السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحباً بالإخوة الكرام. أهلاً وسهلاً ومرحباً، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا مجلسنا الثاني من القراءة والتعليق على مقدمة أحمد شوقي التي كتبها في أول طبعة لديوانه "الشوقيات"، كتبها وهو في العشرينيات من عمره.
قلت أمس أيها الإخوة إن هذه المقدمة كانت في بداية حياة أحمد شوقي الشعرية، وقلت إن هناك كلاماً للأستاذ عبد الرحمن شكري حول هذه المقدمة، وما يشير إلى أن أحمد شوقي غير طريقته الشعرية التي كان في الأول يتعلق بها، وهي طريقة البهاء وزهير والمتأخرين.
خلاصة هذه المسألة، حتى أوضح الأمر على جليته، أن الأستاذ عبد الرحمن شكري -وهو الناقد المصري الرومانتيكي المعروف، وبالمناسبة هو من أفضل الكتاب، وهو أحد الثلاثة المكونة لجماعة الديوان وهم: العقاد، وعبد الرحمن شكري، وإبراهيم المازني- أقول: الأستاذ عبد الرحمن شكري رحمه الله من أفضل المنظرين في هذه المدرسة، وله تنظيرات جيدة إلى حد كبير، وله تنظيرات تختلف معه فيها وتخالفه في أصولها، ولكنك لا تملك إلا أن تقر له بشيء من الموضوعية، وأن تقر له بأنه كان باحثاً ومتأملاً.
وقد سيطرت عليه أفكار هي في نظري حرفت طريق البحث عنده ونهجه القويم، وهذه الروافد والأسباب هي الأفكار الرومانتيكية الأوروبية التي يعترف عبد الرحمن شكري نفسه، ويعترف العقاد، ويعترف المازني، بأنهم تأثروا بها. لا يقال أبو قيس يتهمهم بأنهم تأثروا بالأفكار الأوروبية، هم قالوا وصرحوا بذلك، قالوا تأثرنا بالنقاد الإنجليز وبالفكر الرومانتيكي الأوروبي أو بفكر النقاد الأوروبيين الرومانتيكيين، سواء قالوا رومانتيكيين أو لم يقولوا، لكنهم هم الرومانتيكيون، وهذا معروف، والممثلون للرومانتيكية في مصر هم مدرسة الديوان أو جماعة الديوان.
أنا على كل حال أقرأ للعقاد وأحب أن أقرأ تحقيقاته وإن خالفته، وأقرأ لعبد الرحمن شكري وإن خالفته، وأقرأ لعبد الله الطيب وإن خالفته، وأقرأ لمحمد النويهي وإن خالفته، وكان ممن أنعم بدراسته أو الدراسة فيه في تراثه هو الأستاذ عبد الرحمن شكري فيما جمعه له تلميذه المصري محمد رجب البيومي.
الأستاذ عبد الرحمن شكري رحمه الله له مقال كتبه عام 1938، وأنا فقط أريد أن أوضح السياق الذي جاء فيه كلامه. عبد الرحمن شكري يرى أن مدرسته كان هدفها الرجوع إلى الأدب الصحيح القديم، ويعزي كل محاولة إحياء شعرية إلى الرجوع إلى العصر المزدهر، وهو الجاهلي والإسلامي. تخيلوا هذا! يقول: كل نهضة شعرية كانت تقصد إلى إرجاع الشعر إلى عهده الأول الجاهلي والإسلامي.
في كتابه "دراسات في الشعر العربي" الذي جمعه له تلميذه محمد رجب البيومي، وفي مقال نشره في مجلة "الرسالة" في السادس والعشرين من شهر سبتمبر عام 1938، يقول: «ولكن مما لا شك فيه أنه بالرغم من اختلاف خصائص العربية والإفرنجية، فإن الشعر الأوروبي قبل أطواره الحديثة كان في مبادئه الأساسية قريباً من الشعر العربي القديم قبل غلبة الصناعة عليه غلبة قضت على تلك المبادئ».
هو مبهور بالشعر الأوروبي، فيقول إن الشعر الأوروبي قبل أطواره الحديثة كان في مبادئه الأساسية قريباً من الشعر العربي القديم قبل غلبة الصناعة عليه التي قضت على تلك المبادئ. ثم يقول -وهذه يسميها الرجعية- يقول: «ولا يدهش أحداً إذا قلت إن كل نهضة تجديد دخلت الأدب والشعر العربي حديثاً كانت نزعة رجعية، فنهضة البارودي وشوقي وحافظ وحفني ناصف ومطران في شعرهم الحديث كانت أيضاً نهضة رجعية، بدأها الساعات وقواها البارودي ومن أتى بعده».
هو يريد بالرجعية الرجوع إلى الصواب، الرجوع إلى عصور الازدهار. وكأنه يحرق الفرصة على من يتهمهم بالرجعية فيقول: نعم نحن رجعيون. فنهضة البارودي وشوقي وحافظ وحفني ناصف ومطران -ومطران له مرحلتان- كانت نهضة رجعية لأنهم رجعوا بالشعر إلى العهد الازدهاري الصحيح: الجاهلي والإسلامي والعباسي.
عبد الرحمن شكري يقول: نحن طورنا بعد شوقي، شوقي رجع إلى العهد العباسي، ونحن نرجع إلى الجاهلي والإسلامي. هو يدعي هذا، وهل هذا صحيح؟ هذا شيء آخر. هو يقول إنها كانت نهضة رجعية لأنهم رجعوا بالشعر عن طريق البهاء وزهير، هذه القرون المتأخرة، السادس والسابع في مصر والعراق وكذا، وقال: «ولا سما في البلاد التي ضعف فيها...».
الشعر شديدًا؛ لأنهم رجعوا بالشعر عن طريق البهاء زهير، وابن الفارض، والبستي، وابن نباتة المصري، وابن النحاس، وخليل الصفدي. طريقته الجناس الغالب والنكات، إلى طريقة الصنعة العالية القوية؛ صنعة مسلم بن الوليد وأبي تمام وأضرابهما.
وترى هذه الرجعية ظاهرة في شعر شوقي أعظم ظهور؛ فقد بدأ بمدح البهاء زهير في مقدمة الطبعة الأولى القديمة من الشوقيات، وأسرف في مدحه. ويشير شكري إلى أن شوقي حذفها أو حذف الكلام عن البهاء زهير؛ إذ يرى أن شعر شوقي في صباه مما أثبته في الطبعة القديمة بعضه أشبه بشعر المتأخرين، وأظن أنه حذفه ولم يثبته في الطبعة الحديثة.
ثم صار شعره يقترب من نسق فطاحل الدولة العباسية أمثال مسلم وأبي تمام والبحتري؛ لأن المقدمة التي نقرؤها الآن لشوقي كانت في آخر العشرينيات من عمره. فإذا كانت هذه كتبت عام 1898 وكان عمره 28 عامًا، فإنه لم يكن قد ارتقى بعد إلى السينية التي للبحتري، ولا النونية التي يعارض فيها ابن زيدون، ولا شيء من هذا؛ فكان يمدح البهاء زهير شديدًا.
يقول عبد الرحمن شكري: «وكان منتهى أرباع الشاعر قبل نهضة البارودي وشوقي وحافظ أن يكثر من الجناس وأنواع البديع؛ حتى لا يقال إن أحدهم أفنى عمره في صنع قصيدة بديعية كبيرة شحنها بما يقرأ طرداً وعكساً، وما يقرأ من أسفل ومن أعلى، وبالجناس وأنواعه وأشباهه من المحسنات، فاحتال عليه أصدقاؤه وسرقوها منه، فمات كمداً، وراح ضحية الطرد والعكس وصريع الجناس».
وكان الأدباء إذا أرادوا أن يستجيدوا بيتًا أنشدوا بيت ابن نباتة المصري، وهو يمدح سلطان مدينة حماه في الشام، فيقول: «إن حماه المدينة علمتهم / نعمل الممدوح حتى غدا / كل منهم يحب حماته»؛ أي أم زوجته. هذه هي مفارقات النكات العامية المصرية التي كانت تطرب الأدباء.
أنا مصري، وأبغض الشعر الذي كان في مصر. إن سألتني عن رأس الشعر في الجاهلية فأقول لك شعر الجاهليين في نجد؛ في جزيرة العرب وأسقاع أرض العرب وقرى البحرين والحجاز. وإن سألتني عنه في الإسلام والعصر العباسي فشعر العراق بلا منازع، وبعض الشام، لكن للعراق اليد العليا.
وأبغض الشعر إلي ما كان في مصر، وطبعاً هذا يتصيده البعض؛ بعض الإخوة يريد عمل اتجاهات وطنية على تافه. بعض الشباب يحاول أن يتظرف ويترقص، ويذهب لينشئ لبعض المعاصرين ويتقرب إليهم، ويبدأ يأتي بابن نباتة وابن البهاء زهير ويداعب به المشاعر، وهو لن يفعل شيئًا.
عيب أن يقال في التاريخ إننا في مصر لنا وجود شعري كبير مستقل؛ فقد كانت هناك محاولات.
لإنشاء شعر عربي مصري له سمة وطنية كذا، ولم يفلح هذا الكلام. كان هناك بعضهم تكلم في هذا، لا أذكر أي المراجع، ربما قرأته لكم المرة القادمة، لا أذكر في بعض المراجع التي كانت في متناول يدي قريبًا هنا في المكتبة.
المهم فكرة إنشاء شعر مصري مستقل ولم تفلح المسألة والقضية، لم تفلح لأن الشعر شعر فقط. أبو تمام كان في مصر وذهب منها لما لم يجد عناية بالشعر. ولكن اعلموا شيئًا، في العادة حينما نرى هذا، في العادة البلاد التي تكون قد جرت بها سنة، يكون في بعض الأصقاع صفة معينة، من خالف في ذلك كان قويًا، كانت مخالفته طفرة قوية جدًا وعنيفة.
فمثلاً الحال التي في مصر الآن عن الشعر، لم أكن أنا ابن بيئتي فيها، يعني خرجت نافراً ثائراً عليها، لست متماهيًا مع بيئتي في هذا الأمر. فأنا أنصح بعض الشباب الذي يتظرف ويترقص ويتلطف ويتزلف ويتحكك ويتمسح ويتزقلط على بعض الناس وكذا ويعمل فيها وطنياً وأنا أجيب الشعر، أنا أنصحه: اركن على جنب ولا تلعب؛ لأن هذا شعر عربي له مقاييس، فإذا دخلت بتظرفاتك ولطافاتك في المقاييس فأنت تنتحر، تنتحر، فهمت؟ إذا جئت وتقول وعندنا شعر الشعراء الذين كانوا في العهد المملوكي، إن أكبر نقاد كانوا في مصر يقولون لك: إنما شوقي ومن قبله البارودي ومعه حافظ إبراهيم، بان أنهم تركوا الطريقة المتأخرة للشعراء المصريين كابن نباتة والبهاء زهير، ورجعوا رجعية إلى طريقة العراقيين والعباسيين.
هم نصوا على هذا، حتى لو أن شوقي بعد ذلك انتبه إلى طريقة الشعر اللطيف الأخير وقال: «شغلتنا العراق»، ويروى عن شوقي ذلك، إذا وزنت فأنت هكذا تنتحر، ما هو نحن لن نلعب، خلاص. ف هذه الطريقة عبد الرحمن شكري الرومانتيكي المصري، والرومانتيكية لها اتجاهات وطنية وحاولت إثبات شعر مصري وطني ولم يفلحوا في هذا. والله أئتكم بالكتاب إن شاء الله، أتذكر حتى الكتاب ما هو، لحظة، والله لا أذكر الكتاب يا إخوة، كتاب معاصر، لعله كتاب تاريخ. والله ذاهب عن بالي الكتاب، أنا اليوم كان عندي عمل طوال اليوم مرهق فذاهل عن عنوان الكتاب.
المهم، فهذا عبد الرحمن شكري انظر ماذا يقول، كان يمدح سلطان مدينة حماة في الشام فيقول: «حماة التي هي المدينة، علمتهم نعمة الممدوح حتى غدا كل منهم يحب حماة»، أي أم زوجة، هذه هي مفارقات النكات العامية المصرية التي كانت تطرب الأدباء. أو قول البهاء زهير لمعشوقته إنه دعاها "ست"، أي سيدة، لأنها ملكت جهاته الست.
يقول عبد الرحمن شكري: «فرجوع البارودي وشوقي وحافظ إلى عصر أقدم...». البعض للأسف نزلوا عن حتى أن أذكر أسماءهم وأن أخالفهم، لكن بلغتني أخبار بعض الشباب الذي أراد أن يصنع شيئًا من لا شيء، للاسف وليتهم اجتهدوا ودرسوا، مجرد مشاغبة، يقولون: «أبو قيس يقول إن الشعر وكذا»، ولا لم نص البارودي وشوقي أبرز شعراء مصر، إنما كانوا كذلك لمحاكاة المدارس القديمة، لمعالجة الرتبة والمنهج وليس المحاكاة بمعنى النسخ.
يقول: «فرجوع هذا ليس كلامي، هذا كلام عبد الرحمن شكري، لكنكم قوم لا تقرؤون كلامي للمشغبين من وراء الظهر في المجالس الخاصة الذين يبتسمون لنا بأسنان مستنيرة في بشرة شديدة السمرة، ابتسامة سخيفة لا تخفى علينا، فإذا وليناهم ظهورنا دسوا هذا بين الناس». ها هو عبد الرحمن شكري يقول: «فرجوع البارودي وشوقي وحافظ إلى عصر أقدم من هذا العصر لابد أن يسمى رجعية»، وليست كل رجعية ذميمة. قال: «والنزعة الحديثة إلى التجديد هي في الحقيقة...» شكري يقول: «والنزعة الحديثة، طبعًا هذا اعتقاده بقطع النظر أصاب أو لم يصب، والنزعة الحديثة الرومانتيكية، أي إلى التجديد، هي في الحقيقة تكملة النزعة الرجعية التي نشطها البارودي». فكانت نزعة التجديد نزعة تفضيل مبادئ الشعر العربي الأقدم من العباسي، ومن العباسي ما يقارب ذلك، رجعوا إلى العراق وإلى جزيرة العرب. ما رأيكم في هذا الكلام؟
وحاولت والله أتذكر الكتاب الذي فيه ما قلت لكم، والله لا أذكره بالنسبة لأبي تمام في مصر كانت له قصة أخرى، لكن لحظة واحدة أحاول أن آتي بالكتاب الذي فيه هذا. والله يا إخوة لم أهتدِ الآن إلى الكتاب، لكن أتيت لكم بما يناسب أبي تمام وأنه نزل إلى مصر وقالوا إنه تربى في مصر وكذا. هذا كتاب الدكتور محمود مصطفى الذي قدم له الدكتور محمد عبد المنعم الخفاجي، من علماء مصر الكبار، وهو تأليف الدكتور محمود مصطفى اسمه «الأدب العربي في مصر من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الأيوبي»، يتكلم عن من دخل مصر من الشعراء وكذا.
طبعًا لا يعرف الناس أن من هؤلاء، هذه نقطة مهمة من محمود مصطفى، هذا الأستاذ العلامة الجليل، أحد سدنة اللغة العربية وآدابها في عالمنا العربي المعاصر، ولد عام 1880 م، وتوفي عام 1934 م، تخرج من دار العلوم القديمة، يعمل جاهدًا في خدمة اللغة العربية. ممن ذكر مروره بمصر أبو تمام، ونقرأ قصته في المرور بمصر، هذا في عهد ولاة العباسيين.
يقول عن أبي تمام، وهذا شاعر عرف مصر أولاً إذ قد نشأ بها. أبو تمام نشأ في مصر، طبعاً هذا لا يعرفه الكثيرون. هل هو كتاب الأدب العربي المعاصر في مصر لشوقي ضيف؟ لا، هو كتاب يتحدث مؤلفه عن أنه كانت هناك محاولة لإنشاء أدب مصري عربي خاص بمصر، ولكنهم فشلوا في ذلك؛ لأن الأدب في الآخر لن يكون مستقلاً لأنه ذكر النيل أو ذكر الأهرامات، لن يكون كذلك.
أين هذه المقدمة؟ والله لا أدري، لا أذكر للأسف، أحاول إن شاء الله بإيدينا في المحاضرة القادمة بإذن الله. لم يصلح إنشاء أدب، ولا يمكن عمل شعر عراقي مستقل، هل يمكن أن يستقل شعر العراق عن جزيرة العرب؟ أبداً، هذا في بطنه. الشعر العراقي: جرير والفرزدق والأخطل، هذا رأسه، هذا شعر نجدي، هذا شعر أرض العرب، هو من جرير والفرزدق والأخطل، التميميون وتغلب؛ هذا هو بنو تميم وبنو تغلب.
هو شعر من العرب توسعوا منذ الجاهلية إلى العراق كما تعلمون، بكر وتغلب هاجروا في الجاهلية إلى الفرات، أصلاً أقاموا بالفرات من الجاهلية، والآن توجد في الشمال بعد العراق ديار بكر في تركيا. فلا يوجد شعر اسمه الشعر المصري، أو شعر سعودي، أو شعر سوري، أو شعر عراقي، أو شعر فلسطيني، أو شعر كويتي؛ ما فيش، هو شعر عربي بس.
يقول: «وهذا شاعر عرف مصر أولاً إذ قد نشأ بها، وقال أول شعره فيها وكان أول أمره يسقي الماء بالجرة في جامع عمرو بن العاص ليقتات». تخيل، أبو تمام كان يعمل سقاءً ليقتات في جامع عمرو بن العاص! أبو تمام نشأ في مصر وكان سقاءً في مسجد عمرو بن العاص ليقتات، أبو تمام الذي مات اقتسمت الشعراء أعطيته الشعرية فَاغْتَنَوْا.
فلما لم تعرف مصر قدره، هو يقول: «فلما لم تعرف مصر قدره، ورأى ما بالبلاد من نضوب الجود، وعلم أن هم الولاة بها لا تنهض بآماله، أسرع إلى بغداد عش الأدب ومثابة كل طامع في الثراء والشهرة، فلما شاع له في بغداد ذُكر وطارت شهرته بكل مكان، ظن أنه إن زار مصر عرفت له مكانته، إذ كان منشؤه ومرباه بها».
لقد نشأ في مصر وتربى فيها، ولكنه لم يصادف بها إلا كل إهمال وازدراء لشأنه. وكان الوالي الذي قصده هو عياش بن لهيع الحضرمي صاحب خراج مصر، فمدحه أبو تمام فلم يلتفت إليه، فأعاد الكرة مستبطئاً فلم يأبه له، فعاتبه فلم يبالِ بالعتاب. والله لا يحضرني الآن إلا بيت البحتري: أهزُّ بالشعرِ أقواماً ذوي وسنٍ ... في الجهلِ لو ضربوا بالسيفِ ما شعروا عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ لهم أن تفهمَ البقرَ
فهجاه، مدحه أبو تمام فلم يلتفت إليه، فأعاد الكره مستبطئاً فلم يأبه له، فعاتبه فلم يبالِ بالعتاب، فهجاه وهجا مصر من أجله. وبلغ من حنقه عليه أنه هجاه وهو ميت. الموضوع خلاص أصبح فيه حقد، هجاه وهو ميت. مما قاله فيه بعد موته: فيمن يشنُّ الشعرَ غاراته ... بعدك أو أمثاله السائرة قد كانت الدنيا لِشَوْعَتِي ... منك ولكن عُذتُ بالآخِرة
يا أسد الموت تخلصته، من بين لحيي أسد القاصرة، أجارك المكروه من مثله. هذه كانت حلقة أبو تمام في مصر. ولما أتذكر إن شاء الله قضية تكوين الشعر المصري، لا يصلح، لا يصلح أصلاً يا إخوة، موضوع لا شعر مصري ولا شعر عراقي، هو الشعر وانتهينا.
وقد رأيتم الآن كلام عبد الرحمن شكري في مسألة التجديد، وأن شوقي رجع إلى الشعر العباسي والبرد، وهم أرادوا أن يرجعوا إلى الإسلام والجاهلية. له قصيدة شهيرة في هجاء مصر منها: «ما أضيع الشعر ما لم يُكْنَ عند أهله».
نرجع إلى المقدمة، نقرأ منها إن شاء الله، نرجع إلى سياقنا. توقفنا عند قوله: «أولم يكن من الغبن على الشعر والأمة العربية أن يحي المتنبي مثلاً حياته العالية التي بلغ فيها إلى أقصى الشباب ثم يموت عن نحو مائتي صحيفة من الشعر، تسعة أعشارها لمدحه والعشر الباقي هو الحكمة والوصف للناس؟».
يقول هنا يسأل سائل: «وما بالك تنهى عن خلق وتأتي مثله؟ فأجيب: إني قرعت أبواب الشعر وأنا لا أعلم من حقيقته ما أعلمه اليوم، ولا أجد أمامي غير دواوين للموتى لا مظهر للشعر فيها، وقصائد للأحياء يحذون فيها حذو القدماء».
والقوم في مصر، لا يكلم عن الشعر في مصر في زمانه، زمان شوقي، يقول: «والقوم في مصر لا يعرفون من الشعر إلا ما كان مدحاً في مقام عالٍ، ولا يرون غير شاعر الخداوي صاحب المقام الأسمى في البلاد، فما زلت أتمنى هذه المنزلة، وأسمو إليها على درج الإخلاص في حب صناعتي وإتقانها بقدر الإمكان، وصونها عن الابتذال، حتى وفقت بفضل الله إليها».
ثم طلب العلم في أوروبا، فوجد فيها نور السبيل من أول يوم، وعلم أني مسؤول عن تلك الهبة التي يؤتيها الله ولا يؤتيها سواه، وهبة الشعر، وأني لا أؤدي شكرها حتى أشاطر الناس خيراتها التي لا تُحد ولا تنفد.
«وإذ كنت أعتقد أن الأوهام إذا تمكنت من أمة كانت لباغي إبادتها كالأفعوان لا يطاق لقاؤه ويؤخذ من خلف بأطراف البنان، جعلت أبعث بقصائد المديح من أوروبا مملوءة من جديد المعاني وحديث الأساليب بقدر الإمكان، إلى أن رفعت إلى الخديوي السابق قصيدة التي أقول في مطلعها: خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء».
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قال: إلى أن رفعت إلى الخديوي السابق قصيدة التي أقول في مطلعها: «خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء»، والتي غزلها في أول هذا الديوان. وكانت المدائح الخديوية تنشر يومئذ في الجريدة الرسمية، وكان يحررها الأستاذ الشيخ عبد الكريم سلمان، فدفعت القصيدة إليه وطلبت منه أن يسقط الغزل وينشر المدح، فورد الشيخ: لو أسقط المديح ونشر الغزل؟ ثم كانت النتيجة أن القصيدة برمتها لم تنشر.
فلما بلغني الخبر، لم يزدني علماً بأن احتراسي من المفاجأة بالشعر الجديد دفعة واحدة إنما كان في محله، وأن الزلل معي إذا أنا استعجلت.
ثم نظمت روايتي «علي بك» أو فيما هي دولة المماليك، معتمداً في وضع حوادثها على أقوال الثقات من المؤرخين الذين رأوا ثم كتبوا، وبعثت بها قبل التمثيل بالطبع إلى المرحوم رشدي باشا ليعرضها على الخديوي السابق، فوردني منه كتاب باللغة الفرنسوية يقول في خلاله: «أما روايتك فقد تفكه الجناب العالي بقراءتها، وناقشني في موضع منها وناقشته، وهو يدعو لك بالمزيد من النجاح، ويجب ألا تشغلك دروس الحقوق التي يمكنك تحصيلها وأنت في بيتك بمصر عن التمتع بمعالم المدنية القائمة أمامك، وأن تأتينا من مدينة النور باريس بقبس تستضيء به الآداب العربية».
فصادفت هذه النصيحة العالية من أمير ذكي حكيم هي في فؤادي مطوي على طاعته، نازل على حكم الشعر والأدب، فترجمت القصيدة المسماة بالبحيرة من نظم لمرتين، وهي من آيات الفصاحة الفرنسوية، ثم أرسلتها إلى الباشا المشار إليه في كراس ليطلع جناب الخديوي عليها. وإذ كنت لا أتخذ لشعري مسودات، رجوت أني أجدها بعد العودة إلى مصر، ثم عدت دون ذلك عوّاد.
وجربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب لافونتين الشهير، وفي هذه المجموعة شيء من ذلك، فكنت إذا فرغت من وضع أسطورتين أو ثلاث، اجتمعت بأحداث المصريين وأقرأت عليهم شيئاً منها فيفهمونهle لأول وهلة، ويأنسون إليه ويضحكون من أكثرها، وأنا أستبشر لذلك وأتمنى لو وفقني الله لأجعل لأطفال المصريين مثل ما جعل الشعراء لأطفال البلاد المتمدنة منظومات قريبة المتناول، يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم.
هذا الاتجاه كان موجوداً من أوروبا أصلاً، وشوقي نفسه يقول: «أخذته»، وكان هذا في بدايته في العشرينيات من عمره، وكان عنده نوع انبهار بالآداب الفرنسوية، فهو يقول هذا لأنه أعجبه في أوروبا وأراد نقله. لكن هل هذا مما يفتقر إليه الأطفال؟ أم ربما نلجأ إلى أشعار الحكمة عند المتنبي أو حتى عند بعض المتأخرين؟ هل فعلاً الأطفال بوصفهم أطفالاً يحتاجون إلى منظومات فيها من الحكمة والأدب؟ ما نحن عندنا ديوان الحماسة، والأطفال قالوا حفظوه وشرح له عادي.
والخلاصة، كان يثني هنا على خليل مطران، والخلاصة أني كنت ولا أزال ألوذ بالشعر عن كل مطلب وأذهب في فضائه الواسع في كل مذهب. وهنا لا يسعني إلا الثناء على صديقي خليل مطران، صاحب المن على الأدب والمؤلف بين أسلوب الإفرنج في نظم الشعر وبين نهج العرب.
أنت تريد أن تحلل أنه حتى في عصر شوقي أو في بداياته، كان هناك عَيْنٌ على الغرب. في آخر الفترة العثمانية لم يكن هناك شيء، كانت الحياة الأدبية ضائعة. وها أنتم ترون عبد الرحمن شكري يقول لك قبل البارود وشوقي وحافظ، الشعر لعبة، فبالتالي من الذي له وجود ينظر إليه؟
بالمناسبة هناك ملمح جيد نبهنا إليه بعض الإخوة الأكاديميين، وهذا أعجبني كثيراً في الحقيقة؛ قال: لاحظ يا أبا قيس أن الدواوين التي عندك الآن في المكتبة، كل ما طبع من الدواوين الجاهلية، كل هذا لم يكن موجوداً في ذلك الوقت أصلاً، ولم تكن هذه الدواوين مما طبع منها متوافراً لأي أحد، ولا يسهل الحصول عليه، ما زالت الطباعة نادرة، وأكثر هذه الدواوين ما زالت مخطوطة، وكل هذه تحقيقات حديثة، المستشرقون هم الذين بدأوا بإخراج هذه المخطوطات. فطبعاً عندما تجد شوقي في العشرينيات من عمره ينظر إلى الغرب، ويمدح خليل مطران بأنه الذي ألف بين أسلوب الإفرنج في نظم الشعر وبين نهج العرب، فمن هنا تعلمت شيئاً.
تعلمتُ ألا أستل الشيء من سياقه لأحاكمه. هل أنا أعرف هذا عن شوقي من سنين؟ أعرف طبعًا، ولكنني تعلمت ألا أستل الشيء من سياقه لأحاكمه إلى سياق أو إلى ظروف وأحوال أخرى. فهمتم؟ تعلمت هذا.
الذين يقولون إن أحمد شوقي كان تابعًا للقصر وواقفًا مع الخليفة؛ أقرأ كتاب «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر» للدكتور محمد حسين، كتاب تذهل، تاريخ غير التاريخ وأحداثه ومشكلاته. وكان المخلص لأمته في هذا الوقت هو الذي يؤيد السلطان التركي، وهو أمر طبيعي، ما هو أنت عندك أوروبا تحدق بك، كان عندك فرنسا والإنجليز وأوروبا عمومًا.
يا إخوة، أنا أختم الآن بهذه الكلمة لأنه عندي زوار. أقول: في هذا الوقت كانت أوروبا كلها تحدق بالخلافة وبأراضي المسلمين وبالسلطان الخليفة التركي، والتآلب والانقلابات الداخلية، فأحمد شوقي إخلاصًا ووطنيةً وإسلامًا في هذا الوقت وقف مع الخليفة. لا يمكن أن تأخذ كلام أحمد شوقي من هذا السياق وتقول إنه كان مع الأمراء والخلفاء؛ اقرأ التاريخ وستعلم مع من كان. كأنك لا تستل الشيء من سياقه، كذلك مدحه لخليل مطران والأسلوب الإفرنجي والتآلف بينه وبين النهج العربي. وكذا أنا أستأذنكم يا إخوة لأنه جاءني زوار، طرأ الأمر، فشكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد