مسألة من المسائل الكبرى في باب التيمم، ويترتب على الخلاف فيها خلاف في عدة مسائل ستمر معنا في هذا الباب، وهي: هل التيمم رافع للحدث، أو مبيح لفعل ما يمتنع منه المحدث؟ هذه مسألة كبيرة، وهي من مهمات مسائل باب التيمم. وكما قلنا يترتب على الخلاف فيها خلاف في عدة مسائل ذكرها المؤلف رحمه الله مفرقة في هذا الباب.
سنذكرها الآن إجمالاً ثم نشرحها في مواضعها. في مشهور مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى أن التيمم مبيح لا رافع، وهذا نص عليه المؤلف، وين؟ سبق معنا من يذكره هنا تعليلاً لبعض المسائل؟ لكن نص على أن التيمم مبيح لا رافع في باب المياه، أحسنت؛ قوله: الماء الطهور لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث الطارئ غيره، ذكر أن التيمم مبيح لا رافع قال: لا يقال كيف لا يرفع هذا غير الماء الطهور وعندنا التيمم؟ فذكر أن التيمم مباح.
فالمشهور كما قلنا مذهب الحنابلة رحمه الله تعالى أن التيمم مبيح لا رافع للحدث، ويستدلون بأحاديث وآثار عن الصحابة؛ منها مثلاً حديث أبي ذر: وإن لم تجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فتقي الله وليمسه بشرته، قالوا: ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده. وأيضاً في أثر عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن أصحابه في غزوة السلاسل كان جنباً فتيمم لشدة البرد خشى على نفسه الهلاك، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فسماه جنباً مع علمه بأنه تيمم للبرد.
وأيضاً قالوا: يوجد عدة آثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أنه يتيمم لوقت كل صلاة، ورد عن علي وعمرو بن العاص وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يُعرف لهم من الصحابة مخالف إلا رواية عن ابن عباس المشهور عنه خلافها. فهذه أدلتهم على أن التيمم مبيح لا رافع.
وهناك قول ثاني في المسألة وهو أن التيمم رافع للحدث رفعاً مؤقتاً، يعني في وقت تعذر استعمال الماء، فإذا قَدَر على استعمال الماء بحصوله عليه أو ببرئه فإنه يبطل التيمم. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام رحمه الله وغيره.
وعندهم عدد من الأدلة؛ منها قوله تعالى في آية الوضوء كما ذكر التيمم طيباً قال في آخر الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، سمى التيمم تطهيراً. وأيضاً في قوله صلى الله عليه وسلم: «جُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، وأيضاً الصعيد الطيب طهور المسلم، ومثل قوله: «التراب كافيك»، وغيرها. فهذه تدل على أن التراب والتيمم رافع للحدث، لكنه رفع مؤقت.
طبعاً أصل المسألة هل هو مبيح ولا رافع؟ ترى مسألة نظرية، بمعنى أن كلا القولين يكونون لو صلى بالتيمم صلاته صحيحة، لكن الخلاف في الآثار المترتبة على هذا.
من المسائل التي تترتب على الخلاف: إذا قلنا إنه مبيح فإنه يشترط له دخول الوقت، يعني لا يتيمم إلا بعد دخول الوقت كما سيأتي بعد قليل، إذا جاء بتيمم لصلاة الظهر لابد أن يكون بعد دخول وقت صلاة الظهر، مثل صليت من صلاة الضحى، صلى الضحى وبقي على طهارته، يوم جاء أذان الظهر قال: خلاص بصلي ببتيمم جديد، أقول: لا، التيمم مبيح لا رافع.
القول الثاني الذي يقول: رافع للحدث، يقولون: لا يشترط دخول الوقت. أيضاً يبطل بخروج الوقت، إذا تيمم مثلاً لصلاة الظهر وبقي على تيممه لم يُحدث فإنه يبطل، لابد أن يتيمم لصلاة العصر. طبعاً هذه ممكن نمثل لها يعني أحياناً هنا لصلاة العصر هنا دخل وقت، لكن إذا تيمم لصلاة الفجر ثم خرج وقت صلاة الفجر بطلوع الشمس، بعد ارتفاع الشمس أراد أن يصلي الضحى، نقول: خلاص، خرج وقت صلاة الفجر فلا بد أن تتيمم مرة أخرى.
أيضاً تعيين ما يتيمم له، يعني إذا قلنا إنه مبيح يقولون: يريد أن يتيمم لصلاة، يعين أنه يتيمم ليطوف، وهكذا. أما على القول بأنه رافع فيقول: لا يشترط ذلك، لا يشترط ذلك. أيضاً إذا تيمم للشيء لا يستبيح به ما فوقه، إذا تيمم ليصلي الضحى أو ليصلي قلنا راتبة الفجر، تيمم ليصلي راتبة الفجر فيكون لا يصلي به الفجر؛ لأنه تيمم للنافلة فلا يصلي به فريضة. أما بالعكس، إذا تيمم لفريضة فإنه يصلي به نافلة. أما إذا قلنا إنه رافع للحدث فيقول: لا، يصلي به فريضة وما شاء وما شاء.
أيضاً في النية؛ إذا قلنا إنه مبيح فإنه لا ينوي رفع الحدث بل ينوي الاستباحة، فإذا نوى رفع الحدث يقول: لا يرتفع؛ لأنه لا يرتفع الحدث إلا بالماء الطهور. أما على القول بأنه رافع فإنه يجزئه نية رفع الحدث.
وأيضاً لابد من رفع الحدثين، لابد من نية رفع إذا كان التيمم مثل حدث أكبر، وأيضاً موجبات الحدث الأكبر توجب الوضوء، فيكون ينوي بتيممه لابد من نية استباحة ما يمتنع منه المحدث حدثاً أكبر وأصغر. أما على إذا قلنا إنه رافع فإذا يقولون: إذا أطلق، إذا نوى رفع الحدث وأطلق؛ لأنه نوى رفع الحدث وأطلق فإنه يرتفع الحدثان، مثل الوضوء أو مثل الغسل، لأنه رفع الحدث فإنه يرتفع الحدث. وقيل: ولو نوى الأكبر فقط، كم غسل؟ الغسل بعض الفقهاء وهو يعني قول مشهور أنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط فإنه يرتفع الحدث الأكبر والأصغر، والتيمم مثله.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان