الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فقد تكلمت في الحلقة الماضية عن استعمال المواد التي تحتوي على الكحول في التعقيم والتطهير وفي العطور، وذلك لتعلق هذه المسائل بأبواب الطهارة. وسأتحدث في هذه الحلقة، بإذن الله، عن تناول المواد الكحولية أو التي تشتمل على الكحول بقصد العلاج، وذلك من باب استكمال الكلام عن الكحول.
المسألة الأولى هي التداوي بالكحول الخام نفسه. تقدم أن الكحول ليس هو الخمر، ولكنه أحد مركبات الخمر، بل هو أهم تلك المركبات حتى إنه يسمى روح الخمر، وهو السبب الرئيسي في الإسكار؛ فهو العلة لتحريم الخمر كما تقدم. وتقدم اختلاف العلماء في إلحاق المواد المشتملة على الكحول بالخمر، والمقصود بالكحول هنا هو النوع المشهور منه وهو الكحول الإيثيلي دون بقية الأنواع الأخرى.
فإذا قلنا بأن المواد الكحولية ليست ملحقة بالخمر اليوم لاختلاف المصدر والغرض والخصائص، فإنه حينئذ لا إشكال مطلقاً في استعمال هذه المواد وتناولها بأي طريقة من الطرق العلاجية، وهذا القول لا شك أن فيه تيسيراً على الناس اليوم. وأما إذا اعتمدنا القول الآخر الذي يقول بأن الكحول خمر؛ لأنه مسكر، والسكار هو علة الخمر، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً كما هو مقرر في علم الأصول، فإن أصحاب هذا القول قد اتفقوا على عدم جواز التداوي بالمحرم، ومنه المسكر كالخمر الصرفة -التي لم يخالطها شيء- وذلك إذا لم تتحقق حالة الضرورة.
تتحقق حالة الضرورة بالخوف من هلاك النفس مع فقدان الدواء المباح. وأما إذا خاف على نفسه الهلاك ولم يجد الدواء المباح، فإنهم قد اختلفوا في جواز التداوي بالمسكر الصرف، وذلك على قولين.
القول الأول: أنه لا يجوز التداوي بالمسكر مطلقاً، وهو قول الجمهور، واحتجوا على ذلك بأدلة نكتفي منها بذكر دليلين. الدليل الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]. ووجه الدلالة من هذه الآية في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فإنه أمر عام في اجتناب الانتفاع بالمسكر مطلقاً، ومن ذلك التداوي به. ونوقش هذا الدليل بأن الأمر بالاجتناب لا يشمل حالة الضرورة بدليل إجماع أهل العلم على جواز إزالة الغصة بالخمر؛ فالعلماء مجمعون على أنه إذا أصابت الإنسان غصة فإنه يجوز إزالتها بالخمر إذا خاف على نفسه الهلاك ولم يجد غيره، فهذا يخصص الإطلاق أو يقيد الإطلاق.
الدليل الثاني: حديث وائل بن حجر رضي الله عنه أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: يا رسول الله، إنما أصنعها للدواء؟ فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء». وهذا الحديث في صحيح مسلم وغيره. فهذا الحديث دليل على أن الخمر ليست دواءً وإنما هي داء. ونوقش هذا الدليل أيضاً بأن المقصود به من يشربها من باب الاستشفاء العام، يظن أنها جيدة للصحة وهي حينئذ تكون مضرته أكبر من نفعه كما قال تبارك وتعالى: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]. وأما المضطر إليها فإنه غير داخل في معنى هذا الحديث، هكذا يقول من يناقش قول الجمهور.
القول الثاني: أنه يجوز التداوي بالمسكر في حال الضرورة إذا عُدم الدواء المباح، وهو قول الحنفية. واحتجوا على ذلك بأدلة نكتفي منها بأهم دليل عندهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرَرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]. ووجه الدلالة أن الله عز وجل قد أباح للمضطر ما حرم عليه.
هذا الدليل أيضاً نوقش بأمرين. الأمر الأول: أن المضطر إلى أكل الميتة مثلاً يحصل مقصوده يقيناً بالأكل؛ فإنه إذا أكل منها سدت رمقه وأزالت ضرورته، بخلاف المريض فإن شفاءه بالمسكر غير متيقن. الأمر الثاني: أن المضطر إلى أكل الميتة لا طريقة له إلى إزالة ضرورته إلا بالأكل منها، بخلاف المريض فإنه لا يتعين أو لا يلزم تناوله للمسكر باعتباره طريقاً وحيداً لشفائه؛ فإن الأدوية أنواع كثيرة.
والذي يقتضيه النظر في هذا الموضوع أن التداوي بالكحول متى تيقنا بأن هذا المرض في هذا الوقت لا يُعرف له دواء إلا بذلك، فإنه يتعين استعماله؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرَرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، والقاعدة الفقهية المشهورة: الضرورات تبيح المحظورات. ومن الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا الباب ما يقرره المختصون من الأطباء من أن الكحول الإيثيلي يُستخدم كدواء يُحقن به الإنسان في حالة تسممه بسبب تناوله للكحول الميثيلي السام؛ فإذا تناول الإنسان الكحول الميثيلي السام، فعند الأطباء شفاؤه بحقنه بالكحول الإيثيلي. ويُستخدم أيضاً لمعالجة بعض الأورام السرطانية التي توجد داخل كبسولة ليفية كما يقول أهل الاختصاص، وذلك عن طريق الحقن الموضعي. وهذه الحالات من حالات الضرورة وغلبه الظن، بل اليقين في بعض هذه الحالات، تمام الشفاء. ثم إن الفقهاء حين نصوا على تحريم التداوي بالمسكر كان تصورهم مبنياً على شربه للتداوي، وما نحن بصدده التداوي بالكحول إنما يحصل بالحقن للمكان المصاب مباشرة دون إسكار.
المسألة الثانية: التداوي بالأدوية المخلوطة بالكحول. هذه المسألة يمكن بناؤها على مسألة التداوي بالخمر المخلوطة بغيرها، فإن قلنا بأن الكحول ليست خمراً لم يكن في التداوي بالأدوية المشتملة على الكحول أي إشكال كما تقدم. وإن قلنا بأن الكحول ملحقة بالخمر، فللفقهاء في التداوي بالخمر المخلوطة بغيرها قولان، ويبنى على هذين القولين القول بالتداوي بالأدوية المشتملة على الكحول.
القول الأول: جواز التداوي بالخمر المخلوطة بغيرها من الأدوية، وهو قول الحنفية والشافعية. والشافعية هنا في السابق كانوا في الخمر الصرفة مع الجمهور، لكنهم هنا مع الحنفية لأنهم خفت عندهم المسألة بسبب الخلط وهي مسألة تداوي. وعلى هذا القول لا إشكال في التداوي بالأدوية التي تحتوي على كحول. وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة أهمها قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرَرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ كما تقدم، وهو دليل الحنفية في المسألة الأولى. وهذا الدليل يدل على أن التداوي بالخمر يجوز اضطراراً. ونوقش هذا الدليل كما تقدم بعدم اليقين بالشفاء عند استعمال المسكر وبعدم تعينه كحل وحيد للشفاء، وهذا الافتراض في الحقيقة لا يساعده الواقع؛ لأن هناك من الأدوية المختلطة بالكحول ما تكون هي وحيدة في العلاج.
القول الثاني: عدم جواز التداوي بالخمر المخلوطة بغيرها، وهو قول المالكية والحنابلة. وقد استدلوا بأدلة أهمها الحديث السابق عن وائل بن حجر في صحيح مسلم أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي عليه الصلاه والسلام عن الخمر، فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» كما تقدم. وقد نوقش هذا الدليل كما تقدم بأن المقصود به من يشربها من باب الاستشفاء العام يظن أنها جيدة للصحة، لكنها حينئذ تكون مضرة، وأما المضطر إليها فإنه غير داخل في معنى هذا الحديث.
والذي يقتضيه النظر، والله سبحانه وتعالى أعلم، تقديم القول الثاني القائل بالجواز؛ لأن الكحول يكون مستهلكاً في الدواء؛ فإنه إنما يُستعمل في الدواء بطرق معينة لا يبقى له معها أثر، وهو يُستخدم لأغراض خاصة ومعينة وهي الإذابة كما يقول أهل الاختصاص والحفظ، وأحياناً إضافة نكهة، وإنما يضاف لأجل هذه الأغراض بنسبة قليلة مستهلكة في المادة الدوائية بحيث تزول خصائصها ولا يمكن تمييزها بوجه من الوجوه. وإذا استُهلكت المادة المحرمة في مادة أخرى مباحة، فإن الحكم في تناولها هو الإباحة كما هو مقرر عند العلماء، وقد دلت الأدلة الكثيرة على هذه القاعدة، ومنها حديث بئر بضاعة فإن فيه: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، عندما قالوا: يا رسول الله، أرأيت بئر بضاعة فإنه يُطرح فيها النتن؟ فقال: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء». ومنها أيضاً حديث بول الأعرابي في المسجد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب سجل من ماء عليه، وإلى غير ذلك من الأدلة؛ علاوة على رجاحة القول بأن الكحول اليوم يختلف عن الخمر كما تقدم ذكره مراراً.
المسألة الثالثة: تناول الأغذية المخلوطة بالكحول. والكلام في هذه المسألة كالكلام في المسألة التي قبلها، والقول فيها بين قولين: عدم الجواز إلحاقاً للكحول بالخمر، والجواز لعدم الإلحاق أو لمسألة الاستهلاك، أن هذه المادة استهلكت في مادة مباحة. وهناك غرض للكحول يُستخدم في الأغذية وهو الاستخلاص كما يقول أهل الاختصاص، حيث يُستخدم الكحول في استخلاص بعض المواد المرغوب فيها كلون الكركم ولون الزعفران، واستخلاص الكافيين من القهوة. وفي هذه الحالات، حالات استخلاص المواد عن طريق الكحول، لا يبقى أثر للكحول بل يتم تبخيره للحصول على المادة المستخلصة فقط.
المسألة الرابعة: استخدام الكحول لإنتاج مواد أخرى؛ لأن أهل الاختصاص يذكرون بأن الكحول يُستخدم لاستنتاج مواد أخرى وذلك لقلة تكلفته ولسهولة ذلك. ومن الأمثلة على ذلك إنتاج الخل، وإنتاج بعض الزيوت، وأيضاً بعض الدهون، وبعض المنظفات كالصابون. وهذه المنتجات الجديدة لا تحمل خصائص الكحول مطلقاً، بل تكون لها خصائص أخرى مختلفة، فهي عملية استحالة للكحول إلى مادة أخرى غير الكحول. والاستحالة في الاستعمال الفقهي معناها تحول الشيء وتغيره عن وصفه إلى وصف آخر مختلف. ومن أمثلة ذلك في الفقه استحالة الكلب الذي وقع في ملاحة إلى ملح. وعليه فهذه المسألة تشبه مسألة استحالة الخمر أيضاً إلى خل، وهي مسألة اختلف الفقهاء فيها قديماً على قولين، لكننا نقف قليلاً هنا ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشرت قبل الفاصل إلى مسألة استعمال الكحول في مادة معينة أو إنتاج مواد أخرى مختلفة، وأن هذه المسألة تُبنى على مسألة عند الفقهاء وهي استحالة الخمر خلاً. وقد اتفق الفقهاء قديماً على أن الخمر إذا تخللت بنفسها بغير علاج، أي بغير تدخل بشري، استحالت إلى خل بأن تغيرت من المرارة إلى الحموضة وزالت أوصافها، فإن ذلك الخل حلال طاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم الإدام الخل» كما في صحيح مسلم وغيره، ولأن علة التحريم هو الإسكار وقد زالت، والحكم كما هو معلوم يدور مع علته وجوداً وعدماً. وهكذا إذا تخللت الخمر بنقلها من الشمس إلى ظل أو العكس، وهذا عند جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية، وهو الأصح عند الشافعية، وبه قال الحنابلة إذا كان النقل لغير قصد التخليل؛ فالحنابلة يقولون إذا نقلها قاصداً التخليل لا تجوز، وإذا نُقلت لم يقصد التخليل فتخللت جاز عندهم، والجمهور يعممون الكلام.
واختلفوا أيضاً في جواز تخليل الخمر بإلقاء شيء فيها كالخل أو البصل أو الملح ونحو ذلك، وخلافهم على قولين. القول الأول: جواز التخليل وأنها بذلك تصير حلالاً، وبه قال الحنفية والمالكية على الراجح عندهم، وذلك استدلالاً بالحديث السابق وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم الإدام الخل»؛ لأن الحديث يتناول جميع أنواع الخل سواء الناتج عن تخليل الخمر أم غيره، ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد ويثبت الصلاح، والإصلاح مباح كما في دبغ الجلد النجس؛ فإن الخمر إذا أصلحت وأصبحت خلاً صارت مباحة، كما أن الدباغ أو جلد الميتة إذا دُبغ طهر كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دُبغ فقد طهر»، ولقوله عليه الصلاه والسلام: «هل انتفعتم بإهابها في الشاة الميتة؟». فلذلك يقول هؤلاء العلماء بأن الخمر إذا خُللت فإنها تصبح حلالاً طاهراً.
القول الثاني: أنه لا يحل التخليل، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وأيضاً رواية عن الإمام مالك؛ وذلك لحديث في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الخمر أتُتخذ خلاً؟ فقال: لا. وهذا القول في الحقيقة أقوى من حيث الدليل؛ فإن هذا الدليل شبه صريح في المسألة. وأصل هذا الخمر الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه لا، ليتامى، كما في مسند أحمد عن أنس قال: كان في حجر أبي طلحة رضي الله عنه يتامى، فابتاع لهم خمراً، يعني أنه من مالهم أخذ يتاجر في خمر، هذا قبل تحريم الخمر. فلما حرمت الخمر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أجعله خلاً؟ قال: لا. قال: فأهريقه. يقول الإمام أبو عبيد: فلو جاءت الرخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تصييرها خلاً لجاءت في أموال اليتامى. ومن الأدلة أيضاً الأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل تحريم الخمر أمر بها فأُهريقت، ولو كان هناك وسيلة جائزة غير إحراقها لدلهم عليها عليه الصلاة والسلام.
وبناءً على هذه المسألة والخلاف فيها تتخرج مسألة استعمال الكحول لإنتاج مادة أخرى؛ فمن رأى أن الكحول لا تلتحق بالخمر فلا إشكال عنده في هذه المسألة؛ لأن الأصل الإباحة إلا إذا جاء دليل على المنع. ومن يرى أن الكحول ملتحق بالخمر، فينبغي أن يقول في هذه المسألة بالمنع لقوة أدلتها على أن الأصل الذي يقاس عليه وهو الخمر مختلف فيه؛ يعني الأمر في مسألة الكحول أخف بالنسبة لأهل القول الثاني من الخمر؛ لأن صحيح أنهم يمنعون الخمر لكن مسألة الكحول هل هي تقاس على الخمر أو لا، فالمسألة فيها أخف بالنسبة لأهل القول الثاني أيضاً.
الخلاصة مما تقدم، من استعمال الكحول لإنتاج مادة أخرى، أنه ربما يكون القول بالجواز أقرب منه إلى المنع، والله سبحانه وتعالى أعلم. بهذا نكون قد انتهينا من مسائل الكحول المستجدة، وهي سبع مسائل قد أوردتها في حلقتين، يمكن تلخيصها بشكل سريع من باب التذكير ومن باب ترسيخ المعلومات. المسألة الأولى: استعمال الكحول في المعقمات أو استعمال المعقمات التي فيها كحول، وهذه المسألة مبنية على إلحاق الكحول.
بالخمر وعدم إلحاقه بها. فإذا قلنا بأنه غير ملحق؛ بأن الكحول لا يعتبر ملحقًا بالخمر، فلا إشكال في الإباحة ولا إشكال في الطهارة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة كما قلنا. وإن قلنا بأن الكحول ملحق بالخمر، ففي إباحتها في الاستعمال الخارجي وعدم ذلك خلاف.
فمن العلماء من يرى المنع من استعمالها لكونها ملحقة بالخمر، سواء كانت خمرًا أو لا، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]. ومنهم من يجوز الاستعمال الخارجي لتلك المعقمات للحاجة إلى ذلك؛ لأن المقصود الأعظم من تحريم الخمر هو التناول، وأما الاستعمال الخارجي فإن تحريمه جاء بالتبعية كما ذكرت، وذلك يباح للحاجة، وقد ذكرت رجحان جواز الاستعمال الخارجي لهذه المعقمات، لا سيما والكحول مادة طيارة لا يبقى لها أثر.
المسألة الثانية: استخدام الكحول في المنظفات للغسيل والتنظيف، وذكرنا أن حكم هذه المسألة مبني على الخلاف في طهارة الكحول، وأن الذي عليه كثير من المعاصرين أن الكحول طاهرة، وبقي النظر في جواز التطهير بغير الماء من المائعات، وذكرنا قول القائلين بجواز التطهير بغير الماء وأنه قول قوي، وأن إزالة النجاسة بالمائع الذي فيه كحول لا بأس به، ومن باب أولى لو خلطت بالماء.
المسألة الثالثة: استخدام الروائح العطرية المشتملة على الكحول، وهذه المسألة لا إشكال فيها على قول من يقول بأن الكحول ليست خمرًا، وهم كثير من المعاصرين؛ لأن الأصل في الأشياء كما ذكرت الإباحة والطهارة. أما من يقول بأن الكحول خمر -وهم كثير من المعاصرين أيضًا- فإنهم يرون منع استعمال هذه الأنواع من العطور، وإنما اختلفوا في صحة الصلاة بها من عدم ذلك حسب القول بنجاستها وطهارتها، وذكرنا أن الأصل إباحة هذه الأنواع من العطور لعدم الدليل البين على تحريمها.
المسألة الرابعة: مسألة التداوي بالكحول الخام نفسه، وهذه المسألة كغيرها مبنية على قياس الكحول على الخمر، فإذا قلنا بأنها ليست خمرًا فلا إشكال مطلقًا في استعمالها. وأما إذا اعتمدنا القول الآخر الذي يقول بأن الكحول خمر، فإن جواز استعمال هذه الأدوية خاص بحال الضرورة، وخاص أيضًا بعدم وجود دواء آخر يقوم مقام هذه الأدوية الكحولية، لا سيما وأكثر تلك الأدوية التي يضطر إليها لا تتناول من طريق الفم، وإنما على شكل حقن.
المسألة الخامسة: التداوي بالأدوية المخلوطة بالكحول، وهذه المسألة يمكن بناؤها أيضًا على مسألة التداوي بالخمر المخلوطة بغيرها، فإذا قلنا بأن الكحول ليست خمرًا لم يكن في التداوي بالأدوية المشتملة على الكحول أي إشكال كما تقدم. وإذا قلنا بأن الكحول ملحقة بالخمر فالذي يقتضيه النظر كما ذكرنا الجواز؛ لأن الكحول يكون مستهلكًا في الدواء.
المسألة السادسة وهي ما قبل الأخيرة: تناول الأغذية المخلوطة بالكحول، والقول فيها بين قولين: عدم الجواز إلحاقًا للكحول بالخمر، والجواز لعدم الإلحاق أو لمسألة الاستهلاك، واجتناب ذلك لا شك أنه أولى وأحوط للخلاف في المسألة ولعدم الحاجة إلى ذلك.
المسألة السابعة وهي المسألة الأخيرة: استعمال الكحول لإنتاج مادة أخرى أو مواد أخرى، وذكرت أن استعمالها لإنتاج مادة أخرى ربما يكون أقرب إلى الجواز منه إلى المنع. والله سبحانه وتعالى أعلم. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري