الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: ففي هذه الحلقة سأتكلم بإذن الله عن مسألة مهمة كثر فيها الكلام والاختلاف بين الناس، حتى خاض فيها عوام الناس، وهي حكم إغلاق المساجد حال انتشار هذا الوباء وما أشبهه من الأوبئة، وقد تباينت آراء الفقهاء المعاصرين فيها على قولين رئيسيين.
القول الأول: أنه لا يجوز إغلاق المساجد أو تعطيل الجمعة والجماعة فيها من أجل الوباء، وإنما يرشد الناس إلى العمل بالاحترازات والإرشادات التي يرشد بها الناس من قبل المتخصصين، وهذا قول جماعة من العلماء، وهو المعمول به في كثير من الدول الإسلامية كباكستان وإندونيسيا.
استدل أصحاب هذا القول بأدلة متعددة، منها دليل من القرآن: أن الله سبحانه وتعالى أمر بعمارة المساجد بالعبادة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36]، وكقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 29]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18]. قالوا بأن إغلاق المساجد مخالف لأمر الله عز وجل في هذه الآيات وفي غيرها من الآيات، وكذلك مخالف للمقصود من بناء المساجد.
ويمكن الإجابة على هذا الاستدلال بأنه خارج عن محل النزاع؛ لأن هذا الإغلاق مؤقت للعذر وليس إغلاقاً دائماً، والغرض منه في الحقيقة هو الحفاظ على حياة العابدين ليتمكنوا بعد ذلك من عمارتها على أكمل وجه في المستقبل، فإنه لم يعد خافياً على أحد من الناس خطورة هذا المرض وأيضاً سرعة انتشاره، لا سيما عند اجتماع الناس.
الدليل الثاني الذي استدلوا به: أن الله سبحانه وتعالى ذم من منع الناس من المساجد بل وتوعده بالعقوبة، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 114]. لكن يمكن الإجابة على هذا الدليل بأنه خارج عن محل النزاع كسابقه؛ لأن المراد بالآية من يمنع الناس منعاً مقصوداً لذاته، وليس الإغلاق من أجل تفشي هذا المرض منعاً مقصوداً لذاته، وإنما هو منع مقصود لغيره وهو خشية انتشار المرض. أضف إلى ذلك أن الآية يراد بها من يسعى في خراب المساجد لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾، وفي كلمة "سعى" إشارة إلى إرادته أنه يريد خرابها، وليس ذلك في الحقيقة مقصوداً في هذه المسألة.
الدليل الثالث: أن الله سبحانه وتعالى ذم من ضيع الصلاة؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. يقولون: وإغلاق المساجد يعتبر إضاعة للصلوات. وهذا الاستدلال كحال الاستدلالين السابقين خارج عن محل النزاع؛ لأن المراد بهذه الآية من تركوا الصلوات واتبعوا الشهوات، بينما إغلاق المساجد للمصلحة لا يراد بها ترك الصلوات ولا يراد بها اتباع الشهوات، بل إن المؤذن يكلف برفع الأذان فيها وبأن يقول: صلوا في بيوتكم، فهو يأمر بالصلاة أيضاً.
وهناك أدلة أخرى من القرآن استدل بها المعترضون على إغلاق المساجد إغلاقاً مؤقتاً، وجميعها خارجة عن محل النزاع كالآيات السابقة فيما أحسب.
استدلوا بأدلة أخرى من السنة؛ فمن السنة حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوماً لم يغزُ حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعد ما يصبح». فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يغير إذا سمع الأذان؛ لأنه شعار الإسلام فهو دليل على وجود المقصود وهو الصلاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستدل برفع الأذان على وجود قوم مسلمين بين المشركين، فكان يتحرى في ذلك لئلا يصيب أحداً من المسلمين عند الإغارة على المشركين. ومسألتنا هنا ليس فيها ترك للأذان أصلاً، وليس فيها تعطيل للمساجد، وإنما فيها احتراز ومحافظة على الأرواح بإغلاق مؤقت قد دعت إليه الضرورة.
أيضاً من أدلتهم من السنة حديث جبير بن مطعم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار». وهذا الحديث في الخمسة وهو حديث صحيح، وفي بعض طرقه فيه زيادة وهي زيادة صحيحة في أوله: «يا بني عبد مناف، إن وليتم هذا الأمر فلا تمنعوا أحداً -يعني يصلي-». فهذا "إن وليتم" يدل على أن ولي الأمر ليس له الحق في منع الناس من المساجد، هكذا هو وجه الاستدلال لأهل القول الأول. لكن هذا الاستدلال في الحقيقة بهذا الحديث أيضاً خارج عن محل النزاع؛ لأن المقصود بالمنع في هذا الحديث الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو المنع الذي لا مصلحة فيه، وإنما هو للتشفي أو لأجل رغبات المانع نفسه، وأما إغلاق المساجد لمصلحة أو لغرض شرعي صحيح فليس داخلاً في ذلك؛ بدليل أن المساجد يمكن أن تغلق للصيانة أو لإعادة البناء ونحو ذلك من الأغراض التي لا يراد بها حقيقة المنع.
هناك أدلة كثيرة أوردها أصحاب هذا القول وهي شبيهة بالأدلة السابقة تعتبر خارجة عن محل النزاع، فإنهم يقولون بأن الإجماع على عدم تعطيل المساجد منقول نقله غير واحد من أهل العلم. وهذا الدليل أيضاً خارج عن موضع النزاع كما خرجت الأدلة السابقة؛ لأن المراد به الاتفاق على ترك الصلاة في المساجد كلها بلا عذر، وأما ترك الصلاة فيها للعذر حال وجوده فلا يمكن لأحد أن يدعي عدم جواز ذلك فضلاً عن حكاية الإجماع عليه. فلو أن مثلاً عدواً وقف متربصاً بمدينة من المدن وكان على أهلها الدفاع عنها في مواجهة ذلك العدو، لم يكن في تركهم الصلاة في المساجد وصلاتهم في أماكن حراستهم أو مواجهتهم للعدو تعطيل للمساجد، ولو خليت المساجد مدة طويلة ما دام أنهم لا يقصدون بذلك تركها وإنما يقصدون حماية أنفسهم من العدو المتربص بهم.
ومن الأدلة أيضاً التي استدلوا بها دليل بالإجماع العملي، وهو أن الأمة لم يؤثر عنها أنها علقت الجمع والجماعات في المساجد أو أغلقت المساجد على مر العصور مع حدوث الكثير من الأوبئة والكثير من الطواعين التي هي أشد فتكاً بالناس من هذا الوباء، كطاعون عمواس الذي كان في سنة 18 هجرية، وطاعون الجارف في سنة 69، وهكذا الوباء الأسود في عامي 749 و750 وغيرها من الطواعين والأوبئة. وقد تكلم عنها المؤرخون باستفاضة ولم ينقل عن أحد منهم أن الصلوات في المساجد علقت، بل إن المؤرخين ذكروا لزوم الناس المساجد للصلاة والتلاوة والذكر والدعاء.
هذا الكلام أو الاستدلال في الحقيقة يمكن الإجابة عنه من وجهين: الوجه الأول أن عدم الذكر لا يقتضي العدم، فقد يكون وقع إغلاق مساجد أو ترك الصلاة فيها لبعض الأعذار ولم تذكر؛ لأن هذا الشيء أو ذلك الأمر خارج عن إرادة الناس. ويمكن الاستدلال بأن عدم الذكر لا يقتضي العدم بنقل أو روايتين؛ الأولى ما جاء في مسند أحمد بسند فيه شيء من الضعف: أن عمرو بن العاص لما ولي الشام على الناس بعد ما استحر الطاعون بهم قال: أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجملوا منه في الجبال، يعني تفرقوا واذهبوا إلى الجبل. فقال له أبو واثلة الهذلي -وهو صحابي-: كذبت والله، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت شر من حمار، يقصد أنك على الكفر. قال عمرو: والله ما أرد عليك، ويم الله لا نقيم عليه -يعني على الطاعون-، ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا في الجبال حتى دفعه الله عنهم. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب يعني بلغ قول عمرو ورأيه، فاستحسنه أو لم يكرهه، فهذا الأثر يدل على أن الناس تركوا المنطقة التي حل بها الطاعون وفيها المساجد.
النقل الثاني ما ذكره أبو عبد الله بن عبد الملك الأنصاري في كتابه "الذيل والتكملة" في ترجمة رجل يقال له عبد الملك بن محمد التجيبي، حيث ذكر وقوع جوع كبير سنة 448، وأن الناس كانوا يموتون من ذلك الجوع فيدفن الثلاثة والأربعة في قبر واحد، وأن المساجد كانت أبوابها مربوطة بالخزن، لا يوجد لها من يؤم بها ولا من يصلي فيها. والشاهد أن المساجد كانت مغلقة بسبب الجوع حيث لا يقوى الناس على الصلاة، وهذا عذر من الأعذار التي لا يلام الناس على ترك المساجد مغلقة بسببه.
الوجه الثاني من الجواب عن الإجماع العملي: أن التقدم العلمي في وقته الحاضر والدراسات المتخصصة في الأوبئة والأمراض المعدية أصبح لها تأثير على الموقف الشرعي بخلاف العصور الماضية؛ فإن العلم فيها عن هذه الأوبئة لم يبلغ المستوى الذي بلغه الناس في هذه الأيام. ومن أوضح الأدلة على ذلك أن كثيراً من الناس في العصور الماضية لم يكونوا يعلمون بأن الاجتماع من أسباب انتشار الوباء. فقد نقل الحافظ ابن حجر عن المنبجي أنه لما وقع الطاعون سنة 749 خرج الناس إلى الصحراء ومعظم أكابر البلد، فدعوا واستغاثوا، فعظم الطاعون بعد ذلك وكثر، وكان قبل دعائهم أخف.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكرت قبل الفاصل أن في العصور الماضية لم يكونوا يعلمون بأن الاجتماع من أسباب انتشار الوباء، وذكرت أن الحافظ ابن حجر نقل عن المنبجي أنه لما وقع الطاعون سنة 749 -وهو الوباء الأسود كما يقولون- خرج الناس إلى الصحراء وخرج معظم أكابر البلد فدعوا واستغاثوا، واجتمعوا فعظم الطاعون بعد ذلك وكثر، وكان قبل دعائهم أخف. والحافظ نقل ذلك ظناً منه أن الدعاء في الطاعون غير مشروع، وأن تعاظم الطاعون بسبب أنهم خالفوا السنة، ولم ينتبه الناس أن تعاظم الطاعون كان بسبب اجتماع الناس في مكان واحد.
وذكر الحافظ ابن حجر نفسه أن مثل ذلك وقع في زمنه حين وقع أول الطاعون بالقاهرة في آخر ربيع الآخر سنة 833، فكان عدد من يموت بها -يعني بالقاهرة- دون الأربعين، فخرجوا إلى الصحراء في أول جمادى، يعني بعد الطاعون بقليل بشهر تقريباً أو أقل، صاموا ثلاثة أيام ثم اجتمع الناس ودعوا وأقاموا ساعة وهم يدعون ثم رجعوا، فمن سلخ الشهر يعني شهر جمادى الأولى حتى صار عدد من يموت في كل يوم بالقاهرة فوق الألف، ثم صار يتزايد.
وهكذا ذكر تلميذه سبط بن العجمي واقعة مثل ذلك وقعت في زمنه، فقد ذكر أن الطاعون انتقل إلى حلب في أوائل سنة 822، ثم ذكر أن الناس خرجوا فيهم القضاة والمشايخ والعوام ومعهم المصاحف ورفعوا أصواتهم بالدعاء والتضرع إلى الله، فلما رجعوا ظهر الوباء ظهوراً لم يكن قبل ذلك. فهذه من الأدلة الدالة على أن اجتماع الناس مضر وسبب لانتشار الوباء، والناس سابقاً لم يكونوا يعلموا ذلك.
أيضاً من الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول دليل معقول، يعني الدليل العقلي؛ حيث ذكروا أن كثيراً من الأعمال الدنيوية لم تعطل وذلك لعموم حاجة الناس إليها كالمستشفيات والأسواق التموينية وبعض المؤسسات الحكومية، وأن الناس ضبطوا هذه بالاحترازات الوقائية، فالمساجد أولى ألا تغلق وتضبط الصلاة فيها ببعض الاحترازات لكي لا ينتشر المرض.
لكن يمكن التعليق على هذا الاستدلال بأن الحاجة إلى المستشفيات ونحوها ماسة، ولا يوجد ما يمكن أن يقوم مقامها، وأما المساجد فلا تتعين الصلاة فيها، بل تصح الصلاة في أي مكان آخر، والعذر يبيح التخلف عنها كما تقدم ذكره. وقد قال الله سبحانه وتعالى لموسى نبيه حين خاف من فرعون ومن قومه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 87].
هذا هو ملخص الكلام عن القول الأول وأدلته. أما القول الثاني فهو أنه يجوز إغلاق المساجد مؤقتاً إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وأنه يكتفى برفع الأذان فيها، ويقول المؤذن في آخر الأذان: الصلاة في البيوت، أو نحو ذلك. وقد ذهب إلى هذا القول كثير من المعاصرين وكثير من هيئات الفتوى في العالم الإسلامي، وطبق ذلك كثير من الدول العربية.
أما أدلة هذا القول فكثيرة أيضاً، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، ونحو ذلك من قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. فهذه النصوص الدالة على تحريم تعريض النفس للخطر تجوز أو يمكن الدلالة منها على إغلاق المساجد إغلاقاً مؤقتاً، وذلك عند انتشار الفيروس في حالة ذروته كما يقال؛ فإن في ذلك المحافظة على نفوس الناس من الموت، لأن هذا الوباء خطير وسريع الانتشار وهو مشاهد، ومما يزيد الخوف منه أنه لا تظهر له أعراض في بدايته، فقد يكون المصلي حاملاً للفيروس دون أن يعلم هو بنفسه، ويكون سبباً لانتشار المرض بين الناس.
ومن الأدلة قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الشريعة تتشوف إلى التيسير ورفع الحرج عن الناس، وفي الإغلاق المؤقت.
للمساجد في هذا الوقت أو في حال ذروة انتشار المرض رفع للحرج عن عموم المسلمين. من الأدلة أيضاً حديث «صلوا في بيوتكم» المتقدم ذكره من رواية ابن عمر ومن رواية ابن عباس؛ بل في حديث ابن عباس أن «الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض». ففي هذه الأحاديث أمر منه عليه الصلاة والسلام بعدم المجيء إلى المساجد، وهو أمر إما أن يكون على سبيل الإباحة أو على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب. والظاهر أنه على وجه الإباحة، وقد يحمل على الاستحباب لحديث «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»، وهذا بالنسبة لعذر المطر ونحوه وهو عذر يسير بالنسبة لما نحن فيه أو لمثل هذا المرض الخطير سريع الانتشار.
فإذا كان ذلك الأمر في حالة المطر على وجه الإباحة أو الاستحباب، فلا أقل بأن يكون في حالة الوباء على وجه الوجوب؛ لأن الأذى الحاصل منه ليس قاصراً على المصلي وحده، بل يتعدى منه إلى غيره. من الأدلة أيضاً أحاديث الاحتراز مما يسبب العدوى، كحديث «لا يورد ممرض على مصح» كما ذكرت سابقاً في الصحيحين، وكحديث «فر من المجذوم فرارك من الأسد» في صحيح البخاري وغير ذلك. فإذا كان الممرض مأموراً بعدم مخالطة المصح، فمن باب أولى أن يخالط المريض بهذا المرض الخطير، وحيث إن المريض لا يعلم بالمرض ولا تظهر أعراضه في بداية الأمر، فإنه لا سبيل إلى الامتثال لهذه الأوامر النبوية إلا بتعليق الصلاة في المساجد مؤقتاً إلى أن يوجد حل لذلك. هذا كلام الفريق الثاني الذي يقول بجواز إغلاق المساجد.
ومن أدلتهم أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها». ووجه الدلالة أن الحديث أوجب على المسلم أن يتوقى في الأحوال التي يمكن أن تكون سبباً لانتشار الطاعون، فإذا علمنا بأن تعليق الصلاة في المساجد وسيلة تؤدي إلى عدم انتشاره كانت وسيلة مطلوبة. من الأدلة أيضاً أنه لا خلاف بين العلماء في جواز إغلاق المساجد مؤقتاً لمصلحة تختص بها؛ كصيانتها أو كحفظها من اللصوص وذلك في غير أوقات الصلاة، ومع ذلك لم يقل أحد من الناس بأن ذلك يعتبر منعاً منهياً عنه. وإذا كان إغلاقها لمصلحة حفظها جائزاً ولا يعتبر من المنع المنهي عنه، فإن إغلاقها مؤقتاً ولو في وقت الصلوات لمصلحة أعظم وهي حفظ النفوس، لا شك أنه أولى.
كل ما تقدم من الأدلة يدل على جواز إغلاق المساجد عند الضرورة، والضرورة في الحقيقة إنما يحددها أهل الاختصاص الثقات؛ فينبغي على أهل الفتيا الرجوع إليهم. نعم، قد يختلف الناس في تقدير الوضع، فيقول بعضهم بأن الوضع لا يستدعي تعليق الجمع والجماعات في المساجد، وإنما يقتضي تشديد الاحترازات والإرشادات الوقائية من انتشار المرض، وهذا صحيح، لكن يقدره أهل الاختصاص كما ذكرت، والكلمة الفصل في هذا الموضوع لهم. غير أن هناك أمراً ينبغي التنويه به، وهو أن هذا الإغلاق الذي حصل في كثير من البلدان للمساجد جعل الناس يستشعرون خطورة الوضع، بحيث إنهم لما فتحت المساجد واستؤنفت الجماعات كانوا على قدر كبير من الطاعة والامتثال لإرشادات المختصين باستعمال وسائل الاحترازات المهمة، والناس قد يكون الفعل لهم أبلغ من القول.
وهذا ما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد نزع شيء متأصل في نفوس الناس وقد نزل الشرع بمخالفته؛ فيفعله النبي صلى الله عليه وسلم أو يأمرهم بفعله لكي يكون ذلك أجدر وأقوى في نزعه عن نفوسهم. ومن الأمثلة على ذلك أن الناس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانوا لا يرون أن المتعة في الحج جائزة، والتمتع هو أن يبدأ الحاج بالعمرة ثم يحل من إحرامه، فإذا كان يوم التروية أهلَّ بالحج. وكانوا لا يرون هذا جائزاً بل يرونه من المنكر، فنزل الوحي بجوازه، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين لأصحابه ذلك ويبينه للناس وينزعه من نفوسهم، فأمرهم أمراً جازماً بأن يحلوا من إحرامهم ولم يجعل الأمر اختياراً لهم، فأمر من جاء محرماً بالحج أن يجعل حجه عمرة، وأمرهم أمراً جازماً عليه الصلاة والسلام وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولا جعلتها عمرة»؛ لأنه كان قد ساق الهدي، ولا يجوز لمن ساق الهدي أن يحل من إحرامه، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت»؛ يعني لفعلت ولأحللت الحج إلى عمرة.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري