دخولتسجيل الدخول

الدرس 1

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلا وسهلا ومرحبا بالإخوة الكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتا وصورة من بعد إذنكم. يا مرحبا، يا مرحبا. أهلا وسهلا. ورجاء كذلك التفاعل مع البث يا إخوة حتى يظهر.

يا إخوة، حصل شيء الآن وأنا أعد للبعد، بعد أن نشرت منشور الرابط لهذه الدورة أو لهذه السلسلة. حصل شيء في الفيسبوك، فجأة أوقف الصفحة وأخذ يطلب إثبات الهوية بصور من الزوايا وكذا وكذا، وفي الأخير قال: "لقد قدمت طعناً، لقد أرسلت طعناً. يستغرق الأمر ساعة لمراجعة معلوماتك، يمكنك العودة إلى الصفحة مرة أخرى لمعرفة النتيجة، إذا تبين لنا أن حسابك يتبع معايير مجتمعنا فستتمكن من استخدام فيسبوك مرة أخرى، وإذا تبين لنا أن حسابك لا يتبع معايير مجتمعنا فسيتم تعطيله نهائياً".

الله يرضى عليك يا عيسى، ولن تتمكن من الطعن على القرار مرة أخرى. فيبدو أن هناك قراراً بإيقاف صفحتي في الفيسبوك، هكذا راح الحساب. طبعاً أنا لا أتبع معايير مجتمعهم، راح حساب الفيسبوك. أغلقوا حساب الفيسبوك.

إنني أختنق، إنني لا أستطيع التنفس، لا أستطيع الحركة بالفكر والآراء. أوف! الفيسبوك كان الملاذ الوحيد. كل حوران تحبك وأنا أحب حوران. لقد أغلقوا حسابي في الفيسبوك، أغلقوا حسابي في الفيسبوك، عاقبوني عقاباً شديداً. والله ريحوني! الحمد لله.

قالوا لي: "اعمل كذا، حسابك ثبت"، قالوا لي وثق كذا، عاد يعمل لي كذا، اذهب إلى اليسار اذهب إلى اليمين كذا. ثم الآن سيتم كما قرأت لكم: "لقد قدمت طعناً". ما قدمت طعناً، ولا هو محاولة اختراق. ننشئ صفحة بديلة، لا إشكال إن شاء الله. ليس اختراقاً، بل تبليغات على الصفحة ربما.

رسائل طريفة من بعض الإخوة، معاييرهم! أعوذ بالله من معاييرهم. يا سلام! أضحك على طرفة، أرسلها يا أحلى الإخوة. الله المعين، الله المعين، الله المعين.

طيب أيها الإخوة، هذه سلسلة كنت أؤجلها، أو مجلساً كنت أؤجله منذ مدة، رضي الله عنكم. والله أنا عندي جانب سعادة هكذا، إراحة الفيسبوك؛ كان عندي مسؤولية أن أنشر عليه وأعمل وكذا، كان عندي مسؤولية تجاهه، أراحوني. لكن أرجو ألا يؤثر في نشر البثوث، نعمل حساباً جديداً إن شاء الله.

ومعاييرنا، نحن معاييرنا، عاقبناك أغلقنا لك صفحة الفيسبوك، الله الله، ممكن نعمل إن شاء الله مجموعة على التليجرام، مجموعة فيها إعلان دروس أبي قيس مثلاً. على الأغلب سيؤثر، لكن مع الحساب الجديد سيعود الوضع إلى مكانه إن شاء الله. طيب، أنا كان عندي 73000 متابع، الحمد لله، الجديد أفضل. ممكن إن شاء الله نعمل جديدة بإذن الله.

أبو قيس، أرسلت طعناً، لقد أرسلت طعناً. أنتم تعلمون أخي أبو عبيد، أغلقوا الصفحة خلاص، يعني أنا مقصود بغلق الصفحة. الأغلب، لكن قد تعود. لولا الآراء السياسية ما تعود. لعلها بلاغات متكررة، غالباً هذا يظهر بعد أيام، احتمال ضئيل لكنه تصرف منهم بسبب معاييرهم، نعم بالضبط؛ الآراء السياسية. جرعة اليوم كانت ثقيلة عليهم، وأنا ماذا فعلت اليوم؟ ما قلت شيئاً، أنا نشرت تطبيق أبسكر. الله المعين، قد ترجع بعد أيام، وإن لم ترجع فهذا كله بقدر الله.

طيب أيها الإخوة، بسم الله الرحمن الرحيم. في الحقيقة، هذا شرح كنت أؤجله، مادة كنت أريد قراءتها وكنت أؤجلها لوقت، فإذا بي أقطع الآن، الليلة والوقت متأخر، لكن قلت نحن في ليلة الجمعة، والجمعة إن شاء الله، فقلت لا بأس إن شاء الله تعالى من أن نبدأها الليلة بإذن الله، وخير البر عاجله بحمد الله تعالى.

هذه أيها الإخوة مقدمة ديوان "الشوقيات" لأحمد شوقي. كانت هذه المقدمة هي مقدمة الطبعة الأولى للشوقيات سنة 1898م. متى ولد أحمد شوقي أيها الإخوة؟ من يعرف متى كان ميلاد أحمد شوقي؟ في أي عام؟

أحمد شوقي ولد عام 1870م، وتحرر الصواب أنه 1870 وليس 1868. وهو كتب هذه المقدمة للطبقة الأولى من الشوقيات عام 1898م، يعني كان عمره 28 عاماً. نعم، بعضهم حقق وفيما يبدو أن ذلك قريب أنه ولد عام 1870، فعلى هذا يكون عمره في هذه 28 عاماً، وعلى الـ 68 يكون عمره 30 عاماً. وهي مقدمة الشاعر لديوان الشوقيات، نبدأ في شرحها أو في قراءتها والتعليق عليها، وسيكون لنا عليها تعليقات مفيدة وهي فيها مواضع مفيدة كذلك.

يقول أحمد شوقي في مقدمة الشوقيات التي كتبها عام 1898م، حاكياً عن الشعر وعن نفسه وعن كتابته وعن جمع هذا الديوان: الحمد لله الذي علم البيان، وجعله أثراً من روحه عند الإنسان. والصلاة والسلام على نبي الأمة القائل: «إن من الشعر لحكمة».

أما بعد؛ فما زال لواء الشعر معقوداً لأمراء العرب وأشرافهم، وما برح نظمه حبيباً إلى علمائهم وحكمائهم، يمارسونه حق الميراث، ويبنون كل بيت منه على أمتن أساس، موفين إجلاله، حافظين خلاله، مدنين إلى الأذهان خياله.

قال امرؤ القيس واصفاً وحاكياً، وضاحكاً وباكياً، وناسباً وغازلاً، وجاداً وهازلاً؛ وجمع شمله بحيث تعد المنظومة الواحدة له أثراً في البيان مستقلاً وبنياناً قائماً برأسه. ونظمه أبو فراس فخراً عالياً، ونسيباً غالياً، وحكماً باهراً، وأمثالاً سائرة. لكنه لم يقله فوضى، ولا قرب في نظمه الخلط. فإن قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها: "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر"، أما للنهي أمر عليك نهي ولا أمر، ليست إلا عقداً توحد سلكه، وتشابهت جواهره، ودق نظامه، تعاونت فيه ملكة الشاعر وسليقته على حسن الحكاية.

تعاونت فيه ملكته العربية وسليقة الشاعر على حسن الحكاية، فإذا فرغت من قراءتها فكأنك قد قرأت أحسن رواية. وهذا وكونها أشبه شيء بالشعر في شعور الأنفس هما سر بقائها متلوة إلى الأبد، لأنها جاءت على موضوع واحد منتظمة، ثم إنها أشبه شيء بالشعر في شعور الأنفس، أي قريبة من الموضوعات التي تثير شجون الناس.

وكان أبو العلاء يصوغ بعض الحقائق في شعره، ويوعي تجارب الحياة في منظومة، ويشرح حالات النفس، ويكاد ينال سريرتها. ومن تأمل قوله من قصيدة: «فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلاد»، وقابل بين هذا البيت وبين قول أبي فراس: «معلتي بالوصل والموت دونه، إذا متُّ ضما فلا نزل القطر»، ثم نظر إلى الأول كيف شرع سنة الإيثار، وبالغ في إظهار رقة النفس للنفس وانعطاف الجنس نحو الجنس، وإلى الثاني كيف وضع مبدأ الإيثار، وغلا بالنفس، ورأى لها الاختصاص بالمنفعة في هذه الدنيا تعيش فيها جافية ثم تخرج منها غير آسية؛ علم أن شعراء العرب حكماء، لم تعزب عنهم الحقائق الكبر، ولم يفتهم تقرير المبادئ الاجتماعية العالية، وأنهم أقدر الأمم على تقريبها من الأذهان وإظهارها في أجلى وأجمل صور البيان.

يقول إن الشعراء يعبرون عن نظر الناس إلى أنفسهم وإلى الحياة. السلام عليكم أستاذ محمد رشيد، والله ما عرفتك إلا قبل أيام معدودات، وإني والله أحصد من يتابعك من سنوات، وألومهم على قلة النشر وعدم وصولك لشريحة كبيرة من الناس المهتمة بالشعر بمختلف آرائهم وآراء النقاد. الحمد لله، ولله التوفيق، والحمد لله.

قال: ثم من نظر إلى قول أبي العلاء: «فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلاد»، وقابل بين هذا البيت وبيت أبي فراس: «معلتي بالوصل والموت دونه، إذا متُّ ضما فلا نزل القطر»، ثم نظر إلى كيف شرع الأول سنة الإيثار وشرع الثاني الإيثار، علم أن شعراء العرب حكماء؛ يعني عبروا عن نظرهم إلى أنفسهم وإلى الحياة، وإلى طبيعتهم أو غرائزهم وتحركاتهم وشمائلهم. علم أن شعراء العرب حكماء لم تعزب عنهم الحقائق الكبر، ولم يفتهم تقرير المبادئ الاجتماعية العالية، وأنهم أقدر الأمم على تقريبها من الأذهان وإظهارها في أجلى وأجمل صور البيان. أنا دائماً أقول: الشعراء حكماء رغم أنوفهم، أقول دائماً هذا.

نعم، وكان أبو العتاهية ينشئ الشعر عبرة وموعظة وحكمة بالغة موقظة، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرجع إليه كذلك في الوعظ والإرشاد، والتحذير من الرذائل، والإغراء بالفضائل. وكان الشافعي رحمه الله هو القائل: «ولولا الشعر بالعلماء يزري .. لكنت اليوم أشعر من لبيدي» تجري ألفاظه بالشعر، وله مقاطع مختارة وحكم كثيرة في الناس سيارة، وحسبك أن الطب جميعه لو جمع لما خرج عن البيتين المنسوبين إليه، وهما: «ثلاث هنَّ مهلكة الأنام .. وداعية الصحيح إلى السقام» «دوام مدامة ودوام وطء .. وإدخال الطعام على الطعام»

ولو انفسح لهؤلاء وأمثالهم من الزمان والمكان، وشهدوا عصر البخار كما نشاهده، وكابدوا الدهر في الهرم مثلما نكابده، لامتلات الصدور من محفوظ أشعارهم، ولضاقت المطابع على تنافسها عن نشر آثارهم. قدمنا هذا ليعلم به فريق يحتقرون الشعر؛ عبد القاهر يقول يحتقرون الشعر، والجرجاني يقول يحتقرون الشعر، وابن رشيق يقول يحتقرون الشعر، شيء مؤسف.

وقد قدمنا هذا ليعلم به فريق يحتقرون الشعر، وآخرون منا معشر الشبان يضمرون للعربي منه عداوة من جهل الشيء، ويرون بينه وبين الشعر الإفرنجي بعد ما بين المشرق والمغرب، ناسين أن العرب أمة قد خلت ودولة تولت، فلا ينبغي أن يؤخذوا إلا بما تركوا، وأن المسؤول عن خروجه بعدهم من هالته إنما هو الخلف المفرط والوارث المتلاف. يعني أقول: إذا تكلمنا عن أن الشعر توقف عن المواكبة وعن الهالة وعن الجديد، فالمسؤول عن ذلك هم الذين توقفوا، وليس الشعر في ذاته من حيث نفسه. إن المسؤول عن خروجه بعدهم عن هالته إنما هو الخلف المفرط والوارث المتلاف.

يشتغل بالشعر فريق من فحول الشعراء جنوا عليه وظلموا قرائحهم النادرة، وحرموا الأقوام من بعدهم؛ فمنهم من خرج من قضاء الفكر والخيال ودخل في مضيق اللفظ والصناعة. أول فريق ينقض عليه شوقي يقول: خرج من قضاء الفكر والخيال ودخل في مضيق اللفظ والصناعة. هؤلاء الذين أغرقوا في البديع واللعب اللفظي، وهؤلاء نقدهم عبد القاهر في "أسرار البلاغة" وغيره؛ أصحاب اللعب والصنع والتكلف. فمنهم من خرج من قضاء الفكر والخيال، ودخل في مضيق، وهنا أحسبها بالفضاء لتقابل المضيق، والقضاء صحيحة وفصيحة، بمعنى حُكم القضاء هنا.

فمنهم من خرج من فضاء الفكر والخيال ودخل في مضيق اللفظ والصناعة، وبعضهم فريق آخر أثر ظلمات الكلف والتعقيد على نور الإبانة والسهولة؛ هؤلاء الذين ظنوا أن المعاضلة والإغراب، وتقديم معق وتأخير واستعراضات نحوية، أن هذا كله دليل فتوة وفحولة في الشعر، بينما هو في الحقيقة قلة خبرة وقلة علم.

وقد مدح زهير ذلك، كما قال فيه عمر بن الخطاب لما سئل لماذا كان أشعر الشعراء عندك، أو لما مدحه: «كان لا يعاضل بين الكلام ولا يتبع وحشية، ولا يمدح الرجل إلا بما تمدح به الرجال».

وبعضهم أثر ظلمات الكلفة والتعقيد على نور الإبانة والسهولة، ووقف آخرون بالقريض عند القول المأثور على قدمه، فوصفوا النوق على غير ما عهدها العرب عليه، وأتوا المنازل من غير أبوابها، ودخلوا البيداء على سراب. هؤلاء الذين ظنوا أن مجرد محاكاة المعاني القديمة تحقق الشاعرية، فضعف شعرهم؛ لذلك ظنوا أن مجرد الإتيان بالمعاني القديمة هو الذي يجعل الشعر حسنا، فنأتي بشوية أطلال وشوية نوق وسراب وكذا، فتقول أنت شاعر؟ هذا خطأ.

بل كما وصفت، وانغمس فريق في بحار التشابيه حتى تشابهت عليهم اللجج، ثم خرجوا منها بالبلل؛ كل هذا من آثار جعل الوسيلة البيانية غاية في ذاتها، وهذا خطأ.

يُحب الاستعارة، يُحب التورية. أحد الإخوة في مرة زارني في مصر من إحدى البلاد العربية، فأنشدني القصيدة أكثر من ثمانين بيتا، كل بيت فيه تورية، حتى قفزت وهو ينشدني، قلت: هذا البيت ليس فيه تورية! فقال: هذا البيت الوحيد في القصيدة ليس فيه تورية.

كيف أنت الذي أقصده؟ من أنتم مولانا؟ أخبرني من أنتم، هل زرتني في مصر من إحدى البلاد العربية؟ أنت حبيبي يا أستاذ، أحبك في الله، أنت الذي زرتني وأنا أحبك في الله.

فجأة يا إخوة، حصلت مشكلات في صفحة الفيسبوك الآن وأنا أخرج للدرس؛ فجأة خرج من الحساب وصار يعطيني أن أعمل بصمة وجه وأوثق الحساب، ثم أعطاني رسالة: «أستاذ أبو قيس، لقد أرسلت طعناً، يرجى معاودة التحقق هنا للتعرف على النتيجة، حسابك لا يظهر للأشخاص على فيسبوك ولن تتمكن من استخدامه. ما يحدث بعد ذلك؟ عادة ما يستغرق الأمر ساعة واحدة لمراجعة معلوماتك، يمكنك العودة إلى هذه الصفحة مرة أخرى لمعرفة النتيجة، إذا تبين لنا أن حسابك يتبع معايير المجتمع فستتمكن من استخدام فيسبوك مرة أخرى، وإذا تبين لنا أن حسابك لا يتبع معايير مجتمعنا فسيتم تعطيله نهائياً ولن تتمكن من الطعن على القرار مرة أخرى».

لا أعرف ما القرار وما الطعن وما الكلام، فالإخوة قالوا لي غالباً أغلقوا لك الحساب بسبب أنك لا توافق معاييرهم. تقول أختنا أمل: "ثم فتحت لك بعد أيام؟". إن شاء الله، وإذا لم يعد فالحمد لله، مكثنا عليه سنوات من عام 2012، وأبلغنا رأينا وكوننا جمهوراً تأثر، والحمد لله لا نتوقف عليهم ولا على غيرهم.

قال لي جاسر: "ربما يا أستاذ يبلغون عنك". لكن من الذي يبلغ؟ من هؤلاء؟ يا أبا عبيد، تعليقك على أختنا أمل أم على كلام جاسر؟ معاييرهم صح؟ الله أعلم من يفعل هذا.

أكاد أجزم أنه بسبب الفيديو الذي نشرته أمس، الذي فيه الدعوة إلى الوحدة، الوحدة وعدم الخضوع لهذا الأحمر، الذي حقق انتشاراً فعلاً. هم يريدون منا أن نتعارك. أنا في الفيديو ذكرت غزة، هذه الكلمة أتت بهم، قلت وقفت وحدها أمام العالم، طبعاً تحرقهم الكلمة. إن شاء الله يا أمل أحاول أن أعود.

وانغمس فريق في بحار التشابيه كما قلت، هناك من يغرق في الأداة، أداة الشعر في الوجه الفني، وانغمس فريق في بحار التشابيه حتى تشابهت عليهم اللجج ثم خرجوا منها بالبلل.

وزعمت عصبة أن أحسن الشعر ما كان بواد، والحقيقة بواد؛ فكلما كان بعيداً عن الواقع، منحرفاً عن المحسوس، مجانباً للمحتمل، كان أدنى في اعتقادهم إلى الخيال وأجمل للجلال والجمال، حتى نشأ عن ذلك الإغراق الثقيل على النفوس والغلو البغيض للعقول السليمة. على أن أساس ذلك هو مقولة: «أعذب الشعر أكذبه»، وقاعدتها في علم الشعر حول الاختلاق الامتناعي.

قال: «على أن الكل قد مارسوا الشعر فناً على حده، واتخذوه حرفة وتعاطوه تجارة، إذا شاء الملوك ربحت، وإذا شاؤوا خسرت. ثم لم يكفهم ذلك حتى هجوا الشعر وذموه بكل لسان، فزعموه مجلبة الشقاء».

يعني أكلوا بالشعر ومدحوا الملوك، وإذا شاءت الملوك ربحت هذه التجارة الشعرية، وإذا شاؤوا خسرت، ولم يكفهم ذلك، حتى هجوا الشعر وذموه بكل لسان فقالوا إنه مجلبة الشقاء، وقالوا إنه محسوب على الشعراء يغيض من أرزاقهم، وينحت من قلوبهم، ويعرضهم لإراقة ماء الوجه.

زعموا صدقًا وقالوا حقًا، وإن هذا لجزاء فئة يتوقعون أرزاقهم من ملوك كرام يخلقهم الله لرواج حرفتهم، فإذا لم يخلقوا كسدت الحرفة وأخطأت الأرزاق.

على أنه يستثنى من هؤلاء قليل لا يذكر في جنب الفائدة الضائعة بضياع الشعر مديحًا في الملوك والأمراء، وثناءً على الرؤساء والكبراء، وإلا فمن دواوينهم ما يخلق أن يكون المثال المحتذى في شعر الأمم، كابن الأحنف مرسل الشعر كتبًا في الهوى ورسائل ومتخذًا رسلًا في الغرام ووسائل، وكابن خفاجة شاعر الطبيعة ومجنون ليلاها وواصف بدائعها وحلاها، وكالبهاء زهير.

سيد من ضحك في القول وبكى، وأفصح من عتب على الأحبة واشتكى، وحسبك أنه لو اجتمع ألف شاعر يعززهم ناثر على أن يحلوا شعر البهاء زهير، أو يأتوا بنثر في سهولته لانصرفوا عنه وهو كما هو.

بالمناسبة، قالوا هذه المقدمة أزيلت في الطبعات المتقدمة لشوقي بعد أن تقدمت سنة؛ قالوا إن أحمد شوقي أزالها، ومن الذي علق على هذا وذكر سببه؟ عبد الرحمن شكري في بعض مقالاته، قال إن شوقي تغير مذهبه بعد ذلك، وأزال هذه المقدمة من طبعات لاحقة للشوقيات.

انظر حتى في التعليق هنا ماذا قال المحقق: «كانت هذه مقدمة الطبعة الأولى للشوقيات سنة 1898، كما قلنا طبع من مطبعة الآداب والمؤيد، وقد أهدى الشاعر ديوانه إلى الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني وإلى الخديوي عباس حلمي الثاني». قالوا أزيلت من الطبعات اللاحقة، والذي نبه إلى هذا وفسره هو عبد الرحمن شكري؛ لماذا؟ قالوا مذهبه تغير في الشعر، لأنه وكان من شواهد هذا أنه أثنى هنا على البهاء زهير، وهو مذهبه بعد ذلك يخالف البهاء زهير.

إن شاء الله في اللقاء القادم غدًا، آتيكم بكلام عبد الرحمن شكري في هذا الموضع. فحسبك البهاء زهير، وحسبك أن شوقي كان كلامه فيه مبالغة في البهاء زهير، ولما زاد علمه بهذا كان في العشرينيات من عمره، فربما تغير مذهبه، وغالبًا يتغير المذهب أو الفكرة، فشعر بأنه بالغ في البهاء زهير، كان يراه شيئًا عظيمًا كبيرًا، وكان هو نفسه ربما يرى الشعر شيئًا ملغزًا، ولما تقدمت خبرته وقريحته وعظمت وزادت دربته وعلمه حذفها، حتى أكون دقيقًا غدًا إن شاء الله أقرأ لكم كلام عبد الرحمن شكري بإذن الله.

ثم قال كلمة في المتنبي: «ولا أرى بدًا من استثناء المتنبي، مع علمي بأنه المداح الهجاء، لأن معجزته لا تزال ترفع الشعر وتعلي، وتغري الناس به فيجدد ويحييه. وحسبك أن المشتغلين بالقريض عمومًا، والمطبوعين منهم خصوصًا، لا يتطلعون إلا إلى غباره، ولا يجدون الهدى إلا على مناره. ويتمنى أحدهم لو أتيح له ممدوح كممدوحه ليمدحه مثل مديحه، أو لو وقع له كافور كممدوحه ليهجوه مثل هجائه. فمثل أبي الطيب في تشبه الشعراء به وسعيهم لبلوغ شأوه في المدح أو الهجو، كمثل قائد مشهور الأيام معروف بالحزم والإقدام، قد أشربته قلوب الجند وملئت نفوسهم ثقة منه، فلو قذف بهم في مهاوي الهلاك وهم يعلمون لما جبنوا ولا أحجموا. هذا مع اعترافي بأن المتنبي صاحب اللواء، والسماء التي ما طاولتها في البيان سماء ولو سلم من الغرور».

«ولو سلم من الغرور وسلم الناس من لسانه لأجللته إجلال الأنبياء». هذا مع اعترافي بأن المتنبي صاحب اللواء والسماء التي ما طاولتها في البيان سماء، هو يقول هذا: «فمثل أبي الطيب في تشبه الشعراء به، وسعيهم لبلوغ شأوه في المدح أو الهجو، كمثل قائد مشهور الأيام معروف بالحزم والإقدام، قد أشربته قلوب الجند وملئت نفوسهم ثقة منه، فلو قذف بهم في مهاوي الهلاك وهم يعلمون لما جبنوا ولا أحجموا».

والحاصل أن إنزال الشعر منزلة حرفه تقوم بالمدح ولا تقوم بغيره، تجزئه يجل عنها ويتبرا الشعراء منها، إلا أن هناك ملكًا كبيرًا ما خلقوا إلا ليتغنوا بمدحه ويتفننوا بوصفه، ذاهبين فيه كل مذهب، آخذين منه بكل نصيب، وهذا الملك هو الكون.

فالشاعر من وقف بين الثريا والثرى، النجوم والأرض، يقلب إحدى عينيه في الذر ويجيل أخرى في الذرى، ياسر الطير ويطلقه، ويكلم الجماد وينطقه، ويقف على النبات وقفة الطل، ويمر بالعراء مرور الوبل. فهنالك ينفسح له مجال التخيل، ويتسع له مكان القول، ويستفيد من جهة علمًا لا تحويه الكتب ولا توعبه صدور العلماء.

ومن جهة أخرى يجد في الشعر مسليًا في الهم، ومنجيًا من الغم، وشاغلًا إذا أمل الفراغ، ومؤنسًا إذا تملكت الوحشة. ومن جهة ثالثة لا يلبث أن يفتح الله عليه، فإذا الخاطر أسرع، والقول أسهل، والقلم أجرى، والمادة أغزر، بحيث لا تمضي السنون حتى تتداول الأيدي مؤلفاته، وإذا مات أكبر الناس من بعده مخلفاته.

أولم يكن من الغبن على الشعر والأمة العربية أن يحيا المتنبي مثلا حياته العالية التي بلغ فيها أقصى الشباب، ثم يموت على نحو مئتي صحيفة من الشعر، تسعة أعشارها لمدوحه، والعشر الباقي هو الحكمة والوصف للناس؟ لقد عاش خمسة وخمسين عامًا، ولد عام 303 وتوفي عام 354، فهل كان من الغبن أن يموت وهو يملك هذا الإرث؟

نكتفي بالساعة يا إخوة، ونلتقي غدًا إن شاء الله، ونجعل المحاضرة ساعة واحدة بإذن الله. شكرًا لكم يا أحباب، وجزاكم الله تعالى خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في أمان الله.