الحنابلة رحمهم الله تعالى؛ لأجل أن تعرف اتجاههم في أو مقصودهم بالإسراف وأحكام الإسراف، لابد أن تستقرئ مواضع كلامهم على الإسراف في أبواب الفقه، فهم يتكلمون يشيرون إليه إشارة هنا في هذا الباب، ويشيرون إليه في الكلام على اللباس، عند شروط الصلاة في شروط ستر العورة في شرط ستر العورة. وأيضًا يتكلمون عليه ويطيلون فيه، يفصلون فيه أكثر في باب الحجر، في باب الحجر عند الكلام على السفه. وأيضًا في أبواب الأطعمة أو آداب الأكل والشرب، مثل البهوتي رحمه الله في الروض ذكر آداب الأكل والشرب في كتاب النكاح بعد باب وليمة العرس ذكر تتمة في آداب الأكل والشرب.
فتجمع كلام الفقهاء رحمهم الله، أقصد الحنابلة رحمهم الله تعالى، في الإسراف في مظانه، والفقه كما قيل معرفة المظان، فتستقرئ كلامهم في ذلك. المشهور عند فقهائنا الحنابلة رحمهم الله تعالى كراهية الإسراف في المباحات، كراهية الإسراف في المباحات لا تحريم، وهم يفرقون أو بعضهم يفرق بين الإسراف والتبذير، بين الإسراف والتبذير، وقد أشار إلى هذا الفرق الحجاوي في حاشيته، حاشيته على الإقناع. والظاهر أنها هي غريب لغة الإقناع كما استظهرها الشيخ عبد الرحمن السعدي في كتابه عن الشيخ الحجاوي وزاد المستقنع، استظهر أن حاشيته على الإقناع هي المسماة غريب لغة الإقناع، بدليل أن غالب نقولات البهوتي عنها في مسائل لغوية.
الحجاوي في حاشيته قال: الإسراف صرف الشيء فيما لا ينبغي زائدًا عما ينبغي، والتبذير صرف الشيء فيما لا ينبغي. يعني أن الإسراف هو تجاوز الحد في المباح، والتبذير هو صرفه في الحرام. فالفقهاء رحمهم الله تعالى، أقصد الحنابلة، المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن الزيادة على الحد المباح يرونه من الإسراف المكروه، أما صرفه في الحرام فيرونه من التبذير المحرم. ولذلك هنا زاد على الحد المشروع فيعتبر إسرافا مكروها. وشيخ الإسلام رحمه الله لا يرى أن الزيادة على الحد المشروع في المباح، يرى أنه من العدوان المحرم كما ذكره في الفتاوى.
ابن مفلح رحمه الله في باب الحجر في الفروع نقل عن ابن عقيل وغيره أن ظاهر كلام أحمد رحمه الله أن التبذير والإسراف الممنوع ما أخرجه في الحرام، أخرجه في الحرام. فقد قال رحمه الله: لو أن الدنيا لقمة ووضعها الرجل في في أخيه لم يكن إسراف، لم يكن إسراف؛ لأن هذا تصرف في ماله المباح فليس إسرافا. ومن يرى والسبب قول الإمام أحمد رحمه الله هذا أن أحد أصحابه وهو رزق الله الكلوذاني دعاه، دعاه إلى بيته ومعه يحيى بن معين وأبو خيثمة وغيره، فقدم لهم، قدم لهم نوع من الحلوى، الظاهر الفالوذج، وكانت قيمته ثلاثين درهما أو تزيد، فقال أبو خيثمة: هذا إسراف! فالإمام أحمد قال: لا، ليس إسراف. ثم قال هذه الجملة: لو أن الدنيا لقمة ووضعها الرجل في في أخيه لم يكن، لم يكن إسراف. فوافقه، فوافقه يحيى بن معين على ذلك قال: صدقت يا أبا عبد الله.
ابن مفلح رحمه الله أيضًا في الآداب الشرعية لما تكلم عن التخمة في الأكل وحكمها، ذكر أنه قد يستدل لعدم التحريم، يعني لعدم تحريم الإسراف يعني للكراهة التي يراها الفقهاء، بعموم القرآن وإطلاقه من غير نظر للسبب، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] إلى آخره. وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93]، فدل على أن هذه ليست محرمة، يعني استعمال الشيء في المباح أصلاً ثم الزيادة فيه يرون أنها ليست محرمة، وإنما إذا خرجت، تخرج إلى الكراهة؛ لأن الآية قل من حرم زينة الله. وربما يقال أنها تخرج إلى التحريم إذا تسبب ذلك في ضرر غيره، كما لو صرف الفقير ماله إلى المباحات وأضر بالنفقة على من تحت يده، فإن هذا يخرج من الكراهة إلى التحريم، وقد نص عليه بعض الحنابلة رحمهم الله تعالى.
وكذلك يحرم إذا كان تصرفًا في مال غيره تصرفًا بماله. ولذلك الشيخ مرعي رحمه الله في الإقناع لما تكلم عن الإسراف في موضوع قال: ويتجه التحريم إذا كان موقوفًا، إذا كان الماء موقوفًا فإنه يحرم فيه الإسراف. لماذا؟ الماء أوقف للوضوء المشروع فاستعمله في غير ما شرع له، فقال: يتجه التحريم هنا.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان