بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد؛ أحب أن أوقف وقفة مع خبر وفاة سماحة المفتي رحمه الله تعالى. العبرة التي تستلهم من سيرته رحمه الله كثيرة، لكن من أوضحها وأظهرها تعلقه رحمه الله بالعلم. قد كان متعلقا به إلى آخر لحظات حياته رحمه الله تعالى.
نقرا في سير الأولين من العلماء السابقين أن منهم من يباحث في مسألة وهو على فراش الاحتضار، والشيخ رحمه الله استمرت دروسه إلى وفاته، والطلاب يقرؤون عليه. تعب بدنه، ثقل لسانه، ومع ذلك يجاهد نفسه على ذلك؛ على الاستزاده من العلم بما أبقى الله له من أعضاء يحس معها أو يشعر معها أو يستزيد بسببها من العلم.
حتى ذكر أحد من يقرأ عليه أنه يقرأ في المواسم؛ أو يقرأ عليه في المواسم، إذا جاء موسم رمضان أو موسم الحج يقرأ عليه قبلها بمدة. في موسم الحج يقرأ عليه من بعد رمضان، شوال، ذو القعدة، هذا كله قراءة عليه في أحكام الحج، وتقرا عليه كتب متنوعة من الفقه المذهبي، ومنها شروح السنة وغيرها.
فالتعلق بالعلم إلى آخر لحظات حياته هذا تطبيق للأثر؛ طلب العلم من المهد إلى اللحد، وكما قال الإمام أحمد رحمه الله: مع المحبرة إلى المقبرة. فهذا يستفيد منه الإنسان طالب العلم أنه لا يستنكف عن الاستزاده من العلم ولو بلغ مبلغا كبيرا في العلم وفي الجاه، فلا يستنكف من الاستزاده من العلم والتعلق به.
ولا شك أن هذا الصبر وهذا الجلد على هذه العبادة العظيمة سببه التعرف إلى الله في الرخاء. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». فمن كان في حال نشاطه وشبابه متعلقا بالعلم ومخلصا لله عز وجل في ذلك، رجي له أن يستمر على ذلك إلى آخر حياته. أسأل الله أن لا يشغلنا جميعا عن العلم بشاغل، ولا يعوقنا عنه بعائق.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان