العمرة، ففيها خلاف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكمها، إن الحج لا خلاف في وجوبه، العمرة هي التي فيها خلاف، والمؤلف رحمه الله تعالى قال: وهما واجبان، يعني الحج والعمرة، فالعمرة واجبة على الصحيح من مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى، فيرون أنها تجب في العمر مرة كالحج.
واستدلوا، المؤلف رحمه الله تعالى ذكر الدليلين: أول الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، قالوا: قورنت العمرة بالحج، ولما كان الحج واجبا كانت العمرة واجبة مثله، كما ذكره بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى، وقالوا أيضا: مقتضى الأمر للوجوب.
لكن الاستدلال بهذا الدليل على وجوب العمرة فيه نبات، لأن المأمور به في الآية الإتمام إذا شرع فيها من الابتداء، وهذا لا إشكال فيه، وإنما خلاف العلماء رحمهم الله تعالى يعني إذا شرع في العمرة طاف مثلاً، أحرم وطاف، فهنا نقول يجب عليه إتمام العمرة، وهذا بنص الآية.
لكن إذا كان من أول الأمر لم يعتمر قط، فهل نقول يجب علينا العمرة بدلالة هذه الآية؟ أقول: هذه الآية الاستدلال بها فيه نظر.
المؤلف رحمه الله تعالى استدل بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: هل على النساء من جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»، وعليهم، هذا تدل على الوجوب، قالوا: فدل على وجوب الحج والعمرة، وإذا ثبت هذا في النساء فالرجال من باب أولى.
وهذا الحديث جاء أصله في البخاري لكنه بلفظ مختلف فيه، ولكن بلفظ: «أفضل الجهاد حج مبرور» أو «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» ولم تذكر فيه العمرة.
الإمام أحمد رحمه الله تعالى استدل أو احتج على وجوب العمرة بحديث أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أسيراً شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، فقال: «حج عن أبيك واعتمر»، وهذا عند أهل السنن، وقال الترمذي: حسن.
واحتج الإمام أحمد رحمه الله تعالى أيضا بأنه ثبت القول بوجوبها عن عدد من الصحابة ابن عباس وابن عمر، وعلق البخاري رحمه الله تعالى الأثر عنهما في صحيح صلة الجزم، ووصلها ابن أبي شيبة وغيره، وذكر الموفق أنه مروي كذلك عن عمر وزيد بن ثابت، ثم قال بعد ذلك: وهو مروي عن وجوب العمرة مروي عمن سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم نعلمه إلا ابن مسعود على خلاف.
إذاً فهذا قول الحنابلة رحمهم الله تعالى في وجوب العمرة ودليلهم ودليل مناقشة بعض الأدلة، أول المسألة فيها خلاف كما سبق، العمرة طيب، إذا قلنا إنها واجبة، هل هي واجبة على المكي وغيره أو واجبة على غير المكي؟
المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن العمرة واجبة على المكي وغيره لعموم الأدلة السابقة، وفي المذهب خلاف هناك من الأصحاب من قال: الإمام أحمد رحمه الله تعالى ما نقل عنه من أن عمرتها مستحبة أن هذا محمول على المكي.
فقال الإمام أحمد: لا يوجب عليهم العمرة رواية واحدة، هذا قاله بعض الأصحاب، هذا بناء على ما اختاره الموفق وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، طبعا على أن العمرة تجب كالحج، أقصد تجب كالحج وعلى المكي وغيره.
وعلى القول بوجوبها، ينبغي أنها تجب في العمر مرة، ولا تجب أكثر من مرة، طبعا هذا بالأصل، لكنها قد تجب بسبب من المكلف، كما إذا أفسد نسكه فيجب عليه القضاء، أو إذا نذر أن يعتمر فيجب عليه لحوقاً بالنذر.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان