الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فسأبين في هذه الحلقة بإذن الله ذكر أعيان المسائل والقضايا التي تعتبر في هذا الوقت من النوازل الفقهية. وسأبدأ بما يبدأ به الفقهاء في كتبهم عادة؛ حيث إن العادة جارية بأن يبدأوا بكتاب الطهارة. ومن المسائل التي ينبغي الكلام فيها مسألة المعقمات التي تحتوي على كحول. هذه المسألة من المسائل الجديدة التي عمت بها البلوى، خصوصاً في ظل هذه الجائحة التي عمت البلدان وانتشرت في العالم؛ فإنه يلاحظ استعمال هذه المعقمات التي تحتوي على الكحول في المستشفيات وفي المؤسسات الحكومية وأيضاً في البيوت، وذلك لتعقيم الأيدي وحمايتها من نقل الفيروسات.
الإشكال الوارد في هذه المسألة هو أن هذه المعقمات يستخدم فيها مادة الكحول، وقد جاء في الحديث «كل مسكر حرام»، وبالتالي فقد يكون استعمال هذه المعقمات حراماً. هذا هو محل الإشكال. ويتفرع على هذه القاعدة مسائل كثيرة تتعلق بالكحول؛ فإن الكحول يستخدم هذه الأيام استخدامات متعددة، يستخدم في المعقمات ويستخدم في المطهرات ويستخدم أيضاً في الروائح العطرية، وأيضاً يستخدم في الأدوية ويستخدم كذلك في بعض الأطعمة. فنحتاج إلى معرفة الحكم في هذه المسائل. في هذه الحلقة سأبين الحكم في ثلاثة أنواع من السوائل التي يستخدم فيها هذه المادة: النوع الأول من هذه السوائل هي المعقمات، والنوع الثاني المطهرات أو المنظفات التي تستخدم في الغسيل، والنوع الثالث العطور المشتملة على الكحول.
لكن لا بد من بيان ماهية الكحول؛ ما هو الكحول؟ وما أصل هذه الكلمة أو أصل مادتها؟ أولاً: أصل هذه الكلمة من حيث اللغة؛ وجدت في بعض المعاجم والمواقع أن أصل لفظة الكحول كلمة عربية، وأنها مأخوذة من كلمة الغول بفتح الغين، وهو كل ما يغتال العقل أي يذهبه. يقال: غاله غولاً واغتال اغتيالاً إذا أخذه من حيث لا يدري. قال الله تعالى في خمر الجنة: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: 45-47]. وقد جاء في تلك المعاجم أن الكيميائيين العرب أطلقوا هذه الكلمة أعني الغول على منتجات الخمر المسكرة، ثم انتقل ذلك إلى أوروبا لتتحول هذه الكلمة من الغول إلى الكحول. هذا بالنسبة للأصل اللغوي لهذه الكلمة.
وأما ماهية الكحول نفس هذه المادة، فهو كما في كثير من الأبحاث العلمية يقال عنه إنه سائل طيار له رائحة خاصة، ينتج عن تخمر السكر والنشاء وغير ذلك، وهو عند أهل الاختصاص من الكيميائيين جملة من المركبات الكيميائية العضوية مثل ذرات الهيدروجين والكربون والهيدروكسيل كما يقولون، هكذا يذكره أهل الاختصاص. ومصادر الكحول، له مصادر يستخرج منها، من أشهرها الكربوهيدرات كقصب السكر والنشاء، وكذلك يستخرج من الغازات المصاحبة لإنتاج البترول وهي أهم المصادر، وكذا الغاز الطبيعي والفحم.
وللكحول أنواع متعددة، أشهر هذه الأنواع نوعان: النوع الأول ما يسمى بالكحول الإيثيلي أو الإيثانول، وهو أبيض اللون وهو المعروف عند كثير من الناس بالسبرتو الأبيض، وهو من المهدئات والمنومات، وهو أيضاً المستخدم في المشروبات الكحولية؛ ولذلك يطلقون عليه روح الخمر. والنوع الثاني الكحول الميثيلي أو الميثانول، وهو بني اللون ويعرف بالسبرتو الأحمر، وهو شديد السمية، ومع ذلك مع سميته هو مسكر في نفس الوقت.
ولكي نعرف حكم الكحول لا بد من معرفة الأصل الذي يقاس عليه؛ لأن الأدلة المتفق عليها في الفقه أربعة أدلة: أولها الكتاب، وثانيها السنة، وثالثها الإجماع، ورابعها القياس. ومسألة الكحول لا توجد بعينها في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، وأما القياس فبابه واسع وهو الذي يمكن أن يستخرج به حكم هذه المسألة. والقياس كما يقول أهل العلم هو إلحاق فرع بأصل بعلة جامعة بينهما. وعليه، فهل هناك شيء له حكم في الشرع يمكن أن يلحق الكحول به في هذه المسألة؟ قولان لأهل العلم.
القول الأول: أن الكحول يقاس على الخمر، وأن العلة الجامعة بينهما هي الإسكار؛ وذلك لأن الكحول مسكر بالاتفاق، بل إن بعض أنواعه وهو الإيثانول يعتبر روح الخمر، وهو القول الذي عليه الكثير من المعاصرين. القول الثاني: أن الكحول لا يقاس على الخمر لوجود الفارق بينهما؛ وذلك أن مصدر الخمر والكحول مختلف، وخصائص الكحول تختلف عن خصائص الخمر من حيث كونه مركباً، مما يجعل الكحول كمستحضر كيميائي أو صيدلاني ذا طبيعة مختلفة عن الخمر من وجوه. وهذا قول عليه جماعة من المتأخرين وجماعة من المعاصرين. وعليه إذا قلنا بأن الكحول لا يعتبر ملحقاً بالخمر، فإن جميع المسائل السابقة لا إشكال في إباحتها ولا إشكال أيضاً في طهارتها؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة. ويستثنى من هذه الإباحة استخدام هذه المادة بشكل مضر أو بقصد محرم؛ ومثال ذلك استخدامها كسم قاتل أو بقصد الإضرار أو بقصد السكر؛ فإن الوسائل كما يقال لها حكم المقاصد.
أما إن قلنا بأن الكحول ملحقة بالخمر بجامع الإسكار، فإن الأصل فيها حينئذ الحرمة ولا يخرج عن ذلك الأصل إلا بدليل. وهنا مسألة يكثر الكلام بين العلماء وهي مسألة نجاسة الخمر؛ إذا ألحقنا الكحول بالخمر وقلنا إن الكحول خمر، فالعلماء متفقون على تحريم الخمر لكنهم مختلفون في نجاستها، ولهم في ذلك قولان. القول الأول: أن الخمر نجسة، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، من أهمها دليلان. الدليل الأول من الكتاب: وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]، فسمى الله سبحانه وتعالى الخمر رجساً، والرجس في اللغة النجس.
والدليل الثاني من السنة هو ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا نبي الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوه وكلوا فيها». وفي بعض الروايات في السنن: «إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر»، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا واشربوا»، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بغسل الآنية يدل على نجاسة ما يستخدم فيها.
هذان الدليلان في الحقيقة محل مناقشة. أما الآية فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ المراد بذلك ليست النجاسة العينية وإنما المراد النجاسة المعنوية أو كونها من الخبائث؛ لأن ما ذكر مع الخمر وهو الميسر والأنصاب والأزلام طاهرة بالاتفاق، فدل على أن المراد بالرجس في هذه الآية هنا ليست النجاسة الحقيقية وإنما النجاسة المعنوية. وأما الحديث فأمره عليه الصلاة والسلام بغسل الأواني؛ لأن تلك الأشياء يحرم تناولها، ثم لا يدرى هل المستعمل فيها هو لحم الخنزير وهو بالاتفاق أم غيره، فلا يصلح عند ذلك دليلاً على نجاسة الخمر.
القول الثاني: أن الخمر وإن كانت محرمة إلا أنها طاهرة العين، أي ليست بنجس. وهذا قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، والليث بن سعد، وجماعة من أهل المذاهب، وعليه أكثر المعاصرين. وهناك عدد من الأدلة على طهارتها، أهم هذه الأدلة في نظري دليلان. الدليل الأول: الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة إلا ما دل الدليل على تحريمه أو نجاسته، وقد دل الدليل البين على تحريم الخمر، وأما النجاسة فلا دليل ظاهر على نجاستها، فهي باقية على أصل الطهارة، وهذا الدليل من أقوى الأدلة في هذا الباب. الدليل الثاني: هو حليتها قبل النسخ؛ وذلك معروف عند الناس؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾، لما كانت حلالاً في وقت من الأوقات.
وقد تظاهرت الأدلة الكثيرة الدالة على وجوب التطهر واجتناب النجاسات وتحريم تناولها. ومما يدل على تحريم تناول النجاسات الآيات الدالة على تحريم أكل الميتة والخنزير؛ فإن علة تحريم أكلها هو النجاسة، وأما الخمر فكانت حلالاً ولو كانت لما حلت في وقت من الأوقات، ثم إنها بعد ذلك حرمت، وإنما حرمت لما فيها من الإثم الكبير كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وهي أيضاً سبب لإيقاع العداوة والبغضاء كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾. وهذا الدليل في الحقيقة لم أجد من ذكره مع قوته في نظري، فالله سبحانه وتعالى أعلم. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تقدم قبل الفاصل الكلام حول اتفاق العلماء على تحريم الخمر واختلافهم في إلحاق الكحول بالخمر واختلافهم أيضاً في كون الخمر نجسة أو لا. وبناءً على كل ما تقدم يتخرج حكم استعمال الكحول فيما تقدم ذكره من الاستعمالات. ولنبدأ بما بدأنا به في أول الحلقة، وهي مسألة استعمال المعقمات أو المطهرات التي تحتوي على كحول. من المعلوم أن استعمال المعقمات التي تحتوي على كحول إنما هو مقصور على الاستعمال الخارجي للبدن، فليس هناك تناول لهذه المطهرات، وعليه سنحاول أن نتبين حكم هذه المسألة حسب الأقوال المتقدمة.
بالنسبة لقول من يقول بأن الكحول لا تقاس على الخمر لا تلحق بها، وهو قول كثير من المعاصرين، فإن المعقمات على هذا القول يجوز استعمالها ولا حرج في ذلك مطلقاً؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة، ولا يوجد دليل على التحريم ولا على النجاسة، بل إن كثيراً من هذه المطهرات تكون أقوى من الماء في إزالة النجاسات.
وأما بالنسبة لقول من يقول بأن الكحول تقاس على الخمر وبالتالي تأخذ حكمها، فهؤلاء منهم من يرى أن التحريم في تناول الخمر دون الاستعمال الخارجي؛ لأن العلة في تحريم الخمر هو الإسكار، والإسكار إنما يحصل بالتناول، وأما ما عداه من الاستعمال، الاستعمال الخارجي، فإنه يباح للحاجة. ومنهم من يرى التحريم مطلقاً لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فاجتنبوه يعني مطلقاً.
والخلاصة مما تقدم أن هناك قولين: قول بالجواز، أما لأنها غير ملحقة بالخمر وبالتالي فالأصل الطهارة والإباحة، وأما لأن استعمالها ليس فيه تناول لها، والمقصود بالتحريم إنما هو التناول لأجل الإسكار، وأما الاستعمال الخارجي فإن تحريمه بالتبع، يعني لم يحرم لذاته وإنما حرم تبعاً، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ حرم تبعاً، وذلك يباح في قول أهل العلم للحاجة. القول الثاني: القول بالمنع مطلقاً، وهذا قياساً على تحريم الخمر دون تفصيل بين التناول وغيره. والذي تقتضيه الأدلة والله سبحانه وتعالى أعلم جواز استعمال هذه المعقمات، وإن اشتملت على الكحول، غير أن الأولى محاولة إيجاد البديل خروجاً من الخلاف.
ويمكن الاستدلال على هذا القول بجملة من الأدلة. الدليل الأول: أن هذه المواد لا يصلح قياسها على الخمر لوجود الفارق بينها؛ وذلك أن مصدر الخمر والكحول مختلف، وخصائص الكحول تختلف عن خصائص الخمر من حيث كونه مركباً، مما يجعل الكحول كمستحضر كيميائي أو كمستحضر صيدلاني ذا طبيعة مختلفة عن الخمر. الدليل الثاني: أنه لو افترضنا صحة قياسها على الخمر، فإن الأدلة تدل على أن الخمر طاهرة، وأن المقصود من تحريمها هو تناولها لعلة الإسكار؛ فإن قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ معلل بالشرب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ وإنما يكون ذلك بشربها. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «كل شراب أسكر فهو حرام»، فوصفه بكونه شراباً يدل على أن المقصود الأعظم من التحريم هو الشرب، وأما هذه المعقمات أو المطهرات فإن المقصود بها هو التعقيم أو التطهير دون الشرب، وعليه فلا تحريم للاستعمال الخارجي؛ لأنه لو قلنا بحرمته فإن تحريمه إنما جاء تبعاً، وذلك يجوز عند الحاجة كما هو مقرر في كلام أهل العلم.
الدليل الثالث: أنه لو افترضنا صحة القياس على الخمر، وأن الكحول ملحقة بها، وأن الكحول تأخذ حكمها في النجاسة، أقول لو افترضنا ذلك فإن استعمالها الاستعمال الخارجي لا إشكال فيه أيضاً ولا يحتاج إلى الغسل؛ لأنه مادة طيارة لا يبقى لها أثر بعد مدة يسيرة. ومن الأدلة على جواز الاستعمال الخارجي لما هو محرم التناول بسبب نجاسته حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، فقيل يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يُطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام». وهذا الحديث في الصحيحين، فقوله: «لا، هو حرام» يعني بيعه، لأن السائل لما رأى تحريم بيع الميتة ذكر أن الناس يستخدمون شحومها في استعمالات أخرى في طلي السفن وغير ذلك، فهل هذا مسوغ لجواز بيعها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، هو حرام» يعني البيع، بينما أقرهم على تلك الاستعمالات الخارجية. ومن الأدلة أيضاً قوله في الشاة الميتة: «هلّا انتفعتم بجلدها؟»، قالوا يا رسول الله إنها ميتة، فقال: «إنما حرم أكلها»، وهذا الحديث أيضاً متفق عليه.
الدليل الرابع: أن القول بتحريم كل ما فيه كحول ولو لم يكن معداً للتناول قول شديد يؤدي إلى تحريم أمور كثيرة قد اتفق الناس.
على جوازها، ومن أقرب أمثلة ذلك البترول أو البنزين؛ فإنه لا يخلو من كحول، بل هو أحد أهم مصادر استخراجه.
أما المسألة الثانية، وهي استخدام الكحول في المنظفات للغسيل والتنظيف، فحكمها مبني على الخلاف في أمرين: الأمر الأول حكم الكحول من حيث الطهارة والنجاسة، والأمر الثاني حكم التطهير بالمائعات التي أعدت للتطهير غير الماء.
أما الأمر الأول فقد تقدم الكلام فيه، وأن الذي عليه الكثير من المعاصرين أن الكحول طاهرة. وأما الأمر الثاني وهو حكم التطهير بغير الماء من المائعات المعدة للتطهير، ففيه خلاف قديم بين الفقهاء؛ فقد ذهب الجمهور غير الحنفية إلى أنه لا يطهر النجاسة إلا الماء، كما لا يرفع الحدث إلا الماء، واحتجوا في ذلك بآيات وأحاديث، لكن غاية هذه الأدلة التي احتجوا بها أن الماء مطهر، لكن ليس فيها ما يدل دلالة واضحة على منع ما عدا الماء.
وأما الحنفية فذهبوا -وهو قول عند المالكية ورواية للحنابلة- إلى جواز ذلك، واحتجوا بحجج في الحقيقة قوية، منها أن عائشة رضي الله عنها كانت تزيل دم الحيض بالريق كما في صحيح البخاري، فلم تزله بماء، وإنما أزالته بالريق. ومنها أيضاً صحة الاكتفاء بالاستجمار في إزالة النجاسة، كما ثبت ذلك في غير ما حديث، منها قوله عليه الصلاة والسلام في ثوب المرأة الطويل الذي يصيبه القدر: «يطهره ما بعده»، وكذلك ورد مثل ذلك في النعل. وبناءً على ما تقدم، فإن إزالة النجاسة بالمائعات التي فيها كحول لا بأس به، ومن باب أولى لو خلطت بالماء.
أما المسألة الثالثة وهي استخدام الروائح العطرية المشتملة على الكحول، فهي أيضاً مبنية على الخلاف المتقدم ذكره في إلحاق الكحول بالخمر وعدم إلحاقها بها. فعلى القول القائل بأن الكحول الموجود في مثل هذه المواد اليوم لا يلحق بالخمر لاختلاف المصدر والغرض منه، وهو قول كثير من المعاصرين كما تقدم، فإن استعمال هذه العطور مباح لا إشكال فيه؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة حتى يدل الدليل على خلاف ذلك، ولا دليل هنا ينقلها عن الطهارة إلى النجاسة أو عن الإباحة إلى المنع، وقد تقدم بيان ذلك.
أما على قول من يرى إلحاق الكحول الموجود في مثل هذه المواد بالخمر، فهم فريقان: فريق يقول بنجاسة الكحول إلحاقاً لها بالخمر، وهؤلاء يقولون بمنع استعمال هذه العطور ويرون بطلان صلاة من تطيب في ثيابه أو جسده بها. وفريق آخر يرى طهارة هذه المواد تبعاً للقول بطهارة الخمر عندهم مع قولهم بالحرمة، وهؤلاء أيضاً فريقان: فريق يرى حرمة استعمال هذه العطور، وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] مع عدم الحاجة إلى استعمالها، لكنهم لا يرون بطلان صلاة من صلى وهو متطيب بها؛ يعني لو أن شخصاً ارتكب هذا المحرم وتطيب وصلى، فصلاته صحيحة وإن كان مرتكباً للإثم. وفريق منهم آخر يرى جواز استعمال هذه الأنواع من العطور إذا كانت نسبة الكحول غير كثيرة، وذلك لاستهلاكها في الزيت العطري أو استحالتها فيه.
والخلاصة أن في جواز استعمال هذه العطور وصحة الصلاة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول الجواز والصحة، القول الثاني عدم الجواز وعدم الصحة، القول الثالث عدم الجواز مع صحة الصلاة. والذي يقتضيه النظر والله أعلم أن هذه العطور مباحة الاستعمال طاهرة، تمسكاً بالأصل لعدم صحة القياس على الخمر؛ فإن المقصود الأعظم من صناعة هذه العطور هو التطيب والتعطر بها لا شربها.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن ألتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري