.

المسألة الحادية عشرة: كتابة المصحف. مصحف القرآن إن كُتب على خلاف الرسم العثماني، أي حسب الرسم الإملائي، فهذا الذي عليه أهل العلم منع هذه الكتابة؛ ألا يكتب المصحف بالرسم الإملائي، وإنما لابد أن يكتب بالرسم العثماني؛ وذلك لأسباب ذكروها، منها أن الرسم شيء اصطلاحي ولا...

مشاحة بالاصطلاح، ومنها إبقاؤه كما وصل إلينا عن الصحابة ليكون حجة خالدة على أنه لم يتعرض إليه تسريب ولا تغيير ولا تحريف، ومنها اتباع ما كان عليه الصحابة الكرام والسلف الصالح، إلى غير ذلك من الأسباب في الرد على مطالبات كتابة المصحف بالرسم الإملائي، وفي ذلك يقول الناظم: ومنعوا كتابة القرآن على خلاف رسمه العثماني.

المسألة الثانية عشرة: وضع المصاحف في الفنادق والشقق. وهذه مسألة أثيرت حيث تساءل البعض: هل في ذلك إهانة أو امتهان للمصحف؟ والذي عليه أهل العلم أن توزيع نسخ من القرآن الكريم في غرف الفنادق لا يعد امتهانًا للقرآن، بل فيه مصلحة عظيمة وظاهرة؛ لأنه تعم به الفائدة، لعله ينتفع به من لم يقرأ القرآن أصلاً أو من لم يره أصلاً. وفي ذلك يقول الناظم: وجوز المجمع وضع المصحف في شقق الفندق أو في الغرف.

المسألة الثالثة عشرة، وهي الأخيرة: مسألة الأخذ بالديمقراطية. بالنسبة لما يتعلق بهذا المصطلح، مصطلح الديمقراطية ومصطلح الدولة المدنية، هي في الحقيقة ليست مقبولة بإطلاق ولا مردودة بإطلاق؛ لأن فيها جوانب مقبولة كحق الأمة في تولية من يحكمها، وفي محاسبتهم، وفي مشاركة الشعب في اتخاذ القرارات. وفيها أيضًا جوانب مرفوضة كإعطاء الحق للشعب في سن القوانين وإن كانت مخالفة لحكم الله عز وجل.

ولذلك ذهب أكثر المعاصرين إلى أن الأخذ بآليات الديمقراطية والاستفادة منها فيما يحقق مصلحة للفرد والمجتمع، أن ذلك لا مانع منه شرعًا بعد فصلها عن أصلها الفلسفي الذي يقوم على حكم الشعب دون مراعاة لأحكام الشريعة الإسلامية. ومع ذلك، لابد من التذكير بأن دين الله سبحانه وتعالى، الذي هو الإسلام، هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وكل خير للعباد فهو مبين في هذا الدين أحسن بيان وأتم.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]. فلا سعادة للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بتحكيم شرع الله عز وجل. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ إِقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ أُمَّةٌ قَصَدَةٌ ۚ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66].

فإذا كان هذا سيحصل لهم لو طبقوا ما أنزل الله عليهم من التوراة والإنجيل -اليهود والنصارى- فكيف لو طبق المسلمون أو أهل الإسلام ما أنزل الله عليه من القرآن المهيمن على سائر الكتب السماوية؟ كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. وفي هذه المسألة عن الديمقراطية يقول الناظم: أخذ وسيلة ديمقراطية جاز، بل الفلسفة الردية وهي الفلسفة أن الشعب هو الحاكم ولو كانت على خلاف الأحكام الشرعية.

في نهاية هذه الحلقة أوصيكم إخواني الكرام بأمرين: الأمر الأول: التمسك بكتاب الله عز وجل، والإكثار من قراءته وملازمته؛ فهو كتاب الله المعجزة الخالدة، وهو الحجة البالغة، وهو الدستور الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليصلح الله به ما بين العبد وربه، وما بين العبد ونفسه، وما بين العبد والمجتمع الذي يعيش فيه. هذا الكتاب هو الفصل ليس بالهزل، هو حبل الله المتين ونوره المبين، وهو الذكر الحكيم والصراط المستقيم. هو الكتاب الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يبلى على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم. ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2].

ويقول تبارك وتعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ And إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].

هذا هو الأمر الأول الذي ينبغي التمسك به وملازمته؛ هذا كتاب الله الذي أنزله، ليس في الدنيا كتاب الله، كتاب رب العالمين، كتاب الخالق إلا هذا الكتاب، ومع ذلك نجد أنفسنا وغيرنا من المسلمين لا يعاملونه المعاملة التي ينبغي أن تكون.

الأمر الثاني: التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال الله عز وجل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كل أمة يدخلون الجنة إلا من أبى»، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى».

هذا وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لي ولكم، وأن يعفو عني وعنكم، وأن يختم لنا بالخير، إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.