الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد تقدم في الحلقة الماضية بعض الكلام عن تاريخ بداية الفقه على يد الصحابة الكرام، وذكرت على وجه الخصوص الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين. وهناك الكثير من الفقهاء من الصحابة الكرام الذين لا يتسع المقام لذكرهم وذكر ما روي عنهم من الفقه؛ منهم عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعائشة، وأبو موسى، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين.
هؤلاء الصحابة مع الخلفاء الأربعة هم أكثر من انتشر عنهم العلم في سائر البلدان، وعنهم تكونت المدارس الفقهية، ومن أهم تلك المدارس الفقهية ثلاث مدارس: مدرسة أهل المدينة، ومدرسة أهل مكة، ومدرسة أهل الكوفة. مدرسة المدينة كانت أهم تلك المدارس لكونها كانت دار الإسلام وفيها جمهور الصحابة الكرام، وقد ظهر فيها أئمة من كبار التابعين كالفقهاء السبعة، الذين أخذوا عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، وأبي هريرة، ونحوهم من الصحابة الكرام. وكان هؤلاء الفقهاء السبعة مفزع الناس في زمنهم، إذا نزلت نازلة بالناس كانوا يفزعون إلى هؤلاء الفقهاء.
وهؤلاء الفقهاء السبعة جمعهم الإمام العراقي في ألفيته بقوله: وفي الكبار الفقهاء السبعة خارجه، القاسم ثم عروة ثم سليمان عبيد الله سعيد، والسابع ذو اشتباه، أما أبو سلمة أو سالم أو أبو بكر خلاف قائم. هؤلاء الذين ذكرهم العراقي في ألفيته تسعة من فقهاء المدينة الكبار من التابعين، ستة منهم لا خلاف في كونهم من الفقهاء السبعة، وهم: خارجة بن زيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار مولى ميمونة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيب المخزومي. هؤلاء الستة لا خلاف أنهم من الفقهاء السبعة، وإنما جرى الخلاف في السابع؛ فمنهم من يقول هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أو هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أو هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. فهؤلاء تسعة من الفقهاء كلهم من أبناء المهاجرين إلا خارجة بن زيد الأنصاري.
أربعة من هؤلاء توفوا في سنة واحدة وهي سنة أربع وتسعين، وهم: سعيد بن المسيب وكان أعلم الجميع باتفاق أهل العلم، وعروة بن الزبير وهو أروى الناس عن عائشة رضي الله عنها، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولذلك سميت هذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها. ثم توفي بعدهم بخمس سنين في سنة تسع وتسعين اثنان من الفقهاء السبعة وهما: خارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله الهذلي. وتوفي بعدهما بسبع سنين وهي سنة ست ومئة القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، ثم توفي آخرهم وهو سليمان بن يسار في سنة سبع ومئة.
هؤلاء الفقهاء كانوا إذا جاءتهم مسألة مهمة اجتمعوا عليها ينظرون فيها، وكان القاضي لا يقضي في مسألة مهمة حتى تُرفع إليهم فينظرون فيها. وأخبارهم كثيرة عجيبة، سأذكر خبراً واحداً يتعطر به المجلس؛ وهو أن الخليفة هشام بن عبد الملك دخل الكعبة يوماً، فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو من الفقهاء المشهورين، فقال له الخليفة: سلني حاجتك. فقال: إني أستحي من الله أن أسأل في بيته غيره. فلما خرج قال الخليفة: الآن فسلني. فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: بل من حوائج الدنيا. فقال سالم بن عبد الله: والله ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ هكذا كان هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى.
ثم أخذ عنهم جماعة من صغار التابعين، منهم: محمد بن شهاب الزهري أحفظ التابعين على الإطلاق، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة الرأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن التميمي المعروف بربيعة الرأي. ثم هؤلاء انتهى علمهم إلى الإمام مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وهو إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة المتبوعين، وهو إمام مدرسة أهل المدينة المنورة، وأعلم أتباع التابعين وأجلّهم بلا مدافعة. حتى إن الشافعي كان يقول وهو أحد الأئمة الأربعة وتلميذ لمالك: إذا ذكر العلماء فمالك النجم.
وكان سفيان بن عيينة وهو قرين لمالك وشيخ للشافعي وإمام أهل مكة وشيخ لأحمد أيضاً، كان يقول لما مات مالك: ما ترك مالك على ظهر الأرض مثله. ومرة حُدّث بحديث فقالوا يخالف فيه مالك، فقال سفيان بن عيينة: أتقرنوني بمالك؟ ما أنا وهو إلا كما قال جرير: وابن اللبون إذا ما لز في قرن، لم يستطع صولة البزل القناعيس.
ومن مناقب الإمام مالك المشهورة أنه جاء فيه حديث في مسند أحمد وسنن الترمذي وغيرهما بسند صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، لا يجدون عالماً أعلم من عالم أهل المدينة». هذا الحديث جزم غير واحد من أهل العلم بأن المقصود به هو مالك بن أنس، وأن هذا الحديث من أعلام النبوة. وممن قال ذلك ابن جريج، وسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق الصنعاني، وكان ابن عيينة يقول: كنا نسمع أهل المدينة يقولون إنه مالك بن أنس.
وكان من أوائل ما ظهر من إمامته في الفقه أن والي المدينة نزلت به نازلة لم يدرِ ما يصنع فيها، وهي أن رجلاً أوصى عند وفاته أنه قد زوّج ابنتيه من ابني أخيه وقد أخذ مهورهما ومات الرجل، فأحضر الوالي الناس وفيهم ابن أبي ذئب من العلماء، وابن عمران، وابن أبي سبرة، ومالك وكان حدثاً، وذكر المسألة فقالوا: ذلك جائز، ومالك ساكت. فقال: ما ترى يا مالك؟ قال: ذلك لا يجوز. قال الوالي: من أين قلت هذا؟ قال: أرأيتم إن أُهدِيتا جميعاً إلى زوجيهما فتعلق كل واحد منهما بامرأة منهما، كل واحد يقول هي زوجتي دون الأخرى، لمن تُقَدّم؟ فسكت القوم ثم قالوا: أصاب. أي أن عقد النكاح لا بد أن يعين كل زوجة لزوجها، فقالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن النكاح يفسخ حتى تُسمّى كل امرأة لرجل معين. هكذا كان مالك.
ثم جاء بعده تلميذه الشافعي وهو إمام مدرسة أهل مكة، وكان عماد هذه المدرسة حبر الأمة ابن عباس صاحب النبي ﷺ، وتخرج على يده تلاميذ منهم: عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة البربري، وطاووس بن كيسان وغيرهم. ثم صار علم هؤلاء التابعين الذين أخذوا عن ابن عباس إلى عمرو بن دينار شيخ أهل مكة في زمنه، ثم انتقل علم عمرو بن دينار إلى ابن جريج وابن عيينة، وانتقل علم هؤلاء كلهم إلى الشافعي رحمه الله. الشافعي ولد سنة مئة وخمسين، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله عليهم أجمعين.
كان الإمام الشافعي أعجوبة في زمانه ونادرة في عصره. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له. قال: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف أو منهما عوض؟ والشافعي رحمه الله ألف كتاباً اسمه "الرسالة"، وهو أول كتاب وضع في أصول الفقه والحديث معاً، وألفه بطلب من أحد شيوخه وهو عبد الرحمن بن المهدي، وكان عبد الرحمن بن المهدي يقول: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها؛ وذلك لأجل هذا الكتاب. وللشافعي كتاب آخر اسمه "الأم"، وهو من أعظم الكتب الفقهية وأجلها. ورغم جلالة هذه الكتب إلا أن تلاميذه كانوا يقولون إن كلام الشافعي أعظم من كتبه؛ فقد كان أخص تلاميذه الربيع بن سليمان يقول: كان الشافعي والله لسانه أكبر من كتبه، لو رأيتموه لقلتم إن هذه ليست بكتبه.
وكان تلميذه يونس بن عبد الأعلى يقول: ما كان الشافعي إلا ساحراً، ما كنا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كانت ألفاظه سكر. وله رحمه الله مناظرات عجيبة تدل على تبحره في العلم وتمكنه من الفقه والحديث، كان تلميذه ابن عبد الحكم يقول: ما رأيت الشافعي يناظر أحداً إلا رحمته. ومن المسائل الفقهية التي تُبرز براعته وذكاءه: أن رجلاً قال لامرأته وفي فمها تمرة: إن أكلتها فهي طالق، وإن طرحتها فهي طالق، فسئل الشافعي عنها فقال: تأكل نصفها وتطرح نصفها، وبقيت المرأة في ذمة زوجها.
وذكر الربيع بن سليمان أن رجلاً سأل الشافعي عن حالف قال: إن كان في كُمّي دراهم أكثر من ثلاثة فعبدي حر، فكان فيه أربعة دراهم. فقال الشافعي: لا يعتق عبده؛ لأنه استثنى من جملة ما في كمه دراهم وهو جمع، ودرهم لا يكون دراهم، فقال السائل: آمنت بمن فوّهك هذا العلم! عند ذلك أنشأ الشافعي يقول: إذا المعضلات تصديني كشفت حقائقها بالنظر، ولست بأعور في الرجال أسائل هذا وذا ما الخبر.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تقدم قبل الفاصل الكلام عن مدرسة أهل المدينة ومدرسة أهل مكة بشكل مختصر. وأما مدرسة أهل الكوفة فقد كان عمادها صاحب السر، وله فتاوى واجتهادات كثيرة، وقد تخرج على يديه عدد من التلاميذ النجباء، من أشهرهم: علقمة بن قيس النخعي، وابنا أخويه الأسود بن يزيد النخعي وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، ثم انتقل علم هؤلاء إلى إبراهيم بن يزيد النخعي وهو فقيه الكوفة بلا منازع في زمنه. ثم أخذ عن إبراهيم تلميذه حماد بن أبي سليمان وهو أفضل تلاميذه وأفقههم، وعن حماد بن أبي سليمان أخذ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت وهو أحد الأئمة الأربعة، فأصل علم أبي حنيفة كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ولد الإمام أبو حنيفة سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك لكنه لم يثبت عنه رواية. عُني بالآثار وارتحل في طلبها، وأما الفقه فإليه المنتهى؛ فقد كان الشافعي وهو أبصر الناس بالفقه يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه. وقال الشافعي أيضاً: قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته. وكان عبد الله بن مبارك وهو من أجل العلماء وأفضلهم يقول: كان أبو حنيفة آية. ومن بديع ما ذكر الخطيب البغدادي بإسناده في "الفقيه والمتفقه" عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه سمع وكيع بن الجراح يقول: كان جار من خيار الناس وكان من حفاظ الحديث، فوقع بينه وبين زوجته شيء وكان معجباً بها، فقال لها: أنت طالق إن سألتني الطلاق الليلة إن لم أطلقك ثلاثاً. هي عبارة فيها شيء من الصعوبة؛ أي أنني ملتزم أن أطلقك إن سألتني الطلاق، وإذا لم أطلقك بعد سؤالك فأنت طالق ثلاثاً، فهي طالق ثلاثاً سواء سألت أو لم تسأل، إذا سألت فهي طالق ثلاثاً، وأما إذا لم تسأله فليست بطلاق. فالمراه عنيدة مثل زوجها قالت: عبيدي أحرار ومالي كله صدقة لله إن لم أسألك الطلاق الليلة.
فهي إن سألت الطلاق فهي طالق، وإن لم تسأله الطلاق فمالها سيذهب عليها على كل حال؛ فهم بين أمرين: إما أن يذهب المال وإما أن يقع الطلاق البائن. هكذا قال، ثم ندم فصار هناك مشكلة عويصة: إما أن يتفق كما ذكرت إلى الأبد، وإما أن يذهب المال عليها. فذهب الرجل والمرأة إلى وكيع بن الجراح وأخبراه، وقال: والله ما عندي في هذا الشيء، ولكن نصير إلى أبي حنيفة. فالرجل كان يكثر الوقيعة في أبي حنيفة، وبلغ أبا حنيفة أنه كان يتكلم فيه، فاستحيا وقال: أبى أن يذهب إلى أبي حنيفة. فذهبوا إلى ابن أبي ليلى وسفيان الثوري، وهما من الفقهاء الكبار أيضاً من أهل الكوفة، فذكر لهما ما حصل، فلم يكن عندهما جواب في ذلك.
ثم اضطروا للذهاب إلى أبي حنيفة وقصوا عليه القصة، فقال: إني والله ما أجد الفرض إلا جوابك؛ لأن هذه المسألة تحتاج إلى من يجيب فيها وإن كنت لي عدواً. فسأل الرجل كيف حلفت، وسأل المرأة فأخبرته، وقال: وأنتما تريدان الخلاص في إيمانكما ولا تحبان الفرقة؟ فقالا: نعم. فقال للمرأة: سليه أن يطلقك، فقالت: طلقني. ثم قال للرجل: قل لها أنت طالق ثلاثاً إن شئتِ، فقال لها ذلك. ثم قال للمرأة: قولي لا أشاء، فقالت: لا أشاء. فقال: قد بررتِ وخرجتِ مما طلبه الله لكما. ثم قال للرجل: تب إلى الله من الوقيعة في من حمل إليك شيئاً من العلم. قال وكيع: فكان الرجل بعد ذلك يدعو لأبي حنيفة في دبر الصلوات، وأخبرني بأن امرأته كانت تدعو له كلما صلت.
توفي الإمام أبو حنيفة سنة 150، وهي السنة التي ولد فيها الشافعي كما ذكرت سابقاً. ثم جاء بعد هؤلاء الفقهاء، وطبعاً أبو حنيفة كان هو أول الفقهاء، ولكن لأن مدرسته كانت في الكوفة، بدأت بالمدينة ثم مكة، ثم جاء فقيه العراق وهو أحد الأئمة الكبار وآخر الأئمة الأربعة المتبوعين، وهو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة وسيد المحدثين والفقهاء في زمنه. تتلمذ على يد جماعة من العلماء الكبار، من بينهم الشافعي الذي كان يقول فيه: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول عن الإمام أحمد: كان الله قد جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما يرى ويمسك ما شاء. ومحمد بن إسحاق بن راهويه، تلميذ والده الإمام المشهور نظير أحمد، قال: حدثني أبي قال، قال لي أحمد بن حنبل: تعال حتى أريك من لم ترَ عينك مثله، فذهب به إلى الشافعي، يقول إسحاق بن راهويه: وما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل.
ومن بديع فقه الإمام أحمد -رضي الله عنه- ما ذكره ابن القيم، قال: قد نص الإمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازة فرأى فيها منكراً لا يقدر على إزالته، أنه لا يرجع. ونص على أنه إذا دُعي إلى وليمة عرس، والحضور إليها واجب، فرأى فيها منكراً لا يقدر على إزالته، أنه يرجع؛ يعني يترك المكان. قال ابن القيم: استغربت من الفرق بين المسألتين، فسألت شيخنا ابن تيمية عن الفرق، فقال: لأن الحق في الجنازة للميت فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر، والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه في الإجابة.
ومن أشهر النوازل التي مرت به ما نزل بالأمة من محنة القول بخلق القرآن، وكان كثير من العلماء في زمنه قد رأوا الإجابة فيها؛ لأنهم كانوا مكرهين، وذلك عملاً بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. وأما الإمام أحمد، فإن أصحابه كانوا يذاكرونه وهو في السجن بما ورد في هذه الآية من الرخصة حال الإكراه، فيقول لهم: كيف تصنعون بحديث خباب: «أن من كان قبلكم كان يُنشر أحدهم بالمنشار لا يصده ذلك عن دينه»؟ وهذا الذي فعله الإمام أحمد هو الذي يقتضيه الفقه؛ وذلك لأمور: الأمر الأول أن الإجابة حال الإكراه إنما هي رخصة والعزيمة الصبر والثبات، ولذلك احتج الإمام أحمد على من كلموه بحديث خباب، وهو ما أخرجه البخاري، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
الأمر الثاني أنه لو ترخص العلماء كلهم في مثل هذه الحالة لذهب الحق، وقد جاء في الحديث كما في الصحيحين: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»، ولولا أحمد بن حنبل في المحنة لم يكن هناك طائفة ظاهرين على الحق. ولذلك قال علي بن المديني: أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. توفي الإمام أحمد بن حنبل سنة 241 رحمه الله رحمة واسعة.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري