الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، ففي هذه الحلقة وفي حلقات قادمة إن شاء الله سنتكلم عن بعض الأحكام المتعلقة بهذا الوباء الذي اجتاح العالم بأسره. هذا الوباء تباينت فيه أنظار الناس وتباينت فيه الجهود، ولست هنا بصدد الكلام عن منشئه أو سببه، وإنما عما يترتب تجاهه من أحكام. أول ما ينبغي الكلام فيه هو ما ينبغي على المسلم أو المؤمن أن يعتقده، أو ما هو موقف المسلم الإيماني من مثل هذا الابتلاء.
من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق عبثاً، وإنما خلق الخلق لحكمة بالغة ومقصد عظيم، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 16-17]. ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]، إلى غير ذلك من الآيات؛ فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق عبثاً وإنما خلقه لتوحيده ولعبادته كما جاء في كثير من الآيات.
أيضاً من المعلوم أن هذه الدنيا هي مكان الاختبار ومكان الابتلاء، كما قال تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. وقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]. وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. يقول ابن عباس: أخبر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم وشرع لهم الصبر على ذلك. وإذا كانت الدنيا هي دار البلاء ودار الاختبار، فلا يمكن أن تخلو هذه الدار مما يناقص العيش ويكدر.
ولذلك يقول أبو الحسن التهامي في رائيته المشهورة التي يرثي فيها ولده في مطلعها: حكم المنية في البرية جارٍ ... ما هذه الدنيا بدار قرارِ بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبارِ طبعت على كدرٍ وأنت تريدها ... صفواً من الأقدار والأكدارِ ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نارِ وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفيرٍ هارِ هذا هو حال الدنيا لا تخلو من المناقصات، وأما الآخرة فهي دار الجزاء. ولا مقارنة أبداً بين الدنيا والآخرة؛ فلا مقارنة بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، كما لا مقارنة بين شقاء الدنيا وشقاء الآخرة؛ لأن الدنيا هي الدار التي يختبر فيها الناس، وهي دار ليست دار الاستقرار بل هي ممر، والآخرة هي دار الخلود وهي دار القرار وهي مكان الجزاء.
ولذلك كانت الدنيا بالنسبة للآخرة كالقطرة بالنسبة للبحر، جاء في صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع». وأيضاً في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب»، ينسى جميع نعيم الدنيا بسبب الغمسة فقط في النار. ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا، تخيلوا أشد شخص في الدنيا بؤساً وهو من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط، ينسى جميع البؤس الذي كان هو فيه.
ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]، لهي الحيوان يعني لهي الخلود، لهي الحياة، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن مستقر ومكان الخلود والنعيم هو الدار الآخرة وليس الدنيا.
أيضاً علينا أن نتيقن بأن كل ما يحدث في هذه الدنيا للإنسان إنما هو اختبار وامتحان، سواء كان ذلك على شكل نعمة أو على شكل بلية، فكل ذلك ابتلاء من الله عز وجل، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. يقول سبحانه وتعالى منكراً على الإنسان في اعتقاده إذا وسع عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له، وليس كذلك؛ بل هو ابتلاء وامتحان، كما قال تبارك وتعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55-56].
وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا﴾، أي ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله سبحانه وتعالى في كل حال، في حال الغنى بأن يشكر الله، وفي حال الفقر بأن يصبر على ذلك. وفي صحيح مسلم من حديث صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».
ومن هذه الابتلاءات التي يبتلي الله بها عباده الابتلاءات العامة التي تصيب الناس بشكل عام، كهذا المرض الذي انتشر في جميع العالم وأصاب الكثير من سكان الأرض وتسبب في الكثير من النكبات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، وسواء كان هذا البلاء مفتعلاً في الأساس أم لا، فإن ذلك لا يغير من كونه ابتلاء من الله عز وجل شيئاً، فإن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]. فكما يجري الله عز وجل النعمة على أيدي بعض عباده، كذلك يجري النقمة على أيدي آخرين، ولا يوجد في خلق الله سبحانه وتعالى شر محض، وإنما هو شر في حق من تألم به أو لم ينتفع به، وقد يكون في باطنه خيراً له، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. وقال تبارك وتعالى: ﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
وقد أشار إلى هاتين الآيتين محمد مولود رحمه الله عليه في بيتين لطيفين يقول فيهما: يا ذا الأسى عند الأسى فاذكر عسى ... عسى عسى عنك تخفف الأسى لا تكرهنّ ما تكره ... بعد عسى أن تكرهه يا ذا الأسى عند الأسى فاذكر عسى، يعني وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله به خيراً كثيراً. وقد يكون ذلك الشر خيراً لغير من تألم به، يعني هو شر لناس لكنه خير لآخرين، وقد قيل قديماً: مصائب قوم عند قوم فوائد. المهم أنه ما من خلق الله عز وجل إلا وفيه حكمة، والأخبار في ذلك كثيرة في القديم والحديث، وأقرب شيء يمكن التمثيل به ما جاء في سورة الكهف في القصص الثلاث التي وقعت للخضر مع موسى عليه الصلاة والسلام.
فموسى حين رأى الخضر خرق السفينة أنكر عليه؛ لأن الظاهر من خرق السفينة أنه شر لأهلها، ولذلك قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71]. لكن هذا الذي ظاهره شر كان يحمل في باطنه الخير لهم، قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]، فكان هذا الخرق فيها سبباً لترك الملك لها في أيديهم. وهكذا بالنسبة للغلام الذي قتله الخضر حيث قال الله عز وجل حكاية عن موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: 74]. فكان ظاهر هذا الفعل شراً، ولكن باطنه خير لأهله، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80-81]. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. المؤمن إذا حدث له بلاء أو ابتلاء ينبغي عليه أن يتيقن أولاً أنه ما من بلاء يقع على العباد إلا وهم سبب فيه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. فما يقع للناس من الابتلاءات فإنه بسبب بعض ما صنعوا، بسبب البعض لا بسبب الكل، ولو عاملهم سبحانه وتعالى بالعدل لأخذهم بكل ما صنعوا لما بقي على ظهر الأرض أحد، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [النحل: 61]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [فاطر: 45]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]. هذا هو الأمر الأول.
الأمر الثاني وهو مرتبط بالأمر الأول، أن يعتقد أن كل ابتلاء أو كل بلاء يقع بالعبد أو بالعباد فلا شك أن في طياته خيراً لهم، خيراً للمؤمنين بالذات؛ فلعله يتوب مذنب، أو يزداد محسن، أو يرتدع ظالم. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: 42]. الله سبحانه وتعالى يحب التضرع إليه، إلى غير ذلك من الآيات. فإذا لم يغفل المؤمن عن هذين الأمرين، أنتج ذلك ما يريده الله منه، فتوجه بقلبه إلى ربه وأكثر من الدعاء والتضرع، والله سبحانه وتعالى يحب أن يتعلق قلب عبده المؤمن به.
وقد جاء في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك». وهذا الحديث في الترمذي وقد صححه رحمه الله عليه، وأيضاً في الخمسة في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والنسائي وفي المسند من حديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. وفي المسند وفي الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدعُ الله غضب الله عليه». والشاعر يقول: لا تسألن بني آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تحجبُ الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضبُ
الأمر الثالث الذي ينبغي أن يكون في اعتقاد المؤمن وفي فكره وحاضراً معه، أنه ما من شيء يقع في هذا الكون إلا بأمر الله عز وجل، فلا يصيب الإنسان إلا ما كتب له ولن يموت أحد قبل يومه المحدد له، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: 11]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22]. ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 145]. ويقول عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]. هذا هو الأمر الثالث.
الأمر الرابع أنه ما من بلاء يقع على المؤمن في صبر إلا كان ذلك البلاء كفارة له ورفعة لدرجته في الآخرة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد وكذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». وأيضاً في صحيح مسلم -وقد تقدم ذكره- حديث صهيب بن سنان: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».
فإذا لم يغفل المؤمن عن هذين الأمرين الأخيرين، ووقع به ما كان يحذره، يعني وقع به أمر الله وقدر الله، رضي بهذا القدر وصبر واحتسب، فكان ذلك كفارة له ورفعة له عند ربه سبحانه وتعالى. وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته وحطت عنه ذنوبه».
كما تحط الشجرة ورقها. وأيضًا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يصب منه».
وفي الترمذي أيضًا من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة». إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
الأمر الخامس: أنه قد ورد التصريح بأن الوباء أو الطاعون رحمة للمؤمنين، ففي صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فقال: «كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد يكون فيه ويمكث فيه لا يخرج من البلد صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد».
ولذلك كان الصحابة في طاعون عمواس من أرضى الناس به ومن أصبر الناس عليه، فقد كان معاذ يقول حين وقع طاعون عمواس: إنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم. وما أمسى عبد الرحمن بن معاذ بن جبل حتى طُعن ابنه عبد الرحمن، وهو الذي كان يُكنى به وأحب الناس إليه، فلما رجع معاذ من المسجد وجده مكروباً، فقال: يا عبد الرحمن كيف أنت؟ فقال عبد الرحمن: يا أبتِ الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. فقال معاذ رضي الله عنه: وستجدني إن شاء الله من الصابرين. فمات عبد الرحمن من ليلته ودفن من الغد.
وجعل معاذ بن جبل يرسل الحارث بن عميرة إلى أبي عبيدة، وأبو عبيدة كان هو الأمير على أهل الشام، يرى ماذا حصل له ويسأله: كيف أنت؟ فأراه أبو عبيدة طعنة في كفه، يعني أن الطاعون بدأ به، فبكى الحارث بن عميرة حين رآها، فأقسم أبو عبيدة بالله ما يحب أن له مكانها حمر النعم، يعني راضٍ بما كتب الله له. فلما رجع الحارث إلى معاذ وجده مغشياً عليه، يعني أيضاً أُصيب معاذ، فجعل الحارث يبكي، ثم إن معاذاً أفاق فقال: يا ابن الحميرية، لِمَ تبكي؟ فقال الحارث: والله ما أبكي عليك وإنما أبكي على ما فاتني منك، يعني من العلم. فقال معاذ رضي الله عنه: إن الذي تبكي عليه من العلم مكانه بين لوحي المصحف، فإن أعيا عليك تفسيره فاطلبه بعدي عند ثلاثة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند ابن أم عبد، يعني عبد الله بن مسعود. ثم اشتد به المرض فصار ينازع الموت، فكان كلما أفاق رضي الله عنه يقول: وعزتك إنك لتعلم أني أحبك.
في ختام هذه الحلقة، ينبغي أن يعلم المؤمن أن الرضا بقضاء الله والتوكل عليه لا ينافي اتخاذ الأسباب، ولا ينافي اتخاذ التدابير الاحترازية، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام مع كمال توكله على الله عز وجل يعتني باتخاذ الأسباب ويرشد إليها. فما ذكرناه في هذه الحلقة إنما المقصود به الطمأنينة النفسية والاستقرار الفكري والاتزان الانفعالي إذا حدث للإنسان ما يحدث أو إذا ابتلي، وذلك لا ينافي اتخاذ التدابير ولا ينافي إعمال الأسباب.
وهذا الموضوع، وهو اتخاذ التدابير وإعمال الأسباب، سيكون بإذن الله موضوع الحلقة القادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري