دخولتسجيل الدخول

الحلقة 17

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، ففي هذه الحلقة سوف أتكلم بإذن الله عن كيفية الصلاة في المساجد في ظل انتشار هذه الجائحة، وفي ذلك عدد من المسائل.

المسألة الأولى: حكم التباعد بين المصلين. حكم هذه المسألة في الحقيقة مبني على حكم مسألة تسوية الصفوف وتراصها. وقبل ذكر كلام العلماء في حكم هذه المسألة، لا بد من استعراض بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب؛ لأنها هي أدلة العلماء. الحديث الأول: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصف من تمام الصلاة». والحديث الثاني: حديث أبي هريرة وهو في الصحيحين أيضًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصف من حسن الصلاة». والحديث الثالث: حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وهو في الصحيحين أيضًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وأيضًا الحديث الرابع: حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه في صحيح مسلم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». والحديث الخامس: حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه وهو في صحيح مسلم، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف».

وهناك حديث آخر وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقيموا الصفوف، فإنما تصفون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا في أيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله تبارك وتعالى». هذا الحديث في مسند أحمد وفي سنن أبي داود بسند صحيح. وهناك أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث. هذه الأحاديث فيها الأمر بتسوية الصفوف، وفيها الأمر بالتراص في الصفوف. وقد ذكر العلماء أن تسوية الصف تكون بمحاذاة المناكب والأكعب؛ يعني أكعب الأرجل وهي مؤخر القدم، لا أطراف الأصابع.

كما ذهب عامة العلماء إلى أن تسوية الصف والتراص أمر مستحب، هذا أكثر قول أهل العلم، وأن تركه مكروه. وقد استشكل ذلك ابن مفلح حيث استشكل نقل الإجماع على ذلك في تعليق له على المحرر؛ وابن مفلح من كبار علماء الحنابله. استشكل القول بالاستحباب؛ لأن ظاهر بعض هذه الأحاديث يدل على الوجوب، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وقد قال بالوجوب جماعة من أهل العلم، منهم البخاري كما يفهم ذلك من تبويبه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه أحمد بن عبد الحليم. ولذلك حمل ابن مفلح قول من نقل الإجماع -لأن هناك من نقل الإجماع على أنه يستحب- على أن مراده ثبوت الاستحباب لا نفي الوجوب.

مما تقدم يتضح أن جماهير أهل العلم قالوا باستحباب تسوية الصفوف والتراص فيها رغم وجود بعض الأحاديث التي يدل ظاهرها كما ذكرت على الوجوب، لكن لا شك أن هناك من صرفها -يعني الذين صرفوها عن الوجوب لا شك أن عندهم ما يصرفها عن الوجوب-. وقد ورد في بعض الأحاديث: «فإن إقامة الصف من حسن الصلاة»، وهذا ظاهره يدل على الاستحباب، لأن حسن الصلاة شيء زائد على صحتها وزائد على حقيقتها، وهكذا حديث: «من تمام الصلاة»، فإنه قد يراد به الحسن؛ يعني حسن الصلاة كما في نفس الحديث. وأما الأحاديث التي ظاهرها الوجوب فيمكن حملها على تأكد الاستحباب.

وعلى هذين القولين جميعًا، يعني القول بالوجوب والقول بالاستحباب وهو قول الأكثر، فإن الصلاة مع الإخلال بالتسوية أو التراص تعتبر صحيحة. يعني لو لم يكن هناك تراص في الصفوف ولا تسوية، فالصلاة صحيحة، لكن ترك ذلك يعتبر مكروهًا في قول أكثر أهل العلم، وأما البطلان فلا يقول أحد بالبطلان، حتى أن الظاهرية الذين من عادتهم أن يرتبوا على ترك الواجب البطلان، لم أرهم يبطلون الصلاة إذا لم يحصل التراص أو التسوية فيها. ولعله لأن القول بالبطلان فيه شيء من التكليف المستحيل، لأن تسوية الصف قد يخل به مصل، وكذلك التراص فلا يتحمل المصلي الآخر إخلال أحد المصلين بذلك. وعليه فلو حصلت صلاة الجماعة مع التباعد بين المصلين فإن الصلاة صحيحة، لكنها مكروهة على رأي الجمهور، وذلك إذا لم تكن بعذر. طبعًا تسوية الصف لا يخل به التباعد؛ التباعد يخل بالتراص ولا يخل بالتسوية، لأن التسوية أن يكون في خط مستقيم. وهنا ينبغي التنبيه على مسألة، وهي أن الناس الذين يأتون بسجادات أحيانًا يضعونها في مكان بحيث يقفون موقفًا لا تستوي فيه الصفوف، فعليهم أن ينتبهوا لهذه المسألة. والعذر في الحقيقة الذي يجعل عدم التراص أمرًا غير مكروه، لا شك أنه قائم مع وجود هذا الوباء.

المسألة الثانية: حكم الصلاة خلف الصف منفردًا. هذه المسألة في الحقيقة لها علاقة بالمسألة السابقة وهي التباعد بين المصلين، وذلك لأن المصلي الذي يصلي وبينه وبين من بجانبه مسافة يكون في حقيقة الأمر في حكم المنفرد خلف الصف؛ يعني كأنه منفرد. وصلاة المنفرد خلف الصف فيها اختلاف بين أهل العلم قديمًا؛ فمنهم من يقول بأن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة، وهذا هو قول الجمهور وأدلتهم في ذلك قوية. والقول الثاني: أنها باطلة، وهو قول الحنابلة وبعض أهل العلم. قال في ذلك في أبيات يقول فيها: ومَن يُصلِّي خَلْفَ فُرْجَةٍ وَلَمْ ... يَسُدَّهَا فَفِيهِ خُلْفُهُم أَلَمْ بُطْلَانُهَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَدْ بَدَا ... وَنَقَلُوا بُطْلَانَهَا عَنْ أَحْمَدَا

ومعناها أن الجمهور لا يرون بطلان صلاة المنفرد خلف الصف. احتج الحنابلة على مذهبهم ببطلان الصلاة للمنفرد خلف الصف بحديثين مشهورين، وهما حديث وابصة بن معبد وحديث علي بن شيبان رضي الله عنهما. أما حديث وابصة بن معبد ففيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة، وهذا الحديث في الخمسة إلا سنن النسائي، وهو حديث فيه اختلاف لكنه يبدو أنه صحيح؛ فقد نقل الإمام ابن المنذر أن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه -وهما محدثان من كبار المحدثين- قد ثبتا هذا الحديث، أي رأيا أن هذا الحديث ثابت.

أما الحديث الثاني وهو حديث علي بن شيبان ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فوقف على رأسه حتى انصرف الرجل، فقال عليه الصلاة والسلام: «استقبل صلاتك، لا صلاة لرجل فذ خلف الصف»، وهذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه وإسناده حسن، وقال الإمام أحمد بأنه حسن. وهذان الحديثان يقوي بعضهما بعضًا، ودلالتهما على بطلان الصلاة واضحة. وأما الجمهور فذهبوا إلى صحة صلاة المنفرد مع الكراهة، وحملوا الأمر بالإعادة في حديث وابصة وفي حديث علي بن شيبان على الاستحباب، يعني أنه ليس شيئًا لازمًا وإنما أمر مستحب، وأن قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» أي لا صلاة كاملة، هذا هو تأويل الجمهور. واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي بن شيبان وقف ينتظر الرجل حتى سلم، ولو كانت صلاته باطلة لما أقره على الاستمرار عليها.

واحتج الجمهور على ما ذهبوا إليه بحديث أبي بكرة الثقفي في صحيح البخاري، وفيه أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع يعني بالناس، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «زادك الله حرصًا ولا تعد». فالجمهور قالوا بأنه صلى جزءًا من صلاته خلف الصف وحده، ولولا أنه يرى ركوعه دون الصف مجزئًا ولو رفع الإمام لما فعل ذلك. ويحتجون أيضًا بحديث أنس بن مالك في الصحيحين، أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على طعام صنعته له فأكل منه عليه الصلاة والسلام، ثم قال: «قوموا فلا أصلِّ لكم». فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف أنس بن مالك واليتيم وراءه، والعجوز من خلفهم، فصلى لهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف. ففي هذا الحديث صحت صلاة المرأة منفردة خلف الصف، فكذلك الأمر في حق الرجل إذ لا فرق بينهما من هذه الحجة، وهذه الحجة قد نص عليها الشافعي رحمه الله عليه.

ومن أدلة الجمهور أيضًا حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين، أنه بات عند خالته ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل، فقام ابن عباس على يسار النبي صلى الله عليه وسلم وكان وحده، فأخذ النبي برأسه ثم أقامه من خلفه، يعني أداره من خلف ظهره فأقامه عن يمينه. ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني أداره من خلفه فصلى ابن عباس جزءًا من الصلاة وحده خلف النبي صلى الله عليه وسلم.

والحنابلة يحملون حديث أبي بكرة السابق الذي أدرك الإمام وهو راكع وركع دون الصف، بأنه إنما ركع دون الصف ليدرك من الصلاة أكثر مما لو تأخر إلى وصوله، لأن الصحابة كانوا يهتمون بكل جزء من الصلاة أن يكون مع الجماعة. وأما حديث أنس عن جدتهم مليكة فيقولون بأن المرأة تختلف عن الرجل، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي فيه: «لا صلاة لرجل منفرد خلف الصف»، فنص على الرجل، فاختصاص ذلك بالرجل واضح في الحديث. وأما حديث ابن عباس فإنما قام خلف النبي صلى الله عليه وسلم جزءًا يسيرًا لا يعد ركعة كاملة، وهم إنما يبطلون الصلاة إذا صلاها ركعة كاملة. وفي حقيقة الأمر للفريقين حجج ومناقشات يطول ذكرها، وهي مناقشات قوية تدل على أن هؤلاء العلماء قد بذلوا الجهد والطاقة في الوصول إلى الحكم الصحيح، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». وبناءً على ما تقدم، فإن صلاة المصلي خلف الصف وحده في ظل أزمة وباء كورونا صلاة صحيحة على قول الجمهور. وأما على قول الحنابلة فيبعد في الحقيقة إبطالها من أجل العذر؛ لأن التباعد بين المصلين أشبه بالصلاة منفردًا، فإذا صحت الصلاة مع التباعد فكذا مع الانفراد للشبه بينهما، والله سبحانه وتعالى أعلم. نقف هنا قليلًا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المسألة الثالثة: لبس الكمامة أثناء الصلاة. هذه المسألة تترتب على مسألة أخرى؛ اتفق الفقهاء في الحقيقة من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم على كراهة تغطية الفم والأنف في الصلاة بلا حاجة، ذكر ذلك ابن المنذر، فقد ذكر كراهة ذلك -أو تغطية الفم والأنف- عن كل من يحفظ عنه العلم من أهل العلم، واستثنى الحسن البصري فإنه رخص في تغطية الفم دون الأنف. العلماء استدلوا على ذلك، يعني على كراهة تغطية الفم والأنف، بأدلة؛ من هذه الأدلة حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه. وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما من أهل العلم، وفي إسناده الحسن بن ذكوان وهو رجل فيه كلام، لكنه ممن أخرج له البخاري، وأيضًا يروي عنه أئمة كبار كيحيى القطان وابن المبارك، ورواية هذين عنه مما يقوي أمره، لكنه في هذا الحديث خولف، وروايته مع المخالفة وجه في الحقيقة تحتاج إلى كلام، لا أريد أن أتشعب، لكن أهل العلم قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه.

الدليل الثاني: أن المرأة مع كونها مأمورة بتغطية وجهها عن الرجال، فقد أمرت بكشفه في الصلاة وكذلك في الإحرام، ففي الصحيح: «ولا تنتقب المرأة المحرمة». وقد ذكر ابن عبد البر أو ذكر عن أهل العلم أنهم أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة وفي الإحرام، فإذا كانت المرأة وهي مأمورة بتغطية وجهها تؤمر في الصلاة بكشف وجهها، فمن باب أولى أن يؤمر الرجل أو ألا يغطي الرجل وجهه.

الدليل الثالث: أنه ليس من الأدب في مناجاة الله سبحانه وتعالى تغطية المصلي وجهه. ومن ذلك ما رواه ابن جريج قال: سئل عطاء -عطاء كان إمامًا من الأئمة، عطاء بن أبي رباح-: أيصلي الرجل وهو مخمر فاه -يعني مغطي فاه- بثوبه؟ قال: "أحب إلي أن ينزعه من فيه". سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: "إذا صليت فإنك تناجي ربك". وهذا في عرف الناس، يعني إذا جاء رجل إلى أناس يجلهم ويقدرهم، فإنه لا شك لن يأتيهم وهو متلثم أو مغطٍ لوجهه بثوب أو نحوه؛ لأن ذلك يخالف الأدب.

لكن العلماء مع هذه الكراهة أجازوا تغطية الفم للحاجة، يعني يمكن أن يغطي الرجل فمه وقت الصلاة لأجل الحاجة، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل»، وهذا في صحيح مسلم. وهذا من عجائب استنباط الأئمة، يعني أنهم أخذوا من حديث التثاؤب -قال: إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه وهو في الصلاة- فيكون إذا فعل ذلك...

في الصلاة؛ فإنما فعلها لحاجة، فاستدل بذلك على جواز تغطية الفم للحاجة. وقد ذكر العلماء أن الأولى أن يكظم ما استطاع، فالمتثائب الأولى له أن يكظم ما استطاع لحديث أبي هريرة في الصحيحين: «إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع». فإن لم يستطع الكظم فليجعل يده على فمه كما في حديث أبي سعيد، وذكرتُ أن وجه الدلالة من هذا الحديث مأخوذ من قوله: «فليمسك بيده على فيه»، وهذا يعتبر تغطية للفم عند الحاجة.

ولذلك جوز العلماء تغطية الفم والأنف لهذا الحديث أو استناداً على هذا الحديث. وعليه فجواز ذلك في هذه الجائحة من باب أولى، لا سيما والمختصون متفقون على أن لبس الكمامة من أسباب عدم انتشار هذا المرض أو الإصابة به، ومما يعين على ذلك، فقد يكون لبس الكمامة مستحباً، إن لم نقل إنه واجب.

المسألة الرابعة: القنوت في صلاة الجماعة لرفع الوباء. من المعلوم أن القنوت لرفع النازلة أو عند حدوث النوازل في الصلوات أمر مشروع، وقد قال بذلك أهل المذاهب الأربعة على اختلاف بينهم في شيء من التفصيل. فالحنفية مثلاً يرون القنوت للنازلة في الصلوات الجهرية دون السرية، والمالكية لا يرون القنوت إلا في صلاة الفجر فقط، والشافعية والحنابلة يستحبون الدعاء للنازلة في جميع الصلوات، ويستثني الحنابلة من ذلك يوم الجمعة أو صلاة الجمعة.

وقد ثبت القنوت للنوازل في عدد من الأحاديث؛ من تلك الأحاديث حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيحين قال: قنت النبي صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على رعل وذكوان، وهما قبيلتان.

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة أيضاً في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح، كما جاء في حديث أبي هريرة، ثم يقول بعد قوله: سمع الله لمن حمده؛ فيدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين.

الحديث الثالث: حديث أبي هريرة أيضاً وهو في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع. فربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ربما قال: «اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مُضر، واجعلها سنين كسني يوسف»، يجهر بهذا الدعاء. وكان يقول في بعض صلواته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلاناً وفلاناً» لأحياء من العرب، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128].

الحديث الرابع: حديث ابن عمر رضي الله عنهما في صحيح البخاري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعدما يرفع رأسه من الركوع ويقول: «اللهم ربنا ولك الحمد»، في الركعة الأخيرة يقول: «اللهم العن فلاناً وفلاناً»، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]. فنُهي النبي عن ذلك أو عن اللعن في الصلوات، أو أمر أن يقف هناك بعدما دعا عدداً من الأيام.

الحديث الخامس: حديث خفاف بن إيماء الغفاري وهو في صحيح مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة: «اللهم العن بني لحيان، ورعلاً، وذكوان، وعصية عصوا الله ورسوله، غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله». هذه الأحاديث التي ذكرتها وغيرها من الأحاديث هي الأصول التي اعتمد عليها العلماء في استحباب القنوت في النوازل مع اختلافهم كما ذكرت في بعض التفاصيل اليسيرة.

والسؤال هنا: هل يعد هذا الوباء الذي حل بالناس من النوازل التي يشرع فيها دعاء القنوت أم لا؟ الحقيقة اختلف أهل المذاهب في ذلك على قولين. القول الأول: أن الدعاء لرفع الوباء جائز بل مستحب، وهو قول الحنفية والشافعية، واحتجوا لذلك بالأحاديث المتقدمة. والقول الثاني: أن الدعاء للنوازل مستحب إلا الوباء، استثني من ذلك الوباء أو الطاعون، وهو مذهب الحنابلة، على أن القدماء منهم من الحنابلة لم يستثنوا شيئاً، ولذلك لما ذكر صاحب الفروع كلام الحنابلة في استحباب الدعاء في النوازل، قال بأنه مطلق؛ أي أنهم لا يستثنون الوباء. غير أنه هو بنفسه صاحب الفروع ذكر وجاهة عدم القنوت لرفع الوباء، وعلل ذلك بأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس ولا في غيره من الطواعين، لم يثبت ذلك عن الصحابة ولا عن غيرهم، ولأنه شهادة كما ورد في بعض الأحاديث أن الطاعون شهادة لهذه الأمة، قال فلا يُسأل رفعه لأن الشهادة مطلوبة.

وأما المالكية فليس لهم كلام قديم أيضاً، ولذلك ذكر القرافي المتأخر بدر الدين المتوفى سنة 939 هـ بأنه لم يجد نصاً صريحاً للمالكية في هذه المسألة، وذكر بأن أكثر علماء عصره أفتوا بأنه شهادة، والشهادة لا يُسأل رفعها، كأنهم يقولون مثل قول الحنابلة أنه لا يُقنت في الوباء، كأنهم أخذوا ذلك من صاحب الفروع، لكن القرافي نفسه مال إلى جواز الدعاء لرفع الوباء.

ويمكن تقوية القول الأول وهو القول بجواز الدعاء لرفع الوباء ببعض الأدلة؛ منها الأحاديث المتقدمة، فإن الوباء من أعظم النوازل التي تذهب بأرواح الناس وتتعطل فيها مصالحهم، فالدعاء برفعه فيه مصلحة. ومن الأدلة أيضاً كثرة الأحاديث في مشروعية الدعاء للمريض بالعافية وبالشفاء والاستعاذة من الأسقام، فإنها مع أنها مكفرات للذنوب، ومن الأدلة أيضاً حديث عائشة في الصحيحين قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وانقل حماها إلى الجحفة»، مع أن الحمى سبب لمغفرة الذنوب.

وأما القول بأن الوباء رحمة وأنه شهادة فهذا لا يعني عدم الدعاء برفعه، كما إذا نزل العدو ببلد المسلمين فإنه يشرع الدعاء بالسلامة والنصر للمسلمين، وإن كان موت من يموت منهم بأيدي العدو يعتبر شهادة في سبيل الله، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا». وأما عدم نقل القنوت في طاعون عمواس وأمثاله فهذا لا يعني العدم. والله سبحانه وتعالى أعلم، هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.