دخولتسجيل الدخول

الحلقة 6

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فقد تكلمت في الحلقة الماضية عن ماهية فقه النوازل وعن أهميته، ثم شرعت في الكلام عن شروط المتصدي لهذا العلم، وذكرت من تلك الشروط أنه ينبغي أن يكون عند المتصدي للحكم في النازلة أهلية النظر فيها، وذلك بأن تتوفر فيه عدد من الصفات، وذكرت منها معرفة أدلة الأحكام وطرق الاستدلال وأصول الفقه واللغة العربية ومقاصد الشريعة، وذكرت مثالاً واحداً لبعض من يتصدى للكلام في الدين بشكل عام مع عدم معرفته باللغة والأصول وطرق الاستنباط.

ومن الصفات التي ينبغي أن تكون في العالم المتصدي للكلام في الدين أو في نوازل المسائل أن يكون عنده تصور تام وفهم صحيح للمسألة، وذلك إنما يحصل بتتبع أطراف المسألة وما قيل فيها، وتتبع الدراسات السابقة إن وجدت، لأن الإخلال بالتصور قد يوقع المتكلم في مسائل الدين في خطأ جسيم. وللأسف نرى الكثير من الباحثين فضلاً عن غير المتخصصين نجدهم لا يبالون بما كتبه المتقدمون أو السابقون، أو ما كُتب فيما يساعد في المسألة، ومن هنا يقع الخلل الكثير في إصدار الأحكام.

والأمثلة على ذلك كثيرة، منها من الأمثلة القديمة أن امرأة جاءت تسأل شخصاً متصدراً للناس عن مسألة فيها يمين فيها حلف، قالت له: إني حلفت بصدقة إزاري. فكان عليه أن يتنبه إلى أن المسألة من باب الإيمان؛ لأنها تقول حلفت فهي إما أن تتصدق وإما أن تكفر عن يمينها، لكن الرجل المتصدر هذا لم يتصور المسألة حق التصور ولم يفهمها، فسألها: بكم اشتريت الإزار؟ فقالت: بـ 22 درهماً. فقال: صومي 22 يوماً. فلما ذهبت أخذ يتأوه ويقول: غلطنا، والله أمرنا بكفارة الظهار.

وهذا الذي يُستدرك هو أعجب من الأول؛ صحيح أنه غلط في الفتوى، لكنه لم يأمرها لا بكفارة ظهار ولا بكفارة يمين، وإنما أمرها بشيء لا وجود له في الفقه. وهذا الذي أمرها به إنما يُفتى بمثله في من اصطاد في الحرم أو اصطاد وهو محرم؛ يعني إذا اصطاد نعماً أو صاد صيداً ولم يجد ما يماثله من النعم الأهلية، فإنه يطعم عن كل مُد مسكيناً ما يقابله أو ما يعادل ذلك من الصيام، كما قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: 95].

وأعجب من هذا الذي حصل لهذا الرجل ما ذكره أبو بكر الأبهري وهو من الفقهاء، قال: كنت عند يحيى بن محمد بن صاعد، ويحيى بن صاعد هذا من المحدثين الكبار لكنه لم يكن فقيهاً، فهو جالس يحدث الناس، يقول الأبهري: جاءته امرأة فقالت له: أيها الشيخ ما تقول في بئر سقطت فيها دجاجة فماتت الدجاجة في البئر، فهل الماء طهور أو طاهر؟ فقال ابن صاعد: وكيف سقطت الدجاجة في البئر؟ قالت: لم تكن البئر مغطاة، فقال: ألا غطيتها! قال الأبهري الفقيه: هذا ليس وقت العتاب. فقلت: يا هذه إن كان الماء تغير لونه بسبب سقوط هذه الدجاجة فيه فهو نجس، وإلا فهو طاهر. فابن صاعد هنا لم يهتدِ إلى الجواب ولم يزد على أن أخذ يعاتب المرأة في تغطية البئر، ولو تصور المسألة واستحضر الأدلة التي يحفظها لما احتاج إلى كل هذا العناء في المخاطبة والمعاتبة.

وأيضاً من الصفات التي ينبغي أن تكون في المتصدي للكلام في الدين أن يكون عارفاً بالأدلة وعارفاً بالناسخ والمنسوخ وعارفاً بطرق الاستنباط وبأسباب النزول ونحو ذلك مما يحتاج إليه الفقيه، وإذا خلى المتصدي للكلام في الدين عن معرفة هذه الأمور ربما أتى بعجائب الأشياء، وقد كثر هذا في زمننا، وللأسف من عجائب هذا الزمن الذي أصبح الكلام فيه في الدين مشاعاً لكل أحد، يتكلم فيه المتخصص وغير المتخصص، ما رأيته في مواقع التواصل الاجتماعي المعروف بتويتر، وذلك من قبل بعض المشاهير الذين بضاعتهم في العلم ربما لا توجد بضاعة، ليس لهم أصلاً بضاعة في العلم الشرعي وإنما عندهم بعض الثقافات، وهو ينتقد حديثاً في الصحيحين ويقول في انتقاده: ديننا ورسولنا وقرآننا بريئون من هذه السخافات! هكذا يقول. ورأيت له تعليقاً آخر يقول فيه: تنزيه البخاري ومسلم يعني القبول بتحريف القرآن أيضاً. هكذا يدعي.

طبعاً هو ذكر هذا الكلام في معرض نقده لحديث في الصحيحين من رواية علقمة بن قيس وهو أحد الأئمة الكبار من أئمة التابعين من تلاميذ ابن مسعود، حيث يذكر أنه قدم الشام فلقي أبا الدرداء الصحابي، فسأله أبو الدرداء: كيف يقرأ ابن مسعود ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ قال علقمة بن قيس: فقرأت عليه ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى﴾، لم يقل ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، قال: ﴿وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى﴾، قال: والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيه إلى فيه.

فهذا الحديث هو في الصحيحين في أعلى المراتب، بل أخرجه البخاري ومسلم في عدد من المواضع من طرق متعددة عن إبراهيم النخعي وعن عامر الشعبي وكلاهما من أوثق أئمة الكوفة، عن علقمة عن ابن مسعود، وقد روى هذا الحديث وأخرجه أئمة الإسلام في كتبهم، وظاهره كما هو ظاهر للناس يشكل على من لا يعلم وعلى من لا يدري بأصول الإسلام وكيف جاءنا. وأما الأئمة الكبار أئمة العلم فإن معنى هذا الحديث وتفسيره عندهم واضح لا إشكال فيه، ولذلك لم يطعن في صحته أحد منهم، فكان الجدير بهذا المشهور الذي لم يتخصص في العلم الشرعي حين عرض له هذا الإشكال أن يتأنى ولا يتسرع في الهجوم والجرأة على الأحاديث الصحيحة، هذا لو أن الحديث لم يروه البخاري ومسلم، فكيف وهو في الصحيحين اللذين تلقت الأمة ما فيهما بالقبول.

ثم ها هنا أمر غريب جداً، وهو كان من الجدير بأمثال من هو غير متخصص في العلم الشرعي أن يسأل المتخصصين؛ كما يقال أين احترام التخصص؟ أين التفكير العقلاني الذي يدعون إليه؟ لأن كثيراً منهم يبهرون بعبارات رنانة من قبيل "استعمل عقلك"، "لا تسلم عقلك لأحد"، إلى غير ذلك من العبارات. أليس هذا الاختلاف بين المصحف وبين هذا الحديث اختلافاً واضحاً بيناً لكل أحد؟ أليس عامة الناس يعلمون أن الآية في المصحف جاءت ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾؟ فهل يصح أن يخفى مثل هذا الخلاف بين المصحف وبين هذا الحديث على أئمة الإسلام يخرجون الحديث في كتبهم الصحيحة ويرونه منذ أربعة عشر قرناً إلى يومنا هذا دون اعتراض منهم وفيهم العلماء وفيهم الفقهاء وفيهم المحدثون النقاد؟ في الحقيقة لا يمكن أن يرى العاقل منهم ذلك إلا ويفهم أن للرواية معنىً ووجهاً مفهوماً عندهم، فكان ينبغي عليه أن يتطلب ذلك المعنى بدلاً من تجهيلهم بشيء لا يخفى على العوام فضلاً عن الأئمة.

وأما معنى الحديث فسأبين وجه إخراج الأئمة له ومعناه، فإنه من المعلوم عند العلماء أن عبد الله بن مسعود يعتبر من القراء الكبار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «استقرئوا القرآن من أربعة»، وذكر منهم ابن مسعود، لكنه أيضاً من المعلوم عند العلماء أنه قد ثبت في روايات متعددة عن ابن مسعود أنه كان يقرأ عدداً من الآيات تخالف قراءة المصحف الإمام الذي جمعه الصحابة الكرام. وقد حمل العلماء هذه الروايات في قراءة ابن مسعود على أنها مما نسخ في العرضة الأخيرة.

في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي». وفي البخاري أيضاً: كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبض فيه عليه الصلاة والسلام. العلماء يقولون هذه العرضة هي العرضة الأخيرة، وهي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها في المصاحف، وكتبها أبو بكر وعمر في خلافة أبي بكر في صحف أمر زيداً أن يكتبها، ثم أمره عثمان في خلافته كذلك بكتابتها في المصاحف وأرسلها إلى الأمصار وجمع الناس عليها، وهذا باتفاق الصحابة.

وهذا الحديث الذي في الصحيحين هو مما حمله العلماء على ذلك النحو؛ يعني أن هذه القراءة التي رويت في صحيح البخاري كانت مما نُسخ؛ يعني كانت قديمة ثم نُسخت، وما علم عبد الله بن مسعود ولا أبو الدرداء بهذا النسخ، ولذلك كان عدد من الصحابة يناقشهم في ذلك، بل إن عثمان بن عفان زجر ابن مسعود وأرغمه على ترك ما كان عليه، فرجع ابن مسعود إلى قراءة الناس، وهي هذه القراءة الثابتة عنه مؤخراً، وهي التي صار يُقرئ بها بعد ذلك. هكذا هو نظر الأئمة لهذا الحديث وأمثاله عن ابن مسعود، وليس الأمر بالنسبة إلى ابن مسعود مقتصراً على قراءة القرآن، بل كان هناك أشياء من العلم نُسخت ولم يعلم بها، من ذلك مسألة التطبيق، وهو ما رواه مسلم في صحيحه من حديث علقمة وغيره أنهما أتيا ابن مسعود وقد صلى الناس، فقال: أصلى من خلفكم؟ قال: نعم. فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ثم ركعوا، فجعلوا أيديهم على ركبهم، فضرب ابن مسعود أيديهم وطبق بين يديه وجعلهما بين فخذيه وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث كان ابن مسعود يرى التطبيق حال الركوع في هذه الحالة، بينما بين الصحابة أن هذا صار منسوخاً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بعد ذلك بالأخذ بالركب.

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تكلمت قبل الفاصل عن ضرورة أن يكون المتكلم في أحكام الدين صاحب أهلية لذلك، وأن من الأهلية المعرفة باللغة والأدلة والأصول والقواعد ونحو ذلك، وذكرت بعض الأمثلة على من يتكلم في الدين من غير ذوي الأهلية. والحقيقة أن هناك الكثير من المقدمات والكثير من الضوابط التي ينبغي الحديث عنها، إلا أن ذلك محله في الحقيقة الجامعات والأبحاث العلمية، وأما البرامج العامة كمثل برنامجنا هذا، فإن المقصود العام منه تنبيه العامة على أهمية هذا العلم، وعدم الانسياق وراء كل متصدر للكلام في هذه الأيام في وسائل التواصل الاجتماعي، مع ذكر أهم القضايا والمسائل المستجدة التي قد تعرض للناس أو لبعض الناس.

هناك الكثير من الضوابط التي لو استطردت في الكلام عنها لخرجنا عن المقصود بهذا البرنامج، لكني سأعرض حديثاً واحداً فيه الكثير من المعاني المهمة في هذا الباب، لا سيما وفيه بعض القواعد المتعلقة بمثل هذا الوباء الذي عم الناس وعم البلدان. الحديث هو ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بصر لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام.

قال ابن عباس: فقال عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين. فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه؛ فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال آخرون: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادعُ لي الأنصار. فدعوتهم فاستشارهم فاختلفوا كما اختلف المهاجرون. فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادعُ لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح. فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا كلهم: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.

فنادَى عمر في الناس: إني مصبح على ظهرٍ فأصبحوا عليه، يقصد أنه سيرجع. قال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إذا رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟

قال ابن عباس: فجاء في أثناء ذلك عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته، فعلم ما هم فيه فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه». قال عمر: الحمد لله، ثم انصرف.

هذا الحديث فيه الكثير من المعاني المهمة، ومن أهم تلك المعاني وهو مبدأ مهم وقاعدة من القواعد العظيمة التي ينبغي إعمالها في النوازل، وخصوصاً في النوازل التي تهم الأمة، هو مشاورة أهل العلم وأهل الاختصاص.

التخصص في تلك النازلة قد يكون لمن نزلت به النازلة من العلماء، لكن وجود غيره معه قد يخبره بشيء ليس عنده من علم تلك النازلة كما حصل لعبد الرحمن بن عوف. ولذلك دعا عمر الصحابة الكرام وشاورهم في أمره: هل يقدم على الوباء أو يرجع بالناس؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه ذلك، فكم من نازلة نزلت به عليه الصلاة والسلام ولم يسبق فيها وحي فشاور أصحابه؛ ومن ذلك مشاورتهم في حادثة الإفك، فقد تأخر الوحي عن الحكم فيها، ومنها مشاورتهم في أسرى بدر، ومنها مشاورتهم في الخروج يوم أحد، وأشياء كثيرة من هذا القبيل.

وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وقال تبارك وتعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]. وكان الخلفاء الراشدون يشاورون أهل العلم من الصحابة فيما نزل بهم من المسائل كما ذكرنا عن عمر قبل قليل، والأخبار في ذلك كثيرة.

وقد روي حديث أيضاً في هذا المعنى عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل به قرآن ولم نسمع منك فيه شيء، قال: «أجمعوا له العابدين من المؤمنين واجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد». هذا الحديث معناه حسن، لكنه في الحقيقة لا يصح عن مالك بن أنس؛ لأنه تفرد به رجل ضعيف، ومثل هذا يصعب قبول التفرد به، لكن مبدأ الشورى في النوازل معروف متقرر.

وقد كان أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي أحد أئمة التابعين من أهل الكوفة يقول -وهذا ينطبق على كثير من الناس في هذه الأيام-: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.

ومن الأخبار أيضاً أثر أن حاطب بن أبي بلتعة توفي، وكان قد أعتق من صلى من رقيقه وصام، يعني المماليك الذين عنده من صلى منهم أو صام أعتقه جعله معتقاً حراً. وكانت منهم نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لا تفقه أو لا تفهم، فلم ينتبه الناس إلا وهي حبلى وكانت ثيباً. لما كانت مملوكة حكمها أنها تجلد ولو كانت ثيباً، لكن الآن أصبحت حرة فحكمها الرجم. فذهب ولد حاطب بن أبي بلتعة إلى عمر بن الخطاب فزعاً فحدثه، فقال له عمر: لا أنت الرجل لا يأتي إلا بالخير، أفزعه هذا الأمر لأن هنا مسألة خطيرة وهي مسألة الرجم.

فأرسل إليها عمر فسألها: أحبلى؟ قالت: نعم من مرغوب درهمين. كأنه أمر طبيعي، كأنها لا تفهم ماذا سئلت وما هي عاقبة ذلك. فقالت: نعم من مرغوب درهمين، وإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه. فصادف عنده علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال: أشر علي. وكان عثمان جالساً فاضطجع. فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد. فقال: أشر علي يا عثمان، فقال: قد أشار عليك أخواك. قال: أشر علي أنت، قال عثمان: أراها تستهل به، يعني تقوله دون أن تتوقف، أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه. قال: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علم. ثم أمر بها فجلدت ثم غربها.

هذا من أخبار الصحابة في إذا نزلت بهم نازلة، هذا بعض الأخبار والأخبار في ذلك كثيرة، إذا نزلت بهم نازلة كانوا يتشاورون مع علمهم وفقههم في الدين. فينبغي على العلماء إذا نزلت بهم النوازل أن يتباحثوا فيها حتى يصلوا إلى أرشد الأمور التي تكون مناسبة للحكم في تلك النازلة.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.