دخولتسجيل الدخول

الحلقة 8

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، سأتكلم في هذه الحلقة عن اتخاذ التدابير الاحترازية، وأن هذا الأمر مأمور به شرعاً. ولكن قبل الكلام عن ذلك، لابد من العلم بأن اتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل على رب الأسباب؛ فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 102]، وقال عليه الصلاة والسلام: «اعقلها وتوكل».

استعمل النبي عليه الصلاة والسلام الأسباب وهو سيد المرسلين؛ فاستجلب الدليل في الهجرة، واختبأ أيضاً في الغار، ولبس الدرع بل ظاهر بين درعين، وحفر الخندق، وأمر بالتداوي، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة الدالة على استعمال الأسباب. فليس معنى التوكل ترك الأسباب، وإنما معنى التوكل تعلق القلب بالله عز وجل عند اتخاذ السبب. فالتعلق بالأسباب ونسيان رب الأسباب إفراط، وترك الأسباب بالكلية تفريط، والحق وسط بين هذا وهذا.

ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الذي يرويه الإمام مسلم: «يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم». فقوله «إلا من أطعمته» يعني أنه لابد من الاعتقاد بأن الرزق بيده وهو الذي يرزق العباد. وقوله «فاستطعموني أطعمكم» أي اطلبوا الرزق مني بالأسباب التي جعلتها أسباباً للرزق. كما قال تبارك وتعالى في أول هذا الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم»، أي أن الهداية بيده سبحانه، فاطلبوا الهداية مني بالأسباب التي جعلتها أسباباً للهداية.

وقد قال الله سبحانه وتعالى لمريم وهي امرأة النفس: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]. ما عسى أن يؤثر هز هذه المرأة لذلك الجذع وهي امرأة ضعيفة! وهذا الجذع لو أراد رجل قوي تحريكه لما استطاع. فكان الرب سبحانه وتعالى يقول لها ويقول لنا: عليك السبب وعلينا الأثر. ولذلك يقول الشاعر: ألم ترى أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب، ولو شاء أن تجنيه من غير هزة جنته، ولكن كل شيء له سبب.

هذا ما يتعلق بعدم منافاة اتخاذ الأسباب للتوكل. وأما ما يتعلق بالتدابير الاحترازية المأمور بها شرعاً في مثل هذه الجائحة، في مثل جائحة كورونا، فيمكن إجمالها في اتخاذ كل سبب لم ينهَ الشارع عنه بخصوصه، إذا كان في ذلك السبب دفع لمضرة أو جلب لمنفعة. ويمكن تقسيم تلك الأسباب إلى قسمين رئيسيين: أول هذه الأسباب الوقاية من المرض، والثاني هو العلاج.

أما الأول: الوقاية من المرض، وذلك قبل وقوعه، فهو من الأمور التي اتفق عليها العقلاء، فقد اتفق الناس على أن الوقاية خير من العلاج، وبعضهم يقول: درهم وقاية خير من قنطار علاج، والقدماء كانوا يقولون: وقاية خير من الرقية. وهذا في الحقيقة مبدأ طبي قرره الشرع في نصوص كثيرة، بعضها يتعلق بأمراض القلوب وبعضها يتعلق بأمراض الأبدان، والطب البشري إنما يعرف ما يتعلق بأمراض الأبدان دون أمراض القلوب.

ومما ورد في الشرع من العناية بأمراض القلوب قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32]. فهذا التوجيه من الله سبحانه وتعالى من عناية الشرع بأمراض القلوب، فإن خضوع المرأة بالقول قد يورث الطمع في القلب المريض بالشهوة، والطمع يقوي الإرادة ويقوي المرض نفسه، بخلاف عدم خضوع المرأة بالقول فإنه يقطع طمع من قلب المريض ويورثه اليأس من المطلوب، وفي ذلك إضعاف للمرض وحماية ووقاية للمرأة نفسها.

ومما ورد في ذلك أيضاً حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فاتقاء الشبهات وقاية للدين والعرض، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وأيضاً هو إصلاح للقلب الذي به تصلح سائر الجوارح.

وأما عناية الشرع بأمراض الأبدان والوقاية منها فكثير أيضاً. ذكر أحد العلماء أن طبيباً نصرانياً سأل علي بن الحسين بن واقد، وهو من أحد العلماء الكبار، عن علم الطب في القرآن، فقال له علي بن الحسين: قد جمع الله الطب كله في نصف آية، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لشرابه وثلث لطعامه وثلث لنفسه». وهذا الحديث في مسند أحمد والترمذي، وهو حديث صحيح. ففي الآية وفي الحديث إشارة يؤخذ منها أهمية الوقاية من الأمراض؛ فإن الإسراف في الأكل والشرب سبب للأمراض، ولذلك قال الحارث بن كلده وهو طبيب العرب: المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء.

أيضاً من التدابير الوقائية التي أمر بها الشرع في مثل ما نحن بصدده: الحجر الصحي. ومن الأدلة عليه ما ذكرناه سابقاً مما أخرجه الشيخان، وهو حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب أنه خرج إلى الشام فأخبر بالطاعون، وقد ذكرت هذا الحديث وفيه أن عمر استشار الصحابة وعزم على الرجوع بهم وعدم الدخول للبلد الذي أصابه الطاعون، وهذا من استعمال مبدأ الوقاية، وهذا قبل أن يعلم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن جاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيباً قال: إن عندي من هذا علماً، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه». فحمد الله عمر وانصرف.

هذا الحديث يعتبر أصلاً في تقرير مبدأ العزل والحجر الصحي الذي يقرره الأطباء؛ وذلك أنه إذا كان المؤمن مأموراً عند حدوث الوباء أو الطاعون في بلده بعدم الخروج منها، وعند حدوثه في غير بلده بعدم الدخول إليها، فهو مأمور أيضاً بالاعتزال وعدم المخالطة للمرضى بسبب هذا الوباء أو مخالطة الأصحاء إن كان مريضاً هو؛ لأن العلة أو السبب في عدم دخول أرض الوباء أو عدم الخروج منها هو خشية انتقال المرض إلى الأصحاء، وهذه العلة نفسها موجودة في البلد الذي دخله الوباء بين أفراده؛ فإن فيهم الأصحاء وفيهم المرضى، ولا ينبغي إذا كان المرض معدياً وخطيراً أن يختلط بعضهم ببعض.

ولذلك استعملت بعض الدول الحجر الصحي المصغر في التعامل مع هذا المرض، بحيث أنهم صاروا يعزلون المصابين عن الأصحاء في أماكن خاصة بهم، وذلك للعلة أو للسبب الذي من أجله ورد الحديث المتقدم. وقد ورد ما يدل على ذلك في أحاديث أخرى، منها قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يورد ممرض على مصح»، وهذا الحديث متفق عليه. والممرض هو صاحب النعم المريضة، والمصح صاحب النعم السليمة. فإذا كان صاحب النعم المريضة منهياً عن أن يورد نعمه على الماء مع حاجته إلى ذلك، لالّا تصاب بالمرض، فمن باب أولى ألا يخالط المريض بمثل هذا المرض الخطير الأصحاء، لالّا يتسبب في إلحاق الأذى بهم.

بالنسبة للحديث السابق وهو حديث عمر، وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منه فراراً منه». قد يستشكل بعض الناس فيه ما يتعلق بعدم الدخول أو الخروج من بلد الطاعون، وهو أن الحديث منع الدخول إلى أرض الوباء أو الخروج منها، وقد رأينا في هذا العصر أن الدول قد اعتنت بمواطنيها فجلبت من دول أخرى قد انتشر فيها الوباء، فهل هذا يعد مخالفة لما ورد في الحديث؟ الذي أحسبه والله تعالى أعلم أن ذلك ليس فيه مخالفة، وذلك لأمرين:

الأمر الأول: أن هذا الحكم الوارد في هذا الحديث خاص بالطاعون، والطاعون وإن كان وباء إلا أنه وباء خاص، فهو أمراض قاتلة، أورام تخرج في مراق الجسد، يعني في الأماكن الرقيقة، وهذا هو المراد بالحديث. وليس كل وباء يعتبر طاعوناً، فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعوناً. فهذا الوباء المنتشر بين الناس، وهو الخطير هذا المسمى كورونا (19)، مع أنه خطير إلا أنه لا يعتبر طاعوناً وإنما هو وباء فقط. وقد نقل السيوطي رحمه الله الإجماع على أن بلد الوباء يجوز الخروج منه والدخول إليه ما لم يكن طاعوناً؛ إذا وصل أو كان طاعوناً لا يجوز، وأما إذا كان فقط وباء يجوز الخروج منه والدخول إليه، وكما ذكرت مرض كورونا يحمل صفات الوباء لكنه لا يحمل صفة الطاعون حسب ما هو مقرر عند العلماء.

الأمر الثاني الذي يمكن أن يعتبر مخرجاً لما فعلته الدول: أن العلة في النهي عن الخروج من البلد الذي حل به الطاعون هي الخشية من أن ينقل أحد من أهلها المرض إلى خارج ذلك البلد، ولم يكن الطب في ذلك الوقت قادراً على معرفة من أصيب بالمرض ممن لم يصب منه؛ فلعلَّه يخرج من البلد شخص يظن نفسه سليماً وهو قد حمل الوباء دون أن يشعر لأنه في بداية الأمر، فيكون ذلك سبباً في انتشار المرض. أما اليوم فقد أصبح الطب بمقدوره كشف المصابين بهذه الأمراض ولو لم تظهر عليهم، كما أن الدول أيضاً اتخذت بعض الإجراءات الاحترازية في هذا الصدد؛ حيث يعزلون القادمين في أماكن عزل خاصة إلى أن يتم التأكد من خلوهم من تلك الأوبئة، وكل ذلك يتوافق مع العلة التي من أجلها ورد الحديث، والله سبحانه أعلم. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تكلمنا قبل الفاصل عن الوقاية، وأن منها الحجر الصحي، وسأذكر تكملة لما سبق بعض الإرشادات التي ذكرها المختصون ولها أصل في الشرع، وهذا من باب التمثيل فقط. من تلك الإرشادات الوقائية التي ذكرها المختصون التباعد الجسدي، إذا كان التقارب يسبب انتقال المرض من شخص إلى شخص، فالتباعد مطلوب، والأصل أن العمدة في مثل هذه الإرشادات أقوال المختصين من الأطباء، وهي أقوال معتبرة في الشرع لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وبالنسبة لهذه الجائحة التي اجتاحت العالم، فإن الأطباء مجمعون على ضرورة استعمال هذا التدبير الاحترازي، أعني التباعد الجسدي؛ وذلك للوقاية من انتشاره.

وإذا كان الأطباء يقررون ذلك، فإن في مخالفة كلامهم تعريض النفس للهلاك، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وقال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. وهذه الآية ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قد يظن بعض العوام أن سبب نزولها يقتضي قصرها على ذلك السبب، والعلماء يقولون كما هو معلوم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ولبيان هذا المعنى أقول: إن الآية لها سبب نزلت فيه، وذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، يلقي بيديه إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس، إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما عز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا للغزو في سبيل الله. هذا الحديث حديث صحيح صححه جماعة من أهل العلم.

وسبب نزول هذه الآية هو رجوع الأنصار إلى الدنيا وترك الإنفاق في سبيل الله، وهذا من التهلكة. وأما انغماس المجاهد في صفوف العدو فلم يكن من التهلكة لسبب؛ وذلك لما فيه من المصلحة العظيمة، فإن نكاية مثل ذلك في العدو نكاية عظيمة، فإنه أولاً يقاتل إلى أن يقتل فيستشهد، والأمر الثاني أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته على الموت، واعتقادهم في سائر المسلمين أنهم لا يبالون بالموت وأنهم يحبون الشهادة في سبيل الله. إذا اعتقد الأعداء ذلك انكسرت شوكتهم، ولذلك كان خالد بن الوليد يكتب لأهل فارس: أسلموا تسلموا، وإلا فهو الذي نفسي بيده، أو فوالله الذي لا إله إلا هو، لآتين بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.

هذا هو ظاهر تفسير الآية وسبب النزول، لكن العلماء أيضاً قالوا: لو علم الذي يريد الانغماس في العدو أنه لا نكاية لهجومه عليهم، كالأعمى مثلاً أو العاجز يطرح بنفسه بين الصفوف، فهذا حرام وهو داخل تحت عموم الآية؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا.

بخصوص السبب كما هو مقرر في علم الأصول، نرجع إلى مسألة التباعد أو موضوعنا الأساسي وهو التباعد الجسدي. التباعد الجسدي ورد بخصوصه بعض النصوص الدالة على مشروعيته، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، يعني فيه جذام، والجذام مرض معدٍ يصيب الأعضاء فيفسد. كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ -كانوا جاؤوا يبايعون النبي- أرسل إليه النبي ﷺ: «أنا قد بايعناك فارجع»، يعني لم يرد النبي مخالطته بسبب هذا المرض.

فهذا الحديث دليل على مشروعية التباعد الجسدي إذا كان المرض معديًا. ولذلك قال بعض العلماء في هذا الحديث وما في معناه، واستنبط من هذا الحديث استنباطًا عجيبًا، وهو أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذومًا، وقد ورد ما يدل على ذلك صراحة.

والعجيب أنه بمقدار مترين، ورد ذلك في الحديث في مسند أحمد وغيره بسند لا بأس به في المتابعات والشواهد، ويشهد له ما سبق أن النبي ﷺ قال: «لا تديموا النظر إلى المجذومين، وإذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم قيد رمح». وقيد الرمح قرابة المتر ونصف أو مترين.

قد يقول قائل: هذا التباعد لا شك أنه من الأمور الاحترازية والإرشادات، لكن ربما يقول قائل بأن هذا التباعد الموجود هذه الأيام في هذه الجائحة ليس بين سليم ومريض، وإنما هو بين جميع الناس، لم يخصص أحدًا دون أحد، فهو بين الأصحاء أيضًا. وهذا صحيح، لكنه رأي المختصين وهو ما أرشدوا إليه؛ وذلك لأن هذا المرض الخطير أحيانًا لا تظهر أعراضه إلا بعد فترة من الزمن، فقد يكون بعض الناس مصابًا ناقلًا للمرض وهو لا يدري، وعليه فما أرشد إليه المختصون يعتبر رأيًا صحيحًا لا إشكال فيه من الإرشادات الوقائية.

أيضًا من الإرشادات الوقائية التي ذكرها المختصون لبس الكمامة؛ لأن ذلك يساعد على منع انتشار المرض وذلك بمنع خروج الرذاذ من الفم أو الأنف عند العطاس أو عند السعال. وقد ورد ما يدل على اعتبار ذلك في السنة في مسند الحميدي وسنن أبي داود وسنن الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا عطس خمر وجهه، يعني جعل ثوبه على وجهه وأخفى عطسته. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

هذا الحديث فيه أدب من الآداب العظيمة وذلك حين العطاس؛ يعني أن النبي ﷺ يعلم أمته هذه الكيفية، أنه إذا عطس عليه أن يخمر وجهه وأن يخفي عطسته، وهذا تفاديًا لما يخرج عند العطاس من الرذاذ مما يتأذى به الناس. وقد ورد الأمر بذلك من فعل النبي ومن بأمره، بإسناد لا بأس به من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليضع كفيه على وجهه ويخفض صوته». وهذا بالنسبة للبس الكمامة بشكل عام، وأما صحة الصلاة بها فسياتي الكلام عنه في حلقة خاصة بإذن الله.

أيضًا من التدابير الاحترازية الوقائية العناية بالنظافة الشخصية ومن ذلك غسل اليدين أو تعقيمهما، والنصوص الدالة على أهمية النظافة كثيرة كما هو معلوم، منها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. ومنها أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] إلى آخر الآية.

ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا». وهو حديث متفق عليه، هذا الحديث نعم هو في الصلاة، لكنه أيضًا فيه إشارة إلى الاغتسال، مما يدل على الإرشاد إلى النظافة.

وأيضًا من الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده». وهذا الحديث متفق عليه. وهناك حديث آخر: «من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه»، رواه الخمسة وهو حديث صحيح.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل أن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.