الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة التي سأتكلم فيها بإذن الله عن إقامة صلاة الجماعة والجمعة والعيد في البيوت، وذلك في ظل انتشار هذه الجائحة التي عمت العالم. لكني قبل ذلك سأذكر مسألتين كتوطئة لتلك المسائل، وهاتان المسألتان هما: حكم صلاة الجماعة وحكم التخلف عنها. وعليه فمسائل هذه الحلقة خمس مسائل.
المسألة الأولى: حكم صلاة الجماعة. من المعلوم أن صلاة الجماعة من أهم شعائر الإسلام، ولذلك يجب إظهارها في الناس، والعلماء يقولون: لو امتنع الناس عن إقامتها وجب قتالهم على ذلك. ومع ذلك فقد اختلف العلماء في حكمها على أقوال ثلاثة.
القول الأول: أنها سنة مؤكدة، وهذا القول هو قول الحنفية وقول المالكية. واحتج أصحاب هذا القول بأدلة، من الأدلة حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». وجه احتجاجهم بهذا الحديث أن هذا الحديث يثبت فضلاً في صلاة الفذ، لأن أفعل التفضيل «صلاة الجماعة أفضل» يقتضي فضلاً للمفضول، ووجود فضل في صلاة الفذ ينافي القول بوجوب صلاة الجماعة.
لكن هذا الاستدلال يمكن الاعتراض عليه بأن يقال: إن أفعل التفضيل تارة يقتضي الاشتراك وهو الغالب، وتارة لا يقتضي الاشتراك. ومما ورد وهو لا يقتضي الاشتراك قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 24]، يعني خير من أهل النار، ولا شك أن مستقر أهل النار لا خير فيه أبداً. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى عن قول لوط لقومه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: 78]، يعني أطهر من الرجال، ولا شك أنه لا طهارة في إتيان الرجال. وإذا كان الحديث محتملاً لوجود الفضل في صلاة الفذ وعدم وجوده، فالأصل وجود ذلك الفضل إلا لقرينة أو دليل، وقد جاءت أدلة أخرى كثيرة تدل على أن صلاة الجماعة واجبة؛ فعند ذلك غاية ما يدل عليه هذا الحديث الذي فيه أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ هو صحة صلاة المنفرد، وأما إثبات الفضل فيها فليس فيه دليل على ذلك لأجل الأدلة الخارجة عنه.
الدليل الثاني: حديث يزيد بن الأسود رضي الله عنه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام شاب، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد، فدعا بهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» قال: قد صلينا في رحالنا يا رسول الله. فقال: «لا تفعلوا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه، فإنها له نافلة». وهذا الحديث في الخمسة وصححه الترمذي، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليهما الصلاة في رحالهما، لكن يمكن الجواب على هذا الحديث باحتمال وجود عذر لهما وأنهما صليا جماعة.
الدليل الثالث: ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلاً يصلي وحده فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟». ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي لم ينكر على هذا الرجل المنفرد الذي جاء بعد صلاة الجماعة، ويمكن الجواب عن هذا بأن النبي لم ينكر لمعرفته بعذر ذلك الرجل، وقد جاء التصريح بذلك في بعض الطرق، ففي مسند أحمد من حديث أبي سعيد قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر، فدخل رجل من أصحابه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حبسك يا فلان عن الصلاة؟» فذكر شيئاً اعتل به فقام يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا رجل يتصدق على هذا؟» فأقام معه رجل. هذا هو القول الأول القول بسنية صلاة الجماعة.
القول الثاني: أن صلاة الجماعة فرض عين على كل مسلم، وهو قول الحنابله، واحتجوا بأدلة؛ من ذلك قوله سبحانه وتعالى في صلاة الخوف: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102]. فلو لم تكن صلاة الجماعة واجبة لرخص فيها حالة الخوف، بل صار هناك إخلال بواجبات الصلاة من أجل إقامة صلاة الجماعة.
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم ناراً». ووجه الاستدلال أنه لو لم تكن الجماعة واجبة لما هم بتحريق بيوت الناس عليهم بالنار، فإن السنة لو كانت سنة لم يعاقب على تركها، لم يهم النبي صلى الله عليه وسلم بإحراق البيوت.
الدليل الثالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب». وإذا لم يرخص للأعمى الذي لا قائد له فلا شك أن غيره من باب أولى. هذا هو القول الثاني وهو قول الحنابلة بأنها فرض عين.
القول الثالث: قول الشافعية وهي أنها فرض كفاية، كأنهم جمعوا بين أدلة الفريقين، فإن أدلة الحنابلة وأدلة المالكية والحنفية تقتضي أن صلاة الجماعة فرض على الكفاية. وأجابوا عن هذه الأحاديث التي تدل على الوجوب بأجوبة قد يكون للناظر فيها نظر، لكن يمكن الاحتجاج لقولهم ببعض الأحاديث الأخرى التي تجيز التخلف عن الجماعة لعذر هين، كحديث تقديم طعام العشاء على صلاة العشاء إذا تزاحم، روي ذلك في الصحيحين من حديث جماعة من الصحابة منهم ابن عمر؛ فقد روى مولاه نافع عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وُضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه». وكان ابن عمر رضي الله عنه يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام. فهذا النوع من الأحاديث قد يدل على أن الوجوب الذي يفهم من الأحاديث الأخرى ليس وجوباً عينياً، وإلا للزم تقديم الصلاة على الطعام، لأن الطعام عذر هين. لكن يمكن الإجابة عن ذلك بأن أهمية الخشوع في الصلاة وتفريغ القلب لها لأهميتها يسهل التخلف لأجل الطعام ونحوه مما قد يشغل البال، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية: حكم التخلف عن الجماعة. تقدم في بعض الحلقات ذكر بعض الأعذار وتقسيمها إلى نوعين: النوع الأول أعذار عامة لا تختص بأحد دون أحد كالمطر والريح الشديدة ونحو ذلك، وجاء في ذلك الأحاديث الدالة على أنها أعذار، منها حديث: «صلوا في الرحال». النوع الثاني من الأعذار: أعذار خاصة، ومنها المرض وهو عذر بالإجماع، وقد مرض النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم وتخلف عن الجماعة.
وفي هذه الجائحة لا إشكال أبداً في تخلف المريض عن الصلاة في الجماعة بسبب مرض كورونا، بل يلزمه ذلك ويمنع من الحضور لحديث: «لا يورد ممرض على مصح»، وغيره من الأحاديث. وأما الخوف من الإصابة، فإن كان الخوف له وجه فلا إشكال أن صاحبه معذر، ففي حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر -ثم فسر العذر بقوله:- خوف أو مرض لم تقبل منه صلاته التي صلى». وهذا الحديث فيه كلام، لكنه ثابت عن ابن عباس من قوله. بناء على ما سبق فإن هذه الجائحة يمكن أن تكون سبباً في التخلف عن صلاة الجماعة لمن يخشى عليه من الإصابة بالعدوى، وهم كبار السن وأهل الأمراض المزمنة وكذلك أصحاب المناعة الضعيفة، فإن خوف أمثال هؤلاء من الإصابة يدخل تحت عذر الخوف على النفس، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وثبت في روايات منها عن ابن مسعود أن الله سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً أيضاً.
المسألة الثالثة: وهي من المسائل النوازل المهمة، إقامة صلاة الجماعة في البيوت. إذا قلنا بأن بعض الناس معذورون في التخلف عن الجماعة خوفاً من الإصابة بالمرض، وذلك لضعف مناعتهم أو كبر سنهم أو كثرة أمراضهم ونحو ذلك، فهل تلزمهم الصلاة جماعة في البيوت؟ هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة وهي حكم صلاة الجماعة؛ فعلى القول بأنها سنة مؤكدة -وهو قول الجمهور- لا تلزمهم الصلاة جماعة في البيوت، وعلى قول الحنابلة تلزمهم ما داموا قادرين على ذلك، وهذا هو الأحوط. وهل يستعملون الإجراءات الاحترازية من لبس الكمامة والتباعد؟ هذه مسألة مبنية على وضعهم في البيوت، فإن كانوا لا يستعملون هذه الإجراءات الاحترازية في حياتهم العادية لتحصنهم وتطعيمهم مثلاً، فلا ينبغي لهم التباعد ولا لبس الكمامة وقت الصلاة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكرنا قبل الفاصل ثلاث مسائل: المسألة الأولى حكم صلاة الجماعة، والمسألة الثانية حكم التخلف عنها، والمسألة الثالثة حكم الصلاة في البيوت جماعة.
أما المسألة الرابعة وهي إقامة صلاة الجمعة في البيوت؛ فمن المعلوم أن صلاة الجمعة فريضة وشعيرة من شعائر الإسلام، وقد اختلف العلماء متى فرضت، والذي تدل عليه الدلائل أنها فرضت قبل الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة؛ فقد ثبت عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره- عن أبيه كعب بن مالك وهو شاعر النبي صلى الله عليه وسلم مع حسان، أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، يقول له ولده: فقلت له إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت في حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات. قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون. هذا الحديث في سنن أبي داود وابن ماجه واحتج به الإمام أحمد وكان يذكره جازماً به، وقد وردت روايات مرسلة عن الزهري وعطاء أن مصعب بن عمير هو أول من جمع بهم في المدينة بأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا في الحقيقة لا ينافي الخبر السابق عن أسعد بن زرارة، فقد كان الرجلان معاً، فلعل الذي مكن لهم إقامة الجمعة أسعد بن زرارة وكان مصعب هو الإمام.
وقد ذكر أهل العلم أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما لم يقمها في مكة مع وجوبها لأن المسلمين لم يكونوا يتمكنون من إظهار دينهم، وكانوا خائفين على أنفسهم، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة. والجمعة تسقط بأعذار كثيرة كما ذكرنا منها الخوف على النفس والمال، كما أن الجمعة إنما يقصد بإقامتها إظهار الشعائر، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم في مكة مستخفين بدينهم، ولهذا لا تقام الجمعة والإنسان مستخفياً؛ ولذلك اتفق العلماء على أن الجمعة لا تقام في السجن ولو كان عدد الذين فيه أكثر من أربعين، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
وأما التخلف عن صلاة الجمعة إذا أقيمت بلا عذر فهذا لا يحل، جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين». وكذلك في الخمسة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ترك ثلاث جمع تهاوناً من غير عذر طبع الله على قلبه»، وهو حديث صحيح.
أما المسألة التي بين أيدينا فهي في حكم إقامة صلاة الجمعة في مكان غير المسجد، وذلك بالكيف نفسها التي تصلى بها في المسجد، وهذه المسألة لها صورتان أو لها فرعان. الفرع الأول: إقامتها في مكان آخر غير المسجد إذا تعذر إقامتها في المسجد، وصورة المسألة أن يتجمع الناس في مكان آخر ليس مسجداً لكي يقيموا صلاة الجمعة. وهذه المسألة بهذه الصورة وقع فيها اختلاف بين العلماء المعاصرين على قولين:
القول الأول: أنه يجوز التجمع لإقامتها في البيوت أو غيرها بنفس الكيفية التي تؤدى بها في المسجد، وأنه لا يشترط لها إذن الإمام ولا الدولة، وذلك لأن صلاة الجمعة من شعائر الإسلام العظيمة التي لا يجوز لأحد تعطيلها، فإذا لم تكن إقامتها في المساجد حاصلاً أو ممكناً وجبت إقامتها في أي مكان آخر ولو في البيوت، وقد ثبت أن أول جمعة أقيمت في المدينة كانت في دار من دور الأنصار، هكذا هو احتجاج أهل هذا القول.
القول الثاني: أنه لا يجوز التجمع لإقامتها في غير المساجد في مثل هذه الحالة، أي في ظل عدم إقامتها في المساجد بسبب جائحة كورونا، وذلك لأن تعليق الصلوات في المساجد لم يكن من أولياء الأمر رغبة عن الصلاة.
وكرها لها، وإنما كان اجتهاد لمصلحة أعظم، ومخالفة ذلك يعتبر اجتهاداً قد حسم الخلاف فيه؛ لأن ولي الأمر من المتفق بين العلماء أن الحاكم إذا حكم في مسألة اجتهادية فإنه يرفع الخلاف. وعليه فالذي يترجح في هذه المسألة أنه متى رأى أولياء الأمر المصلحة في إغلاق المساجد أو تعليق الصلاة فيها وكان ذلك رأياً لأهل العلم لا يخالف إجماعاً، كان على الجميع الامتثال. وقد تبين بالأدلة أن ترك الإمام إقامة صلاة الجمعة للعذر أمر سائغ، ففعله الصحابة رضي الله عنهم لأجل المطر وغيره.
هذا ابن عباس وكان أميراً على البصرة، روى عنه عبد الله بن الحارث البصري ابن عم محمد بن سيرين، هذا يدلنا على أن ابن عباس وقع ذلك منه في البصرة. ابن عباس فعل ذلك لما قال صلوا في بيوتكم واستنكر عليه الناس فقال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم. فتمشي دحض وتعليق الصلوات أو صلاة الجمعة إنما جاء في الحقيقة صيانة لأرواح الناس من انتشار هذا المرض، خصوصاً أيام الذروة، وذلك يعتبر عذراً أولى بتعليق صلاة الجمعة من المطر ونحوه لعظم ضرره على الناس.
وبناءً على ذلك، فإن تجمع الناس في مكان آخر غير المساجد كالبيوت أو أسطح البيوت لإقامة صلاة الجمعة فيها أمر يخالف الغرض الذي من أجله عُلقت الجمعة وهو صيانة الأرواح كما ذكرت، ويعتبر مخالفة صريحة لما هو بمثابة الإجماع، وهو أن حكم الحاكم يرفع الخلاف.
الفرع الثاني: إقامة صلاة الجمعة في البيوت دون تجمع، أي بعدد قليل، وذلك بسبب إغلاق المساجد. فقد ذهب بعض أهل العلم من المعاصرين بحجة أن صلاة الجمعة من شعائر الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها ولا يجوز تعطيلها، أنها إذا عُلقت في المساجد خوفاً على الأرواح فلا أقل من أن يقيمها الناس في بيوتهم بذويهم، أي بعدد قليل، وذلك لأن اشتراط عدد غير ثابت؛ العدد يشترطه الشافعية والحنابله.
والذي يقتضيه النظر في الحقيقة أنه لا تصح إقامتها في البيوت بعدد محدود؛ لأن القصد من إقامة الجمعة إظهار الإسلام، ولذلك لم يقمها النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ولا الصحابة الكرام مع إمكان ذلك بعدد قليل كما يفعلون في بقية الصلوات، ولم ينقل عن أحد أنه أقامها في بيته بعد أن تعذر عليه إقامتها في المسجد، ولذلك لا خلاف بين العلماء أن صلاة الجمعة كما ذكرت لا تقام في البيت، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الخامسة وهي المسألة الأخيرة: إقامة صلاة العيد في البيوت. من المعلوم أن صلاة العيدين سنة مؤكدة في قول جماهير أهل العلم، وبعض أهل العلم يوجبها ويجعلها من فروض الكفايات، لكنهم يبيحون تركها للأعذار التي تبيح ترك الجمعة والجماعة. وبناءً على ما سبق، فهل يشرع لأهل البيت إقامة صلاة العيد إذا عُلقت في المساجد أو عُلقت في المصليات وكان هناك عذر للتخلف عنها؟ في هذه المسألة خلاف بين الفقهاء على قولين.
القول الأول: أنه لا تشرع صلاة العيد في البيوت لأنه يشترط لها ما يشترط للجمعة، وبه قال الحنفية والحنابلة. القول الثاني: أنه تشرع صلاة العيد في البيوت لمن فاتته صلاة العيد أو كان معذوراً بتركها، وهو قول المالكية والشافعية وكذلك رواية عند الحنابلة. ويمكن تقوية هذا القول وهو قول المالكية والشافعية بأن صلاة العيد سنة ولا ضير في إقامتها في البيوت، وقد كان أنس بن مالك وهو صحابي جليل يفعل ذلك.
ففي صحيح البخاري، وقد علقه بصيغة الجزم قال: «وأمر أنس بن مالك مولاه ابن أبي عتبة بالزاوية، فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم». وهذا الحديث أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وإنما أورده البخاري تعليقاً لكونه موقوفاً على أنس؛ لأن موضوع كتاب البخاري هو المرفوعات، أي الأحاديث التي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الموقوفات فإنه لا يرويها بالإسناد وإنما يعلقها، ومعنى التعليق أن يقول قال فلان بدون سند.
وعليه يمكن لمن لم يستطع صلاة العيد في المسجد لسبب من الأسباب أن يصلي بأهله في بيته كصلاة العيد، فيصلي بهم حسب المذاهب، أما سبع تكبيرات في الأولى ثم خمس تكبيرات في الثانية، ثم إذا صلى بهم صلاة العيد يقوم ويخطب فيهم كما يخطب في صلاة العيد الإمام، يعظهم ويذكرهم ثم يدعو لهم ويدعو للمسلمين. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري