دخولتسجيل الدخول

الحلقة 5

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فقد قدمت في الحلقات الماضية مقدمات تسبق الكلام عن فقه النوازل، وهي في فضل العلم وفضل الفقه، وشيء من تاريخ الفقه وأعلام الفقهاء الكبار أهل الاجتهاد. وفي هذه الحلقة، وربما في حلقة تليها أيضاً، سيكون الكلام عن ماهية هذا الفن أو هذا العلم، أعني فقه النوازل، وأهميته، وشيئاً من ضوابطه.

هذا العلم، أعني فقه النوازل، مكون من كلمتين: الكلمة الأولى كلمة فقه، والكلمة الثانية كلمة النوازل. والفقه في لغة العرب معناه الفهم، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ﴾ [هود: 91]. وأيضاً منه حديث طلحة بن عبيد الله في الصحيح: «فجاء رجل من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول».

وأما الفقه في اصطلاح العلماء فهو خاص بالأحكام الشرعية، يقولون فلان فقيه إذا كان يستنبط الأحكام من النصوص، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الخمسة -وهي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغير هذه الكتب بأسانيد صحيحة-: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه». وهذا أمر بين واضح، فكم من عالم يستنبط الفقه من آيات وأحاديث لم يهتدِ إليها من يحفظها، أو لم يهتدِ إليها كثير ممن يعرف تلك النصوص.

والأخبار في هذا كثيرة، يذكر عن امرأة أنها وقفت على مجلس فيه بعض المحدثين، ومن هؤلاء المحدثين يحيى بن معين، وهو من أحفظ المحدثين في زمنه، نظير الإمام أحمد، ومنهم أبو خيثمة زهير بن حرب، وهو من الحفاظ الكبار، وغير هذين من المحدثين، وكانوا يتذاكرون الحديث. فجاءت المرأة فسمعت يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه فلان، وما حدث به غير فلان، فعلمت أن هؤلاء علماء يعلمون الحديث، فسألتهم عن مسألة؛ سألتهم عن الحائض هل لها أن تغسل الموتى، وكانت المرأة غاسلة.

فلم يجبها أحد منهم، جعل بعضهم ينظر إلى بعض، مسألة جديدة عليهم ليست في الأحاديث، فأقبل أبو ثور الفقيه، وهو أحد كبار تلاميذ الشافعي، تتلمذ على يد الشافعي رضي الله عنهم أجمعين، فقالوا لها: عليك بالمقبل. فلما دنا منها سألته، فقال: نعم للحائض أن تغسل الميت، وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «إن حيضتك ليست في يدك»، ولأن عائشة أيضاً تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه إليها وهو معتكف فتغسل وهي حائض.

فقالوا عندما سمعوا دليله للمرأة لأنها سألته، فصاروا يقولون -المحدثون الذين سألتهم المرأة أولاً-: رواه فلان، وحدثناه فلان، ويعرفونه من طرق متعددة، وخاضوا في الطرق، فقالت المرأة لهم: فأين كنتم إلى الآن لما سألتكم؟ فهم كانوا يحفظون هذه الأحاديث، لكنهم لم يهتدوا إلى استنباط المسألة كما اهتدى إلى ذلك أبو ثور، فالناس الله سبحانه وتعالى وزع الأفهام بينهم.

والأخبار في هذا كثيرة، أبو حنيفة النعمان مرة كان في مجلس شيخه الأعمش، فجاء سائل وسأل، فقال: أجبه، فأجابه. فقال: من أين قلت؟ يقول الأعمش لتلميذه أبي حنيفة: من أين قلت هذا الجواب؟ قال: من حديث حدثناه كذا وكذا وكذا، فقال له الأعمش: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة، نحن نجهز الدواء وأنتم الذين تعرفون علاج المرضى.

أما كلمة النوازل من حيث اللغة فهي جمع نازلة من النزول بالمكان، ثم صارت بعد ذلك تطلق على الأمر الشديد الذي يحل بالناس، ومن ذلك قول بعضهم: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج والنوازل في اصطلاح الفقهاء هي المسائل الجديدة أو الوقائع المستجدة التي تحتاج إلى حكم شرعي.

من هذا التعريف للفقه وللنوازل استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، والنوازل معناها المسائل الجديدة التي تحتاج إلى حكم شرعي، فهذا يعني أن تعريف علم فقه النوازل كعلم مستقل هو استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية للمسائل الجديدة. هذا النوع من العلم، وهو فقه النوازل، نشأ منذ بداية الإسلام؛ فإن القرآن الكريم إنما كان ينزل بحسب الوقائع وما يعرض للناس من مسائل ومعضلات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ لتلك الأحكام وهو المفتي الأول في الإسلام صلى الله عليه وسلم.

تارة تعرض له مسألة فيسكت ويقول: لم ينزل علي فيها شيء، حتى ينزل عليه فيها وحي، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]، إلى غير ذلك من الآيات.

وتارة يكون للمسألة أصل في الأدلة التي نزلت عليه عليه الصلاة والسلام يمكن القياس عليها، فيجتهد النبي عليه الصلاة والسلام بمقتضى الأدلة السابقة التي وصلت إليه، من ذلك ما في صحيح البخاري من حديث عائشة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على أمها، نذرت أمها أن تحج فماتت أمها قبل أن تحج، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم هل أحج عنها أو هل تحج عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟»، قالت: نعم، قال: «فإن الله أحق بالوفاء». فهنا قاس الدين الذي لله على الدين الذي للناس، إذا كان الدين مطلوباً منا وفاءه فكذلك دين الله أحق بالوفاء.

بل إن الصحابة الكرام أنفسهم كانوا يجتهدون في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وذلك في ضوء النصوص، ومن القصص القصة المشهورة في بني قريظة، قصة الصلاة في بني قريظة حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، يريد منهم الاستعجال، فصلى بعضهم في الطريق حين حانت الصلاة وقالوا: لم يرد منا ذلك -أي النبي لم يرد منا أننا لا نصلي وإنما أراد منا السرعة-، وقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة، وصلوا في آخر الوقت أو بعد الوقت. فأخبر النبي فلم يعنف أحداً من الفريقين، والقصة موجودة في الصحيحين كما هو معلوم.

ومن الأخبار أيضاً حديث أبي قتادة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من الصحابة أن يأخذوا الساحل وهم ذاهبون إلى مكة، فأحرم الصحابة الذين مع أبي قتادة إلا أبا قتادة لم يحرم. فرأى المحرمون حمر وحش، فرأوها وهم يريدون أن يصيدوها لكي يأكلوا منها، وصاروا يتضاحكون ويتشوفون، فبهت أبو قتادة إلى أنهم يرون شيئاً، فالتفت فإذا بالحمر الوحشية، فركب فرسه وسقط منه سوطه، فسألهم أن يناولوه السوط فأبوا، والله لا نعينك عليه بشيء، فأخذ سوطه نزل وأخذ السوط ثم حمل على هذه الحمر وصاد منها واحداً، فلم يأكل بعض الصحابة الذين كانوا محرمين لم يأكلوا من هذا الصيد لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]، وأكل آخرون، قالوا لأنه المحرم هو الصيد نفسه بمعنى الاصطياد لا نفس الصيد، ثم هؤلاء الذين أكلوا ندموا، خافوا أن يكونوا قد وقعوا في محظور، حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك، فصوب رأي من أكل، وهذا دليل على اجتهادهم رضي الله عنهم.

وجاء بعد ذلك حديث يبين المسألة وهو حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوا أو يصد لكم». وهذا الحديث فيه مقال لكن العلماء أخذوا به جمعاً بين الأحاديث. ومن اجتهادات الصحابة ما أخرجه أحمد وأبو داوود، وكذلك البخاري تعليقاً عن عمرو بن العاص رضي الله عنه حين احتلم في ليلة باردة في غزوة، فتيمم ولم يغتسل ثم صلى بالصحابة صلاة الصبح، فانزعج بعض الصحابة فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فاستدعاه عليه الصلاة والسلام فأخبره عمرو بن العاص أنه خشي على نفسه، وأن الله -لأنها ليلة باردة والماء بارد ويخشون العدو إذا أوقدوا النار- قال: إني سمعت الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقل له شيئاً.

وهكذا كانت الأحكام تنزل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم في الوقائع، حتى حكم الله عز وجل باكتمال الدين في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فلا توجد مسألة من المسائل إلا وفي الإسلام بيان لحكمها، أما في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس المستند؛ هذا القياس أن يكون مستنداً على الكتاب والسنة.

ثم الصحابة رضي الله عنهم بعد ذلك، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ساروا على هذا المنهج، فكانوا إذا نزلت بهم المسألة نظروا إلى الكتاب والسنة، فإن وجدوا الحكم فيهما وإلا اجتهدوا حسب ما تقرره قواعد الكتاب والسنة. وأخبارهم في هذا كثيرة، ومن بدائع استنباط علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذلك من قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، مع قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، فإذا نقصنا مدة الفصال وهي الرضاع 24 من 30 شهراً صارت بقيت ستة أشهر، وهي مدة أقل الحمل، وقد رفعت امرأة حامل أو وضعت حملها بعد زواجها بستة أشهر، فكان هذا الاستنباط من الصحابة رضي الله عنهم سبباً لدرء الحد عن هذه المرأة، وقد أجمع العلماء بعد ذلك على ما قاله علي بن عباس في هذا الباب، ذكر ذلك الحافظ ابن عبد البر رحمه الله عليه. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. علم فقه النوازل علم من أهم العلوم؛ لأنه في الحقيقة لا يخلو زمان من مسائل جديدة، وهذا أمر طبيعي وسنة كونية، فإنه مع مرور الأيام تتشعب المعارف وتتطور الدنيا في كثير من المجالات، وهذا أمر مشاهد، الناس لا يزالون يتطورون في الصناعات والاتصال والإعلام والطب وغير ذلك من الأمور الحياتية، ويواكب هذا التوسع وهذا التطور، يواكبه توسعنا أيضاً في الملذات والملاهي ونحو ذلك مما لم يكن معروفاً في العصور الماضية لا القريبة ولا البعيدة.

وأيضاً يصاحب هذا التطور مسائل مستجدة، مسائل جديدة، منها ما يحتاج إلى رأي أهل الخبرة ومنها ما يحتاج إلى حكم شرعي، ولذلك كان هذا العلم فرض كفاية، لابد من وجود من يقوم به من العلماء، لكنه لا يصلح لهذا العلم كل أحد، لا يصلح للخوض فيه أي عالم، بل لابد من توفر الضوابط والشروط التي تخول هذا العالم للقيام به.

ومن تلك الشروط، ولعله أول شرط يعتبر في هذا الباب، أن يكون عند المتصدي للحكم في النازلة أهلية النظر، يكون أهلاً للنظر، يعني ليس من الجائز أن يتكلم في نازلة معينة من لا يملك أهلية الاجتهاد فيها، وهذا الشرط للأسف نرى كثيراً ما يحصل تجاوزه؛ فتارة يتجاوز من طلاب العلم وتارة يتجاوز من المتخصصين في غير الشريعة، أما من أطباء أو مهندسين أو ممن ليسوا متخصصين في الشريعة، يعني لو كان هذا الطبيب وهذا المهندس متخصصاً مع تخصصه الأصلي متخصصاً في الشريعة لا إشكال في ذلك، لكن أن يكون غير متخصص في الشريعة ويخوض في هذه النوازل، هذا مما لا ينبغي.

وإنما يكون عند الناظر الأهلية بتوفر عدد من الصفات منها معرفة أدلة الأحكام، ومنها معرفة طرق الاستدلال وأصول الفقه واللغة العربية ومقاصد الشريعة، فإذا كان الناظر في المسألة خلياً من هذه الصفات فالحقيقة ليس له الحق أن يجتهد فيها، يقال لمثل هذا المثل القديم: ليس هذا بعشك فادرجي.

والأمثلة على من لا يحق له الكلام في الفقه أو العلم الشرعي قديماً وحديثاً كثيرة جداً وخصوصاً هذه الأيام، ولعله يحسن أن أذكر مثالاً أو مثالين من باب التنبيه على ما سواهما دون ذكر أسماء، مثلاً مرة من المرات أو في مرات كثيرة رأيت شخصاً يقال إنه متخصص في الفيزياء يتكلم في التلفاز في تفسير القرآن، ويذكر أشياء عجيبة لا تصح بحال ولم يقل بها أحد من العلماء، وللأسف رأيت كثيراً من العوام معجبين به لأنهم لا يدركون ما في كلامه من الأخطاء ولا ما فيه من الخطورة.

ومما أذكره من كلامه، كلامه عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: 1]، فإنه كان يفسرها بتفسير غريب جداً لم يقل به أحد قبله. وقبل أن أذكر تفسيره للآية سأذكر معناها كما في كتب التفسير، وهو في الحقيقة معنى واضح لا يحتاج إلى شرح كثير، فقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] معناه أوفوا بالعقود المؤكدة بينكم وبين الناس، أو بالعهود بينكم وبين الله، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] أي أن الله أحل لكم بهيمة الأنعام، سواء الأهلية وهي الإبل.

والبقر والغنم، أو الوحشية وهي الظباء وبقر الوحش وسائر الصيد. وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ يعني إلا ما يتلى عليكم تحريمه الآتي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى آخر الآية. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ هذا استثناء من التحليل السابق، وذلك الاستثناء إنما هو في حالة الإحرام فقط، ففي حالة الإحرام مع أن الصيد حلال، فالصيد في حالة الإحرام وحده مما تقدم غير حلال؛ صيد البر طبعاً، وهذا هو في الحقيقة خلاصة تفسير هذه الآية وهو واضح، وهو الذي عليه المفسرون.

صاحبنا الذي أشرت إليه سابقاً فسر هذه الآية أو فسر قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي اذبحوا بهيمة الأنعام؛ العقود هي العهود، هو يقول: اذبحوا بهيمة الأنعام، معناه أوفوا بالعقود اذبحوا بهيمة الأنعام من مكان الذبح وهو الرقاب، فإنكم إذا فعلتم ذلك حلت لكم بهيمة الأنعام، هكذا فسرها. وأنا عبرت في الحقيقة عن تفسيره بطريقة أوضح من تعبيره؛ لأنه في الحقيقة مع استماعي له لم يستطع أن يوضح مراده بطريقة بينة، وذلك لقصور مداركه من حيث اللغة وطرق الاستدلال.

ثم أخذ يبين الحامل له على العدول عن التفسير المعروف بأنه لا يرى علاقة بين إيفاء العقود المعهودة في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وبين تحليل الله لبهيمة الأنعام في قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، ذكر أنه لو كان المراد بالعقود العهود لكان من لم يوفِ بها لا تحل له بهيمة الأنعام، هكذا ذكر. ثم أخذ يحاول توجيه التفسير من حيث اللغة فذكر تعبيراً غريباً، حيث نقل عن قبيلة "هيل" أنهم يقولون: عقد عنق الناقة؛ هيأها للذبح، أو عقد عنق الدابة؛ هيأها للذبح الحلال، هكذا قال. ثم استنتج من هذه اللغة التي أوردها أن معنى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ اذبحوا الدواب من أعناقها لكي تحل لكم.

وهذا التفسير الذي ذكره فيه نظر من وجوه؛ الوجه الأول: وهو يتعلق بمعرفة الأحكام والأدلة، نحن ذكرنا أنه لابد أن يكون عارفاً بالأحكام والأدلة، هو أن قوله هذا يخالف إجماع أهل العلم من أهل التفسير والحديث والفقه والعربية من أن المراد بالعقود ظاهر معناها، وقد ذكر الإجماع على أن المراد بالعقود العهود غير واحد من أهل العلم منهم الطبري في تفسير هذه الآية.

الوجه الثاني: وهو يتعلق بعدم المعرفة باللغة، فإنه على فرض أن ما نقله عن قبيلة هيل صحيح، وهو ليس بصحيح ولا يوجد في أي كتاب ولا في أي مصدر من مصادر اللغة، أقول على فرض صحة هذا النقل فإن تفسيره من حيث اللغة لا يصح؛ لأن تركيب الجملة يأبى ذلك التفسير، لأنه لو كان المراد بالعقد تهيئة الدابة للذبح لكان حق تركيب الجملة أن يقول: اعقدوا بهيمة الأنعام أو اعقدوا أعناق بهيمة الأنعام، فلما قال: ﴿أَوْفُوا﴾ دل على أن المراد بالعقود العهود المعروفة، فهي التي يحصل فيها الإيفاء، فكلمة أوفوا صارفة للمعنى إلى الحقيقة، هذا لو كانت الجملة تحتمل المجاز وهي في الحقيقة لا تحتملها.

الوجه الثالث: وهو أيضاً يتعلق بمعرفة اللغة، يعني ينبغي أن يكون عارفاً باللغة، وهو في الحقيقة منشأ الخلل عنده أو في فهمه لهذه الآية، وهو أنه تصور وجود ارتباط نحوي بين الجملتين؛ حيث إنه اعتقد أن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ جواباً للطلب في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، والأمر في الحقيقة على خلاف ما تصوره، وإنما يكون الارتباط إما بين جملتي طلب أو جملتي شرط، والجملة الأولى فيها فعل أمر وهو قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا﴾ بينما الجملة الثانية تبتدئ بفعل ماض وهو "أحلت"، والفعل الماضي لا يكون جواباً لفعل الأمر بمعنى أنه مسبب عنه، وهذا يعرفه الفصحاء وغيرهم.

فلا أحد يقول لكم مثلاً: اجتهدوا في المذاكرة نجحتم، وهو يريد أن المذاكرة سبب للنجاح، فإن هذا كلام ركيك لا معنى له؛ لأن فعل الأمر "اجتهدوا" فعل يطلب عملاً مستقبلاً فلا يمكن أن يرتب عليه جواباً ماضياً، بل لابد وأن يكون الجواب إذا أراد ربطه بالطلب أن يكون مستقبلاً أيضاً، فيقول: اجتهدوا في المذاكرة تنجحوا، أي تنجحوا بسبب ذلك الاجتهاد، فالنجاح هنا يكون مترتباً على الاجتهاد.

لكن لو قال لهم مثلاً: اجتهدوا في المذاكرة لعبتم كثيراً، فإنه لا يتصور أحد أن مراد المتكلم أنهم إذا لم يجتهدوا لم يلعبوا كثيراً إلا من كان عجمياً قد بدأ يتعلم العربية أو تختلط عليه الجمل، وذلك لأنه من الواضح أن مراد المتكلم تشجيعهم على المذاكرة دون ربطها بوعد منه بكثرة اللعب أو وعد غير ذلك، وإنما أراد أن يقول لهم: قد لعبتم كثيراً فيما مضى والآن جاء وقت الجد فاجتهدوا. وهكذا يقال في الآية، لو أراد المولى جل وعلا أن يرتب حلية بهيمة الأنعام على الإيفاء بالعقود لجاء في الجواب بالفعل المضارع "تحل"، لكنه سبحانه وتعالى أتى بالفعل الماضي "أحلت" لئلا يتوهم متوهم ما توهمه هذا المفسر.

والمعنى الرابط بين الجملتين في الحقيقة في قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ هو أن الله أكرمكم وأنعم عليكم بحل بهيمة الأنعام، ولم يحرم عليكم منها إلا ما يتلى عليكم فقط، فعليكم الإيفاء بالعقود، ومن تلك العقود ما ذكر في الآية التي تليها وهي قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية.

والتفسير الذي ذكرته عن ذلك الشخص الذي دخل في فن غير فنه يلزم عليه لوازم باطلة كثيرة، لولا الإطالة لبينت، لكنني أكتفي بهذا القدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.