الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، تكلمنا في عدد من الحلقات الماضية عن الكثير من الأحكام المتعلقة بجائحة كورونا، وبقيت عدة مسائل في أبواب مختلفة سأحاول في هذه الحلقة التطرق لتلك المسائل بشكل مختصر للمرور على أكبر قدر منها.
المسألة الأولى في باب الزكاة وهي: هل يمكن صرف الزكاة في استئجار المحاجر أو شراء الأدوات الطبية للوقاية من كورونا، أو معالجة المرضى في الدول الفقيرة التي لا تتوفر لهم المعالجة في تلك الدول؟ هذه المسألة متعلقة بمصارف الزكاة، ومصارف الزكاة ثمانية ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
وفي سنن أبي داود من حديث زياد بن الحارث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه وتعالى لم يرضَ بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك». وهذا الحديث رواه أبو داود وسكت عليه، وهذا يعني أنه صالح عنده، وقد أجمع العلماء على معناه، وهو في الحقيقة مأخوذ من أداة الحصر الموجودة في الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ إلى آخر الآية.
ومن شروط صحة الزكاة أن يكون فيها تمليك للفقير؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، والعلماء يقولون بأن هذه اللام للفقراء هي لام التمليك. وصرف مال الزكاة في المحاجر للفقراء أو في الأدوات الطبية لعلاجهم ليس فيه تمليك لفقير معين، وعليه فلا يجوز في قول جماهير أهل العلم أن يفعل بالزكاة ما ذكر في هذه المسألة، بل قد يكون هذا إجماعاً، وإنما خالف بعض العلماء المعاصرين.
المسألة الثانية وهي في باب الصيام وهي: هل يجوز للمريض بمرض كورونا الفطر؟ هذه المسألة تتعلق بشروط وجوب أداء الصيام، ومنها السلامة من المرض، لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. وقد أجمع العلماء على إباحة الفطر للمريض في الجملة لهذه الآية.
لكن ليس كل مرض يمكن معه الترخص في قول جماهير أهل العلم، فإن الأمراض تختلف؛ فمنها ما يضر صاحبه إذا صام، ومنها ما لا أثر للصوم فيه؛ مثل وجع الضرس، وجرح الإصبع، والدمل، ونحو ذلك. وإنما المرض الذي يُترخص فيه هو ما يُخاف منه الضرر؛ يعني إذا صام المريض يُخاف زيادة مرضه أو يُخاف إبطاء برئه، فإن للمريض في هذه الحالة أن يفطر، بل يُسن له الفطر ويُكره له الإتمام؛ لأن ذلك قد يفضي إلى الهلاك أو إلى زيادة المرض، فيجب الاحتراز من ذلك.
بالنسبة للمريض بمرض كورونا، هل يُقاس على ما سبق ذكره؟ الحقيقة أنه يُقاس؛ لأن المرضى بهذا المرض أصناف، منهم من المرض شديد عليه، ومنهم من لا يشعر معه بشيء، من الناس من مر عليه المرض وكأنه لم يمر عليه. وعليه فيمكن القول بأن من كان الصيام شاقاً عليه بسبب هذا المرض فله الترخص، وكذا إذا كان الصوم يزيد مرضه، وإلا فإنه لا رخصة لمن لا يؤثر عليه هذا المرض.
المسألة الثالثة وهي في باب الصيام أيضاً، وهي: هل يجوز تناول السوائل في شهر رمضان بحجة أن تناولها يحافظ على توازن الجسم، وبالتالي يمنع من الإصابة بهذا الفيروس؟ لأن هذا الكلام قد انتشر في بعض مواقع التواصل الاجتماعي يقولون بأن تناول السوائل يمنع الإصابة بالمرض.
والجواب على هذا أن أسباب الترخص التي دلت عليها الأدلة لا يُذكر فيها خشية الإصابة بالمرض، فإن ذلك أمر متوهم، وإنما المذكور ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه، وهو المرض بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فخص المريض بالرخصة دون من يخشى المرض. بل إن جمهور العلماء وهذا ربما يكون إجماعاً لا يرون كل مرض يمكن الترخص معه، وإنما المرض الذي يشق معه الصيام فحسب.
وبالرجوع إلى رأي أهل الخبرة والمختصين لا نجد هذه المعلومة التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي، لا نجدها معلومة صحيحة. فهذه منظمة الصحة العالمية تذكر في موقعها جواباً على هذا السؤال أن شرب الماء مهم للصحة العامة، ولكنه لا يقي من العدوى بفيروس كورونا، ولذلك نصحوا في آخر كلامهم بالتماس الرعاية الطبية عند الشعور بالمرض.
وهكذا مجلس الإفتاء الأوروبي يذكر بأنه بعد الاتصال بالأطباء والخبراء والاطلاع على الدراسات العلمية الموثقة، تبين أن هذه المعلومة التي تفيد بأن الصوم يزيد فرصة الإصابة بمرض كورونا أنها أخبار غير صحيحة ومعلومات غير صحيحة، ولا تستند إلى أي دليل علمي. بل على العكس؛ الدراسات تفيد أن الصيام يزيد المناعة الذاتية للجسد، وهذا مما يحتاج إليه الإنسان في مثل هذه الظروف، وعليه فلا يجوز الإفطار لمجرد التوهم أن الفطر يمنع المرض، وهذا أمر مجمع عليه فيما أحسب. وأما المريض الذي يشق عليه الصيام أو يحتاج إلى معالجة لا تتم إلا بالفطر فله الترخص بترك الصيام كغيره من المرضى، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الرابعة وهي مسألة في باب الحج وهي: حكم الخروج من البلد أو القدوم إلى الحج مع انتشار هذا الوباء، سواء كان هذا القادم من مناطق قد انتشر فيها الفيروس أم لا. هذه المسألة مبنية على ثلاثة أصول؛ الأصل الأول: حكم الخروج من أرض الوباء والدخول إليها، والذي تقرر عند العلماء حرمة الخروج من أرض الوباء أو الدخول إليها إذا كان الوباء طاعوناً، يعني هذا الحكم خاص بالطاعون.
وأما إذا لم يكن الوباء طاعوناً فقد أجاز العلماء بالإجماع الدخول إلى بلد الوباء والخروج منه. وبناءً على هذا الأصل فإن القدوم للحج لا إشكال في جوازه؛ لأن هذا المرض الذي هو كورونا ليس طاعوناً؛ لأن الطاعون هو جروح قاتلة، وقد ذكر العلماء معنى الطاعون، وليس هذا المرض من قبيل الطاعون وإن كان وباءً عاماً.
الأصل الثاني: حكم وجوب الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟ وفي ذلك اختلاف بين العلماء قديماً؛ فمنهم من يرى أن فريضة الحج واجبة على التراخي، وهذا قول المالكية والشافعية ولهم في ذلك حجج، ومنهم من يرى أن الحج على الفور، يعني متى ما وجد المسلم الاستطاعة وجب عليه أن يحج فوراً ولا يؤخر، وهذا هو مذهب الحنفية والحنابله، ولهم أدلة أيضاً، وتلك الأدلة فيها مناقشات كثيرة، فعلى مذهب من يقول بالفور فإنه يتوجب الحج على من تحققت فيه الشروط إذا أمكنه ذلك، بخلاف من يقولون بالتراخي.
الأصل الثالث: الاستطاعة، هل يعتبر عدم التمكن من اتخاذ التدابير الاحترازية كضرورة؟ إن تلك التدابير ونحو هذه التدابير ستجعل إمكانية الإصابة بالمرض مجرد توهم، وقد يراها البعض أمراً متوقعاً في غالب الأمر، فيرى ذلك مخلاً بالاستطاعة، لا سيما من يرون أن وجوب الحج ليس على الفور وإنما هو على التراخي. لكن ما لا ينبغي الاختلاف فيه في الحقيقة هو أن الذين عندهم مناعة قوية واعتمدوا الاحترازات أو الذين أخذوا اللقاح والتطعيم، يكون الحج في حقهم حكمه كحكم الشخص السليم في الظروف العادية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الخامسة وهي في باب الحج أيضاً وهي: حكم لبس الكمامة من باب اتخاذ التدابير الاحترازية للوقاية من المرض، وهذه المسألة مبنية على مسألة قديمة وهي تغطية الوجه للمحرم، والعلماء متفقون على أن المرأة لا يجوز لها تغطية وجهها كما لا يجوز للرجل تغطية رأسه؛ وذلك لأن إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه كما يقولون لحديث: «ولا تنتقب المرأة المحرمة»، فإن فعلت فعليها دم. لكن إذا احتاجت إلى ستر وجهها بسبب مرور الرجال دون تنقب، يعني تسدل خمارها على رأسها من فوق، فيجوز لها ذلك وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
وقد ورد في ذلك حديث لعائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه، وهذا الحديث في مسند أحمد وفي سنن أبي داود وابن ماجه وغير هذه الكتب، وقد ورد عن جماعة من الصحابة ما يقوي معنى هذا الحديث. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكرنا قبل الفاصل حكم تغطية المرأة وجهها في الإحرام، وأما تغطية الرجل وجهه في الإحرام فقد اختلف العلماء فيه على قولين؛ القول الأول: عدم جواز ستر الرجل المحرم وجهه أثناء الإحرام، وهذا القول هو مذهب الحنفية والمالكية، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس في صحيح مسلم أن رجلاً وقصته راحلته، يعني ألقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً».
ووجه الدلالة أن هذا الحديث أفاد أن للإحرام أثراً في عدم تغطية الوجه كما له أثر في عدم تغطية الرأس، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه». كذلك المرأة مأمورة في الإحرام بعدم تغطية وجهها مع أن كشفه فيه فتنة، فالرجل من باب أولى.
القول الثاني: جواز ستر المحرم وجهه أثناء الإحرام، وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة، واستدلوا بفعل جماعة من الصحابة أنهم خمروا وجوههم أثناء الإحرام، يعني منهم عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت وغيرهم. واعترضوا على الاستدلال السابق بحديث ابن عباس الذي وقصته ناقته وقوله فيه: «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه» بأن ذكروا أن كلمة «ولا وجهه» زيادة لا توجد في أكثر الروايات، ففي أكثر الروايات: «ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً».
وهذا الاعتراض غير قوي؛ لأن رواية النهي عن تغطية وجه المحرم ثابتة في صحيح مسلم من عدة طرق ليس من طريق واحد، ولذلك تردد الإمام أحمد في القول به فقال مرة اختلفوا فيها على ابن عباس، قال مرة: والمحرم يموت لا يغطى رأسه ولا وجهه، وذلك لما روى ابن عباس وذكر الحديث باللفظ الذي فيه النهي عن تغطية الوجه، وهذا يدل على أن الحديث ثابت عند الإمام أحمد.
واعترضوا على القياس على المرأة بأن القياس هنا قياس مع الفارق؛ وذلك لأن المرأة غير منهية عن لبس الثياب بخلاف الرجل، ولذلك جاز لها لبس القميص والخفين بخلاف الرجل. وهذا الاعتراض أيضاً غير قوي فيما أحسب؛ لأن المرأة مأمورة بستر وجهها من حيث العموم، ولكنها في الصلاة والإحرام أمرت بكشفه؛ لأنهما عبادة ينبغي على العبد أن يباشرها بوجهه لشرف ذلك العضو الذي هو الوجه، ولأجل أهمية قيام العبد بهذه العبادة بين يدي الله سبحانه وتعالى مكشوف الوجه لما يقتضيه ذلك من الأدب، أمرت المرأة بكشف وجهها مع أنها مأمورة بتغطيته في غير هذا المقام، فكان الأولى بالرجل كشف وجهه أيضاً لهذا المعنى.
والخلاصة أن تغطية المحرم لوجهه فيه قولان وهما قولان قويان، أحدهما يستند إلى حديث وقياس قوي وهو القول بعدم جواز الكشف، والثاني يستند إلى فعل الصحابة؛ لأنه لو كان محظوراً لما فعله، وقد يقال بأن الصحابة إنما فعلوه لعذر، وقد وجد من الصحابة من يفتي بغير ذلك وهو ابن عمر، كما في موطأ الإمام مالك أنه قال: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمر المحرم. وعليه يمكن الجمع بين القولين بأن يقال: الأصل عدم تغطية الوجه إلا لعذر، وإذا حصلت تغطيته للعذر لم يجب في ذلك فدية، وهذا هو قول أكثر أهل العلم.
وبناءً عليه فإن لبس الكمامة في هذه الظروف، يعني في هذا الوباء، لا إشكال فيه مطلقاً، بل لا يبعد أن يقول قائل بأنه واجب خصوصاً وقت الزحام أو اختلاط الناس بعضهم ببعض؛ لأنه في الحقيقة سبب قوي للوقاية من هذا المرض، حفظنا الله وجميع المسلمين ورفعه عنا وعن الناس بمنه وكرمه.
المسألة السادسة وهي في باب الحج، وهي: ماذا يفعل المحرم إذا أحرم بالحج والعمرة ثم منع من إتمام نسكه احترازاً من انتشار المرض أو بسبب إصابته بهذا المرض؟ هذه المسألة يمكن تخريجها على مسألة الإحصار، ومسألة الإحصار وردت في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]. وهذه المسألة مشهورة عند أهل العلم وفيها تفاصيل كثيرة، لكن الذي يهمنا فيما نحن بصدده هو: هل منع الحاج بعد إحرامه من إكمال النسك احترازاً من انتشار المرض أو لكونه مريضاً يعتبر من الإحصار أم لا؟
وقبل تكييف هذه المسألة أذكر خلاف العلماء فيما يكون به الإحصار، يعني ما الذي يسمى إحصاراً وما الذي لا يسمى إحصاراً، فإن للعلماء في ذلك قولين؛ القول الأول: أن الإحصار لا يكون إلا من العدو، وأما المرض فلا يعتبر عندهم من الإحصار، بل على المريض أن يتداوى إلى أن يتعافى ثم يكمل نسكه، وهذا هو قول جمهور الفقهاء، واحتجوا على ذلك بحجج من الكتاب والسنة والآثار والمعقول، فمن الكتاب الآية نفسها: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، ذكروا وذلك أن هذه الآية فيها أمر عام بإتمام الحج والعمرة ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
والعمرة لله، فيدخل في ذلك كل حاج وكل معتمر إلا ما استثني، والمستثنى هنا المحصر في هذه الآية بالعدو؛ لأنها نزلت في منع قريش للنبي عليه الصلاة والسلام من العمرة.
وأما السنة؛ ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها: «لعلك أردت الحج؟» قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني». يقولون: لو كان المرض يبيح التحلل مثل الإحصار، ما احتاجت إلى الاشتراط.
وأما الآثار؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، وهذا الحديث أخرجه الشافعي في الأم وغيره. وفي الموطأ أيضاً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة. وهكذا يذكر سليمان بن يسار أن معبد بن خزب المخزومي صرع ببعض الطريق وهو محرم، فسأل من يلي الأمر الذي كان عليه من الناس فوجد عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وكذلك مروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له، فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه ويفتض، فإذا صح اعتمر، يعني إذا فاته الحج فحل من إحرامه، ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي. وهذا الحديث ذكره مالك في الموطأ، وقال في آخره: وعلى هذا الأمر عندنا في من أحصر بغير العدو. وأما دليلهم من المعقول، فقالوا بأن المحصر بالمرض لا يستفيد بالتحلل شيئاً؛ لأنه لا يتخلص به من المرض، بخلاف حصر العدو.
القول الثاني: أن الإحصار يكون بكل حابس، سواء كان ذلك بالعدو أو بالمرض أو بغير ذلك مما يحبسه عن إكمال نسكه. واحتجوا بالكتاب والسنة والقياس؛ أما الكتاب فالآية نفسها، حيث قالوا إن كلمة أحصر أصلاً تطلق على المرض، يعني هي حقيقة في المرض مجاز في العدو؛ إنما يقال أحصره المرض إحصارا من الرباعي، ويقال حصره العدو حصرا من الثلاثي ومنه الحصار، فالأدلة على المرض حقيقة. ويجيب أولئك بأنه يستعمل في العدو أيضاً بدليل الآية إذ هي في حصر العدو.
وأما السنة؛ فما رواه الخمسة من حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل». قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. فهذا الحديث يدل على أن الإحصار ليس خاصاً بالعدو. والجمهور يؤولونه على اشتراط الحل بذلك، يعني على من يشترط كضباعة بنت الزبير؛ لأنه يخالف مذهب ابن عباس الثابت عنه؛ لأن ابن عباس مذهبه أنه لا إحصار إلا حصر العدو، كما قاله عنه الشافعي رحمه الله عليه، ولو كان على ظاهره هذا الحديث لما خالفه ابن عباس. وأما القياس الذي احتجوا به فهو قياس المرض على العدو، يعني احتج به أهل الحنفية.
والخلاصة أن المحصر بسبب الخوف من انتشار مرض كورونا يمكن حمله على أحد الوجهين: إما أن يقاس على المحصر بالعدو، وهو وإن كان الذي منعه ليس عدواً، إلا أن المنع يؤديان نفس المعنى وهو عدم القدرة على إكمال المناسك، فيجوز له حينئذ الإحلال بالاتفاق. ويمكن حمله على الإحصار بالمرض، فعلى قول الجمهور ينتظر محرماً حتى يقدر على إكمال النسك، وعلى قول الحنفية يجوز له التحلل. وعليه، فإذا كان المحصر بهذا السبب يرجو زوال السبب فعليه البقاء على إحرامه، وإلا تحلل ولا شيء عليه، هذا إذا لم يشترط، أما إذا اشترط فله التحلل على كل حال. وإلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري