دخولتسجيل الدخول

الحلقة 29

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة التي سأتكلم فيها بإذن الله عن مسائل في أبواب مختلفة. ومن تلك الأبواب أبواب الأطعمة، وفيها عدد من المسائل.

المسألة الأولى: اللحوم المستوردة من البلدان غير الإسلامية. هذه المسألة من المسائل التي ابتلي بها المسلمون في هذه العصور المتأخرة، وذلك بسبب ضعفهم وتفرقهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق المسؤولين في الدول الإسلامية لمعالجة هذه الإشكالية، بحيث يكون الاستيراد من الدول الإسلامية. البلدان التي تستورد منها اللحوم على نوعين: النوع الأول بلدان غير أهل الكتاب، كالصين مثلاً أو روسيا، أو الوثنية مثل الهند، فهذه البلدان لا تحل اللحوم المستوردة منها إلا إذا علمنا أن الذي تولى الذبح مسلم أو جهة إسلامية أو شخص من أهل الكتاب.

النوع الثاني: بلدان أهل الكتاب مثل أمريكا والدول الأوروبية. اللحوم المستوردة من مثل هذه البلدان الأصل فيها الحل، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: 5]. والمراد بالطعام هنا الذبائح، وهذا هو قول المفسرين. ومع هذا الأصل، فإنه يمكن تنويع حالات اللحوم المستوردة من هذه البلدان إلى ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن نعلم أن ذبحهم كان على الطريقة الإسلامية، فاللحوم المستوردة في هذه الحال لا شك في حليتها. الحالة الثانية: أن نعلم أن ذبحهم كان على غير الطريقة الإسلامية، كأن يكون بالخنق أو بالصعق أو بالضرب على الرأس أو نحو ذلك، ففي هذه الحال يكون المذبوح حرامًا لا شك فيه، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى آخر الآية، وفي آخرها: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، وهذا لم يذكى.

الحالة الثالثة: أن نجهل كيفية الذبح، فلا نعلم على أي صفة كانت. في هذه الحالة يكون المذبوح محل شك وتردد، إلا أن الأصل والنصوص تدل على الإباحة لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾. لكن الأحوط والأفضل تجنب أمثال هذه اللحوم؛ لأن مثل هذه اللحوم صار فيها شبهة قوية لكثرة الأخبار المنقولة عن تلك البلدان بأنهم لا يذبحون، بل إن قوانين بعض البلدان أصبحت تجرم الذبح وتمنعه، وذلك رأفة بالحيوان كما يزعمون. لذلك اختلف أهل العلم في حلية اللحوم المستوردة إذا لم تعلم هل ذبحت أم لا، بحيث نجد أن بعض العلماء حرمها لهذه الشبهة القوية في حرمتها، وأحلها آخرون تمسكًا بالأصل. وفي ذلك يقول الناظم: في وارد اللحوم من كفار أهل كتاب الخلاف جاري. أما غير أهل الكتاب فهم متفقون على حرمة اللحوم الواردة منهم، إلا إذا علمنا أنها عن طريق مسلم أو جهة إسلامية.

المسألة الثانية: الصعق الكهربائي قبل الذبح. هذه المسألة تخص بعض الأقليات الإسلامية في بعض الدول الأجنبية، حيث إن قوانين بعض الدول تفرض على الناس الصعق الكهربائي قبل الذبح، أي قبل أن يذبحوا ذبائحهم تفرض عليهم أن يصعق هذا الحيوان بكهرباء، وذلك رأفة بالحيوان في زعمهم، بحيث يتم تدويخه حتى لا يشعر بألم الذبح. وهو وإن كان يراد به في الظاهر الرأفة، إلا أن الصعق الكهربائي في حقيقة الأمر تعذيب إضافي.

والحكم في هذه المسألة أن الأصل في التذكية الشرعية أن تكون بلا صعق وبلا تدويخ. وإذا تم صعقه لتدويخه فله حالتان: الحالة الأولى: ألا يؤدي ذلك الصعق أو التدويخ إلى موته لو ترك، فهذا يحل بالتذكية. الحالة الثانية: أن يؤدي ذلك التدويخ إلى موته لو ترك، فهذا مختلف فيه، وأما إن مات قبل إدراكه فهذا حرام بلا شك، والله سبحانه وتعالى أعلم. في هذه المسألة يقول الناظم: يحرم مقتول بصعق كهربي، مجرد التدويخ منه مباح. أي إذا كان لأجل التدويخ فقط ولا يموت أو لا يسببه ذهاب روحه، فهذا مباح.

المسألة الثالثة: مسألة الجيلاتين. الجيلاتين في الحقيقة يقول أهل الاختصاص بأنها مادة هلامية شفافة وأنه لا لون لها، ومنهم من يقول تميل إلى اللون الأصفر، وتستخدم في صناعة الحلويات وفي صناعة بعض الأدوية، وتستخلص من جلود الحيوانات ومن عظامها؛ خاصة جلود الخنازير وعظام البقر، وأيضًا هناك من أنواع الجيلاتين الجيلاتين النباتي.

أما حكم الجيلاتين فبحسب نوعه أو المصدر الذي استخلص منه، فإن كانت المواد التي استخرج منها الجيلاتين مباحة كالنباتات أو كالحيوانات المذكاة شرعيًا فهو مباح، وإن كان مستخرجًا من محرم كالخنزير أو كالحيوانات المحرمة أو غير المذكاة فهو حرام. جاز الجيلاتين من النبات وما يحل لا من الميتات.

المسألة الرابعة: الصيد بالرصاص. هذه المسألة من المسائل الحادثة؛ لأن الرصاص أو البندقية ونحوها لم يكن موجودًا في السابق. وحكم الصيد بها الجواز بشرط أن يسمي عند الرمي، وذلك لما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا ونريد أن نذبح وليس معنا مدى -أي نذبح الأنعام- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر -إلا السن والظفر- وسأحدثك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة». وفي هذه المسألة يقول الناظم: وحل ما يصاد بالرصاص، وحكمها كالجرح في القصاص. ومراد الناظم بالشطر الثاني التأكيد على صحة الصيد بالرصاص؛ لأنه يشبه الصيد بالرماح لكونها تخرق الطريدة وتخرج منها الدم، كما أن الفقهاء أجازوا في القصاص القتل بمحدد.

أيضًا هناك مسائل تتعلق بالطب، ومن تلك المسائل التلقيح الاصطناعي. هذه المسألة من المسائل الحادثة وهي مهمة، وهي من المسائل التي توصل لها الطب حديثًا، ولها صورتان رئيسيتان: الصورة الأولى: التلقيح الداخلي، وهو أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجل متزوج وتحقن في الموقع المناسب من رحم زوجته، فتلتقي عند ذلك النطفة بالبويضة ويقع التلقيح بينهما. وهذه الطريقة جائزة عند الحاجة إذا كانت بين زوجين، وأما إذا أخذت النطفة من رجل آخر متبرع مثلاً فهذا لا يجوز باتفاق أهل العلم.

الصورة الثانية: التلقيح الخارجي، وهو أن تؤخذ نطفة من زوج وبويضة من زوجته، فتوضع في أنبوب خارجي حتى يتم التلقيح في وعاء اختبار، ثم تنقل في الوقت المناسب إلى رحم الزوجة بحيث يتم الحمل بشكل طبيعي. وهذه الطريقة جائزة بين الزوجين عند الحاجة إليها، ولا يجوز أن يكون أحدهما متبرعًا أي غير الزوج، إلا إذا كانت زوجة ثانية بمعنى ضرة، فيجوز أن تتبرع بالحمل بمعنى أن توضع بويضة الزوجة الأولى بعد التلقيح في رحمها، فتكون هي التي تحمل، لكن أحكام النسب والأمومة هي للزوجة صاحبة البويضة لأن هذا الحمل اكتسب من جسمها، وتكون ضرتها المتطوعة بالحمل في حكم الأم المرضعة. وفي ذلك يقول الناظم في حكم التلقيح الاصطناعي: وجوزوا التلقيح الاصطناعي لحاجة مع زوجة فراع.

المسألة الثانية: مسألة البصمة الوراثية. البصمة الوراثية أو بصمة الحمض النووي كما يقولون هي إحدى الوسائل المستخدمة في التعرف على الأشخاص، وهي حاليًا من أبرز أنواع التقدم البشري في مجال العلم وخصوصًا مجال البحث الجنائي، حيث يتم التعرف على المجرمين من خلال إيجاد عنصر بشري في مكان الجريمة كالشعر مثلاً أو اللعاب أو العرق أو نحو ذلك. فقد ذكر المختصون أن احتمال تشابه بصمتين وراثيتين بين شخصين أمر مستحيل، حتى إن بعضهم يقول واحد من التريليون.

أما حكم استعمال البصمة الوراثية فلا يجوز استعمالها في نفي النسب، والحكم في ذلك للنصوص والقواعد الشرعية، وبالتالي لا يجوز تقديمها على اللعان، إذا اتهم الزوج زوجته فإما أن يلاعن أو يأتي بالشهود، ولا يمكن أن يلجأ في مثل هذه الحالة للبصمة الوراثية. وكذا لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا؛ شخص منسوب إلى قبيلة شرعًا فيؤتى بالبصمة الوراثية للتأكد هل هو ينتسب إليها حقيقة أو إلى أبيه حقيقة أو لا، وذلك حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم.

وإنما يجوز استعمال البصمة الوراثية في واحد من أمور ثلاثة: الأمر الأول: في التحقيق الجنائي؛ حيث يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية كوسيلة لإثبات الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «ادرؤوا الحدود بالشبهات». الأمر الثاني: عند التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو بسبب تساويها أو بسبب الاشتراك في وطء الشبهة، فيحدد بالبصمة الوراثية. الأمر الثالث: عند حالات الاشتباه أو الضياع؛ كأن تشتبه المواليد أو أطفال الأنابيب في المستشفيات ونحو ذلك، أو كان يضيع الأطفال أو تتعذر معرفة ذويهم في وقت الكوارث أو وقت الحروب، ومثل ذلك الجثث أيضًا التي لا يمكن التعرف عليها. وفي ذلك يقول الناظم: واعملن بصمة الوراثة في واحد من هذه الثلاثة: إثبات جرم في سوى المعدود من القصاص أو من الحدود، تنازع في حال مجهول النسب، أو اشتباه أو ضياع بسبب. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكرنا قبل الفاصل مسألة البصمة الوراثية. وأما المسألة الثالثة فهي مسألة الموت الدماغي، وقد ذكرناها سابقًا لكن نذكرها هنا باختصار، هذه المسألة أيضًا من المسائل الحادثة، والكلام فيها باختصار أن العلماء اختلفوا هل موت الميت دماغيًا موت شرعي معتبر؟ وبهذا أفتى مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وخالفهم هيئة كبار العلماء ومجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة، وقد تقدم ترجيح القول الأول، لكنهم اتفقوا جميعًا على جواز رفع الأجهزة عن الميت موتًا دماغيًا. وفي هذه المسألة يقول الناظم: واختلفوا في ميت الدماغ هل موته معتبر أو لاغي، بالموت أفتى مجمع المنظمة، لا هيئة ومجمع معظمه. ومسألة الرفع، رفع الأجهزة أيضًا مسألة ما حكم رفع الأجهزة عنه؟ فقالت الثلاث جائزة.

المسألة الرابعة: مسألة نقل الأعضاء. وهذه المسألة من المسائل الحادثة، وهي تشهد أيضًا بتقدم العلم أو تقدم الطب، وقد جوز العلماء نقل الأعضاء لمسلم إذا لم يكن في ذلك النقل ضرر على المنقول عنه، وإذا لم يكن ذلك بطريق البيع؛ لأنه لا يجوز بيع أعضاء الإنسان. وفي ذلك يقول الناظم: وقيل نقل العضو من غير ضرر، لمسلم بغير بيع من حضر.

المسألة الخامسة: جراحة التجميل. هذه المسألة تقدم الحكم فيها، وبعضها جائز وبعضها غير جائز بحسب القصد منها، فتجوز الجراحة التجميلية الضرورية والحاجية، أي التي يقصد منها إعادة شكل أعضاء الجسد إلى الحالة الطبيعية التي خلق الإنسان عليها، ويجوز منها التي يقصد منها إعادة الوظيفة أيضًا المعهودة لأعضاء الجسم، والتي يقصد منها أيضًا إصلاح العيوب الخلقية سواء الطارئة بسبب الحوادث أو التي كانت مصاحبة له منذ الولادة. وقد ألحق بعض أهل العلم بذلك جواز ما يزيل الدمامة المتعلقة بالوزن، كشفط الدهون إذا كان الوزن يشكل حالة مرضية. وأما العمليات التجميلية التحسينية للشخص الصحيح التي يقصد منها تغيير الخلقة تبعًا لهوى الناس ورغباتهم وتقليدًا، فجاز ما يعيده للأصل يكون في وظيفة وشكل، وجاز في العيوب للإصلاح ولاذال الدميم صحاح.

المسألة السادسة: تشقير الحواجب وتركيب العدسات الملونة، وألحقناها بمسألة العمليات لأن فيها شيئًا من التجميل. هذه المسألة انتشرت في الآونة الأخيرة بين أوساط النساء، وقد وقع فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يحرمها لأنها تغيير لخلق الله وتشبه بالكفار، ومنهم من يجوزها لأنه لا يوجد نص في تحريمها ولا هي في معنى المنصوص على تحريمه. وظني في الحقيقة أن الأصل الإباحة، وأن التحريم يكون بالقصد، كأن يكون في ذلك تدليس على الخاطب، أو يكون القصد التشبه بالكفار أو الفساق، أو التزين للرجال الأجانب ونحو ذلك. وفي ذلك يقول الناظم: والخلف في تشقير حاجبين وعدسات اللون في العينين.

المسألة السابعة: مسألة إسقاط الجنين بسبب التشوه أو الخطر على الأم. هذه المسألة مختلف فيها، وإن كانوا قد اتفقوا على أن الجنين إذا نفخ فيه الروح فإنه لا يجوز إجهاضه، وهذا باتفاق منهم سواء كان مشوهًا أو لا. وقد ذهب بعض المعاصرين إلى جواز الإجهاض إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء المختصين الثقات أن في بقاء الحمل خطرًا مؤكدًا على حياة الأم، وذلك درءًا لأعظم الضررين أو المفسدتين. وأما إسقاط الجنين المشوه قبل نفخ الروح، فقد ذهب جماعة من المعاصرين إلى أنه لا يجوز إلا إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء المختصين الثقات بأن الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا وهو غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة. وقد خالف في ذلك أيضًا بعض أهل العلم ورأوا أن الإجهاض لا يجوز مطلقًا. وفي ذلك يقول الناظم: الإسقاط بعد رابع الشهور ولو لتشويه من المحظور، إلا إذا قال الثقات ذا خطر على حياة الأم فالحل يقر، وقبل عند القطع بالتشويه خطيره الدائم يرخص فيه.

المسألة الثامنة: عمليات تغيير الجنس. هذه المسألة أيضًا من المسائل الحادثة، وبدايتها من الدول التي تزعم أنها متقدمة وهي في.

الحقيقة مسألة بشعة في أغلب حالاتها، ولا خلاف بين العلماء في حرمتها. وقد قال سبحانه وتعالى عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119]. فقال ابن مسعود: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله»، ثم قال: «ألا العن من لعن رسول الله ﷺ».

إن النبي ﷺ لعن هذه الأصناف، لكن من اجتمعت في أعضائه علامات النساء والرجال هكذا خلق، ينظر في حاله؛ فإن غلبت عليه علامات الذكورة جاز علاجه طبيا بما يزيل الاشتباه بذكورته، وكذا من غلبت عليه علامة الأنوثة يجوز علاجه بما يزيل الاشتباه في أنوثته؛ لأن هذا مرض والعلاج يقصد منه الشفاء وليس تغيير خلق الله سبحانه وتعالى. وبذلك يقول الناظم: تحويل جنس الشخص لا يباح ... تعديل الاشتباه لا جناح

المسألة التاسعة: مسألة تحديد جنس الجنين، وهذه المسألة من المسائل الجديدة وهي مهمة أيضا، ولها ثلاث صور. الصورة الأولى: اختيار جنس الجنين بلا تدخل طبي، كأن يكون بنظام غذائي أو اختيار وقت معين أو غسول كيميائي، وهذه المسألة لا إشكال فيها باتفاق أهل العلم.

الصورة الثانية: اختيار جنس الجنين بتدخل طبي لكنه من باب الضرورة، كأن يكون الاختيار لأجل علاج أمراض وراثية تصيب أحد الجنسين دون الآخر، ففي هذه الحالات أيضا اتفق أهل العلم على جواز تحديد جنس الجنين في مثل هذه الحالة.

الصورة الثالثة: وهي التي تهم الكثير من الناس، وهي اختيار جنس الجنين بتدخل طبي في غير حال الضرورة وإنما من باب الرغبة، فهذه الصورة اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: التحريم؛ لأن في ذلك قصدا لتغيير خلق الله، وفيه عدم الرضا بالقدر، ويتسبب كما يقولون للإخلال بالتوازن البشري، وبالتالي لا يجوز.

القول الثاني: الجواز، وهذا للحاجة وذلك لعدم المانع؛ لأنه لا اعتداء فيه على مشيئة الله، وإنما هو أخذ بالأسباب وهي مما يشاءه الله سبحانه وتعالى. وقد أجاز النبي ﷺ العزل مع أن فيه منعا للذكورة والأنوثة معا، ولم يكن ذلك منافيا لمشيئة الله ولا عدم رضا بما قدره الله سبحانه وتعالى.

وكذلك طلب جنس معين من الأولاد له أصل في الشرع؛ فالله سبحانه وتعالى يقول عن زكريا عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 5-6]. فزكريا قال: ﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ ويقصد به الذكر. وبشر به، والذهاب إلى الطبيب لعلاج العقم أيضا جائز شرعا، وهو من الأخذ بالأسباب ومن السعي في طلب الجنين، ولذلك فكذا السعي في طلب جنس الجنين مما يباح على قول هؤلاء العلماء.

وليس هذا من تغيير خلق الله كما يقولون في شيء، بل هو خلق الله؛ لأن الحيوان المنوي هو نفسه والبويضة هي نفسها، لم يطر على أيهما تغيير، غاية ما في الأمر أنهم اختاروا هذا الحيوان ولقحوا به هذه البويضة. وفي ذلك يقول الناظم: جاز اختيار الجنس للجنين بالطب ... عند ضرر يقين فهو ذكر عند الضر

المسألة العاشرة: مسألة تشريح الجثث، وهذه المسألة وهي مسألة تشريح جثث الموتى جرى فيها الخلاف بحسب الأسباب التي تقتضيها. والذي عليه الكثير من أهل العلم جواز تشريح جثث الموتى لأغراض ثلاثة: الغرض الأول: تعلم الطب وتعليمه، ويشترط في ذلك إذن الميت قبل موته أو إذن ورثته، ويشترط في ذلك الاقتصار على قدر الضرورة، وإذا كانت الجثة لامرأة فيشترط أن يتولى ذلك النساء الطبيبات.

الغرض الثاني: التحقيق الجنائي، وذلك لمعرفة أسباب الموت أو أسباب الجريمة، وهذا مما تدعو إليه الحاجة. الغرض الثالث: التحقق من الأمراض التي تستدعي التشريح، وذلك لكي يتم اتخاذ الاحتياطات الواقية والعلاجات المناسبة.

وفي ذلك يقول الناظم: والخلف في التشريح للتعلم ... يجوز أو لا أو لغير المسلم فهي هيأ الجواز للكفار ... وأطلق المجمع في القرار أما الذي وصف بالضرورة ... يجوز في اعتداء وقبل دفن جوز المرض تشريحا صحيح

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.