الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، ففي هذه الحلقة سأتكلم بإذن الله عن بعض المسائل المتعلقة بكتاب الصلاة في ظل هذه الجائحة المعروفة بجائحة كورونا. سأتكلم عن ثلاث مسائل: المسألة الأولى تتعلق بكيفية الأذان، والمسألة الثانية تتعلق بكيفية إجابة المؤذن، والمسألة الثالثة تتعلق بحكم التخلف عن الجماعة والجمعة بسبب هذا الوباء.
أما المسألة الأولى فمن المعلوم أن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام. ولما وقع هذا الوباء الذي انتشر في الناس انتشار النار في الهشيم كما يقال، اتخذت بعض الدول بعض التدابير، وطلب من المؤذنين تغيير صفة الأذان أو تغيير صيغة الأذان، وذلك بزيادة عبارة: صلوا في بيوتكم. وقد اختلف المؤذنون في موضع هذه الجملة. وبالبحث وجدت بعض الأحاديث التي تتكلم عن هذه الجملة وتحدد مكانها من الأذان. ومن تلك الأحاديث حديث ابن عمر، وهو الأصل في الباب، وهو ما أخرجه البخاري ومسلم أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال. وفي لفظ في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذناً يؤذن، ثم يقول على أثره أو في أثر أذانه: ألا صلوا في الرحال، وهذا في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر.
فقول الصحابي في روايته: ثم يقول على أثره، صريح في كون هذه الجملة وهي «صلوا في الرحال» في كونها تقال بعد الانتهاء من الأذان. وقد ورد حديث ابن عمر من طرق أخرى تؤيد أن هذه اللفظة تقال في آخر الأذان. ويؤيد حديث ابن عمر ما رواه أحمد وغيره من حديث نعيم بن النحام قال: نودي بالصبح في يوم بارد وأنا في مرط امرأتي، فقلت: ليت المنادي يقول: من قعد فلا حرج عليه، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أذانه: ومن قعد فلا حرج عليه. وهذا الحديث سنده صحيح، لكن ذكر بعض أهل العلم أن في بعض رواياته اختلافاً؛ ففي بعض الألفاظ: ألا صلوا في الرحال.
أما الحديث الثاني فهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو في الصحيحين، وفيه أنه قال لمؤذن في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل حي على الصلاة، ولكن قل صلوا في بيوتكم. فكان الناس استنكروا على ابن عباس هذا، فقال رضي الله عنه: فعله من هو خير مني، يقصد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إن الجمعة عزمه، وإني كرهت أن أحرجكم فتنشوا في الطين والدحض.
ويختلف هذا عن حديث ابن عمر في ثلاثة أمور: الأمر الأول أنه قال: صلوا في بيوتكم، ولم يقل في الرحال أو في رحالكم، وهذا يدل على أنه كان منه في الحضر وليس في السفر كما في حديث ابن عمر. الأمر الثاني أنه جعلها في أثناء الأذان. الأمر الثالث أنه ألغى أو جعل جملة حي على الصلاة لا تقال. لكن ورد حديث ابن عباس بلفظ آخر في الصحيحين وفيه: فأمر المؤذن لما بلغ حي على الصلاة قال: صلوا في الرحال. وهذا اللفظ يوافق اللفظ الأول من حيث أن الجملة تقال في أثناء الأذان، لكنه يخالف الجملة الأولى في أنه لا ينص على حذف أو إلغاء حي على الصلاة، فليس في هذا اللفظ صراحة بذلك، وإنما قال: فأمر المؤذن لما بلغ حي على الصلاة إلى آخر هذا الحديث، وهذا يحتمل الإلغاء ويحتمل مجرد التقديم. وهو أكثر ما ورد به لفظ الحديث أو أكثر ما وردت ألفاظ حديث ابن عباس بهذا اللفظ الأخير الذي ليس فيه صراحة في إلغاء حي على الصلاة.
ويؤيد حديث ابن عباس رضي الله عنه في جعل الجملة أثناء الأذان ما أخرجه النسائي وغيره من حديث رجل من ثقيف أنه سمع منادي النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مطيرة في السفر يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم. وهذا الحديث حديث صحيح على شرط الشيخين. هذا بالنسبة للأحاديث الواردة في هذه المسألة؛ فحديث ابن عمر يجعل الكلمة في آخر الأذان، وحديث ابن عباس يجعل الكلمة: صلوا في رحالكم أو في بيوتكم في أثناء الأذان.
أما العلماء فإني لم أجد نصاً صريحاً عن أحد منهم من العلماء السابقين يتكلم عن مكان هذه الجملة إلا الشافعي رحمه الله عليه، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى كلامه. لكن ابن عبد البر، وهو حافظ المغرب في زمنه المتوفى سنة 463، ذكر اختلافاً بين العلماء في كراهة الكلام في الأذان وعدمه، يعني بنى هذه اللفظة على ذلك، وأن منهم من لم ير كراهة الكلام في الأذان إذا كان في شأن الصلاة، وهذا مذهب الإمام أحمد ومذهب طائفة من أهل الحديث، وذكر أنه يشبه مذهب ابن القاسم في روايته عما يرويه عن مالك. وليس معنى ذلك أنهم يستحبون هذه الجملة في أثناء الأذان وإنما لا يكرهونها، واستدل لهذا المذهب بحديث ابن عباس الذي ذكرته سابقاً، وكذلك حديث الثقفي الذي يؤيد حديث ابن عباس، وأيضاً قيس وضع هذه الجملة في أثناء الأذان على التثويب في الفجر وهو قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، يمكن أن تقاس هذه المسألة على هذه الجملة، فإن قوله الصلاة خير من النوم تاتي بعد الحيعلتين وهي كلام. بينما نسب ابن عبد البر الكراهة في أثناء الأذان إلى أبي حنيفة ومالك والثوري وغيرهم من أهل العلم، وذكر عن الشافعي أنه لا يستحب الكلام أثناء الأذان أيضاً، ومفهوم كلام ابن عبد البر أن مذهب الجمهور أن هذه الجملة إنما تقال بعد الانتهاء من الأذان.
وكلام ابن عبد البر في الحقيقة في هذه المسألة قريب من الواقع في نسبة ذلك إلى المذاهب، إلا أنه مجرد احتمال لأنه لا يوجد لأحد منهم شيء في هذه المسألة إلا للشافعي تبعاً لإمام؛ فقد روى الشافعي حديث ابن عمر الذي أورد هذه الكلمة في آخر الأذان تحت باب الكلام في الأذان، ثم ذكر أنه يحب للإمام أن يأمر بهذا إذا فرغ المؤذن من أذانه، وأنه إن قاله في أثناء أذانه فلا بأس عليه. أما الحنابلة فلم أجد لهم نصاً صريحاً في تحديد مكان هذه الجملة، إلا أن ابن مفلح، وهو صاحب الفروع وعليه اعتماد الحنابلة في معرفة المذهب، لما ذكر حديث ابن عمر ذكر أيضاً حديث ابن عباس، وقال بعد ذلك: فدل على العمل بأيهما شاء، كأنه يقول العمل بأي من الحديثين جائز؛ فهذا ما يتعلق بمذهب الحنابلة.
يمكن تلخيص ما تقدم من الروايات بشكل ميسر: أن حديث ابن عمر الذي في الصحيحين ورد بلفظين؛ أحدهما: ألا صلوا في الرحال، والآخر: صلوا في رحالكم، وهو صريح بأن هذه الجملة إنما تقال بعد الأذان، وهذا أصح الأحاديث في المسألة، وعليه قول أكثر العلماء، ويؤيد حديث ابن عمر حديث نعيم بن النحام كما ذكرت وفيه: ومن قعد فلا حرج عليه، كان في آخر الأذان، فإنه يدل على أن هذه الجملة أيضاً تقال في آخر الأذان وأنها كلام يقصد به إبلاغ الناس بالرخصة. والحديث الثاني حديث ابن عباس في الصحيحين وقد ورد بلفظين؛ أحدهما: صلوا في بيوتكم، والآخر: الصلاة في الرحال، وهو صريح بأن هذه الجملة تقال أثناء الأذان، ويؤيد حديث ابن عباس حديث عمرو بن أوس عن الثقفي أنه سمع منادياً يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم. لكن حديث ابن عباس ليس صريحاً بإلغاء الحيعلة، وما يوهم الصراحة -أي اللفظ الذي فيه صراحة إلغاء الحيعلة- تفرد به أحد الرواة وهو ابن علية، وحديث الثقفي يخالفه، ولم أجد أيضاً من قال بحديث ابن عباس في إلغاء الحيعلة إلا ابن خزيمة رحمه الله عليه كما في تبويبه، ولذلك قال ابن رجب الحنبلي عن إلغاء الحيعلة إنه غريب جداً.
وبناءً على حديث ابن عباس وحديث الثقفي وقياساً على التثويب في أذان الفجر، فإنه يجوز أن تقال تلك الجملة في أثناء الأذان بعد الحيعلتين، ويجوز أن تقال في آخر الأذان، وكلا القولين مروي عن الشافعي رحمه الله عليه. وأرجح الجمل وأكثرها وروداً في الأحاديث ما فيه لفظة الرحال، وأقل الجمل وروداً ما فيه ذكر البيوت، وقد وردت بصيغة واحدة وهي: صلوا في بيوتكم، ولكن هذه الجملة تناسب الحضر، بينما جملة: صلوا في الرحال أو صلوا في رحالكم، تناسب السفر، وكلها في الصحيحين. وأما جملة: من قعد فلا حرج عليه، فهي وإن صحت إلا أن حديثها روي من وجه آخر بلفظ: صلوا في رحالكم. لكن يظهر أن الأمر في هذه المسألة واسع، وهو أن من شاء قال: صلوا في الرحال أو نحوها من العبارات، ومن شاء قال: صلوا في بيوتكم، وأن من جعلها بعد الانتهاء من الأذان فهو الأفضل، ومن جعلها أثناء الأذان فلا حرج عليه، والله تعالى أعلم. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. المسألة الثانية وهي إجابة المؤذن في قوله المتقدم في قوله: صلوا في بيوتكم أو صلوا في رحالكم. هذه المسألة لم أجد من تكلم فيها من شراح الحديث ولا من أهل المذاهب، ويمكن بناؤها على مسألة الحيعلتين؛ فإن جمهور أهل العلم يرون أن السامع يقول مثل ما يقول المؤذن كما في حديث أبي سعيد الخدري: إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن، وهو حديث في الصحيحين، إلا في الحيعلتين فإنه يبدلها بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله، كما في حديث في صحيح مسلم. وقد فسر بعض أهل العلم السبب في استبدال الحيعلتين بالحوقلة، فإذا تابع السامع المؤذن كان ذاكراً لله بمتابعته له، وأما الحيعلتان فهي دعاء إلى الصلاة؛ يعني المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة كأنه يقول تعالوا إلى الصلاة، والسامع له ليس بداع إليها، فجعل في مكانها ذكراً لهذه الدعوة، وكان الذكر المناسب الذي يجعل في مكانها هو الحوقلة؛ لأن الحيعلة كما ذكرت دعوة إلى الصلاة، والصلاة وكل عمل لا يكون مستطاعاً إلا بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى، فكان القول الأنسب أن يقول السامع بدل حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ يعني لا نستطيع عمل هذا إلا بك يا رب.
ولعله لأجل ذلك أيضاً أخذ الجمهور بحديث ضعيف في إجابة جملة: قد قامت الصلاة، حيث ذهبوا إلى أن السامع يقول: أقامها الله وأدامها، وذلك موافق للمعنى العام، فإن قول المؤذن: قد قامت الصلاة، إخبار للمصلين بأن الصلاة قامت لأجل أن يقوموا، وأما المتابع له والسامع فليس مخبراً فناسب أن يكون داعياً بدوام إقامتها، فكان هذا الحديث الوارد الضعيف موافقاً للقياس. وقد صح عن الإمام أحمد قوله: الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي، يعني إذا اختلف الحديث الضعيف مع الرأي فالحديث الضعيف أحب إليه؛ هذا يقوله الإمام أحمد، فما بالكم وقد اتفق هنا الحديث الضعيف مع الرأي. وبناءً على ما تقدم، فربما يكون من المناسب عند سماع المؤذن يقول: صلوا في بيوتكم أو صلوا في رحالكم، أن يقول السامع: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن قوله: صلوا في بيوتكم دعوة إلى الصلاة في البيوت، وكل طاعة لا تكون إلا بإعانة الله عز وجل، فكان المناسب لذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا سيما وهذه الجملة تقال عند المصائب، ووقوع الصلاة في البيوت عوضاً عن المساجد بلا اختيار منا هي والله من المصائب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الثالثة في حكم التخلف عن الجماعة بسبب الوباء. هذه المسألة سأذكر قبلها الأعذار التي يجوز معها التخلف عن الجمعة والجماعة ثم أعرج إلى الكلام عن هذا المرض. بالنسبة للأعذار التي تبيح التخلف عن الجماعة يمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول الأعذار العامة، وهي التي تعم الناس، وهي المتعلقة بالمطر أو الريح أو البرد القارس أو الوحل، على اختلاف بين الفقهاء في بعض التفاصيل. ومن الحجج على كون هذه الأعذار مبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة الأحاديث التي مرت معنا، حديث ابن عمر: صلوا في الرحال، وحديث ابن عباس أيضاً أنه أمر مؤذنه أن يقول: صلوا في بيوتكم، وقال: فعله خير مني، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إن الجمعة عزمه، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض.
القسم الثاني الأعذار الخاصة، وقد ذكر العلماء جملة أو عدداً من هذه الأعذار، أهمها أو ما يهمنا نحن عذران: العذر الأول المرض، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء أنه عذر يبيح التخلف عن الجمع والجماعات، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة وأبي موسى رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مرض فقال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس. هذا بالنسبة للمرض الذي لا يعدي، بخلاف المرض المعدي فإنه لا يجوز له.
الحضور لا إلى جمعة ولا إلى جماعات، لأن في حضوره إيذاءً للناس أو للمصلين. فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا». وفي صحيح مسلم: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم».
بل في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب قال: إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأُخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليميتهما طبخاً. فإذا كان الذي يؤذي الناس بأكل الثوم ونحوه مأموراً باجتناب المسجد لئلا يؤذي الناس والملائكة برائحة ما أكله، بل ويخرج من المسجد إلى البقيع، إذا كان هذا يحصل لمثل آكل هذه الشجرة مع أن الضرر الحاصل منه بسيط لا يعدو كونه رائحة، وأيضاً لا يدوم بل سرعان ما يزول، فكيف بمن يكون مصاباً بمرض قاتل يمكن أن ينتشر بسببه بين الناس؟ لا شك أن هذا مأمور بعدم الحضور إلى المسجد.
وقد جاء في الحديث المتفق عليه: «لا يورد ممرض على مصح»، وذكرت هذا الحديث في السابق، ومعناه أن صاحب الإبل أو الغنم المريضة لا ينبغي له أو لا يجوز له أن يورد إبله أو غنمه على الماء الذي عليه شخص إبله سليمة، وذلك لئلا تُصاب بالمرض. فإذا كان ذلك في النعم فما بالك في الناس أو في بني آدم؟ وقد اتفق الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة على أن المجذوم الذي يتأذى الناس بمخالطته يمنع من الاختلاط بالناس، فيمنع من الجمعة ويمنع من الجماعة. وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفر من المجذوم كما تفر من الأسد». وفي صحيح مسلم أن وفداً من ثقيف فيهم رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: «أن قد بايعناك فارجع».
هذا بالنسبة للمرض. وأما بالنسبة للعذر الثاني وهو الخوف، وهذا أيضاً لا يعلم فيه خلاف بين العلماء في كونه عذراً من حيث الجملة، وإنما اختلفوا في بعض التفاصيل، فمن خاف على نفسه أو على ماله أو على أهله فله العذر في التخلف عن الجماعة وعن الجمعة. ومن الأدلة على ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر»، قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى». وهذا الحديث في إسناده رجلان، أحدهما أبو جناب وهو ضعيف عند أكثر المحدثين، والرجل الثاني اسمه مغراء العبدي وهو غير معروف، فالحديث بهذا الإسناد ضعيف عند أهل العلم.
لكن ورد من طريق آخر موقوف على ابن عباس رواه شعبة بن الحجاج وهو أمير المؤمنين في الحديث، موقوف على ابن عباس -أي من قول ابن عباس لا من قول النبي عليه الصلاة والسلام-، لكن مثل هذا المعنى من ابن عباس وهو قوله: «لم تقبل له صلاة» لا يمكن أن يقوله ابن عباس بالاجتهاد، ولذلك يمكن أن يقال له حكم الرفع، أي كأن النبي عليه الصلاة والسلام قاله. فهذا هو دليل هذه المسألة، وبناءً على ما سبق فإن جائحة كورونا يمكن أن تكون سبباً في التخلف عن صلاة الجماعة لمن يُخشى عليه من الإصابة بالعدوى مثل كبار السن وأهل الأمراض المزمنة وأصحاب المناعة الضعيفة، فإن خوف أمثال هؤلاء من الإصابة بعدوى هذا المرض الخطير يدخل تحت عذر الخوف على النفس.
وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وقد ثبت عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود أنهم قالوا: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وقد روي عن ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام هذا المعنى مرفوعاً كما في المسند وغيره. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري