الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرت في الحلقة الماضية عددا من مسائل النوازل في المعاملات، وبقي بعض المسائل، ولذلك سأحاول الاختصار بقدر الإمكان محاولا ذكر أكبر عدد منها.
المسألة الأولى: الإجارة المنتهية بالتمليك. هذه المسألة من المسائل المستحدثة، وسبب استحداثها أن الناس كانوا يشترون بعض السلع الغالية كالسيارات أو العقارات بالتقسيط لعدم القدرة على الدفع النقدي أو دفع كامل الثمن، فإذا اشتروها بالتقسيط دخلت في ملكهم منذ إبرام العقد. ثم برزت مشكلة في هذا النوع من البيوع تهدد أصحاب السلع، وهي أن بعض المشترين يشترون السلع بالتقسيط ثم يبيعونها للحصول على المال النقدي ولا يدفعون الأقساط، فنشأت مطالبات وإشكالات، وقد لا يتمكن المشتري من دفع بقية الأقساط. فعند ذلك استحدث الناس هذا النوع من العقود، وهي إجارة تنتهي بعد دفع آخر أجرة بالتملك للسلعة، فإن أكمل المستأجر دفع كامل الأجرة تملك السلعة، وإن لم يستطع إكمال دفع الأجرة رجعت العين المؤجرة إلى صاحبها لأنها إجارة.
هذا النوع من العقود إنما يجوز على رأي بعض أهل العلم إذا كان بعقدين منفصلين، بمعنى أن صاحب العين يعقد عقد إجارة مع المستأجر، هذا هو العقد الأول، ثم يعقد عقد هبة بالعين المؤجرة للمستأجر معلقا على سداد كامل الأجرة وذلك بعقد مستقل، أو يعطيه وعدا بالهبة بعد السداد. لكن يجب أن تطبق أحكام الإجارة أثناء مدة الإجارة، وتطبق أحكام البيع، فلا يجوز أن تتداخل العقود، فيبقى المستأجر مستأجرا، ويبقى المؤجر مؤجرا، ويكون ضمان العين على المالك لا على المستأجر. وقد أجاز هذه الصورة مجمع الفقه الإسلامي، بينما منعها أو حرمها هيئة كبار العلماء. وهناك صور لا تجوز بالاتفاق، منها لو كانت الإجارة والبيع في عقد واحد بحيث تنقلب الإجارة في نهاية المدة تلقائيا تنقلب بيعا، وكذا لو كانت الإجارة والبيع في عقدين في نفس الوقت بحيث يكون عقد الإجارة مع عقد بيع معلق على سداد الأجرة. وفي هذا يقول الناظم: إجارة التمليك للأموال إن يكن العقدان في انفصال دون تداخل ولا تغير لحكم مؤجر ولا مستأجر جوزها المجمع في القرار والمنع فتوى هيئة الكبار
المسألة الثانية: جمعية الموظفين. وهذه المسألة مسألة حادثة ومشهورة، تحصل للموظفين ولغير الموظفين، وإنما عرفت باسم جمعية الموظفين لأنها تكثر فيهم أو لأنهم أول من بدأ بها. وصورتها أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغا من المال مساويا لما يدفع الآخرون، وذلك عند نهاية كل شهر، ثم يدفع المبلغ الكامل كله في الشهر الأول لواحد منهم، وفي الشهر الثاني يدفع المبلغ لآخر، وهكذا حتى يتسلم كل واحد منهم مثل ما تسلمه من كان قبله سواء بسواء. وقد تستمر هذه الجمعية دورتين أو أكثر إذا رغبوا في ذلك، ومن أراد من المشاركين أن ينسحب من الدورة الأولى قبل أن يقترض فله ذلك. وحقيقة هذه الصورة أن كل واحد منهم يقرض من يستلم المبلغ قبله، ويقرض من يستلمه بعده، إلا الأول فهو مقترض فقط، والأخير مقرض فقط. وأكثر أهل العلم على جواز هذه الصورة، وذلك إذا كان بلا اشتراط.
وأما إذا حصل اشتراط معين فلا تجوز هذه الجمعية، كان يشترط الموظفون أو المشاركون على الجميع الاستمرار حتى تكتمل الدورة، أو يشترطون حتى تدور دورة ثانية أو أكثر من ذلك، وعادة ما يكون الاشتراط لكي يكون ترتيب الاقتراض في الدورة الثانية عكس ترتيبه في الدورة الأولى. والسبب في منعها منع الاشتراط أو منع هذه الجمعية عند الاشتراط أنها تعتبر من قبيل القرض الذي يجر نفعا، والعلماء يقولون: «كل قرض جر نفعا فهو ربا». وفي ذلك يقول الناظم: جمعية الموظفين لا حرج فيها إذا شرط إعادة خرج
المسألة الثالثة: إبرام العقود بالوسائل الحديثة. من المعلوم أن للعقود كالبيع ونحوه شروطا منها اتحاد المجلس، ومنها تطابق الإيجاب والقبول، ومنها عدم صدور ما يدل على إعراض أحد المتعاقدين، ومنها الموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف. والعقود بحسب الآلات الحديثة لها صورتان؛ الصورة الأولى أن يكون العقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، وهذه إذا كانت الوسيلة بينهما الكتابة مثلا أو عبر شاشات الحاسب الآلي، ففي هذه الصورة ينعقد العقد بوصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله، كان يرسل إليه بعتك الشيء الفلاني بكذا وكذا فيقول الآخر قبلت أو اشتريت، فهنا يتم العقد بالقبول والإيجاب بوصولها والرد.
الصورة الثانية أن يتم التعاقد بين طرفين في وقت واحد، يعني ليسوا غائبين وهما في مكانين متباعدين، وينطبق ذلك على الهاتف وبعض برامج الحاسب الآلي، والتعاقد بينهما يعتبر تعاقدا بين حاضرين، فينعقد البيع بينهما كما ينعقد بين الحاضرين بالشروط المعروفة. كلا هاتين الصورتين تنعقد بها العقود، ويستثنى من ذلك ما يحتاج فيه إلى التقابض كالصرف أو كشراء الذهب أو نحو ذلك. فعند ذلك يصح السلم بهذه الآلات. لكن هل يجوز إبرام عقد النكاح بالآلات الحديثة؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم المعاصرين، والذي يقتضيه النظر في الحقيقة أنه إذا حصل التحري والتثبت وتثبت من كل الشروط من الشهود ومن معرفتهم وإلى آخره أنه لا إشكال في ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم. وفي مثل ذلك يقول الناظم: والعقد قيل ما سوى النكاح بالاتصال ذا من المباح
المسألة الرابعة: الحسم في الأوراق التجارية. الورقة التجارية هي صك لكنه بشكل معين مثل الشيكات، تكون محل مبلغ معين من النقود يستحق أداؤه في وقت معين، وقد جرى العرف أنها تقوم مقام النقود في المعاملات، ولذلك يأتي واحد ويشتري أو يدفع إيجاره بشيك. والمراد بحسم الأوراق التجارية أن يأتي صاحب الشيك قبل أن يحين موعده فيطلب من شخص آخر أن يعطيه مبلغا من المال أقل مما هو مكتوب في الورقة التجارية، كان يكون مكتوب في الورقة مثلا عشرة آلاف، فيقول صاحب الشيك أو صاحب هذه الورقة لشخص آخر: لك قيمته عشرة آلاف وأعطني تسعة آلاف. وهذه الصورة محرمة بالاتفاق لأنها عين الربا. وفي ذلك يقول الناظم: ولا يجوز الحسم في الأوراق التجارية في اتفاق
المسألة الخامسة: مسألة عقود الصيانة. عقود الصيانة من العقود المستحدثة، وذلك بسبب التطور المواكب للصناعات الكثيرة، وهي عقود تنطبق عليها أحكام العقود. وعقود الصيانة لها صور؛ منها عقد الصيانة المشروط في عقد البيع، يعني يشتري شخص مثلا جهازا من الأجهزة من شركة معينة أو سيارة أو غير ذلك من الصناعات، ثم يكون في عقد البيع اشتراط صيانة هذا الجهاز مدة معينة، فهذا العقد جاءت تبعاً للبيع، فهذا العقد لا إشكال فيه، سواء كانت الصيانة من غير تقديم مواد أو مع تقديم المواد. ومنها من عقود الصيانة عقد صيانة مستقل يلتزم الصائن فيه بتقديم عمل فقط ويلتزم المالك بالمواد، فهذا العقد جائز لأنها نوع من عقود الإجارة على العمل، يعني الصائن ليس عليه إلا العمل، وإنما المواد من صاحب السلعة أو صاحب الجهاز.
ومن هذه العقود عقد صيانة مستقل يلتزم فيه الصائن بتقديم عمل مع المواد، يعني الصائن صاحب الصيانة الذي سيؤدي هذا العمل سيأتي بمواد الصيانة، فهذا النوع من العقود قال العلماء بأنه لا يجوز لما فيه من الغرر لأن المواد غير معروفة له، وهناك في العقد الأول جاءت تبعا. وفي ذلك يقول الناظم: ثم الصيانة على أقسام من جهة الحلال والحرام فإن تكن مشروطة في بيع فقيل بالجواز لا بالمنع وغيرها إن تك بالمواد فالحكم بالتحريم والفساد
المسألة السادسة: مسألة فسخ الدين بالدين. ذهب أهل العلم إلى أن فسخ الدين بالدين حرام، وذلك إذا كان يفضي إلى زيادة الدين على المدين مقابل الأجل. من ذلك فسخ الدين بالدين عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بها مديونية جديدة على المدين من أجل سداد المديونية الأولى. صورة ذلك أن يكون على شخص دين حال مثلا خمسون ألف ريال يجب عليه سداده لشخص أو لجهة لكنه لا يستطيع السداد، فيقول له الدائن: اشتر مني هذه البضاعة وهذه السيارة مثلا التي قيمتها في الأساس خمسون ألف بقيمة الدين، أو أشتريها لك أنا وأبيعك إياها بمبلغ ستون ألف ريال مؤجلة على أقساط مريحة، ثم تبيعها أنت أو أبيعها لك بوكالة وتسدد بثمنها الدين الذي عليك، فيكون الدين السابق قد فسخ بدين أكبر لاحق. وفي هذه المسألة يقول الناظم: وفسخ دين سابق بدين مستقبل يمنع دون مين
نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنت تكلمت قبل الفاصل عن بعض مسائل المعاملات النوازل، وكان آخرها مسألة فسخ الدين بالدين وهي المسألة السادسة.
أما المسألة السابعة فهي المعاوضة على السجل التجاري. المراد بهذه المسألة أن يكون شخص عنده امتياز تجاري لكونه من أهل البلد أو من المواطنين، حيث إن المواطن في بعض الدول يمكنه استخراج السجل التجاري بخلاف غير المواطن، لكن في كثير من الأحيان لا يرغب المواطنون في مزاولة التجارة ويرغب غيرهم فيها، فتتم المعاوضة بينهم على السجل التجاري، أما بالتأجير أو بالبيع أو بالمشاركة. فهل هذا النوع من المعاوضات يجوز؟ الحقيقة أن العلماء مختلفون في هذا النوع من المعاوضات، فمنهم من جوز هذه الأنواع الثلاثة، فجوز التأجير بمبلغ شهري أو البيع بمبلغ مقطوع أو المشاركة بنسبة من الأرباح، سواء كان بالاسم التجاري فقط أو به مع دفع مبلغ من رأس المال، وقد عللوا الجواز بأنه حق معنوي يملكه المواطن فيجوز له التصرف فيه ما لم يكن في ذلك مخالفة للقانون أو لولي الأمر.
ومن العلماء من منع مثل هذه المعاوضات وذلك لأنها مخالفة للقانون، لأن الدولة إنما ملكت المواطن حق الانتفاع ولم تملكه المنفعة بنفسها، فهي أذنت للمواطن بالعمل ولم تخوله بالإذن لغيره، كما أن في ذلك أكل للمال بالباطل لأنه لا يقدم مالا ولا عملا ويحصل في المقابل على المال. والذي يظهر والعلم عند الله عدم جواز هذا النوع من المعاوضات. وفي ذلك يقول الناظم: وجوز المجمع للمواطن تأجيره ترخيصه في الباطن أو بيعه أو شركة بلا غرر ودون عصيان الولي فيما أمر واللجنة المنع لخلف الأمراء وأكل مال دون حق ظهر
المسألة الثامنة: بيع التأشيرات أو الفيز أو الامتيازات. وبيع التأشيرات أو الفيز أمر معروف، وهو أن المواطن يكون له حق في استخراج تأشيرات للعمالة فيأتي ويبيع هذه التأشيرات، والامتيازات هي أن تكون الدولة قد أعطت شخصا امتيازا معينا كان يكون له حق التنقيب مثلا في المكان الفلاني، أو أحيانا تكون بطاقات مدعومة مثل بطاقات التموين. فهل يحق بيع هذه الفيز وهذه الامتيازات؟ الذي عليه جماهير أهل العلم من المعاصرين عدم الجواز. وفي ذلك يقول الناظم: ومنعت من بيع تأشيرة عمالة لجنة الإفتاءات وبيع ميزات لشخصيات قد منحت من قبل الولاة يعني وهذا البيع أيضا ممنوع.
المسألة التاسعة: مسألة التسويق الشبكي أو الهرمي. وهي مسألة انتشرت في الآونة الأخيرة قبل فترة من الزمن، صورتها أن تأتي شركة من الشركات فتقول لأحد الزبائن: إذا اشتريت من الشركة سلعة فإنه يجوز لك الدخول في هرم التسويق أو في هرم المسوقين، فإذا جئت بأي مشترٍ آخر واشترى شيئا من الشركة فإن لك نسبة مما اشتراه، وهكذا إذا جاء هو بمشترين يناله أو ينالك نسبة مما اشتراه، وهكذا مهما تشعب ذلك الهرم الشبكي، وكلما كنت قريبا من رأس الهرم كلما كانت النسبة أفضل والعكس بالعكس.
وحقيقة هذه الشركات شركات نصب واحتيال وشركات جمع للأموال بغير وجه حق، حيث يعطون بعض المسوقين مما يدفعه الآخرون، والسلع في الحقيقة التي يسوقونها إنما هي غطاء، وإلا فإنها لا تستحق ذلك التسويق، وإنما يدخل فيها المسوقون طمعا في النسبة التي تأتيهم في حقيقة الأمر من بعض ما يدفعه من غرر بهم من المشتركين الجدد. ولذلك فإنه يحرم الدخول في مثل هذه الشركات التي يكون التسويق فيها هرميا أو شبكيا كما يقولون، لأنها في حقيقة الأمر شركات نصب واحتيال. وفي ذلك يقول الناظم: وعندها التسويق أعني الشبكي يمنع للتغرير بالمشترك
المسألة العاشرة: مسألة بيع المرابحة للآمر بالشراء. وصورة هذه المسألة أن يتقدم العميل إلى المصرف طالبا منه شراء سلعة معينة يحددها العميل، وقد يجيء العميل بعرض سعر للسلعة المعينة من المكان الذي يبيعها على أساس وعد من العميل بالشراء مرابحة بالنسبة يتفق عليها الطرفان، ويدفع الثمن مقسطا حسب إمكانياته. فالمصرف يشتري السلعة نقدا بثمن معين ثم يبيعها على العميل بثمن أكثر مؤجلا، وإنما يشتري المصرف السلعة بأمر من العميل ووعد منه بالشراء. وهذا النوع من البيع مستحدث، وإن كانت حقيقته معروفة عند الفقهاء قديما، حيث إن أطراف هذا النوع من البيع ثلاثة: المشتري والبائع والآمر بالشراء، فالزيادة هنا في المرابحة المعروفة عن المرابحة المعروفة عند الفقهاء هو في وجود طرف ثالث وهو الآمر بالشراء. وقد جوز العلماء هذا النوع من البيع بشرط تملك المأمور، البنك مثلا، تملكه السلعة قبل بيعها للآمر بالشراء، وتكون السلعة تحت ضمانه حينئذ، وبشرط الخيار في المواعدة، أي أن المواعدة لا تكون ملزمة إلا من باب الديانة. وفي ذلك...
يقول الناظم: وإن لأمر الشراء يبع من غير إلزام على الممتنع وكان في قبضته المبيع جوزه الأكثر.
المسألة الحادية عشرة: مسألة خطاب الضمان. وخطاب الضمان خطاب يطلبه العميل من البنك، سواء كان العميل شخصاً أو شركة، وذلك ليضمن عند جهة معينة يتعاقد معها العميل لعمل، شخص يريد أن يقوم بعمل لجهة معينة كالدولة، وفي عملها أرباح، لكنه قد يتسبب في التزامات طائلة عليه ولا يستطيع دفعها، فتطالبه الجهة بخطاب ضمان يضمن فيه البنك بأن يدفع ما قد يترتب عليه من الالتزامات بسبب الإخلال أو بسبب التأخير ونحو ذلك. وخطاب الضمان قد يكون مغطى، بمعنى أن يحجز البنك المبلغ المضمون به للعميل، وقد لا يكون مغطى، وإنما يمكن استيفاؤه بعد ذلك عن طريق الراتب أو غيره. والمسألة هنا: هل يحق للبنك أن يأخذ أجرة على خطاب الضمان؟ الذي عليه عامة الفقهاء عدم جواز الأجرة على الضمان، لكن يمكن للبنك أن يأخذ أجراً بمقدار التكلفة الإجرائية من غير أن يربط ذلك بمقدار المبلغ أو بمدته، وفي ذلك يقول الناظم: أما الخطاب للضمان فامنعي من أخذ أجرة عليه واسمعي.
المسألة الثانية عشرة: مسألة عقود التوريد. هذه العقود هي عقود بين طالب لبضاعة ومورد لها، مثلاً تاجر يبيع أشياء معينة يبرم عقداً مع تاجر آخر لكي يوفر له بعض البضائع، فهذه البضائع على نوعين: النوع الأول ما تدخله الصناعة، ففي هذه العقود من التوريد سيكون المورد مكلفاً بالصناعة لطالب البضاعة كأصحاب المصانع مثلاً، فبهذا النوع من العقود يجوز تأجيل البدلين على مذهب الحنفية ولا يجوز على مذهب الجمهور. يجوز ألا يدفع التاجر المبلغ وذاك سيأتي بالبضاعة بعد ذلك، فالبدلان مؤجلان، وهو المعمول به هذه الأيام في الحقيقة، أي أنه يجوز أن يعقد العاقدان دون أن يقدم أحد منهما ثمناً للبضاعة، والطالب لا يقدم ثمن البضاعة وذاك سيأتي بالبضاعة لاحقاً، لكن لا شك أن الأولى تقديمه، أي تقديم الثمن، وهذا هو مذهب الجمهور لأنه يشبه السلم.
النوع الثاني: ما لا تدخله الصناعة من البضائع، فهذا يعتبر عقد التوريد فيه من السلم، والسلم لا بد فيه من تقديم الثمن، وهذا باتفاق أهل العلم، مع أن الذي يعمل به الناس في كثير من الحالات خلاف ذلك، وهو يعتبر إذا كانت البضاعة ليست صناعية ولم يقدم ثمنها مقدماً يصبح كأنه من بيع الدين بالدين، وهذا لا يجوز بالاتفاق. في هذه المسألة يقول الناظم: والعقد للتوريد في المصنوع أحكام الاستصناع فيه روع أما الذي ما فيه من صناعة فسلم مؤجل البضاعة.
أي دون الثمن، فالثمن لا يؤجل، مؤجل البضاعة دون الثمن، يعني الثمن مقدم.
المسألة الثالثة عشرة: مسألة طلب الضمان في بيع المزايدة. بيع المزايدة بالنسبة للمزادات العادية بين الأفراد معروف وطبيعة عقده اختياري، وهناك عقد إجباري وهو المزادات التي يوجبها القضاء مثلاً، ويصحب هذه المزادات إجراءات معينة منها أن يطلب فيها ضمان ممن يريد الدخول في المزايدة، وهذا الضمان مبلغ مالي يرد للمشارك الذي لم يرسُ عليه المزاد أو لم يفز، بينما يحتسب من الثمن لمن فاز بالصفقة، وهذا النوع من الضمان جائز شرعاً. ومن الإجراءات التي توضع مع هذه المزادات أن يستوفى رسم الدخول وهو قيمة دفتر الشروط، فهذا إن كان لا يزيد على قيمة الدفتر الفعلية فهو جائز، وإلا فهو محرم. وفي ذلك يقول الناظم: ودفتر الشروط في المزايدة بقيمة يباع لا بزائد.
هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري