دخولتسجيل الدخول

الحلقة 1: فضل العلم

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا البرنامج الذي سأتكلم فيه بإذن الله سبحانه وتعالى عن موضوع مهم في الفقه، وهو فيما استجد من المسائل، مما لم يكن معروفاً في السابق.

هذا الموضوع معروف عند العلماء بأسماء متعددة، ومن أشهر هذه الأسماء فقه النوازل. وسيأتي بإذن الله سبحانه وتعالى شيء من التفصيل في الحلقات القادمة، لكنني قبل الدخول في أعيان تلك المسائل سأقدم مقدمة يسيرة تتعلق بالعلم بشكل عام وبالفقه بشكل خاص، وخصوصاً بفقه النوازل، وقد رأيت أن أخصص هذه الحلقة لفضل العلم كمقدمة من المقدمات التي سأقدم بين يدي هذا العلم.

الكلام في فضل العلم كثير جداً، ففيه الكثير من الأخبار وفيه الكثير من الأشعار، وفيه الملح والطرائف وفيه الآداب واللطائف، وقد ألف فيه العلماء المؤلفات الكثيرة. ومن أفضل تلك المؤلفات كتاب اسمه جامع بيان العلم وفضله للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله النمري المشهور بابن عبد البر، الذي توفي سنة 463هـ. هذا العالم هو صاحب كتاب مشهور أيضاً في شرح الموطأ وهو التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد، وكذلك كتاب له في شرح الموطأ اسمه الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار، وهذان الكتابان من أعظم الشروح الحديثية الفقهية.

كان هذا الإمام أبو عمر بن عبد البر يسمى حافظ المغرب، وكان له نظير في العلم والجلالة من أهل المشرق يسمى حافظ المشرق، وهو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت المشهور بالخطيب البغدادي، الذي توفي في نفس السنة التي توفي فيها ابن عبد البر وهي سنة 463هـ. وكلاهما توفي في نفس السنة رحمهما الله عليهما.

للخطيب البغدادي أيضاً كتب كثيرة في علم الحديث، وهي كتب يعتمد عليها أهل الحديث في معرفة علوم الحديث، حتى إن الحافظ أبا بكر بن نقطة رحمه الله المتوفى سنة 629هـ قال: كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه. ومن تلك الكتب التي ألفها الخطيب في العلم كتاب اسمه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.

الشاهد أن الكلام في فضل العلم كثير جداً، والحقيقة أن المقام لا يتسع للحديث عن فضل العلم بشكل يستحقه، ولذلك سأكتفي بذكر بعض المعاني التي تنبه على غيرها إن شاء الله سبحانه وتعالى. من هذه المعاني التي تدل على فضل العلم أنه أول ما نزل من القرآن قوله سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم كتاب على الإطلاق، وفضله على سائر الكتب كفضل الله على خلقه، هذا الكتاب هو المعجزة الخالدة والحجة البالغة، هو الفصل ليس بالهزل، هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم. الله سبحانه وتعالى يقول في هذا الكتاب: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: 15-16]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23].

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42]. والآيات كثيرة، يقول تبارك وتعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].

هذا الكتاب العظيم الذي هو المعجزة، كما ذكرت، وهو القرآن العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين، ابتدأ الله إنزاله على خاتم المرسلين بهذه الآيات التي تدل على فضل العلم. هذا وحده دليل عظيم كاف لبيان فضل العلم.

ومن اللطائف في هذه الآيات مما يدل على فضل العلم بشكل عجيب، أن الله سبحانه وتعالى ذكر في بدايتها منته على الإنسان بخلقه من علق، وهذه أدنى مراتب الإنسان، ثم قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، فوصف نفسه جل وعلا بالأكرم مع أمره للإنسان بالقراءة، ثم قال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، وكأنه جل وعلا يبين أن تعليم الإنسان هو أعظم منة من الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان، بحيث وصف نفسه بالأكرم عند ذكرها. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وهذه هي أعلى المراتب التي يمكن أن يصل لها الإنسان، فبعد أن كان في أدنى المراتب وهي العلقة أصبح في أفضل المراتب وهي أنه يعلم أو أنه تحصل العلم. وهذه من أعظم المنن من الله سبحانه وتعالى التي يمتن بها على عباده، والله سبحانه وتعالى ربط هذه المنة على هذا الإنسان بوصفه لنفسه بأنه الأكرم، وهذا يدلنا على أن هذا العلم أفضل نعمة يمكن أن تذكر من نعم الله التي يمتن بها على عباده، وإلا لما كانت في أول ما نزل من القرآن العظيم.

من المعاني أيضاً الدالة على فضل العلم أن الله سبحانه وتعالى وصفه بكونه رفعة لصاحبه، وأنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، كما قال تبارك وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].

وفي الحديث في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». يرفع بهذا الكتاب من تمسكوا به، ويضع به من أعرضوا عنه.

أيضاً من أعظم الدلائل على كون العلم رفعة لصاحبه أن الله سبحانه وتعالى أسجد الملائكة لآدم بما علمه إياه، قال تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: 31-34].

وقد رفع الله سبحانه وتعالى كثيراً من العلماء ولم يكن لهم نسب يذكر عند الناس، منهم الحسن بن أبي الحسن البصري، ومنهم محمد بن سيرين أيضاً البصري، ومنهم مكحول الشامي مكحول بن عبد الله، وغيرهم من العلماء، شرفوا بهذا العلم بما تحصلوه منه وبالتقوى.

ومن هؤلاء العلماء أيضاً العالم الجليل التابعي تلميذ ابن عباس عطاء بن أبي رباح، وقد كان رحمه الله كما يقال مستوحش الخلقة، كان أسود اللون، أعرج، أعور، أفطس، أشل، ومع ذلك كان إمام أهل مكة في زمنه، حتى إن إبراهيم بن عمر بن كيسان يقول: أذكر في زمن بني أمية أنهم يأمرون منادياً يصيح في الحج: لا يفتي إلا عطاء بن أبي رباح.

ومرة من المرات جاء إليه سليمان بن عبد الملك وهو خليفة ومعه ولداه، فجلسوا يسألونه عن المناسك، فحدثهم وصار يجيبهم وهو معرض عنهم بوجهه، فقال الخليفة لولديه: قوما ولا تكسلا في طلب العلم، فما ذُللنا بين يدي هذا العبد الأسود. يعني الذي رفع هذا العبد الأسود مع أن الألوان لا عبرة بها هو هذا العلم. وفيه يقول البدوي رحمه الله: والحبشي ابن أبي رباح مولاهم المشهور بالصلاح أعور أعرج أشل أفطس أسود من أنواره يقتبس

من تلك المعاني أيضاً الدالة على فضل العلم وصف الله له بالنور في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 174] إلى غير ذلك من الآيات، وقد عرف عند الناس هذه العبارة المشهورة: العلم نور. وإنما كان العلم نوراً لأنه الميزان الذي توزن به الأقوال والأعمال. ولذلك يقول ابن الجوزي: إن مما يدخل الشيطان أو إبليس على الناس أن يطفئوا لهم مصابيحهم، يطفئ لهم أنوارهم، يعني يكرههم في العلم، فإذا كرههم في العلم لم يبصروا الحق فصاروا يخبطون خبط عشواء.

نقف هنا قليلاً، ثم نعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله سبحانه وتعالى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا ذكرنا قبل الفاصل أن العلم نور، وأن ابن الجوزي كان يقول بأن الشيطان أو إبليس يلبس على الناس ويحاول أن يطفئ لهم مصابيحهم وهو العلم، يعني يصدهم عن العلم لكي يخبطوا في الظلماء خبط العشواء.

ومن الأبيات المشهورة السائرة قول أحدهم: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يعطى لعاصي

ويقول الآخر: العلم فيه حياة للقلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». في هذا الحديث ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث وسائل لبقاء عمل الإنسان بعده. ولو نظرنا إلى هذه الوسائل الثلاث وأردنا المقارنة بينها، لوجدنا أن واحداً منها يمكن أن يتوفر لكل أحد وهو العلم، فإن تحصيل العلم لا يحتاج من الإنسان إلا مجرد الجهد والتعب والتضحية، بخلاف الصدقة فإنها تحتاج إلى المال، وقد لا يتوفر المال للناس، وكذلك بخلاف الولد فإن من الناس من لا يولد له ومنهم من لا يتزوج أصلاً. ولذلك كان ابن المعتز رحمه الله يقول: علم الإنسان ولده المخلد، ولده الذي يبقى له. وفي ذلك يقول أبو الفتح البستي رحمه الله: يقولون ذكر المرء يبقى بنسله وليس له ذكر إذا لم يكن نسل فقلت لهم نسلي بدائع حكمتي فمن سره نسل فإني بذا نسل

من المعاني أيضاً الدالة على فضل العلم أنه مقدم على العبادة، هذه العبادة التي خلق الله الناس من أجلها كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. العلم مقدم عليها، ولذلك أمر الله بالعلم قبل العمل فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: 19]. وقد بوب البخاري في كتابه الصحيح باب: العلم قبل القول والعمل.

ولما سئل سفيان بن عيينة وهو شيخ مكة وإمامها عن فضل العلم قال: ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾، فأمره بالعلم قبل العمل. ثم إن العبادة لا تقبل ولا يهتدى إليها إلا إذا كانت بعلم، ولذلك قيل: العالم يعرف الجاهل لأنه كان قبل العلم جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن قط عالماً. وأيضاً قيل: كل واحد منهما زاهد في مكان الآخر. وفي ذلك يذكر الشافعي رحمه الله أبياتاً يقول فيها: ومنزلة السفيه من الفقيه كمنزلة الفقيه من السفيه فهذا زاهد في قرب هذا وهذا فيه أزهد منه فيه

وفي الترمذي وصححه من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». وقال: «إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير».

وأيضاً ورد في الترمذي بسند فيه شيء من الضعف عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». وابن الجوزي يقول: إن الصواب أنه من قول ابن عباس وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أن هذا موقوف على الصحابي ابن عباس أنه قال: عالم أشد على الشيطان من ألف عابد. وقد نظم بعضهم هذا المعنى في أبيات قال فيها: تعلم فإن العلم زين لأهله وفضل وعنوان لكل المحامد وإن فقيهاً واحداً متورعاً أشد على الشيطان من ألف عابد

أيضاً من المعاني الدالة على فضل العلم أن العلم أفضل من المال، هذا المال المعروف بين الناس الذي يحتاجه الناس في قوام حياتهم. العلم أفضل منه، ولذلك قيل: العلم يحرسك وأنت تحرس المال. العلم يزكو على الإنفاق والمال تفنيه النفقة. العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وصنعة المال تزول بزواله، يعني المدح لأجل المال يزول إذا زال المال. وكان يقال: مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر؛ أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. وفي ذلك يقول أحدهم: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور وكل فتى لم يحي بالعلم ميت وليس له حتى النشور نشور

حتى إن الرشيد سأل أحد القضاة أو أحد الوزراء عنده يحيى بن أكثم: ما أنبل المراتب؟ فقال: ما أنت فيه يا أمير.

للمؤمنين، فقال له الرشيد: افتعال مني؟ قال: لا، قال: لكني أعرفه رجل في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن أكثم يا أمير المؤمنين: هذا خير منك، وأنت ابن عم رسول الله وولي عهد المسلمين وأمير المؤمنين وكذا! فقال: ويلك، هذا خير مني؛ لأننا نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر. والشاعر يقول: أخو العلم حي خالد بعد موته وأوصاله تحت التراب رميمُ وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى يظن من الأحياء وهو عديمُ

وقد ذكر أبو إسحاق الألبيري قصيدة تائية رائعة وهي مشهورة، يحرض فيها ولده أبا بكر على العلم، وقد ذكر فيها كثيراً من المعاني التي ذكرت بعضها. وهي في الحقيقة طويلة، وذكرها ربما يطول علينا، لكني سأذكر منها بعض الأبيات الجميلة التي قد ذكرت منها بعض المعاني، يقول في مطلعها: تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاح أنت أريد أنت

إلى أن قال وهو يخاطب ولده أبا بكر: أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك إن عقلت إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت ويجلو ما بعينك من عشاها ويهديك السبيل إذا ضللت وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا اغتربت ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إن ذهبت وكنز لا تخاف عليه لصا خفيف الحمل يوجد حيث كنت يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددت

أيضاً من فضل العلم ومن شرفه أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه وهو خير الخليقة أن يسأل الله سبحانه وتعالى الازدياد منه، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. لذلك ينبغي على العاقل أن لا يضيع ساعة من عمره في غير طلب العلم والعمل الصالح، وينبغي له أن يعلم أن العلم شأنه عظيم، وما كان كذلك فلا يمكن أن ينال بجهد يسير، لابد من جهد وتضحية، ولذلك قيل: لا ينال العلم براحة الجسد.

كان العلماء يبذلون في تحصيل العلم نفائس الأوقات ونفائس الأموال، ويغتربون عن الأوطان وعن الأهل وعن الأحباب، ويصبرون على مكابدة الضم وعلى الجوع، ويتحملون التعب، ويتحملون الذل وقلة ذات اليد وصلف الشيوخ، والأخبار في هذا كثير جدا. قيل لبعض أهل العلم: بما أدركت هذا العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح. وقال آخر لما قيل له: بم نلت العلم؟ قال: بالسفر والسهر والبكور في السحر. وآخر قال: لا يحصل العلم إلا باستناد الحجر وافتراش المدر وإدمان الجوع والسهر. وقال آخر: لن يدرك العلم من لا يطيل درسه ولا يكد نفسه.

ومن الأبيات المشهورة أيضا: تمنيت أن تمسي فقيها مناظرا بغير عناء فالجنون فنون وليس اكتساب المال دون مشقة تحملتها، فالعلم كيف يكون؟

والأخرى وهي أبيات مشهورة جدا ومعروفة يقول: بقدر الكد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي ومن طلب العلا من غير كد أضاع العمر في طلب المحال

وهناك أيضاً من الأشعار منظومة لحماد بن الأمين وهي معروفة باسم "النصيحة"، كانوا ينصحون فيها ولده أو أولاد المسلمين، يقول في مطلعها: بني إن البر شيء هين دونك من هد الذي أبين نصيحة من والد حفي بك هديت الرشد من بني

إلى أن قال وهو يوصي ولده أو أولاد المسلمين بالعلم، ذكر العلم ثم قال له: تغرب وتواضع واتبع وجع وهن واعص هواك واتر حتى يرى حالك حال المنشد: لو أن سلمى أبصرت التخدد، ورقة في عظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفوة عضت من الوجد بأطراف اليد

العلم يحتاج إلى التعب، لكن عاقبة هذا التعب والنصب من أجل العلم عظيمة وثمرته غالية. ولذلك قال بعضهم: فاشدد يديك بحبل الدرس مجتهدا وإن أمضك طول الجوع والسهر فإن التجار إذا راحوا وقد ربحوا وأنسهم الربح ما عناهم السفر

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل أن نلتقي بكم في حلقات قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.