الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فما زلنا نتكلم عن فقه النوازل، وقد خصصت هذه الحلقة في موضوع مهم جدا، وهو موقف المسلم وما ينبغي أن يكون عليه من ناحية تلقي الأخبار، يعني المنهج الشرعي تجاه هذه الجائحة وما واكبها من أخبار. وهي من أهم الأمور التي ينبغي على المسلم الانتباه لها؛ من الأمور التي ينبغي على المسلم القيام بها بخصوص تلقي الأخبار والمعلومات أن يكون متحرياً مثبتاً في تلقيها ونقلها، وذلك هو منهج الإسلام، وهو المبدأ الذي أمرنا به القرآن وأمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
لقائل إن يقول: كيف لنا بالتثبت من الأخبار مع هذه الثورة المعرفية وهذه السيول الهادرة من الوسائل التي تبث الأخبار وتبث الإشاعات، مع عدم المعرفة المحققة لدى كثير من الناس؟
الجواب بكل بساطة: أن التثبت من الأخبار ومعرفة حقائقها في كل علم أو في كل فن من الفنون إنما يكون لأهل الاختصاص، لأهل المعرفة بذلك العلم، لأهل الاختصاص بذلك الفن. وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. ففي قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إشارة إلى أهل الاختصاص الذين يستنبطون هذا الأمر من هؤلاء الناس الذين يردون إليهم الأمر.
ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وهذه آية توجه الناس إلى سؤال أهل الاختصاص، توجههم إلى عدم الالتفات إلى غير أهل الاختصاص، وهذه قاعدة قرآنية عظيمة لو طبقها الناس على الوجه الأكمل لما اختلفوا في شيء إلا فيما يسوغ فيه الاختلاف. ويقال: لو سكت الجاهل لما اختلف الناس.
الناس يتفاوتون في علومهم ويتفاوتون في مداركهم، ولا يمكن لأحد منهم أن يحيط بجميع العلوم؛ بل يوجد منهم متخصص في فن، وآخرون متخصصون في فن آخر، وهكذا. فمثلاً إذا عرضت لشخص مسألة في الفقه أو مسألة في الحديث وهو يريد معرفة الحكم فيها، فإن عليه أن يسأل المختصين من أهل الفقه أو من أهل الحديث، ولو كان هذا الشخص متخصصاً في علم آخر كالهندسة.
مسألة في جائحة كورونا هم الأطباء، ولا سيما المختصون منهم في الأمراض الانتقالية وأنواع الفيروسات واللقاحات ونحو ذلك؛ هؤلاء هم المختصون وهم الذين ينبغي الرد إليهم. هذا الأمر في الحقيقة معروف لا يحتاج إلى استدلالات كثيرة، كلام العلماء فيه كثير، وكتب الفقه مملوءة في كثير من المسائل بالإحالة إلى أهل الخبرة. وهكذا القضاة في أشياء كثيرة خارجة عن الفقه، مثل البناء أو الطب أو التشريح أو القافة وغير ذلك من الأمور التي أشار إليها الفقهاء، وكذلك القضاة نجد القاضي إذا أشكل عليه شيء استعان بأهل الخبرة وأرجع الحكم إلى أن يسمع قولهم.
ومن بديع ما وجدته في ما نحن في صدده كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتكلم عن اعتباره في أمور الجهاد، حيث ذكر أن المعتبر رأيهم في ذلك هم أهل الدين الذين لهم خبرة بالدنيا، يعني ليس فقط أهل الدين؛ فلا يؤخذ برأي أهل الدنيا الذين لا يعرفون من الدين إلا ظاهره في الجهاد، ولا يؤخذ برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا.
وهذا الشافعي رحمه الله ألف كتاب الرسالة، هذا الكتاب العظيم وذكر فيه كلاماً، ومن ضمن ما ذكره أن من الناس من تكلم في العلم ولو أمسك لكان الإمساك أولى به وأقرب إلى السلامة، هكذا يذكر في أحد المواطن في كتابه. وأبو المظفر السمعاني، وهو إمام من الأئمة الكبار توفي سنة 489هـ، يذكر في كتاب له اسمه قواطع الأدلة في الأصول، يذكر ويرد على عالم آخر اسمه أبا زيد الدبوسي توفي سنة 340هـ، وهو أحد علماء الحنفية الكبار، أحد أذكياء الأمة الجهابذة، وهذا الدبوسي أول من وضع علم الخلاف وهو أول من أبرزه.
فأبو المظفر ينتقد الدبوسي في خوضه في علم الحديث، ويذكر أنه لم يعطَ حظاً من هذا العلم، يعني علم الحديث؛ الدبوسي ليس عالماً في الحديث، وذلك لأن الأمر يدور في الحديث على معرفة الرواة، وهو أمر لا يدرك بالذكاء والفطنة. نعم، الدبوسي عنده ذكاء وفطنة، لكن المسألة مسألة رجال ومعرفة، فكان الأولى به أن يترك الخوض في هذا الفن ويحيله إلى أهله، ثم قال كلمة: «فإن قال في كلامه فإن من خاض فيما ليس من شأنه فأقل ما يصيبه افتضاح عند أهله»، وهكذا قال: «ولكل عمل رجال فينبغي أن يسلم لهم ذلك».
وأيضاً من المواضع التي تكلم فيها العلماء أبو بكر الجرجاني صاحب دلائل الإعجاز توفي سنة 471هـ، يتكلم عن تصحيح خطأ وقع فيه بعض من تعاطى علم البلاغة حيث جعل الفصاحة والبلاغة للألفاظ، ثم يقول في آخر كلام له: «ولكن إذا تعاطى الشيء غير أهله وتولى الأمر غير البصير به أعضل الداء واشتد البلاء».
ومن غرائب ما وقفت عليه أيضاً -وأنا أستغربه جداً- كلام الحافظ ابن حجر، لكنه كلام صحيح عن الكرماني عند شرح حديث من الأحاديث في صحيح البخاري. وهذا الحديث مروي عن الزهري وهو تابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ظاهره أنه مرسل، ثم قال الزهري في آخر الحديث: «سمعت سالماً بن عبد الله يحدث مثل هذا عن أبيه عن النبي»، يعني وصل الحديث صار الحديث متصلاً، لكنه قال: «مثل هذا»، وهذا النوع من التحديث معروف عند المحدثين، تارة يقدمون الإسناد على المتن وتارة يقدمون متن الحديث على الإسناد.
الكرماني لما رأى هذا الحديث ظن أنه مرسل، وأن الإسناد الذي في آخره لحديث آخر مثله لقوله في آخره: «سمعت سالماً يحدث مثل هذا»، فتعقبه الحافظ ابن حجر بأن هذا شيء معروف عند المحدثين، ثم أورد رواية أيضاً يعزز بها كلامه فيها أن الزهري قال: «سمعت سالماً يحدث به هذا»، لم يقل: «بمثل هذا» أو «بهذا عن أبيه». قال الحافظ معقباً على الكرماني: «وإذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب»، وإنما قال ذلك الحافظ ابن حجر لأن الكرماني معروف بالعلوم النظرية ولم يكن الحديث من صناعته.
وإذا نظرنا إلى ما صاحب جائحة كورونا من الأخبار والإشاعات، وجدنا الكثير من الأخبار الزائفة والكثير من الأمور المغلوطة، وغالب مصادر تلك الأخبار إنما نجدها عند غير المتخصصين؛ إما من عوام الناس أو من أهل الثقافة المتواضعة، وأحياناً من بعض المشاهير، بل من بعض الحكام غير...
من أكثر الأمور التي نُسجت حولها الأخبار الزائفة وتكاثرت فيها المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي من قِبل غير المختصين أمران؛ الأمر الأول كان في بداية انتشار المرض، وهو ما يزعمه بعض الناس من أن الأطعمة الفلانية أو الأفعال الفلانية تمنع من الإصابة بهذا المرض أو تقلل من انتشاره. وفي ذلك من الأخبار والمقاطع المضللة أشياء كثيرة، وقد كان لها أثر بالغ على الناس.
وبالرجوع إلى أهل الاختصاص أو أهل الخبرة من الأطباء والمختصين، نجدهم يبينون زيف هذه الأخبار وأنه لا أساس لها من الصحة. من ذلك ادعاء كثير من الناس أن الفيتامينات تعالج المرض أو تمنع الإصابة به، وبعضهم زعم ذلك في الكحول والتدخين، وبعضهم زعم ذلك في الثوم والفلفل، وبعضهم في التعرض للشمس، وبعضهم في الاستحمام بالماء الساخن، إلى غير ذلك من الإشاعات الكثيرة التي لم يتفوه بها المختصون من الأطباء، وإنما نشرها عوام الناس، وبعضها يكون مصدره بعض الشخصيات المشهورة.
الأمر الثاني الذي كثرت حوله الإشاعات هو اللقاحات أو التطعيمات، وهذه الإشاعات جاءت متأخرة بعد سعي الكثير من شركات الأدوية لتصنيع بعض اللقاحات. والإشاعات حول اللقاحات كثيرة جداً، منها أنها غطاء لزرع شرائح إلكترونية دقيقة في أجسام الناس يمكن تتبعها، وأن الذي وراء ذلك شخص واحد أصبح يسير العالم كله كيف يشاء، ومنها أيضاً أن اللقاحات تسبب العديد من الأمراض السيئة على المدى البعيد، مع أن المعروف أن اللقاحات لا تعتمد لدى الدول أو المنظمات إلا بعد الدراسات المستفيضة والجادة.
أيضاً من الإشاعات أنها تسبب العقم وتتدخل في تغيير الجينات الوراثية أو الحمض النووي، ونحو ذلك من الإشاعات العجيبة التي كان لها الأثر الكبير في عزوف كثير من الناس عن هذه التطعيمات. وبالتالي كان ذلك من الأسباب المهمة التي أخرت مكافحة المرض وصعبت القضاء عليه لدى الدول. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنت تكلمت قبل الفاصل في موقف المؤمن من الأخبار الزائفة، وأنه ينبغي عليه الرجوع إلى أهل الاختصاص، وأن هذا هو المأمور به شرعاً كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. فهذه الآية تأمر من لم يعلم بسؤال من يعلم، فيفهم منها أن من يعلم يكتفي بما علمه أو يسأل نظراءه في العلم؛ لأنه إذا سألهم أكسبه ذلك زيادة معرفة.
ومع أنه مأمور به شرعاً لمن لا يعلم أن يسأل أهل العلم والمعرفة، إلا أن كثيراً من الأمور التي تهم الناس اليوم قد يسهل التوصل إلى الحقيقة فيها، خصوصاً مع ثورة المعلومات وتكاثر وسائل استقصاء الأخبار. صحيح أن كثرة وسائل الأخبار اليوم، وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي، قد تكون سبباً في انتشار الشائعات والأخبار الزائفة، لا سيما والكثير من مصادر تلك الأخبار غير معروفة ويختفي وراءها من لا يُدرى من هو؛ وبالتالي يسهل عليه إلقاء الخبر على عواهنه هكذا، والكثير منهم يستسهل اختلاق الأخبار لأغراض معينة.
لكن كثرة هذه الوسائل وهذه القنوات الإخبارية وهذه البرامج إذا نظر إليها الناظر بعين الناقد المتفحص، تمكن بإذن الله من التوصل إلى حقيقة الخبر وذلك بكل سهولة. وهذا فيما يخص الأخبار المهمة؛ فعلى سبيل المثال إذا كان هناك خبر مهم جداً مثل اغتيال حاكم أو إصابته بمرض أو غزو أو موت لشخص مهم ونحو ذلك، فهذه الأخبار ينبغي في الحقيقة أن تطير بها الدنيا، وينبغي أن تنتشر الأخبار شرقاً وغرباً ويعرف بها الناس كلهم.
فإذا وجدنا خبراً من هذه النوعية في مواقع التواصل الاجتماعي أو على بعض القنوات غير المشهورة دون أن تهتم به القنوات الإخبارية المهمة ودون أن ينتشر انتشاراً كبيراً، فإن هذا يدل على أنهم استقصوا؛ أقصد القنوات الإخبارية المتخصصة المحترمة، فإذا لم تنشر مثل هذه الأخبار المهمة فهذا يدل على أنهم استقصوا عن ذلك الخبر فلم يجدوه صحيحاً، وربما عرضوه على الهامش وبينوا أنه غير صحيح، وربما يكون هذا قاعدة مقربة.
ولذلك كان أئمتنا يكرهون غرائب الأخبار، وليس المقصود بغرائب الأخبار التي يكرهها أئمتنا كونها غريبة من حيث المعنى، بل يراد بها كونها أخباراً مهمة ولا تشتهر بين الناس. إذا جاء ذلك فيكره لابد من الاشتهار، وإنما تأتي بعض الأخبار التي يكرهونها من طريق واحد فمن هنا كانت غريبة؛ إذ كيف يكون الخبر مهماً وفيه معنى ينبغي أن يشتهر ويصل خبره لكثير من الناس ولا يأتي إلا من طريق راوٍ واحد؟
فإذا تفرد راوٍ بخبر مهم أو رواية مهمة ولا توجد تلك الرواية إلا من طريقه قالوا: هذا خبر غريب أو هذا حديث غريب، سموه غريباً تشبيهاً له بالرجل الغريب بين قوم لا يعرفونه. وإنما قالوا غريب تعجباً: كيف لا يشتهر؟ بمعنى كيف لا يرد من طرق متعددة وهذا لأنه مهم؟ فمعناه مهم فينبغي أن يكون قد انتشر، ولذلك لا بد من التثبت في صحته، فقد يكون صحيحاً في بعض الأحيان وقد لا يكون كذلك وهو الأكثر، ولذلك كان الأئمة يكرهون رواية غرائب الأخبار.
فهذا إبراهيم النخعي، وهو تابعي جليل توفي سنة 96 من أهل الكوفة من تلاميذ تلاميذ ابن مسعود رضي الله عنهم، وهو من أعرف الناس بالعلم في الكوفة كان يقول: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وأيضاً إمام دار الهجرة مالك بن أنس توفي سنة 79 وماية كان يقول: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس، يعني الشيء المعروف بين الناس، الشيء الذي يأتي من ها هنا وها هنا.
كما قال عبد الله بن المبارك، وهو أحد الأئمة الكبار توفي سنة 81 وماية، قال عنه الحافظ بن حجر: جمعت فيه خصال الخير. وكان رحمه الله عليه يجاهد ستة أشهر ويعلم الناس ستة أشهر، وهو الذي اشتهرت عنه الأبيات السائرة: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا.. لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه.. فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل.. فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا.. رهج السنابك والغبار الأطيب كان عبد الله بن مبارك يقول: العلم الذي يجيئك من ها هنا وها هنا، يعني الذي يعرفه الناس ولا يكون غريباً عليهم.
ويمكن التمثيل لما نحن بصدده وهو الكلام عن جائحة كورونا وما واكبها من الإشاعات والأخبار الزائفة بمثال واحد أو أكثر من مثال، ومن تلك الأمثلة ما ظهر في مواقع التواصل الاجتماعي وانتشر انتشار النار في الهشيم من أن هواتف الجيل الخامس، وهو المسمى "فايف جي" كما يقولون، تعتبر جزءاً من مؤامرة كبيرة لنشر المرض عبر تردداتها العالية، وذلك للسيطرة على الناس. وبغض النظر عمن كان وراء مثل هذه الإشاعات والأخبار الزائفة المجانبة في الحقيقة للمنطق -سواء كانت منافسات تجارية أو غيرها- إلا أنه شارك في نشرها بعض المشاهير في العالم، بل وبعض المسؤولين، بل وشارك فيها بعض رجال الدين وبعض المفتين في الدول العربية.
وقد كان لهذه المشاركة الأثر الكبير في نفوس الكثير من العوام، حتى أن بعض الدول قامت فيها مظاهرات وهدمت فيها أبراج الهواتف المحمولة في بريطانيا وفي عدد من الدول، بل في بعض الدول هدموا أبراج الهواتف ثم بعد هدمها اكتشفوا أنه لا علاقة لهذه الأبراج بالجيل الخامس وأن تقنية الجيل الخامس ليست موجودة في ذلك البلد إلى الآن. فثار الناس العوام وهدموا هذه الأبراج، ثم أخبرهم المسؤولون: هذه أبراج ليست لهذا الجيل الخامس ولم يرد عندنا الجيل الخامس أصلاً. فالناس العوام أحياناً يأخذون الأخبار ويسببون لأنفسهم المضرة، وفي الحقيقة كان الأولى بهؤلاء المشاهير الذين شاركوا في مثل تلك الشائعات ألا يشاركوا فيها لا سيما أهل الإفتاء؛ فإنهم أهل علم، كان ينبغي عليهم ألا يتكلموا في غير تخصصهم، وكما قيل قديماً: "ليس بعشك فادرجي"، وإنما كان عليهم أن يحيلوا الأمر إلى أهل الاختصاص.
وقد قال أهل العلم فيما سبق بيانه: من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب. ولذلك قام كثير من المتخصصين في الدول وقامت المؤسسات الطبية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية ببيان أن هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة، وأنها لا تستند إلى أي منطق. نجد ذلك في مواقعهم الرسمية؛ فإن الفيروسات هذه لا يمكن أن تنتقل عبر الترددات، وإمكانية انتقالها من شخص إلى آخر دون تلامس إنما يكون إذا حصل عطاس أو حصل سعال فتطاير الرذاذ وكانت المسافة قريبة، إذا كانت المسافة قريبة دون مترين أو دون متر ونصف يمكن عند ذلك أن تنتقل عبر هذه الرذاذ المنتقلة من عند العطس. لكن هذه الترددات الموجودة في الجيل الخامس موجود نظيرها أيضاً في بعض الإلكترونيات المستخدمة منذ عشرات السنين كالمكيفات والتلفزيون وغيرها، فليست هي جديدة على البشرية.
أيضاً من الأمثلة على الشائعات والأخبار الزائفة قصة الشرائح الإلكترونية التي أشرت إليها أنها تزرع عبر اللقاحات في أجسام الناس؛ لا أدري كيف قبل الناس هذه الإشاعة، هذا الماء الذي يدخل مع الإبرة كيف يكون فيه هذه الشرائح، وأن لها مضاعفات على طول المدى؟ حتى أن شخصاً أرسل لي رسالة لأني غردت حين أخذت التطعيم، فراسلني أو سألني في السناب: يا شيخ بعد عشر سنين أو دونها أو أكثر منها أخبرنا ماذا سيحصل لك؟ يعني هو متشرب في نفسه أن هذه مضرة على بعيد المدى، فقلت له: أنا سألت المختصين وهم اتباعاً لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ولا أدري أنت من سألت؟
المهم أن الأطباء المختصين قد بينوا بأن هذا الكلام لا يستند إلى منطق ولا يستند إلى علم. وقد كان لهذه الشائعات كما ذكرت وأمثالها مما يتعلق باللقاحات أو غيرها الأثر الكبير في انتشار المرض وبقائه كل هذه المدة، مما جعل الدول عاجزة عن السيطرة عليه، وكل ذلك سببه تعاطي الناس أمثال هذه الشائعات والأخبار المزيفة؛ فالناس أنفسهم بعدم تقيدهم بالمنهج الصحيح للعلم وإحالة العلم إلى أهله يضرون أنفسهم من حيث لا يشعرون، ولذلك يقول الشاعر: لن تبلغ الأعداء من جاهل.. ما يبلغ الجاهل من نفسه
ولذلك على المسلم إذا وجد خبراً مما يتناقله العوام أو في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، ولم يكن هو من أهل التخصص العارفين بذلك الخبر، وليس عنده آلية للبحث والاستقصاء كي يدله ذلك على الحق، فعليه أن يحيل الأمر إلى أهله العارفين به. فإن كان له صديق مثلاً من أهل الاختصاص العارفين فليَسأل، وإن لم يكن له صديق من أهل الاختصاص فليذهب إلى مختص معروف بذلك العلم، كما يفعل إذا جاءته مسألة في الفقه فإنه يذهب ليسأل أهل الفقه.
هذا هو المنهج الصحيح الذي دلت عليه النصوص، ودلت عليه أقوال أهل العلم كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري