دخولتسجيل الدخول

الحلقة 13

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة التي سأتحدث فيها بإذن الله عن بعض النوازل المتعلقة بكتاب الطهارة. عندنا في هذه الحلقة أربع مسائل: المسألة الأولى التطهير بالمياه المتغيرة بالصدأ، والمسألة الثانية التطهير بالمنظفات، والمسألة الثالثة التطهير ببخار الماء أو ما يسمى بالغسيل الجاف، والمسألة الرابعة استعمال المناديل الورقية عند قضاء الحاجة.

ولكن قبل الكلام في هذه المسائل، لابد من بيان بعض المسائل التي تكلم فيها الفقهاء قديماً ولها علاقة بهذه المسائل. المسألة الأولى: الماء المطلق الذي لا يضاف إلى اسم شيء غيره طهور بالاتفاق، الذي لا يضاف إلى اسم شيء غيره فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهو الماء الباقي على خلقته، ولا يضر نسبته إلى مقره؛ كقولهم ماء الأنهار أو ماء الآبار أو ماء العيون. فيجوز التطهر بهذا النوع من المياه من الحدث والخبث باتفاق العلماء، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: 11]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء».

ويدخل في هذه الآيات أو في هذه الأدلة ماء البحر، فقد أجمع العلماء على جواز التطهر به إلا خلافاً شاذاً قديماً، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في ماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» رواه الخمسة وصححه بعض أهل العلم. المسألة الثانية: الماء الذي خالطه شيء من الطاهرات لكنه لم يتغير بذلك المخالط، فهذا الماء طهور بالإجماع. فإذا سقط أو حل في الماء شيء من الطاهرات كاللبن أو كالخل أو كماء الورد ونحو ذلك ولم تتغير صفة من صفات الماء، لا طعمه ولا لونه ولا ريحه، فإن هذا الماء يبقى طاهراً مطهراً عند باقي العلماء، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، وهذا يطلق عليه اسم الماء.

المسألة الثالثة: الماء المتغير بما لا يمكن التحرز منه، فإن هذا لا يخرج عن كونه طاهراً مطهراً، وهو أمر مجمع عليه أيضاً بين العلماء. فمثلاً إذا حصل تغير للماء بسبب سقوط أوراق الشجر فيه، أو بسبب ما ينبت فيه، أو بطول مكثه في مقره، فإنه يبقى طهوراً، وهذا التغير لا يسلبه صفة التطهير عند كافة العلماء إلا خلافاً شاذاً أيضاً، وهو خلاف لا يُعتبر. وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بأن لا نعدل عن الماء إلى التيمم إلا عند عدمه، وهذا الماء لا يزال يطلق عليه اسم الماء فوجب استعماله، ولأن هذه الأشياء لا يمكن أن يصان الماء عنها؛ أمور تحدث لا يمكن التحرز عنها ولذلك عفي عنها.

المسألة الرابعة: الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير بها، هذا أيضاً يعتبر طاهراً مطهراً وذلك بإجماع العلماء. ولشرح هذه المسألة يمكن تقسيم حال الماء الذي وقعت فيه نجاسة إلى حالين: إما أن يتغير شيء من صفاته الثلاث الطعم أو اللون أو الرائحة بالنجاسة فهذا بالاتفاق، وإما أن لا يتغير شيء من صفاته فهذا إن كان كثيراً فهو طهور أيضاً بالاتفاق، وإن كان قليلاً ففيه خلاف بين العلماء. وإنما اتفقوا على أن الكثير الذي لم يتغير بالنجاسة طهور لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، فهذا عموم يشمل كل ماء لم يتغير شيء من صفاته.

وأما الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فقد اختلفوا فيه؛ وذلك بسبب بعض النصوص المخرجة له من ذلك العموم المتقدم، كمفهوم حديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»؛ فإن مفهومه أنه إذا كان أقل من قلتين أنه يحمل الخبث. وأيضاً كحديث: «إذا استيقظ أحدكم فلا يغمس يده في الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده»، فإنه يدل على أن غمس اليد المتنجسة في الماء ينجس الماء القليل وإن لم يتغير.

المسألة الخامسة: الماء الذي تغير اسمه بسبب اختلاطه بشيء من الطاهرات كالصابون أو اللبن أو الحبر أو الخل أو المرق أو غير ذلك، وكذا ما تغير بشيء من الطاهرات بسبب طبخ فيه، فإنه يبقى طاهراً في نفسه لكنه لا يكون مطهراً من الحدث باتفاق العلماء، وذلك لأنه لم يعد يطلق عليه اسم الماء، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، وواجد هذا النوع من الماء ليس واجداً للماء المطلق. وهل تزول به النجاسة -أي الخبث- فيه اختلاف بين العلماء، لعله يأتي بيانه إن شاء الله.

المسألة السادسة: الماء الذي تغير بسبب اختلاطه بشيء من الطاهرات التي يمكن التحرز منها؛ مثل الزعفران ومثل الصابون والحناء ونحو ذلك من الطاهرات، إذا غلب عليه ذلك الطاهر لكنه لم يتغير اسمه بذلك المخالط، فلا يقال عنه هذا لبن أو مرق أو صبغ، وإنما يقال فيه هذا ماء فيه لبن أو ماء فيه صبغ ونحو ذلك، فهذا النوع من المياه وقع اختلاف بين العلماء في التطهير به على قولين: القول الأول: أنه طاهر غير مطهر، وهو قول الجمهور وهم الحنفية والمالكية والحنابلة، إلا أن المالكية ألحقوا التغير اليسير بالتغير الكثير. واحتج أصحاب هذا القول بحجج، من أهمها قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، حيث قالوا بأن الله عز وجل أمرنا بالانتقال إذا لم نجد الماء إلى التيمم، وليس هناك وسيط بين ذلك؛ وهذا الماء ليس بماء مطلق بل هو مقيد لتغيره بهذه الطاهرات، فلا يقال فيه ماء هكذا، وإنما يقال ماء فيه لبن، وعند ذلك لا يجوز التطهر به.

القول الثاني: أنه طاهر مطهر ما لم يتغير اسمه إلى اسم مخالطه، وهذا قول الشافعية. واحتجوا بالآية السابقة؛ فكلا الفريقين يحتج بنفس الدليل، واحتجوا بأدلة أخرى؛ منها حديث أم عطية وهو حديث في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يغسلوا ابنته: «بالماء والسدر والكافور»، وحديث ابن عباس أيضاً في الحاج الذي وقصته دابته، حيث أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسلوه «بماء وسدر»، وهذا الحديث أيضاً متفق عليه. فهذا الماء خالطه طاهر لم يغير اسمه، وبالتالي صح التطهير به، وما يصح تطهير الميت به يصح تطهير الحي به أو تطهر الحي به. ولكل من الفريقين حجج واعتراضات يطول المقام بشرحها.

والسبب في اختلافهم هو اختلافهم في هذا النوع من الماء الذي تغير بهذه الطاهرات: هل ما زال يسمى ماء بإطلاق أم لا؟ فمن قال إنه يتناوله اسم الماء المطلق قال بطهوريته، ومن قال بأنه لا يتناوله اسم الماء المطلق بل يتناوله اسم الماء المقيد قال بطهارته دون صلاحيته للتطهير. فالأمر في الحقيقة نسبي راجع إلى العرف، والجزم المطلق بقول من هذين القولين في الحقيقة عسر جداً، وظني أن كل نوع من الماء له حكم خاص بسبب كمية التغيير، وهذا يرجع إلى نظر الناظر فيه: هل يسمى ماء أو لا؟ وعليه فما كان التغير فيه يسيراً لا ينقله عن اسم الماء المطلق بالاتفاق يعتبر طاهراً مطهراً، وما نقله يكاد ينقله لا يعتبر طاهراً مطهراً بالاتفاق. بعد هذا العرض السريع لهذه المسائل الأصول، نبدأ بأول مسألة من مسائل النوازل في هذه الحلقة، وهي مسألة الماء المتغير بالصدأ.

من المعلوم أن الناس كانوا في الزمن الماضي يحفظون المياه في القرب وفي الأواني المصنوعة من الفخار كالجِرة ونحو ذلك، ثم مع مرور الزمن ومع تطور الصناعة برزت بعض الصناعات المعدنية التي حلت بما فيها من مميزات وبما فيها من عيوب محل الصناعات اليدوية القديمة. وقد أصبح اعتماد الناس في هذه الأيام في حفظ المياه على هذه الصناعات الحديثة، ومنها الخزانات والصهاريج المعدنية وهكذا موصلات المياه المعدنية. وقد برز مع هذه الصناعات الحديثة مشكل، وهو تغير الماء بالصدأ الناتج -كما يقول أهل التخصص- عن أكسدة ذرات الحديد بسبب التماسه مع أكسجين الهواء الجوي مع وجود الرطوبة.

فهل هذا التغير في لون الماء وطعمه نتيجة للصدأ الحاصل في الحديد، هل هو مؤثر في طهور الماء بحيث لا يجوز التطهر به أم لا؟ هذه هي المسألة. بالنظر إلى المسائل السابقة التي ذكرناها فأحسب أن أقربها إلى هذه المسألة هي المسألة الثالثة، وهي مسألة الماء المتغير بما لا يمكن التحرز منه؛ وهي مسألة ذكر العلماء الإجماع على أن الماء في هذه المسألة طهور، أي أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره. والصدأ يشبه ما ذكره العلماء في هذه المسألة، وهو أنه مما لا يمكن التحرز منه؛ لأنه تغير للماء بسبب مكانه أو مقره الذي هو فيه. ومن الأمثلة التي ذكروها مما لا يمكن التحرز منه ما كان في قرار الماء كالكبريت والقار وغيرهما، إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض التي يقف فيها الماء، فهذا مما يعفى عنه في كلام أهل العلم لأنه يشق التحرز منه، فكذلك الصدأ الذي يحصل في الحديد. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. المسألة الثانية: حكم الماء المتغير بالمنظفات الحديثة. هذه المسألة من المسائل الجديدة التي واكبت التطور ولها أصل في كلام العلماء، وأمثلتها كالصابون والسوائل ذات القدرة الكبيرة على إزالة الأوساخ والأقذار التي في الحقيقة أصبح الاعتماد عليها كبيراً في هذه الأيام. فما هو الحكم في استعمال الماء المخلوط بهذه المنظفات؟ وهل هو طاهر مطهر أم طاهر فقط؟ هذه المسألة تتكون من شقين: الشق الأول يتعلق بطهارة رفع الحدث كالوضوء والغسل، والشق الثاني يتعلق بطهارة إزالة الخبث وهو التنظيف.

أما الشق الأول وهو الطهارة المتعلقة برفع الحدث، فإن سبب الخلاف المتقدم بين العلماء في جواز التطهر بالماء الذي غيره شيء من الطاهرات مما يمكن التحرز منه، هو في صحة إطلاق اسم الماء عليه من عدم ذلك. فإذا كان هذا الماء الذي اختلط به شيء من هذه المنظفات ما زال يسمى ماء، فإن ذلك يرجح جواز التطهر به طهارة رفع الحدث، أي يجوز التوضؤ به والغسل به، ولا ينبغي التيمم مع وجود هذا النوع من الماء لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]. لا سيما وقد وردت أحاديث متعددة تؤيد جواز الاغتسال بالماء الذي خالطه شيء من المنظف، كما جاء في حديث أم عطية الأنصارية كما ذكرنا، قالت: «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر، وجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور».

وأيضاً حديث ابن عباس الذي وقصته دابته قال: «بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، قال النبي عليه الصلاة والسلام: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً». وهذان الحديثان في الصحيحين كما ذكرت، وقد ثبت عن غير واحد من الصحابة الاكتفاء بالاغتسال بالخطمي مع الماء؛ والخطمي نبات يجعل مع الماء ليغسل به الرأس، وورد مثل ذلك مرفوعاً من حديث عائشة أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً في المسجد فيخرج رأسه فأغسله بالخطمي وأنا حائض»، وهذا الحديث في مسند أحمد وسنن النسائي وإسناده لا بأس به. فهذا بالنسبة للشق الأول وهو طهارة رفع الحدث، إن كان ما يزال يسمى ماء فيرتفع به الحدث وإلا فلا.

وأما الشق الثاني وهو الطهارة المتعلقة بإزالة الخبث، فهي من باب أولى، لأنه إذا جاز رفع الحدث به فإزالة النجس أولى، والخلاف فيها أضعف، والله سبحانه وتعالى أعلم. أضعف بمعنى أن القول بعدم الجواز ضعيف، وإنما القول بالجواز هو القول القوي.

المسألة الثالثة: التطهير بالبخار أو ما يسمى اليوم بالتنظيف الجاف والغسيل الجاف. الغسيل الجاف هو عبارة عن عملية تنظيف بمذيب سائل غير الماء مع استعمال بخار الماء، وفي العادة يلجأ إلى هذا التنظيف في الأقمشة التي تنكمش أو تذبل باستعمال الماء؛ كالملبوسات الصوفية أو الملبوسات الحريرية. وعليه فالحكم في هذه المسألة مبني على الحكم في مسألتين: أولاهما حكم التنظيف أو إزالة النجاسة بمائع غير الماء، والثانية حكم استعمال بخار الماء في الطهارة.

أما المسألة الأولى وهي حكم التطهير بغير الماء من المائعات ففيه خلاف قديم بين الفقهاء، وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يطهر النجاسة إلا الماء، كما لا يرفع الحدث إلا الماء، واحتجوا في ذلك بآيات وأحاديث غاية ما فيها أن الماء مطهر، لكن ليس فيها ما يدل دلالة واضحة على منع ما عدا الماء. ومن تلك الأدلة حديث الأعرابي وقد سبق أن أشرنا إلى هذه المسألة، حديث الأعرابي الذي بال في المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أريقوا على بوله سجلاً من ماء»، وهذا في الحقيقة ليس فيه دليل على منع ما عدا الماء. وأما الحنفية فذهبوا -ومعهم قول للمالكية وأيضاً رواية عن الحنابلة، وكذلك اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- فقد ذهبوا إلى صحة إزالة النجاسة بكل مائع مزيل لهذه العين، واحتجوا في ذلك بحجج نوقشت ولكنها قوية؛ منها كما ذكرنا حديث عائشة في إزالة دم الحيض بالريق كما في صحيح البخاري، ومنها...

الاكتفاء بالاستجمار، ومنها أيضاً ثوب المرأة الذي يصيبه القذر، وكذلك النعل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يطهره ما بعده». ومنها أن المقصود إزالة العين أو عين النجاسة، فمتى زالت عين النجاسة زال حكمها.

أما المسألة الثانية التي تنبني عليها هذه المسألة، وهي حكم التطهر أو التطهير ببخار الماء، فإنها مسألة جديدة لا ذكر لها بعينها في كلام الفقهاء، إلا أنه يمكن استخلاص الحكم فيها من متفرقات كلامهم؛ فإن ظاهر كلام أهل المذاهب الأربعة أن بخار الماء يأخذ حكمه، فبخار الخل خل، وبخار الماء ماء. ولذلك ذكر الحنفية بأن الخمر إذا صارت خلا طهر الظرف كله، يعني الوعاء؛ لماذا قالوا؟ لأن بخار الخل يرتفع إلى أعلى فيطهر الظرف كله. وهكذا المالكية، فقد جعلوا للبخار حكم ما تبخر منه لأنه جزء منه. والشافعية أيضاً نصوا على أن رشح الماء -هكذا بهذه العبارة يسمونه رشح- بأن رشح الماء أي بخاره يعتبر ماء حقيقة، وأنه ينقص منه يعني من الماء بقدر ذلك الرشح، فهو ماء مطلق، فيجوز عند ذلك التطهر به. وأما الحنابلة فنصوا على أن بخار النجس -يعني هم ما تكلموا عن بخار الماء الطهور، وإنما تكلموا عن بخار النجس- قالوا بأنه نجس، وابن مفلح وهو صاحب الفروع وهو من أشهر فقهاء الحنابلة استدل بهذا القول للحنابلة.

وبالتالي يجوز الاغتسال به لأن بخار الماء هو عين الماء بناء على ما تقدم ذكره، وعن المذاهب الأربعة يمكن القول بأن التطهير ببخار الماء يعتبر كالتطهير بغيره. وتم الكلام في المسألتين؛ يعني المسألة الأولى جواز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات، ومن باب أولى لو خلطت بالماء، والثانية أن بخار الماء ماء على الحقيقة؛ ينتج عن ذلك أن التنظيف الجاف يعتبر تطهيرا صحيحاً لا إشكال فيه. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه أن ما يضره الغسل إذا تنجس كثوب الحرير أو كالورق وغير ذلك أنه يجزئ مسحه في أظهر قولي العلماء.

المسألة الرابعة: استعمال المناديل الورقية عند قضاء الحاجة. من المعلوم أن ابن آدم في هذه الدنيا لا بد له من قضاء الحاجة، ويحتاج إلى التطهر بعد ذلك، وقد حكى العلماء الإجماع على أنه يسن للمسلم الاستنجاء بالماء، وذكروا أنه تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: 108]، فقالوا بأن المراد بالتطهر هنا الذي مدح الله أولئك الرجال عليه هو الاستنجاء بالماء. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء، وعنزة يعني عصا. غير أن العلماء أيضاً حكوا الإجماع على جواز الاستجمار بالحجارة دون الماء، يعني بالحجارة وحدها وأنه يجوز يعني الاكتفاء بها أو بالماء وحده، لكن الجمع بين الماء والحجارة لا شك أنه أفضل كما يقولون.

وقد دلت الأدلة على جواز الاستجمار وصحة الاكتفاء به، ومن تلك الأدلة ما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي عليه الصلاة والسلام الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، وهذا الحديث في صحيح البخاري. وفي صحيح مسلم من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار». وبناءً على ما تقدم، هل يجزئ عن الحجارة غيرها مما يمكن أن يكون مطهراً كالمناديل الورقية؟ الذي يظهر والله أعلم من كلام العلماء جواز ذلك؛ فقد حكى أهل المذاهب جواز الاستجمار بكل طاهر ما لم يكن منهياً عنه، والمناديل الورقية تقوم مقام الأحجار، بل هي أفضل. وقد وردت بعض الأحاديث التي تدل بمفهومها أن غير الحجارة يقوم مقامها إذا كان مطهراً، ومن تلك الأحاديث حديث سلمان السابق الذي في صحيح مسلم، فإن فيه: «ونهانا أن نستنجي برجيع أو عظم». وكذلك ورد نحو هذا الحديث عن جابر في صحيح مسلم أيضاً، وهي تدل بمفهوم المخالفة على جواز ما عدا المستثنى إذا تحقق الغرض منه. يعني هذا هو خلاصة هذه المسألة، إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.