الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة التي سنتكلم فيها بإذن الله بشكل موجز عن بداية تاريخ الفقه، وسأبتدئ في هذه الحلقة بذكر أشهر فقهاء الصحابة الكرام، وهم الخلفاء الراشدون، وما حصل لهم من النوازل بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام.
انتشر الصحابة في البلدان، وانتشر العلم والفقه عن طريقهم، وابتدأ زمن الاجتهاد، وكان مرجع الأحكام في عهدهم الكتاب والسنة والقياس عليهما، وكان الصحابة رضي الله عنهم يتشاورون فيما بينهم في المسائل، وكان منهم مفتون مشهورون، ومن أشهر المفتين في الصحابة الخلفاء الراشدون.
وأول هؤلاء الخلفاء الراشدين أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو كما تعلمون أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق وأخصهم به، فهو صاحب الغار وأعلم الناس بسنته وأعلم الناس به عليه الصلاة والسلام. وقد ظهر من علمه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما جعله يقدمه على الناس كافة، ومن لطائف فطنته رضي الله عنه ولطائف فهمه ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: «إن الله تبارك وتعالى خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله». فبكى أبو بكر الصديق، يقول أبو سعيد: فعجبنا لبكائه، النبي يخبر عن رجل خُيِّر، فكان أبو بكر يبكي! قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا، يعني كان النبي ينعى نفسه لهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودة الإسلام، ثم قال: لا يبقين باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر». المسجد فيه أبواب مفتوحة، فأمرهم بإغلاق كل الأبواب إلا باب أبي بكر رضي الله عنه.
حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كانت وفاته أعظم نازلة نزلت بالصحابة رضي الله عنهم حتى ذُهل كبراء الصحابة، حتى إن عمر رضي الله عنه كان ينكر ذلك ويخطب في الناس ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفني الله عز وجل المنافقين. إلى أن جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مغطى بثوب، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها.
ثم خرج وكان عمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فأقبل الناس على أبي بكر وتركوا عمر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم قرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144].
يقول: والله لكان الناس كأنهم يسمعون هذه الآية كأنها اليوم نزلت، حتى صار الناس يتلونها، يعني تلقوها عن أبي بكر الصديق، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها. يقول أبو سعيد الخدري: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، يعني سقطت، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.
ومن أعظم النوازل التي مرت بهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتداد طوائف من الناس، ارتداد كثير من العرب ومنع كثير منهم الزكاة. نهض أبو بكر الصديق عند ذلك لقتالهم، فأشار عليه عمر وغيره من الصحابة بعدم القتال، وأن يتألفهم، فغضب أبو بكر وقال لعمر -في بعض الروايات-: «أجبار في الجاهلية، خوار في الإسلام؟ بماذا عسيت أن أتألفهم؟ أبشعر مفتعل أو بسحر مفترى؟ هيهات هيهات! مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي، والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها».
يقول عمر: كيف تقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلا الله، والنبي يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم «إلا بحقها». قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. ولم تطل حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم تكثر الأحاديث الواردة عنه.
ثم جاء بعده عمر الفاروق رضي الله عنه أمير المؤمنين، وعلمه وأحواله أكثر من أن تذكر في حلقة واحدة؛ فهو الذي نزل القرآن بموافقته في أماكن متعددة: في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي تحريم الخمر، وفي مقام إبراهيم. وهو أول من دون الديوان، وهو أول من أرخ التاريخ الهجري، وسن قيام شهر رمضان، ومصر الأمصار، واستقبل القضاة؛ فأعماله جليلة عظيمة.
يقول ابن مسعود فيه: إني لأحسب عمر رضي الله عنه ذهب بتسعة أعشار العلم. ويقول أيضاً: لو أن علم عمر وضع في كفة الميزان، ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر. والشعبي وهو من كبار التابعين من الأئمة الكبار من أهل الكوفة يقول: من سره أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقول عمر. وسعيد بن المسيب وهو أفضل التابعين في قول جماعة من أهل العلم كان يقول: وكذلك هو أعلم الناس بعمر، حتى كان عبد الله بن عمر يسأله عن أحوال أبيه، كان يقول: ما أعلم أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وعمر له اجتهادات كثيرة رضي الله عنه وفتاوى، حتى قال بعض أهل العلم -ابن حزم- يقول: لو جمعت لكانت في مجلد، وكان ابن القيم يشرح فقط رسالته لأبي موسى الأشعري في القضاء، شرحها في ثلث كتابه "إعلام الموقعين" الذي هو في أربع مجلدات. ومع علمه رضي الله عنه كان إذا نزلت به نازلة جمع الصحابة واستشارهم، والأخبار في هذا كثيرة، منها مرة من المرات في حديث عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبا في زمن عمر، فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية، فجمع الصحابة واستشارهم، فقال: ما رأيكم؟ فقال بعضهم: مدح أباه وأمه، وأبرأ نفسه. وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، فنرى أن تجلده الحد، يعني حد القذف، فجلده عمر بن الخطاب ثمانين جلدة.
ومن عجائب فقه عمر نازلة نزلت به وهي تسمى باسمه في المواريث، وتسمى العمرية، وهي فيها شيء من العسر، لكن سأحاول تبسيط المسألة وشرحها، لكن تحتاج إلى بعض الانتباه. صورة هذه المسألة العمرية: زوج ترك أبوين وزوجة، أو زوجة تركت أبوين وزوجاً. وفي كلا الصورتين أعطى عمر بن الخطاب الزوج نصيبه، أو الزوجة نصيب الزوج: النصف، أو نصيب الزوجة إذا كان الميت زوجاً الربع، وما بقي من المال قسمه: فأعطى الأم ثلث الباقي، والأب الثلثين، يعني الباقي، فكان للأب ضعف الأم، وقد وافقه على هذا جماعة من الصحابة وخالفه آخرون، وانتصر جماعة لكلام عمر رضي الله عنه.
هذه المسألة فيها آية جامعة، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]. هذه الآية ذكرت للأبوين ثلاث حالات، وهناك حالة رابعة لم تذكر:
الحالة الأولى عند تفرد الأبوين بالميراث، يكون للأم الثلث كاملاً والباقي للأب وهو الثلثان، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ يعني انفرد بالميراث ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي والباقي لأبيه وهو الثلثان.
الحالة الثانية مع وجود الولد، يعني الأولاد، الأولاد معناها البنات والبنين، لكل من الأبوين السدس والباقي للأولاد، قال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ هذه الحالة الوحيدة التي يتساوى فيها الأب والأم.
الحالة الثالثة عند وجود الإخوة، فيكون للأم السدس وللأب الباقي وهو خمسة أسداس، والإخوة لا شيء لهم، إنما يحجبون الأم من الثلث ولا يرثون، قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أي وللأب الباقي، فالأب هنا في هذه الحالة والحالة الأولى أكثر من الأم.
الحالة الرابعة وهي النازلة التي نزلت بعمر، وهي عند وجود أحد الزوجين مع الأبوين بلا أولاد وبلا إخوة، فأقرب الحالات لهذه الحالة الحالة الأولى، لكن عمر رأى أنه لو طبق الحالة الأولى بمعنى وهي انفراد الأبوين بالميراث، وأعطى الأم الثلث والزوج النصف، الثلث والنصف معناه بقي السدس، لكان نصيب الأب السدس وهو الباقي، فيصبح الأب كأنه نصف الأم، وهذا لا نظير له في الحالات السابقة ولا في ميراث الأب والأم. فرأى عمر أن يعامل المال المتبقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة كما لو كان هو المال كله الذي انفرد به الأبوان، فكان نصيب الزوج أو الزوجة دين على المال، فلما أعطى الزوج أو الزوجة نصيبه، أعطى الأم ثلث الباقي، وكان الباقي بعد ذلك للأب، فيكون للأب ضعف الأم والأم لها نصف الأب، فتحصل من هذا أن هذه الحالة صارت موافقة للحالات الأولى؛ لأنه لو أعطى الأم الثلث كاملاً لأصبحت أكثر من الأب في إحدى الصورتين، وهذا لا نظير له في مسائل الميراث، والله تعالى أعلم. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيضاً من فقهاء الصحابة الكبار الصحابي الجليل عثمان بن عفان أمير المؤمنين، أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وثالث الخلفاء الراشدين، وهو صاحب الهجرتين ذو النورين. قيل للمهل بن أبي صفرة لما قيل لعثمان ذو النورين؟ قال: لأنه لا يعلم أحد تزوج ابنتي نبي غيره. عثمان رضي الله عنه له أحكام كثيرة، يعني أحكام فقهية يمكن أن تكون في ميراثها، منها أنه ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية زوجة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه رغم أنه قد بت طلاقها في مرض موته، يعني طلقها البتة يعني بانت منه ومع ذلك ورثها عثمان.
وإنما فعل ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه وتبعه جماعة من الفقهاء؛ لأن الطلاق في مرض الموت محل تهمة، بأن مقصود الزوج من الطلاق حرمانها من الميراث، وهذا يدل على فقهه رضي الله عنه؛ فإن الفقهاء متفقون على أن المريض مرض الموت محجور عليه في تبرعاته لحق الورثة، فلا يصح عند العلماء أن يتبرع المريض مرض الموت بأكثر من الثلث، فكان عثمان كأنه رأى أن طلاق المريض مرض الموت تهمة متعلقة بمال الورثة، فجعل ذلك غير مانع، جعل الطلاق غير مانع لهذه المرأة من الميراث، وهذا من فقهه كما ذكرت رضي الله عنه.
ومن أهم تلك الأحكام أو المسائل التي تعد في مناقب عثمان رضي الله عنه جمعه للقرآن وكتابته للمصاحف، مصحف الإمام، وإتلاف ما سوى ذلك لئلا تفترق الأمة، وقد سمي رسم ذلك المصحف الإمام بالرسم العثماني. وقد حصلت معارضة في البداية لعثمان من قبل بعض الصحابة الذين لم يشهدوا العرضة الأخيرة؛ لأن القرآن كانت هناك عرضات سابقة، ثم جاءت العرضة الأخيرة وقد شهدها عثمان وجماعة من الصحابة الذين انتُدبوا لجمع القرآن. وقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قد بدأ ذلك الجمع، وانتدب له زيد بن ثابت، وذلك حين كثر القتل في القراء في زمن أبي بكر أيام الردة، فجمع زيد بن ثابت أو ندب أبو بكر زيد بن ثابت لجمع القرآن من الرقاع والأكتاف وصدور الرجال.
ثم كانت تلك الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر الصديق، ثم انتقلت في زمن عمر إلى عمر، ثم من عند عمر انتقلت إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنها زوج النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كان زمن عثمان وجاء حذيفة من بعض الغزوات، قدم على عثمان وقال له: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة رضي الله عنها إلى عثمان، فأمر زيداً وجماعة من الصحابة فنسخوا ما في هذه المصاحف، ثم ردوا الصحف التي أخذوها من حفصة إليها، وأرسل إلى كل بلد أو كل أفق من الآفاق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من مصاحف أو من الصحف أن تحرق، وهذا من مناقبه رضي الله عنه.
ومن الصحابة الكبار الفقهاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أبو الحسن والحسين، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو أول من أسلم في قول بعض العلماء، وقيل هو أول من أسلم من الصبيان، وأبو بكر هو أول من أسلم من الرجال. كان علي رضي الله عنه من أعرف الصحابة بالقضاء، وقد ورد فيه حديث مرسل أنه أقضى الصحابة، فإن صح ذلك فيحق له رضي الله عنه. فقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم وكان صغير السن إلى اليمن بعثه قاضيًا، قال علي: قلت يا رسول الله، تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حدث لا أبصر القضاء؟ قال: فوضع يده على صدري ودعا عليه الصلاة والسلام فقال: «اللهم ثبت لسانه واهد قلبه».
يقول علي رضي الله عنه: فما اختلف علي القضاء، والنبي أوصاه قال: «إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء». يقول رضي الله عنه: فما اشكل علي قضاء بعد ذلك. وهذا الحديث أخرجه الخمسة، وقواه جماعة من أهل العلم منهم علي بن المديني رضي الله عنه. وكان سعيد بن المسيب يقول: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن، يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومن القضايا العجيبة التي حصلت والنوازل التي مرت به عليه رضوان الله سبحانه وتعالى لما كان في اليمن، وأشكلت هذه على كثير من الفقهاء، وبعضهم جعل الحكم فيها من أبعد الأشياء عن القياس، الحكم الذي حكم به علي مسألة التزاحم، وهي سقوط أناس تزاحموا على رأس بئر، وهذه البئر المسألة أصلًا تسمى الزبية، زبية الأسد هي بئر لأسد صدوا فيها أسدًا. أصل هذا أن قومًا من أهل اليمن حفروا هذه الزبية للأسد فوقع فيها الأسد، فاجتمع الناس على رأس هذه البئر، فهوى فيها واحد من التزاحم فجذب ثانيًا، وجذب الثاني ثالثًا، وجذب الثالث رابعًا، فقتلهم الأسد.
فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع بكمالها، وجعل الديات على من حضر رأس البئر، يعني على قبائل الناس الذين حضروا رأس البئر، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هو كما قال». وهذه في الحقيقة أو هذا الحكم في الحقيقة هو مقتضى القياس، وهو مقتضى العدالة؛ فإن الأول قد هلك أو مات بسبب مركب من أربعة أشياء: سقوطه هو الذي سببه الزحام، وسقوط الثاني والثالث والرابع فوقه. لكن سقوط الثلاثة فوقه من فعله هو، هو الذي جذبهم ومن جنايته على نفسه، فسقط ما يقابل ذلك وهو ثلاثة أرباع الدية، وبقيت ربع الدية لأن سقوطه الأول لم يتولد من فعله، لم يكن هو السبب في ذلك، وإنما تولد من التزاحم الذي كان على رأس البئر، فلم يهدره رضي الله عنه فأوجد ربع الدية.
وأما الثاني، فإن هلاكه كان من ثلاثة أشياء: من جذب من قبله له، وسببه التزاحم، وجذبه هو لثالث ورابع، فسقط ما يقابل جذبه لغيره وهو ثلثا الدية، اعتبر ما لا صنع له فيه وهو الثلث الباقي، فصار لورثته ثلث الدية. وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: بجذب من قبله له وجذبه هو للرابع، فسقط فعله دون السبب الآخر الذي هو مقابل لسقوطه هو، فصار لورثته النصف. وأما الرابع فليس منه فعل البتة، يعني إنما هو مجذوب، لم يحصل منه فعل على غيره، فكان لورثته كمال الدية. وقضى علي رضي الله عنه بالدية بالربع والثلث والنصف والدية بكمالها على عواقل القوم الذين حضروا البئر، يعني على القبائل، وذلك لتدافعهم.
هذه بعض أخبار الصحابة رضي الله عنهم، ولهم أخبار كثيرة ومسائل ونوازل قد تكلموا فيها، ولو استطرد لطال الكلام. ويمكن أن نذكر واحدة من تلك النوازل، منها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزلت به نازلة وهي أنه رفع إليه امرأة قد وضعت حملها في ستة أشهر، يعني بعد زواجها بستة أشهر جابت بولدها، فرفعت إلى عمر فاستشار فيها الصحابة، فقال جماعة منهم بأن عليها الرجم. فقال: ما ترى يا أبا الحسن؟ وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: أرى أنه ليس عليها شيء. فسئل عن ذلك فقال: لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]، فوقت الرضاع حولين كاملين بمعنى أربعة وعشرين شهرًا. ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، فإذا كان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا والله سبحانه وتعالى بين وقت الرضاع أنه سنتين معناها أربعة وعشرون شهرًا، فلو خصمنا أربعة وعشرين شهرًا من الثلاثين شهرًا لبقي ستة أشهر، وهي أقل مدة للحمل، فنجت بذلك من الرجم بهذا الاستنباط العجيب الذي استنبطه هذا الصحابي الجليل.
واتفق بعد ذلك عليه العلماء، بل إن ابن عباس استنبطه أيضًا في واقعة أخرى حصلت مع عثمان لم يكونوا قد علموا بالواقعة الأولى، فرفعت إلى عثمان، فقال علي، قال ابن عباس لعثمان مثل ما قال له علي. وكلاهما القصتان واقعتان يعني في وقتين مختلفين، وثابتتان عن هذين الصحابيين الجليلين، واتفق العلماء على ذلك، فحصل الإجماع على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري