دخولتسجيل الدخول

الحلقة 2: فضل الفقه

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سأتكلم فيها بإذن الله عن فضل الفقه بشكل خاص، مع أن فضل الفقه داخل في فضل العلم، وقد تكلمنا عنه في الحلقة الماضية. إلا أن فضل الفقه قد ورد فيه عدد من النصوص، ومن تلك النصوص قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].

فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ دليل على فضل الفقه بغض النظر عن تفسير الآية بشكل عام، لأن تفسير الآية ورد فيها أقوال، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى ذكر التفقه في الدين في سياق الآية على سبيل المدح. والآية تحتمل عدة معانٍ، وهي ثلاثة معانٍ مشهورة، وكل هذه المعاني صالحة لتفسير هذه الآية؛ وهذا من بلاغة القرآن ومن الإعجاز فيه أن هناك آية واحدة فيها عدد من المعاني، وهذه المعاني كلها تدل على فضل الفقه وأهميته.

من تلك المعاني التي تحتملها الآية: أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين ألا ينفروا كافة عند خروج النبي عليه الصلاة والسلام للجهاد في سبيل الله. وهذا الأمر في هذه الآية جاء بعد أمر سابق للمسلمين بالخروج كافة مع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تبارك وتعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41]، وذلك في غزوة تبوك، ثم عاتبهم الله على التخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ [التوبة: 120]. فجاء هذا الأمر في هذه الآية ناسخاً للأمر الأول، ومبيناً لهم أنه لا ينبغي بعد ذلك أن ينفر الناس بكليتهم جميعاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركوا المدينة والذرية والأموال هكذا بلا حماية، وإنما ينبغي أن يخرج طائفة من كل فرقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشاركوا في الجهاد، وأيضاً يتفقهوا مع رسول الله أو من رسول الله في الدين، ثم ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم في المدينة. هذا هو المعنى الأول.

المعنى الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين ألا يخرجوا كافة إلى الجهاد ويتركوا النبي عليه الصلاة والسلام خلفهم في المدينة ليس معه أحد، أو ليس معه إلا القليل، وذلك يكون عند خروج السرايا التي ليس فيها النبي صلى الله عليه وسلم. فأمرهم الله سبحانه وتعالى بألا ينفروا كافة، بل ينبغي أن يخرج طائفة من كل فرقة، ويبقى مع النبي عليه الصلاة والسلام طائفة من كل فرقة ليتفقه هؤلاء الباقون الذين جلسوا في الدين، حتى إذا رجع إليهم المجاهدون ينذرونهم ويخبرونهم بما استجد من الوحي. وعلى هذين المعنيين تكون الآية من بقايا أحكام الجهاد الواردة في سورة التوبة.

المعنى الثالث: أن الآية ليست من بقايا أحكام الجهاد الواردة في الآيات قبلها، بل حكمها مبتدأ ومستقل بنفسه. وذلك أن يقال إن الله سبحانه وتعالى لما بين في هذه السورة الهجرة والجهاد، وهما عبادتان متعلقات بالسفر، بين أيضاً عبادة التفقه المتعلقة بالسفر، فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم من بلدانهم، ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتفقهوا في الدين، وليعرفوا الحلال والحرام، ثم يعودوا إلى أوطانهم وإلى بلدانهم فينذروا قومهم ويخبرونهم. هذا هو المعنى الثالث، وعلى جميع هذه المعاني الآية دالة على فضل الفقه وأهميته، حيث أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالتفقه في الدين وتعليم غيرهم ما تعلموه.

من ذلك أيضاً من النصوص الدالة على فضل الفقه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. هذه الآية تدل بعمومها على فضل العلم والعلماء، ومنهم الفقهاء؛ فإن الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين عند حصول نازلة أو أمر مهم يتعلق بالأمن أو بالخوف، أمرهم برد ذلك إلى أولي الأمر منهم وهم أهل المسؤولية، ومنهم العلماء والفقهاء؛ لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. والاستنباط هو الفقه، وهو الفهم، وهو إدراك حقائق الأمور.

وهذه الآية في الحقيقة منهج عظيم من المناهج الإسلامية في تربية الشعوب وفي توجيهها إلى ما ينبغي فعله عند حصول الأمور العظيمة والحوادث الجليلة؛ حيث ينبغي عليهم صيانة أمتهم بعدم إشاعة الأمور المهمة دون الرجوع إلى من يعلم حقائقها، لأنه ربما كان في إشاعته أو إفشائه خطر على الأمة أو فساد أو تضليل. وقد تكون تلك الأمور مما لا ينبغي إذاعته أو إفشاؤه لما فيه من تسهيل المهمة على أعداء الأمة بالتجسس عليها ومعرفة مواطن الضعف والقوة لدى المسلمين. فهذه الآية تعلم عامة المسلمين المنهج الصحيح عند سماع الأخبار المتعلقة بالأمة بآمنها أو بخوفها، وتجب عليهم في تلك الأخبار أن يردوها إلى أهلها، إلى الذين يستطيعون معرفة الحقيقة. ومخالفة هذا المنهج سبب للضرر من عدة وجوه.

الوجه الأول: أنه إرجاف وتخويف لعموم الناس، وقد ذم الله سبحانه وتعالى أهل الإرجاف في قوله: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60]. الوجه الثاني: أنها سبب للضرر، فإفشاء هذه الأخبار وإشاعتها لا تخلو من الكذب والزيادات؛ فإن لم يكن الخبر صحيحاً أو لم تكن فيه تلك الزيادات ربما سبب شبهة أو تشويشاً على ضعفاء المسلمين، وربما وقعوا في الحيرة عند ذلك والاضطراب، فكانت تلك الأراجيف سبباً للفتنة.

الوجه الثالث: أن الإرجاف سبب يدعو إلى التقصي والبحث الشديد، إما من قبل العدو المتربص، وإما من قبل المسؤولين للتوثق من الخبر وبيان حقيقته، وذلك سبب لهدر المقدرات، وربما يكون سبباً لظهور الأسرار التي لا ينبغي ظهورها، وذلك مما لا يتفق مع مصلحة الأمة. الوجه الرابع: أن نظام الحياة وناموسها يقتضي بقاء العداوات والصراعات بين الأمم، وكل ما كان أمناً لأمة فهو خوف لأعدائها والعكس صحيح، والإرجاف فيما يتعلق بذلك مع ما يصاحبه من المبالغة -إن كان في أمر استعداد العدو، أو إن كان في أمر متعلق بالأمن- فقد يكون سبباً في أخذ الحيطة من قبل الأعداء، والعكس بالعكس. وإذا كان الإرجاف فيما يتعلق بالخوف قد يكون سبباً في نشر الرعب والخور في صفوف عامة المسلمين، فهذا مما ينبغي أن يحذر منه.

هذا المنهج الذي ترسمه هذه الآية فيما يتعلق بأمن الأمة يمكن التمثيل عليه بأمور أخرى غير أمور الجهاد والحرب، وأقرب شيء يمكن التمثيل به ما حدث هذه الأيام من الأراجيف الكثيرة المتعلقة بهذا الوباء المنتشر في جميع أنحاء العالم المسمى "كورونا" أو "كوفيد 19". فالناس من قائل بأن هذا الوباء إنما هو مؤامرة كبيرة يشترك بها كثير من الدول لقتل الشعوب، ومن قائل بعكس ذلك أن هذا الوباء مبالغ فيه ولا حقيقة لوجوده، وهذا الموت الذي نراه بين الناس والمرض إنما هو أمر طبيعي وقد كان موجوداً ولا يُذاع، ومن قائل بأنه مفتعل لأجل الربح المادي الذي سيجنونه من اللقاحات، ومن قائل بأن هذه اللقاحات خطيرة على الجينات الوراثية، وبعضهم يقول فيها تزرع شرائح في أجساد الناس عبر هذه اللقاحات، ومن هذا إلى غير هذا من الأراجيف الكثيرة.

الكثير من هؤلاء الناس -للأسف- تجدهم من عوام الناس، وتجد الكثير منهم يروجون لبعض المقاطع الصوتية أو المرئية لأناس لا يُعرف من هم، أو ما هو تخصصهم، أو ما هي دوافعهم، أو مدى الثقة بهم. وكان الأولى بالمسلمين في مثل هذه الحالة التقيد بالمنهج القرآني والتثبت من كل ما يبلغهم بالرجوع إلى أهل العلم والفقه والاختصاص وترك الأمر لهم. ليس من المنطق تصديق مثل هذه الترهات أو ترتيب بعض النتائج السيئة عليها، كأن يقول قائل: "لا داعي للاحترازات فكل ذلك كذب وهراء"، أو "لا تأخذوا اللقاحات فإنها مضرة وسيئة"، إلى غير ذلك مما قد يترتب على تلك الإشاعات.

الأمر في الحقيقة ليس بهذه السطحية، فها نحن نرى الدول التي لا يُشك في مراعاتها مصلحة مواطنيها تبذل الغالي والنفيس في حماية سكانها، وذلك على حسب الاقتصاد وعلى حسب النهضة. وعليه، علينا أن نرد الأمر إلى أهله؛ فهم أهل الاختصاص وأهل الاستنباط، وقد قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وهذه كما ذكرت قاعدة صالحة في كل فن من الفنون، يعني في كل علم من العلوم، سواء كان ذلك في الشرع والدين أو في الطب أو في السياسة أو في غيرها من الأمور؛ لأن الناس إذا لم يردوا الأمر إلى أهله وانتشرت هذه الإشاعات صارت الفوضى.

ولذلك قال بعض الشعراء قديماً: لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سُراةَ لهم ... ولا سُراةَ إذا جُهّالُهم سادوا والبيتُ لا يُبتنى إلا بأعمدةٍ ... ولا عمادَ إذا لم تُرْسَ أوتادُ إذا تولّى سُراةُ القومِ أمرَهمُ ... نما على ذاك أمرُ القومِ فازدادوا تُهدى الأمورُ بأهلِ الرأيِ ما صلحت ... فإن تولّت فبالإيمانِ تزدادُ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنت قبل الفاصل قد ذكرت بعض ما يذكره الناس من الإشاعات أو الأراجيف المتعلقة بالوباء. ومن الغرائب التي سمعتها وسُئلت عنها قول بعضهم إن هذا الوباء مفتعل، وإن المقصود به المسلمون، والمقصود به على وجه الخصوص عبادة المسلمين ومساجدهم؛ فتجد بعضهم يقول: "لماذا كل الأشياء التافهة يتم التساهل معها، فنجدها مفتوحة والناس فيها بعضهم بجانب بعض وقريبون من بعض كالأسواق والمحلات التجارية، وهذه الأشياء، بينما المساجد نجدها مشدداً عليها، تغلق أبوابها بعد الصلوات مباشرة، والصفوف متفرقة متباعدة، والمصاحف غير موجودة؟". ثم يورد بعد ذلك الاستنتاج السابق فيقول: "إذاً المقصود هو المسلمون، المقصود هو عبادة المسلمين ومساجد المسلمين". هكذا يظهر له التحليل والاستنتاج.

وعندي في الحقيقة على هذه الطريقة من الاستدلال والاستنتاج بعض الملاحظات. أولاً: لا بد أن نعلم بأن أكثر ما يهتم به أعداء المسلمين هو تغيير معتقداتهم وتغيير الهوية الدينية، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89]. وإنما يودون ذلك لأن العقيدة والهوية والفكر في نظرهم هي التي تشكل خطراً عليهم، ولذلك نجدهم يحاولون غزو شبابنا وبناتنا في أفكارهم، ويحاولون تشكيكهم في معتقداتهم، وتجدهم يهاجمون النصوص المتعلقة بالمرأة بحجة المحافظة على حقوقها، وهكذا إلى غير ذلك من المحاولات الكثيرة المعروفة.

أما العبادة فإنها لا تشكل خطراً عليهم، ولذلك نجدهم يستهزئون، كما ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 58]. وليس معنى كلامي هذا التهوين من شأن العبادة، بل الإنسان إنما خُلق للعبادة، لكنه لن يتمكن من العبادة الصحيحة إلا بالعلم، إلا بالفقه، ولن تكون العبادة مقبولة إلا إذا كانت على الوجه الصحيح باعتقاد صحيح؛ ولذلك فأكثر ما يشغل هؤلاء هو تغيير المعتقد والتشكيك في صحة الإسلام، وأما ما سوى ذلك فهو تبع له. هذه هي الملاحظة الأولى.

الملاحظة الثانية: أن هذا التعميم الذي يذكره هذا السائل، وهو قوله "المساجد مشدد عليها وما سواها يتساهل فيه"، يعني هذا تصور في الحقيقة غير صحيح وفيه نوع مغالطة؛ وذلك لأن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة تتساوى فيها جميع المؤسسات بحسب الظروف، فتجد مؤسسات الدولة تراعي الظروف الاحترازية كالتفاح الاحتراز كقياس الحرارة، كلبس الكمام وهكذا. أماكن الجلوس تجد بين كل كرسيين مكتوباً على الكرسي الثاني "عدم الجلوس"، وهكذا. وهذا بالنسبة للأسواق، تجد على أبوابها من يأخذ درجة الحرارة، ومن يسأل عن الكمام والاحتراز، وإنما الناس أنفسهم هم الذين يخالفون أو لا يأخذون المسألة على محمل الجد، فتجد هذا يدخل وهذا بجانبه يخرج، وتجد هذا يسير بجانب هذا؛ ومثل ذلك لا يمكن التحكم فيه أو ضبطه. غاية ما يمكن ضبطه أو تقييده هو أماكن الجلوس وكما ذكرت لبس الكمام والتدقيق على الاحتراز ونحو ذلك.

وهذا الحال ينطبق على المساجد أيضاً، فإننا غاية ما يمكن التدقيق عليه في المساجد هي تلك الإجراءات نفسها، وحث الناس على أن يجلب كل واحد منهم سجادة مثلاً، ويقرأ في جواله أو مصحفه، كل هذا بالإضافة إلى إغلاق دورات المياه، كل ذلك حرصاً من المسؤولين على ضبط ما يمكن أن يكون في ضبطه حماية للناس. ومع ذلك نجد هناك مخالفات؛ كما الذي نجده في الأسواق نجده أيضاً في المساجد، فنجد المصلين يسيرون بعضهم بجانب بعض ويسلمون على بعض، وإذا صلوا خارج المسجد تراصوا في الصفوف وهكذا، فمثل هذه التصرفات لا يمكن ضبطها لا في المساجد ولا في غير المساجد، فالقول بأن

الدولة أو المسؤولون يشددون على أهل المساجد ويتساهلون على غيرهم، قول لا يستند فيما أظن إلى دليل أو واقع صحيح. الكل يرغب بأن تعود الحياة إلى طبيعتها وخصوصاً في المساجد، لكن كما يقال قديماً: «مكره أخاك لا بطل».

أيضاً من الملاحظات على ذلك القول أن هذا القول على بساطته فيه شيء من التهمة لأهل الاختصاص بأنهم متواطئون مع أعداء الأمة في ضرب عبادة المسلمين، وهذا ما لا يمكن تصوره من مسلم عامي، فكيف يمكن تصوره من أمة كاملة فيها العلماء والفقهاء والمتخصصون في الطب وسائر أنواع العلوم التي لها مدخل في هذا الباب. فهذه الملاحظات التي رأيتها على القول السابق بشكل مختصر.

أما ما يتعلق بموضوع الحلقة وفضل الفقه، فقد ذكرت فيه آيتين من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهناك آيات أخرى كقوله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وفيه أحاديث أيضاً، منها ما ثبت في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وهذا الحديث قد ورد عن جماعة من الصحابة أيضاً.

ومن الأحاديث ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم». قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله». قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألونني؟» قالوا: نعم. قال: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». وهذا أيضاً يدل على أن الشرف في الإسلام لا يتم إلا بالتفقه في الدين.

وأيضاً في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء، فوضعت له وضوءاً، فقال: «من وضع هذا؟» فأخبره، فقال: «اللهم فقهه في الدين»، فدعا له بالفقه في الدين. وأيضاً في الخمسة -وهي مسند أحمد والسنن الأربعة- من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه». وهذا الحديث حديث صحيح مشهور، وقد عده بعض أهل العلم متواتراً.

وكذلك من الأحاديث الذي ذكرته في الترمذي بسند فيه شيء من الضعف -وهو الأصح أنه عن ابن عباس-: «فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد». ويذكر ابن عبد البر حافظ المغرب، كما ذكرت عن جعفر بن محمد وهو المعروف بالصادق، أنه كان يقول: ما موت أحد أحب إلى إبليس من موت فقيه. وكان يقال: من طلب الحديث قويت حجته، ومن طلب الفقه نبل قدره.

وفي ذلك يقول بعضهم: وكل من كل فن خذ ولا تجهل به فالحر مطلع على الأسرار وإذا فهمت الفقه عشت مصدراً في العالمين معظم المقدار

وحماد بن الأمين الذي ذكرت منظومته وهي التي مطلعها: «بني إن البر شيء هين، دونك منه ذا الذي أبين»، يقول في هذه النصيحة: فزد به فالحلم زين الظرفا والعلم نعم المقتنى والمقت في طلبه فريضة وافرض علم مهمك به أبداً تقبضه فقوته الفقه وملحه الذي يصلحه نحو جهول لهم بذي وأسد إدامة تحقيقه سيرة خير واجب تصديقه

إلى آخر كلامه، فقال: «فقوته الفقه»، فجعل الفقه هو القوت.

الحقيقة الكلام عن فضل الفقه كثير جداً، وقد ألف فيه العلماء عندنا الخطيب البغدادي حافظ المشرق، ألف فيه كتاباً سماه «الفقيه والمتفقه». وغير الخطيب البغدادي أيضاً ألفوا في علم الفقه، وهناك كتب في أصول الفقه، وهناك كتب في مسائل الفقه؛ ففضل الفقه به يعرف الحلال، به يعرف الحرام، به يعرف الخير من الشر. ففضله لا يتسع في الحقيقة له حلقة واحدة ولا حلقات، لكن نكتفي بهذا القدر إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.