الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة التي سنتكلم فيها عن مسألة من مسائل النوازل أو المسائل الجديدة، وهي مسألة في باب الحج، وهي أن بعض الدول لا يُسمح فيها بالحج إلا بالاقتراع، فهل يعتبر الذي لا تخرج قرعته غير مستطيع؟
قبل الكلام عن هذه المسألة، سأتكلم عن حكم الاقتراع أو القرعة. القرعة في اللغة مأخوذة من القرع، وأصل معناها الضرب، ومن ذلك قول الشاعر: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته، ومدمن القرع للأبواب أن يلج. وإنما سُميت القرعة بذلك لأنها تحصل بشيء كأنه يُضرب؛ يقال: قارعت فلانًا فقرعت، أي أصابتني القرعة دونه. والقرعة مشروعة باتفاق العلماء، وقد دل على مشروعيتها الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]. والأقلام هي السهام، سُميت أقلامًا لأنها تُبرى كما تُبرى الأقلام.
هذه الآية تشير إلى القصة التي ذكرها جماعة من المفسرين، وهي أنهم يقولون إن أم مريم كانت عابدة، وكان زوجها إمام الناس، وكان قد أسنَّت ولم تُرزق بولد. فبينما هي ذات يوم في ظل شجرة رأت طائرًا يُطعم فرخًا له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله عز وجل أن يهبها ولدًا، والولد يُطلق في اللغة على الذكر والأنثى. فلما حملت نذرت من فرحها بالحمل أن يكون الذي في بطنها محررًا لله، أي محررًا لعبادته لا ينتفع به في شيء من الدنيا. فلما وضعتها فإذا هي أنثى، كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 36].
وكانت ابنة إمامهم هذا الذي توفي قبل ولادتها، فتنازعوا أيهم يكفلها، أي يكون حاضنًا لها. وكان زكريا صلى الله عليه وسلم نبيهم في ذلك الزمان، وكانت أخت مريم زوجةً له عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يستبد بها دونهم، فخاصموا في ذلك، وكلهم كان يبتغي الأجر، وطلبوا أن يقترعوا عليها جميعًا. فاقترعوا فخرجت قرعة زكريا غالبة لهم؛ وذلك أن كلًا منهم ألقى قلمه، ثم وضعوها في موضع وأمروا غلامًا لم يبلغ الحنث، فجاء وأخرج واحدًا منها، فإذا الذي أُخرج قلم زكريا عليه الصلاة والسلام. وقيل إنهم ألقوا هذه الأقلام في النهر، فأي هذه الأقلام جرى على خلاف جَرْي النهر فهو الذي يُعتبر الغالب، فكان قلم زكريا جاريًا على خلاف النهر.
ومن الأدلة على القرعة أيضًا من القرآن قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 139-141]. فقوله: ﴿فَسَاهَمَ﴾ يعني فأقرع، أي ضربوا القرعة بينهم، هكذا يقول ابن عباس. هذه الآية لها قصة ذكرها المفسرون أيضًا، وهي أن الله سبحانه وتعالى بعث يونس عليه الصلاة والسلام إلى أهل نينوى من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله عز وجل فكذبوه وتمردوا عليه وكفروا بالله سبحانه وتعالى. فلما طال ذلك على يونس من عنادهم وكفرهم، خرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بحلول العذاب بعد ثلاث ليال.
فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم، قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على ما كان منهم، فلبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ولجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى وتضرعوا وصرخوا، وصاروا يدعون، وتمسكنوا وبكى الرجال والنساء وبكى الأبناء والبنات، وهكذا الآباء والأمهات، وجأرت الأنعام والدواب. وكانت ساعة مهولة عظيمة، فكشف الله سبحانه وتعالى بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم هذا العذاب الذي كاد أن يقع بهم، حتى كان على رؤوسهم كقطع الليل المظلم. وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [يونس: 98].
أما يونس عليه الصلاة والسلام، فإنه لما ذهب مغاضبًا لقومه ركب سفينة في البحر، وكانت السفينة مملوءة من الناس، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، الفلك السفينة والمشحون الممتلئ. فلجت بهم السفينة واضطربت وكادوا يغرقون، فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة، وذلك ليتخفف الوزن. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس، فلم يسمحوا بذلك، فأعادها مرة ثانية فوقعت عليه، فلم يسمحوا بذلك لأنهم يعتقدون فيه الصلاح والخير، فشمر ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه، ثم أعادوا القرعة مرة ثالثة فوقعت عليه، فألقى بنفسه.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 141-142]. بعث الله سبحانه وتعالى حوتًا عظيمًا فالتقمه، وأمره الله سبحانه وتعالى ألا تأكل له لحمًا ولا تهشم له عظمًا فإنه ليس لك برزق. ولما استقر في جوف الحوت وحسب أنه مات حرك جوارحه فتحركت، فإذا هو حي، فخر ساجدًا لله سبحانه وتعالى. ومكث في بطن الحوت مدة من الزمن اختلف المفسرون فيها، حتى قال بعضهم إنه مكث أربعين يومًا، وقيل إنه سمع تسبيح الحيتان والحصى عندما نزل الحوت إلى قاع البحر. فعند ذلك قال ما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88].
وقوله تبارك وتعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، يعني أن لن نضيق عليه. ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، وهي ظلمات ثلاث: أولها ظلمة البحر، وهي كافية في كونه لا يرى، فقد قال تبارك وتعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40]. والثانية ظلمة الليل، والثالثة ظلمة بطن الحوت. قال تبارك وتعالى: ﴿أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله في الآية الأخرى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144]، يقال إن معنى أنه من المسبحين أنه سبّح في بطن الحوت ودعا الله سبحانه وتعالى، ولولا ذلك للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث. وقيل، وهذا هو الأولى: فلولا أنه كان في السابق من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون.
ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك...» إلى آخر الحديث، وهذا في الترمذي بسند صحيح وفي غير الترمذي أيضًا. ولذلك قال يونس: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، لما قال هذه الكلمة ارتفع هذا الدعاء وأقبلت حتى حفت بالعرش، فقالت الملائكة: يا رب، صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة. قال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قالوا: عبدك يونس. قالوا: يا رب، عبدك يونس الذي لم يزل يُرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة؟ قال: نعم. قالوا: يا رب، أولا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الله سبحانه وتعالى الحوت فطرحه في العراء، وأنبت عليه اليقطينة، وهي شجرة الدباء. الشاهد أن يونس عليه الصلاة والسلام ساهم بمعنى قارع القوم وضربت القرعة بينهم، وإنما ذكرت هذه القصة في الحقيقة طلبًا للملح التي تتعطر بها المجالس.
ومن الأدلة على مشروعية القرعة من السنة ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» والاستهام هو الاقتراع. وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج في سفر أقرع بين نسائه. والحكمة من مشروعية القرعة هي تطييب القلوب ودفع تهمة الميل أو الجور ونحو ذلك، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل.
أما كيفية القرعة، أي كيفية عملها، فللفقهاء في ذلك طريقتان: الطريقة الأولى أن تُكتب أسماء المقترعين في رقاع أو في أوراق، ثم يُختار منها واحدة، فمن ظهر اسمه يكون هو الذي أصابته القرعة. الطريقة الثانية أن تُكتب أجزاء الشيء المقترع عليه أو المقسوم بدلًا من أسماء المقترعين، يعني إذا كان هناك شيء يُقسم تُكتب هذه الأقسام ثم المقترعون هم الذين يختارون، فمن أخذ شيئًا كان ذلك له. لكن هاهنا أمران مهمان لا بد من الانتباه إليهما، الأمر الأول أن القرعة إنما تكون إذا تساوت المصالح، لكني أرجئ هذين الأمرين إلى ما بعد الفاصل بإذن الله سبحانه وتعالى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنتُ أشرت قبل الفاصل لأمرين مهمين لا بد من الانتباه إليهما. الأمر الأول أن القرعة إنما تكون إذا تساوت المصالح أو الحقوق، وذلك دفعًا للضغائن والأحقاد، كمثل قسمة العطايا بين الزوجات أو الأولاد، وقسمة أجزاء الميراث بين الورثة، وهكذا كالقرعة بين الناس في الإمامة وفي الأذان والحضانة ونحو ذلك. هذا إذا تساوى اثنان فأكثر في استحقاق القرعة، وأما إذا تعين صاحب الحق فلا تجوز القرعة عندئذ، كأن يكون أحدهم أولى بالإمامة أو أولى بالأذان أو أولى بالحضانة؛ لأن القرعة حينئذ تكون إضاعة لحق ذي الحق.
الأمر الثاني الذي ينبغي الانتباه إليه أن القرعة لا تكون لاستشراف الغيب أو لاستشراف المستقبل، وكثير من الناس يفعله جهلًا منهم بحرمته، يعني كأن يريد مثلًا عملًا معينًا فيضرب قرعة هل يُقدم عليه أم لا، وهذا في الحقيقة هو عين ما نهى الله عنه من الاستقسام بالأزلام. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ...﴾ وفي آخر الآية: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3]. ومعنى أن تستقسموا بالأزلام أي أن تطلبوا علم ما قُسم لكم أو ما لم يُقسم لكم بالأزلام. والأزلام هي عبارة عن قداح ثلاثة أو أسهم من ثلاثة، واحد مكتوب عليه افعل، والآخر مكتوب عليه لا تفعل، والثالث ليس مكتوب عليه شيء، غُفل. فكان الرجل في الجاهلية إذا أراد سفرًا أو أراد غزوًا أو أراد تجارة أو زواجًا أو أي أمر من الأمور، ضرب بالقداح؛ فإن خرج سهم الأمر أقدم على الفعل، وإن خرج سهم الناهي أمسك عن الفعل، وإن خرج السهم الذي ليس فيه كتابة أعاد الكرة، فسُمي ذلك الفعل استقسامًا بالأزلام.
أن تُقسم لهم كما ذكرت، استشراف المستقبل لا يكون بالقرعة، ولذلك لا يجوز أن يستعمل أحد القرعة لتعيين واحد من أمرين أو واحد من أمور ثلاثة أو أكثر للإقدام عليه، كأن يعمل كما ذكرت قرعة ليقرر هل يتزوج أو لا، أو هل يتزوج الفلانية أو الفلانية، وهل يُقدم على المشروع الفلاني أو الفلاني، كل ذلك يُعتبر من الاستقسام بالأزلام الذي نهانا الله سبحانه وتعالى عنه. وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم عوضًا عن ذلك أمرين: الأمر الأول الاستشارة أو الشورى، وقد ورد فيها آيات وأحاديث، ومنها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، وفضل الشورى ذكره الله وذكره النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي مأمور بالاستشارة مع أن الله يوحي إليه، وما ذلك إلا لما فيها من الفضل.
ولتستمر في الشورى من القرآن أيضًا قوله سبحانه وتعالى كما ذكرت: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، حيث مدح أهل الإيمان بوصفهم بأن أمرهم شورى، وذلك فيما يختص بالأمر العام كما هو معلوم، بل إن الله جعل وصفه لهم بالشورى بين فرضين عظيمين هما الصلاة والزكاة، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ * ثُمَّ قَالَ: وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ * وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى: 38]. فجعل الشورى بين الصلاة وبين الزكاة.
وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستشير أصحابه في الأمور العامة، ويستشير أقرب الناس إليه في الأمور الخاصة. حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في طلب أبي سفيان وبلغ وادي ذفران، نزل عليه جبريل فأخبره بأن قريشًا خرجت ليمنعوا العير، فاستشار أصحابه في لقاء قريش في المعركة. فقام أبو بكر فأحسن الكلام، وقام عمر، ثم قام المقداد بن عمرو فقال وأحسن، ويقول ابن مسعود كما في صحيح البخاري: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عُدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين يُحرض الناس فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد أشرق وجهه وسره قول المقداد رضي الله عنهم. وفي بعض الروايات قال: فوالذي بعثك بالحق، لو سِرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «أشيروا عليَّ»، وكان يريد الأنصار، وكان الأنصار هم العدد الأكبر وليس المهاجرون. والنبي صلى الله عليه وسلم كان حين بايعوه بالعقبة كانوا يقولون: إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنع مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إذا خرج من...
المدينة، فعند ذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: «أشيروا علي»، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «نعم». قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك.
فعند ذلك سُر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «سيروا على بركة الله»، وكان يقول: «سيروا وأبشروا، فإن الله سبحانه وتعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أرى مصارع القوم». وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومة المغازي: واستنفر النفير صخرٌ لهم وجاء خير مرسلٍ بالهم فأخبر الناس بهم ممتحناً فقال سعدٌ ما رأى وأحسنا وكان من روية المقداد أن رضي السير إلى الغماد
وأما استشارته الخاصة عليه الصلاة والسلام لأصحابه المقربين، ففي أمور كثيرة؛ منها استشارته لابن عمه علي بن أبي طالب ولمؤتمنه أسامة بن زيد في قصة الإفك حين اتهمت زوجته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت عائشة: فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لأهله، فقال: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. والقصة مشهورة، ونزلت فيها سورة النور، وهي سورة ينبغي في الحقيقة لكل أهل بيت قراءتها وتدبرها.
الأمر الثاني الذي سنه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الاستخارة؛ ففي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به»، ويسمي حاجته. هذان الأمران اللذان سنهما النبي عليه الصلاة والسلام بدلاً من القرعة لاستشراف الغيب أو لاستشراف المستقبل.
هذا الذي تقدم إنما هو استطراد لبيان مشروعية القرعة، وأنها لا تكون لاستشراف الغيب كما ذكرت، وأن السنة في الأمر إما الاستخارة وإما الاستشارة، وأما القرعة فإنما تكون إذا تساوت الحقوق كتقسيم العطايا ونحو ذلك. وبناءً على ما تقدم فإنه يجوز للدولة اللجوء إلى تطبيق نظام القرعة بين الراغبين في أداء فريضة الحج إذا زاد عددهم عن الحصة المخصصة لذلك البلد، وذلك تعيين لصاحب الحق عند تساوي الحقوق بينهم.
ومن لم تخرج قرعته فإنه لا يعد مستطيعاً بنفسه في تلك السنة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لكنه يعد مستطيعاً بماله؛ فلو مات وجب إخراج حجة عنه من ماله قبل قسمة الميراث كما يجب إخراج الدين. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل أن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري