الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة التي سأتكلم فيها بإذن الله عن حكم إثبات دخول شهر رمضان أو غيره من الشهور باستخدام التكنولوجيا والتطور العلمي المتعلق بالحساب الفلكي.
هذه مسألة مهمة كثيرا ما يجري الحديث عنها، وكثيرا ما يقع الخلاف بين الناس في حكم إثبات دخول شهر رمضان بين معارض لذلك إذا كان بالوسائل الحديثة، أو مؤيد لها. وذلك في الحقيقة يتكرر كل سنة تقريبا، بل ويتكرر اختلاف الناس حسب البلدان والأقطار المختلفة في تعيين بداية شهر رمضان.
يترتب على ذلك بعض المسائل الفقهية، كمن صام في بلد وانتقل إلى بلد آخر يختلف في بداية الصوم عن ذلك البلد الذي انتقل منه. والذي عليه أهل العلم أنه يتبع البلد الذي انتقل إليه في فطره وفي صومه، وله في ذلك ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول أن يكون صيامه 29 يوما أو 30 يوما، فإذا كان ذلك كذلك فإنه يجزئه؛ لأن الشهر تارة يكون 30 وتارة يكون 29. الاحتمال الثاني أن يكون صيامه أكثر من 30 يوما، وهذا أيضا لا شيء عليه؛ لأنه أدى ما عليه من الفرض. والاحتمال الثالث أن يكون صيامه أقل من 29 يوما، فعليه عند ذلك قضاء ما نقص عن هذا العدد من الأيام؛ لأن الشهر الهلالي لا يكون إلا 29 يوما أو 30 يوما.
الشاهد أن الاختلاف بين البلدان في إثبات الشهر يترتب عليه أحكام، وكثيرا ما نجد من الناس -لا سيما العوام أو بعض المتعلمين أو المثقفين- من يجعل اللوم على أهل الدين ويصفهم بالتخلف، وأن العلم تطور والناس وصلوا إلى القمر بينما ما زال أهل الدين يتراءون الهلال لإثبات الشهر ونحو ذلك من العبارات. وأحيانا نجد بعضهم يتهكم باعتماد الناس في تحديد أوقات الصلوات على التكنولوجيا والحسابات الفلكية الدقيقة الموجودة في التقاويم، بينما لا يعتمدون على ذلك في إثبات الشهر، مع أن الصلاة ركن أهم من الصيام؛ فهو الركن الأول من الأركان العملية.
وقبل الخوض في بيان حقائق هذه الأمور، لا بد من مقدمة أبين فيها بعض المسائل المهمة. المسألة الأولى في طرق إثبات الهلال عند أهل العلم، هناك من الطرق الرؤية بالعين، وهي الأصل؛ وذلك لأحاديث كثيرة، من ضمن هذه الأحاديث حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له». وهذا الحديث في الصحيحين.
ويدخل في معنى رؤية الهلال العلم بالرؤية، فليس المقصود بالرؤية أن يرى كل أحد، بل يكفي أن يراه بعضهم ويعلم الآخرين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]. فإن المراد بشهود الشهر هنا الحضور أو العلم به لا رؤيته، ومنه قولهم: شهد فلان بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وحضور الشهر يقتضي العلم بهذا الشهر، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18].
وهذه الطريقة -طريقة الرؤية- هي محل اتفاق بين العلماء، إلا أنهم اختلفوا في الرؤية المعتبرة، فكان خلافهم في ذلك على ثلاثة أقوال. القول الأول أنه يثبت دخول شهر رمضان برؤية عدل واحد، وهذا هو مذهب الشافعية والحنابله، واحتجوا في ذلك بحديث في السنن الأربعة من حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إني رأيت الهلال -يعني هلال رمضان-. فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟» قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «يا بلال، أذن في الناس فليصم غدا».
وهذا الحديث رواه جماعة من رواة الحديث عن سماك بن حرب عن عكرمه عن ابن عباس، وخالفهم جماعة آخرون والمخالف أكثر، ومنهم الثوري رحمه الله عليه، وهو من أوثق الناس في سماك حيث رواه عن سماك مرسلاً -يعني بإسقاط الصحابي-، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك هذا الحديث مرسلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام. ورواية من أرسله أرجح من رواية من وصله لأمرين: أن رواية الإرسال لا يرغب فيها عند الناس أو عند الرواة فمن روى المرسل لا شك أنه متثبت، والثاني أن سماك بن حرب كان يتلقن بآخر عمره، وكان الثوري ممن روى عنه قبل التلقين، ولذلك كانت رواية الإرسال أرجح من رواية الاتصال، فمعناه أن هذا الحديث فيه ضعف.
أيضاً احتجوا بحديث في سنن أبي داود من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه، وهذا الحديث تفرد به رجل من الثقات اسمه مروان بن محمد الطاطري، لكنه متأخر جداً فتفرده يعتبر تفرداً شديداً، وأكثر أهل العلم لا يقبل مثل هذا التفرد. أيضاً استدلوا بالعقل، وهو أن الصيام عبادة والعبادة يحتاط لها، فيقبل فيها شهادة واحد. هذا هو القول الأول وهذا ما احتج به أصحابه.
القول الثاني هو قول المالكية، قالوا بأنه لا يثبت هلال شهر رمضان إلا برؤية عدلين كسائر الشهور، وقد وافقهم الحنابلة في بقية الشهور، فلا يثبت دخولها إلا بشهادة رجلين. احتج أصحاب هذا القول بما رواه أبو داود في سننه من حديث حسين بن الحارث الجدلي أن أمير مكة خطب ثم قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما. وهذا الحديث صححه الدارقطني، لكن دلالة هذا الحديث إنما هي بالمفهوم، بمعنى أنه أثبت دخول الشهر بشهادة عدلين لكنه لم ينف إثبات دخوله بشهادة عدل واحد إلا بمفهوم المخالفة، وقد اعتبرت الأحاديث السابقة بتعدد طرقها أحاديث قوية، وهي أثبتت أن هناك شاهداً واحداً يمكن قبول شهادته. احتجوا أيضاً بالعقل، وهو أن شهادة الرؤية هي شهادة على رؤية فأشبهت سائر الشهور.
القول الثالث هو قول الحنفية، وهو أن دخول شهر رمضان لا يثبت إلا بشهادة جمع؛ لا يكفي حتى شاهدان وإنما لا بد من جماعة، وهذا إذا كانت السماء مصحية بمعنى ليس فيها غيم، وأما إذا كان فيها غيم فيكتفون بشهادة واحد. وحجتهم في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وحملوا ذلك على أن المراد به الجماعة إذا كانوا في مصر وكان الجو صحواً؛ لأنه لا يجوز أن ينظر الناس إلى مكان الهلال أو مطلع الهلال بأبصارهم ولا يراه منهم إلا واحد، فهذا من الأمور المستبعدة. ولذلك قالوا بأنه لا بد من رواية جمع، وحملوا بعض الأحاديث التي فيها شهادة الواحد على أن المقصود بها إذا كان هناك غيم في السماء.
من فروع هذه المسألة المبنية عليها استعمال الآلات الحديثة لرؤية الهلال، يعني مكبرات الرؤية، والذي عليه أهل العلم اليوم أن الرؤية معتبرة سواء كانت بالعين المجردة أم بالآلات المكبرة ما دام عملها ينحصر في مجرد تكبير الهلال. وأما الآلات التي تستخدم فيها الأشعة أو يتجاوز عملها تكبير حجم الهلال كالآلات التي تمكن الناظر من رؤية الهلال حتى ولو غاب قبل الشمس، فإن هذه الرؤية لا يعتد بها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما الطريقة الثانية التي يثبت بها دخول شهر رمضان فهي إكمال عدة شهر شعبان 30 يوما، وذلك إذا لم يروا هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان، وفي ذلك عدة أحاديث منها حديث أبي هريرة في الصحيحين وفيه: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». فظاهر هذا الحديث أن الهلال إذا حجبه حاجب من غيم ونحوه أنه يعتبر كأنه لم ير، فيجعل الشهر المنصرم 30 يوما، وهذا الذي عليه جماهير أهل العلم.
أما الحنابلة فذهبوا إلى أن إكمال العدة إذا لم ير ما لم يكن ثم غيم، فإن كان هناك غيم فحينئذ يجعل شعبان 29 يوماً بناءً على حديث ابن عمر؛ لأن ابن عمر في حديثه: «فإن أغمي عليكم فاقدروا له»، فإن معنى «فاقدروا له» عندهم أي ضيقوا له العدد من قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضيق عليه، والتضييق له أن يجعل شعبان 29 يوماً، وقد فسره ابن عمر بذلك وهو راوي الحديث. ففي سنن أبي داود بسند صحيح: كان ابن عمر إذا كان شعبان 29 يوماً نظر له، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، فإن حال دونه سحاب أصبح صائماً. هذه هي الطريقة الثانية، نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكرنا قبل الفاصل طريقتين لأهل العلم في إثبات الشهر وهي الرؤية وإكمال العدد، وأما الطريقة الثالثة وهي اعتماد الحساب الفلكي، فهذه الطريقة في الحقيقة لم يقل بها أحد من الفقهاء السابقين، بل أجمعوا على عدم اعتمادها، وقد نقل الإجماع في ذلك عدد من أهل العلم.
لكن نسبت هذه الطريقة لبعض القدماء في حالة الغيم إذا أغمي عليهم الهلال، حكي ذلك عن مطرف بن عبد الله بن الشخير وعن ابن قتيبة، لكن الحافظ بن عبد البر -الحافظ المغربي- ينكر هذه النسبة إلى مطرف بن عبد الله بن الشخير، ويذكر أنه لم يتعلق أحد من الفقهاء باعتبار المنازل في ذلك، ثم نقل عن ابن قتيبة قوله به لكنه رده لشذوذه ومخالفته لأهل العلم حتى إنه قال: وليس هذا من شأن ابن قتيبة ولا هو ممن يعرج عليه في هذا الباب. ومما يبطل القول بهذه الطريقة أن التكليف بمثلها فيه تضييق على الناس؛ لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد معدودون، والشرع إنما يكلف الناس بما يعرفه الجماهير. ومما تقدم يتبين أنه لم يذهب أحد من الفقهاء المعتبرين إلى اعتماد الحساب الفلكي ومنازل الشمس والقمر في إثبات دخول شهر رمضان، وإنما ذلك شيء روي عن بعض أهل العلم ولا يثبت عنهم كما ذكرت.
والمراد بالمطالع في إثبات دخول الشهر: قبل ذكر الخلاف في المطالع لا بد من تحرير موضع النزاع وهو أنه لا خلاف بين العلماء في وجود اختلاف بين المطالع، هذا في الحقيقة أمر محسوس مشاهد، كما أن الشمس لها مطالع مختلفة بحسب البلدان فكذلك القمر، وكذلك لا خلاف بين العلماء في أن المطالع لها تأثير في الرؤية خصوصاً إذا كانت البلدان متباعدة جداً. فقد نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، ومثل بخراسان والأندلس، فإذا رأى أهل الأندلس مثلاً الهلال لم تكن رؤيتهم رؤية لأهل خراسان، وهذا بإجماع العلماء كما ذكر ابن عبد البر.
وإنما الخلاف في البلدان المتقاربة أو التي ليست متباعدة جداً، والعلماء في اعتبار المطالع هنا على قولين: القول الأول أنه لا اعتبار باختلاف المطالع بين البلدان المتقاربة، فإذا ثبتت رؤية هلال رمضان في بلد وجب الصيام على سائر البلدان ما لم تكن بعيدة جداً كما ذكرت، واستدل الجمهور بالأحاديث الكثيرة التي فيها: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وهذا أمر عام لا يوجد له مخصص، وقد ثبتت الرؤية في مكان فوجب صيامه على الجميع.
القول الثاني أن اختلاف المطالع أمر معتبر، وإن لكل بلد رؤيته، وهذا القول هو قول الشافعية، واحتجوا فيه بحديث كريب مولى ابن عباس، وذلك أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى الشام إلى معاوية رضي الله عنه، فقدم الشام فلم لما قضى حاجته واستهل عليه رمضان وهو في الشام رأى الهلال ليلة الجمعة، ثم قدم المدينة وذلك في آخر الشهر، فسأله ابن عباس رضي الله عنهما فذكر أنه رأى الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقال: رأيناه ليلة الجمعة. فقال ابن عباس: أنت رأيته؟ قال: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت -يعني بعدهم بليلة- فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقال له كريب: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقصد: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وهذا الحديث في صحيح مسلم.
الخلاف في هذه المسألة بين الفقهاء يسير؛ فإنهم متفقون على أن رؤية البلد رؤية للبلدان المشابهة لها في المطلع، وكذلك للبلد الذي يكون من جهة الغرب من باب أولى؛ وذلك لأن الهلال كلما اتجهنا إلى الغرب كلما تأخر عن الشمس وبان، واتضحت رؤيته أكثر؛ لأن القمر أبطأ من الشمس، فكلما تأخر وقت الغروب كلما سبقته الشمس إلى الغروب وانفصل هو عنها أكثر فأكثر. ففي البلدان المشرقية إذا كان الهلال لا يرى بسبب وجوده قريباً من شعاع الشمس، فإنه مع دوران الأرض إلى جهة المشرق يذهب هو والشمس إلى جهة المغرب.
الجهة الغربية والشمس ثابتة كما يقول أهل العلم، والقمر يتحرك نحو المشرق أيضاً؛ فبالتالي يبدو كأنه يتأخر عن الشمس شيئاً فشيئاً، ولذلك كل يوم نراه أوضح من اليوم الآخر. فما تصل الشمس إلى أفق المغرب إلا وقد خرج الهلال عن شعاع الشمس، فيراه أهل المغرب ولا يراه أهل المشرق.
ويمكن إجمال بعض الحقائق المترتبة على ما تقدم بشكل مختصر أن نقول: الأول أن اختلاف المطالع، يعني مطالع القمر، أمر ثابت بالإجماع لا خلاف فيه، فلا إشكال إذا اختلفت بداية الشهر من قطر إلى قطر، كما تختلف بدايات ساعات الأيام من قطر إلى قطر. مثلاً إذا طلع الفجر في بلد من الأرض في ساعة معينة، لم يكن طلوعه في ذلك البلد هو طلوع في بلد آخر، بل في بلد آخر سيكون في ساعة أخرى وليس في ذلك إشكال؛ وذلك لما علمه الناس من أن الشمس تختلف مطالعها بحسب البلدان. بل إنه قد تغيب الشمس في بلد وهي لم تظهر بعد في بلد آخر، أي لم تشرق لنفس اليوم، وذلك لبعد ما بين البلدين. فإذا كان ذلك مقبولاً عند الناس ومفهوماً من حال هذه الأفلاك، فينبغي أن يكون اختلاف بداية شهر رمضان بحسب اختلاف البلدان أمراً مقبولاً ومفهوماً للسبب ذاته وهو اختلاف المطالع.
فإذا رؤي الهلال مثلاً في أمريكا عند غروب الشمس يوم الاثنين، فهذا يعني أن يوم الثلاثاء هو أول يوم من أيام رمضان عندهم. وفي الساعة التي رأوا فيها الهلال، ستكون شمس يوم الثلاثاء في أستراليا قد أشرقت، وإن القمر غاب قبل ذلك، وهذا يعني أن بداية رمضان عندهم هو يوم الأربعاء لاختلاف مطالع القمر كما ذكرت. وعليه فالمسألة راجعة إلى اختلاف المطالع، ولا يمكن بحال توحيد بداية شهر رمضان في أي يوم معين، كما لا يمكن توحيد بداية ساعات الأيام في يوم معين أو في ساعة معينة؛ فإن صورة المسألتين واحدة، إلا أن الشمس تظهر كل يوم ويكون الاختلاف بين البلدان في ساعات الظهور واضح ومعتاد للناس، بينما ظهور الهلال إنما هو كل شهر، ويكون الاختلاف بين البلدان في أيام الظهور فقط.
الأمر الثاني أن الاعتماد على الحساب الفلكي، علاوة على أنه باطل وخلاف للسنة في إثبات الشهر، فإنه لا يمكن أن يجعل معتمداً في بداية شهر واحدة، لا يمكن به أن يتحد الشهر؛ لأنه إما أن يعتمد في تعيين بداية الشهر على ولادة الهلال وهو ما يسمى بالاقتران، حين تكون الهلال والشمس والأرض على سمت واحد، أو يكون على إمكانية رؤية الهلال بعد مغيب الشمس، وكلا الأمرين لا يمكن أن يتحد بداية الشهر فيها، ولا يمنع ذلك الاختلاف الذي يقع بالرؤية. فلو اعتبرنا مثلاً الاقتران هو بداية الشهر، فإن وقت الاقتران محدد في ساعة معينة في جميع العالم، لكن تلك الساعة التي يقع فيها الاقتران ستكون في بلد من البلدان في الليل، وفي بلد آخر في النهار. ممكن نمثل مثلاً أمريكا وأستراليا؛ إذا كان الاقتران وقع الساعة السابعة مساءً من يوم الاثنين في أمريكا، فإن الساعة في ذلك الوقت بالنسبة لأستراليا هي العاشرة صباحاً من يوم الثلاثاء، وبالتالي سيكون بداية رمضان في أمريكا لو قلنا بالاقتران يوم الثلاثاء، وفي أستراليا يوم الأربعاء. وهكذا يقال بالنسبة لاعتماد إمكان الرؤية، على أن اعتماد إمكان الرؤية غير الرؤية، وأنها ممكنة يعتبر تحكماً لا وجه له؛ لأن إمكان الرؤية برؤية من قد يكون من الناس من هو رؤيته أشد وأقوى من آخرين.
بقيت عندنا مسألة واحدة، وهي الفرق بين أوقات الصلوات ووقت الصيام؛ حيث يعتمد الناس في أوقات الصلوات على التقاويم والتكنولوجيا، بينما لا يعتمدون في الشهر على ذلك أو في إثبات رمضان على ذلك. والحقيقة أن الفرق بينه بعض العلماء قديم، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى علق أوقات الصلوات بالسبب بطلوع الفجر بزوال الشمس، يعني بحركة الأفلاك، وبالتالي إذا علمنا حركة الفلك بدون رؤية وصل إلينا ذلك العلم فهذا كافٍ. وأما دخول الشهر فقد علقها النبي ﷺ برؤية الهلال، ولا يمكن رؤيته إلا بانفصال ذلك الهلال عن الشمس، فلم يعلقها بالانفصال وإنما علقها بالرؤية، ولذلك لا يمكن إثبات الشهر إلا بالرؤية. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري