دخولتسجيل الدخول

الحلقة 9

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فقد ذكرت في الحلقة الماضية أن اتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل، وذكرت أن من الأسباب الوقاية، وأنها خير من العلاج، وذكرت بعض التدابير الاحترازية التي أرشد إليها الأطباء ولها أصل في الشرع؛ ومن تلك التدابير الحجر الصحي، والتباعد الجسدي، ولبس الكمامة، وأشرت إلى النظافة أيضًا.

سأكمل في هذه الحلقة إن شاء الله الكلام عن بعض التدابير الاحترازية المهمة أيضًا، ثم أعرج على الكلام عن العلاج أو الدواء وما أرشد إليه الشرع من ذلك. من التدابير الاحترازية الوقائية التي ذكرتها العناية بالنظافة الشخصية، ومن ذلك غسل اليدين أو تعقيمهما، وهناك أدلة دالة على ذلك وعلى النظافة بشكل عام؛ منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، وقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6].

وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حديثًا: «أرايتكم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟»، وأيضًا ذكر حديثًا في غسل اليدين قبل أن يغمسها في الإناء إذا قام من النوم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده» وهو في الصحيحين. وهناك حديث آخر فيمن نام وفي يده غَمَزٌ -وهو رائحة للحم أو للطعام- ولم يغسله فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه، وهناك أحاديث كثيرة وأدلة في تأمر بالغسل وتأمر بالوضوء وفي صفة غسل اليدين.

إذا كان الإسلام يأمرنا بالنظافة بشكل عام في البدن وفي الثياب وفي المكان، فإن الأمر والاهتمام بالنظافة في هذه الظروف الاستثنائية آكد؛ لأن فيها حماية وفيها وقاية. كما يذكر أهل الاختصاص من الإرشادات الوقائية المهمة أيضًا أخذ اللقاحات أو التطعيم، كما يذكر الناس، أخذ اللقاحات المخصصة لهذا المرض؛ فإن استعمال هذه اللقاحات من استعمال الأسباب المأمور بها، وقد دل الشرع عليها من جهتين:

الجهة الأولى أن الله عز وجل أمرنا بسؤال أهل الذكر، وورد في ذلك أدلة؛ الله سبحانه وتعالى أمرنا برد الأمر إلى أهل الذكر كما ذكرت: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وأهل الذكر هنا هم أهل التخصص، وأهل التخصص يرشدون إلى أخذ اللقاحات، وأن في أخذها نفعًا كبيرًا. كم من الأمراض المستعصية في القدم في السابق لم يبق لها بين الناس اليوم ذكر، مثل شلل الأطفال والحصبة والجدري والعنقز، ومثل أنواع كثيرة من الحمى؛ وأكثر هذه الأمراض بل كلها أمراض معدية، وقد سعى أهل الاختصاص من الأطباء والمنظمات الطبية ومن سائر من هم في الكادر الصحي إلى محاربة هذه الأمراض عبر هذه اللقحات، فكانت تلك الأسباب -أقصد اللقحات أو استخدام الاحترازات- سببا بعد الله سبحانه وتعالى في اختفاء تلك الأمراض أو في حصارها، وأغلب الناس يتذكرون هذه التطعيمات منذ الصغر كنا نأخذها ونحن صغار، فلم يعد لتلك الأمراض ذكر بين الناس.

الجهة الثانية أنه قد ورد في الشرع ما يدل على اعتبار الوقاية من كل خطر بشكل عام، من ذلك التقوى التي أرشد الله سبحانه وتعالى إليها وأرشد الرسول ﷺ إليها؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس». والتقوى أصلها أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وما يحذره وقاية تقيه منه.

واتخاذ الوقاية لها تطبيقات كثيرة، منها الاستعداد للعدو؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. هذا الاستعداد يعتبر وقاية، كلبس الدرع وحفر الخندق وغير ذلك من عدة الحرب. ومن تطبيقات استعمال الوقاية قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «إياكم والدخول على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرايت الحمو؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الحمو الموت». والحمو هو قريب الزوج الذي لا يعد محرمًا للمرأة، يعني مثل أخ الزوج ليس محرمًا للمرأة ولا ابن أخيه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك لأن العادة بين الناس جارية على أنهم يأمنون قريب الزوج، فيتمكن قريب الزوج من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير أن ينكر عليه، ومن هنا تكون الفتنة أكبر وأخطر، فلذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من ذلك، وقد قيل قديمًا: من أَمِنَه يُؤتى الحذر. فالشخص الحذر إنما يؤتى من المكان الذي يأمن منه.

أيضًا من تطبيقات استعمال الوقاية الصحية بالذات قوله عليه الصلاة والسلام كما تقدم: «ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى الوقاية من الأمراض بمراعاة ما يأكله ابن آدم، وأنه لا ينبغي له الاسترسال في الأطعمة، وهو أمر لا يكاد يختلف عليه الناس، ولذلك قال طبيب العرب الحارث بن كلدة: «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء».

ومن التطبيقات الصحية -أقصد التطبيقات الوقائية أو استعمال الوقاية الصحية أيضًا- من أدل الأمور على ما نحن بصدده في الصحيحين، أقصد أخذ اللقاحات؛ في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر». هذا الحديث يرشد النبي صلى الله عليه وسلم فيه إلى اتخاذ الأسباب الواقية من بعض الأمراض الناتجة عن السم وعن السحر، ولعل هذا الحديث يعتبر أول تأصيل لأخذ اللقاحات الواقية من الأمراض: «من تصبح بسبع تمرات لم يضره سم ولا سحر».

ومن تطبيقات استعمال الوقاية الصحية أيضًا ما ورد في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «غطوا الإناء، أو وكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء». وفي لفظ في الصحيحين: «وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله عليه، وخمروا أنيتكم، واذكروا اسم الله عليه، ولو أن تعرضوا عليها شيئًا». ومن المعلوم أن إيكاء القرب وتخمير الآنية يعتبر من الإجراءات الوقائية أو الاحترازية من الأمراض.

والأوبئة هذه هي أشهر التدابير الاحترازية التي أرشد إليها المختصون ولها أصل في النصوص الشرعية. بقي هناك بعض التدابير المنوطة في الحقيقة بمسؤولية الحاكم أو بمسؤولية الدولة، ومنها مثلا: منع السفر، ومنها حظر التجول، وذلك للمصلحة العامة.

وقد وقع في هذه المسائل خلاف بين أهل العلم على قولين: القول الأول هو عدم التجويز؛ عدم الجواز أن المنع من السفر وحظر التجول غير جائز، وذلك لأن السفر والتجول يعتبر من الأمور المباحة التي لا يجوز منعها. وقد نسب بعض الباحثين هذا القول إلى الظاهرية، وذكرت في ذلك أدلة، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]. ووجه الدلالة أن لما يمنع السفر ويمنع التجول كأنهم حرموا ما أحل الله، ومنع المباح من قبل ولي الأمر؛ قالوا إن منع هذا المباح من قبل الحكومة أو من قبل الدولة يعتبر من تحريم ما أحل الله عز وجل.

لكن يمكن الإجابة على هذا الدليل بالقول بأن هذا المنع ليس من باب التحريم، وإنما هو تقييد مؤقت بسبب المصلحة أو لأجل المصلحة. أيضًا من الأدلة التي استدل بها هؤلاء وهي من السنة، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعر لنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة».

ووجه الدلالة من هذا الحديث أن التسعير يعتبر تقييدًا مؤقتًا للمباح، وقد امتنع منه النبي صلى الله عليه وسلم واعتبره ظلمًا، فغير النبي أولى بالامتناع. لكن هذا الحديث أيضًا يمكن أن يجاب عنه بأن التسعير ليس فيه مصلحة، إنما المنع المؤقت لأجل المصلحة نقول إنه جائز، أما التسعير فليس فيه مصلحة للناس بل هو خلاف المصلحة؛ لأنه سيكون سببًا للتضييق على الناس، وذلك لأن الجالب للسلع إذا بلغهم التسعير لم يقدموا سلعًا، وأيضًا من عنده بضاعة سيمتنع من بيعها ويكتمها، وبالتالي لا يجد الناس من حاجتهم إلا الشيء القليل، بخلاف منع التجول أو السفر في هذه الظروف، فإن فيه مصلحة عامة للناس وهو التقليل من انتشار المرض. ومن الأدلة أيضًا التي ذكرت لهذا القول من المعقول، وهو القول بعدم الجواز، سدًا للذريعة.

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ذكرنا قبل الفاصل مسألة تقييد المباح في منع السفر أو التجول، وذكرنا قول من لا يجيز ذلك وأدلته. وأما القول الثاني فهو القول بالجواز؛ وذلك لأن السفر أو التجول من الأمور المباحة، والمباحات يجوز للدولة أو لولي الأمر تقييدها مؤقتًا من أجل المصلحة العامة. وقد نسب بعض الباحثين هذا القول إلى المذاهب الأربعة، وذكروا أدلة في ذلك.

من الأدلة الدالة على طاعة ولي الأمر في غير المعصية كقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، وهذا الحديث متفق عليه. ووجه الدلالة من هذه الآيات والأحاديث أن المنع من السفر أو حظر التجول إذا كان لمصلحة ولم يكن دائمًا لا يعتبر معصية، بل هو طاعة لما فيه من تحقيق المصلحة.

أيضًا من الأدلة الأحاديث التي تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام وذلك من أجل جوع كان بالناس؛ منها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام». وهذا الحديث متفق عليه، فقد منع النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأحاديث -حديث ابن عمر وغيره عن علي وغيره من الصحابة- الأكل من لحوم الأضاحي بعد ثلاثة.

ثم جاءت أحاديث أخرى توضح أكلها وتبين السبب الذي من أجله منع النبي عليه الصلاة والسلام أكلها؛ منها حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء»، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا عام الماضي؟ قال: «كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها»، متفق عليه، فتبين السبب.

ومنها أيضًا حديث عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن واقد قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعائشة، فقالت: صدقت، سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى في وقت الأضحى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادخروا ثلاثة ثم تصدقوا بما بقي»، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله، إن الناس يتخذون الأَسْقِيَة من ضحاياهم ويجمّلون منها الودك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذاك؟»، قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت»، يعني الناس الذين جاؤوا، فكلوا وادخروا وتصدقوا، وهذا الحديث أيضًا متفق عليه.

هذه الأحاديث فيها دلالة واضحة على أن النبي عليه الصلاة والسلام قد منعهم منعًا مؤقتًا من أكل لحوم ضحاياهم أو الاستفادة منها بعد ثلاث، وذلك لأجل مساعدة إخوانهم لا تحريمًا لها، وهذا هو تقييد المباح الذي نتكلم عنه. وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك في وقت حصار عثمان؛ أبو عبيد مولى بن أزهر يقول: صليت مع علي رضي الله عنه فلما خطب الناس قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال، فلا تأكلوا»، وهذا الحديث متفق عليه، وكان هذا في وقت حصار عثمان. والدليل عليه أن أبا عبيد يقول: شهدت العيد مع علي رضي الله عنه وعثمان محصور.

يقول العلماء ومنهم ابن حزم: وكان أهل البوادي قد لجأهم الفتنة إلى المدينة وأصابهم جهد، فأمر علي لذلك بمثل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حصل الجهد وحين دفت الدافة. وقد ورد في بعض الروايات التاريخية شيء أيضًا يبين تقييد المباح من رواية سيف بن عمر التميمي، وهذا الرجل مؤرخ كبير لكنه فيه ضعف أو...

ضعيف ورد عنه أن عمر بن الخطاب منع جماعة من الصحابة، من كبار الصحابة، من الخروج من المدينة للمصلحة العامة، وهي أن يكونوا حوله يستشيرهم، ولا يكون في خروجهم عنه تفتت في الدولة، إلا أن هذه الروايات كما ذكرت لا تثبت بسند صحيح؛ لأنها من رواية هذا الرجل.

الخلاصة هي أن للحاكم أو للدولة تقييد بعض المباحات، لكن بضوابط وشروط، إذا خُلي هذا التقييد من هذه الضوابط لم يكن جائزًا. من هذه الضوابط أن يكون التقييد مؤقتًا مرتبطًا بالظروف التي دعت إليه، وهذا حاصل كما نرى. الأمر الثاني أن يكون في ذلك مصلحة عامة، لا مصلحة خاصة له أو خاصة لبعض الناس. الأمر الثالث أن تكون تلك المصلحة مؤكدة وليست متوهمة، مصلحة حقيقية ليست افتراضية. الأمر الرابع من الضوابط أن يكون ذلك التقييد أيضًا مبنيًا على رأي جهة ذات اختصاص؛ يعني لابد أن يحكم في ذلك أهل الاختصاص.

كل ما تقدم ذكره في هذه الحلقة وفي الحلقة التي قبلها إنما هو في القسم الأول من اتخاذ الأسباب، وهو الوقاية من انتشار المرض. أما القسم الثاني وهو العلاج، فإنما يكون بعد الإصابة بالمرض. والأصل في مشروعية العلاج هو الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى عن النحل: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 69]. فقال: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾، فمنّ على الناس بالعسل الذي فيه الشفاء، مما يدل على مشروعية الاستشفاء.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الحبة السوداء: «شفاء من كل داء إلا السام»، قال ابن شهاب: والسام الموت. وأيضًا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، أو كية بنار، أو حمة محجم، ونهى أمتي عن الكي». الشفاء في ثلاثة، يعني معظم الشفاء في هذه الثلاثة. وفي صحيح البخاري أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء». وفي مسلم أيضًا من حديث جابر: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عز وجل».

وبعض الأحاديث ليست في الصحيح وإنما في السنن: «عرفه من عرفه، وجهله من جهله». هذه النصوص فيها دلالات واضحة على ربط الأسباب بمسبباتها، وأن ذلك لا ينافي التوكل، وفيها رد على من أنكر التداوي. هناك من ينكر التداوي بحجة أن الشفاء إن كان قد قُدّر فالتداوي لا يفيد لأن الشفاء مقدر، وإن كان لم يقدر فكذلك لن ينفع التداوي. وهذا في الحقيقة احتجاج ساقط لا وجه له، لا يمكن التعويل عليه؛ فإنه يلزم عليه -على القدر- أنه لا يباشر العبد أي سبب من الأسباب التي تجرب المنفعة أو تدفع المضرة؛ لأنه سيقال له إن المنفعة والمضرة إن قُدّرتا فلا بد من وقوعهما، وإن لم تُقدرا فلا سبيل إلى وقوعهما. المنفعة والمضرة مثلا من الأكل والشرب، ويقال له لا تأكل ولا تشرب؛ لأنه إن كان مقدرًا لك الانتفاع والشبع فلا فائدة في الأكل ولا في الشرب، إلى آخره.

ما يمكن الرد به على هذا المنطق، بل إن في هذا المنطق خراب الدنيا والدين، وهذا لا يقوله إلا معاند دافع للحق. وفي حديث عمر المشهور حين رجع بالناس ولم يدخل الشام بسبب تفشي الطاعون، حين قال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ قال عمر: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله». ثم ذكر: أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عروتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رأيت الخصبة رأيتها بقدر الله، وإن رأيت الجدبة رأيتها بقدر الله؟

بل قد ورد في هذا المعنى حديث، وهو أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت رقية نسترقِيها، ودواء نتداوى به، ووقاية نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هي من قدر الله» [رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وفيه كلام يسير لكنه صالح للاعتبار].

هذا كله ما ذكرته مما من الوقاية وغيرها، مع مراعاة أيضًا التوجه إلى الرب سبحانه وتعالى بالدعاء وبالرقى الشرعية؛ يعني لا نتعلق بهذه الأسباب، وإنما نتعلق برب الأسباب، ونفعل هذه الأسباب امتثالاً لأمر الله عز وجل. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.