السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا، يا مرحبا، أهلا وسهلا، أهلا وسهلا، يا مرحبا، أهلا وسهلا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
هذا مجلسنا الثالث من مجالسنا في التعليق على المقدمة التي كتبها شوقي عام 1898 على أول طبعة له من ديوانه "الشوقيات". أقول لكل من ألقى السلام: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأقول لكل من حيانا: حياك الله وبياك، وعم صباحاً ومساءً، أهلا وسهلا ومرحبا. أرجو أيها الإخوة أن تتفاعلوا مع البث، تفاعلوا مع البث حتى يظهر للإخوة، لأن الإخوة للأسف صارت لا تأتيهم الإخطارات، وصارت كأنه هناك قيود على القناة والله أعلم، وهذا منذ أحداث معينة تعرفونها لا تخفى عليكم.
كيف الصوت والصورة أيها الإخوة؟ كيف الصوت والصورة؟ تمام، الحمد لله، يبدو عندي جميلا، ممتاز، جميل. يا أخي الصلعة منورة والله، كل منور. جيدة جدا، الصورة والصوت كلاهما ممتاز، رضي الله عنكم.
قلنا في المرة الماضية أيها الإخوة -الله يرضى عنكم رضي الله عنكم- تحدثت عن قضية الأدب، وأنه لا يوجد إلا أدب عربي، ولا يوجد أدب يتوزع على البلدان. كانت هناك دعوات لإنشاء آداب قومية في زمان الرافعي، وقبله وبعده، دعوات في مصر وغيرها من البلاد لإنشاء ما يعرف بالآداب القومية؛ يعني أدب مصري، شعر مصري، أدب عراقي، وشعر عراقي، وهكذا.
ولكن أولاً، وجهت من قبل بعض الرجال الذين علموا أنها دعوات هدامة في حقيقتها ولا داعي لها، لأنه لا شيء من ورائها إلا أن يكون التملص من السياق العربي العام، هذا السياق الذي شدنا له القرآن، وشدنا له أدب العرب، واللغة الموحدة التي صارت ديناً. فلذلك وقف الرافعي وغيره ضد هذه الدعوات وقالوا: لا يوجد إلا أدب واحد هو أدب العرب. بل علموا وقالوا: لا يوجد ما يسمى بالأدب الإسلامي أصلاً. مقتضى كلام الرافعي صريح، وتصريح محمود شاكر يقول: يوجد أدب وفقط، لا يوجد أدب إسلامي؛ هذا كلام محمود شاكر، قال لا يوجد أدب إسلامي، هو أدب فقط.
ثانياً، هي ما كان لها أصلاً أن تقوم، وقلت لكم أمس سأقرأ لكم كلاماً أو أصلكم بكلام لأحد المؤرخين والدارسين المتأخرين نص على فشل فكرة وجود أدب مصري خاص. والآن أستذكر وأقرأ لكم النص، وهو للأستاذ المؤرخ والدارس الدكتور مصطفى الشكعة، وذلك في كتابه "الشعر والشعراء في العصر العباسي".
يقول، وإحقاقاً للحق: «نقول إنه قامت في مصر منذ حوالي ربع قرن محاولة لإنشاء تسمية جديدة للأدب الذي نشأ في مصر، وإطلاق اسم الأدب المصري عليها، وإلحاحاً على إنجاح الصيغة فقد أنشئ لها في جامعة القاهرة كرسي للأستاذية، عُرِف وما فتئ -فيما لو كان ما يزال موجوداً- بكرسي الأدب المصري. وجرت محاولات لتسوير جانب من الأدب ومحاولة ربطه بالبيئة المصرية دون غيرها من البيئات العربية حتى ينطبق الواقع على التسمية، ولكن التجربة لم يكتب لها النجاح لسبب بسيط جداً، هو أن الشعب الذي يسكن مصر شأنه في ذلك شأن الشعب الذي يسكن في العراق، وشأن الشعب الذي يسكن الأقطار الشامية، شأن بقية شعوب الأرض؛ أمة واحدة، أدبها أدب واحد على ممر العصور مع سمات مميزة تعتبر من القلة بحيث لا تنهض أساساً لأن تنشئ أدباً إقليمياً على أي من مستويات الأقطار العربية».
يسكن مصر شأن في ذلك شأن الشعب الذي يسكن في العراق، شأن الشعب الذي يسكن الأقطار الشامية، شأن بقية شعوب الأرض العربية؛ أمة واحدة، أدبها أدب واحد على ممر العصور، مع سمات مميزة تعتبر من القلة بحيث لا تنهض أساسًا لأن تنشئ أدبًا إقليميًا على أي من مستويات الأقطار العربية.
ونأتي الآن إلى مقدمة شوقي، وقد أعثرت على القطعة التي أردت أن أقرأها لكم والحمد لله. يقول شوقي: «واتمنى لو وفقني الله لأجعل لأطفال المصريين مثل ما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة منظومات قريبة المتناول، يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم».
والخلاصة يقول شوقي: «إني كنت ولا أزال ألوذ بالشعر عن كل مطلب، وأذهب من فضائله الواسع في كل مذهب». وهنا لا يسعني إلا الثناء على صديقي خليل مطران، صاحب المنبج، والمؤلف بين أسلوب الإفرنج في نظم الشعر وبين نهج العرب.
«والمأمول أننا نتعاون على إيجاد شعر للأطفال والنساء، وأن يساعدنا سائر الأدباء والشعراء على إدراك هذه الأمنية، على أنني لا أستصعب في مصر اليوم صعبًا بعدما علمت أن كثيرًا من النساء المتسترات في خدورهن في بيوتهن في العاصمة القاهرة، أصبحن يرقبن ساعة ظهور الجرائد بصبر نافذ».
وإن إحدى النساء طردت خادمًا لها أرسلته يشتري نسخة من جريدة، فأبطأ مع علمه بأن مولاته لا تصبر عن أخبار الحرب، فإذا فالواجب على الكتاب ورجال الصحافة في أولهم أن يهيئوا أسباب النجاح لهذا الميل الحادث، وعلى الأدباء والشعراء أن يعرضوا فاكهتهم على النساء مثل الرجال، حتى تصبح جنات قرائحهم فيها من كل فاكهة زوجان.
ثم يتحدث عن أن الشاعر يقدر على النثر ضرورة، أما الناثر فإنه لا يقدر على الشعر إلا أن يكون موهوبًا فيه. يقول: «بقي استدراك لابد من إيراده، وذلك أن بعضهم يستنتج من كون الناثر لا ينظم أن الشاعر لا ينثر كذلك، ولا ينبغي له، وخلاص وهذا وهم يداني اليقين عندهم، وهذا وهم خطأ، وهم خيال يداني اليقين عندهم، وقد جاوز الشعراء في الانخداع به حدًا أضر بهم».
«مع أنه يكفي للخروج من هذا الوهم أن نعلم أن أكثر ما أعجز به أدباء الإفرنج اليوم في القصص والإنشاء، وما يمثل على أكبر ملاعبهم وتتداوله ألسنتهم من مرسل الكلم ومنثور الحكم، وما كتب في هذا القرن والذي قبله في الفلسفة العليا والسياسة الكبرى، إنما هو من قلم مشاهير الشعراء».
يقول إن أعلى النثر جاء من كتابهم أصلًا شعراء. طبعًا أنا أيضًا عندي تحفظ على هذا الكلام، وشوقي في هذه المرحلة كما ترون يقيس على الإفرنج، والشعر عند العرب يختلف عنه عند الإفرنج، والنثر عند العرب يختلف عنه عند الإفرنج.
هما فنان، ولذلك فبالفعل هناك من النقاد من قال إن انشغال الشاعر بالشعر يشغله عن فن النثر؛ لأنه فن أيضًا وله حاجة وله وقت. فن الشعر هو الفن الأعلى والنمط الأعلى لا شك باتفاق كما قال ابن رشيد، ولكن ليس معناه أنك إذا عرفت الأعلى فإنك ستتقن أيضًا الأدنى، لا يلزم ذلك.
يقول: «حتى لا تسمع عن أحدهم أنه مات عن عشرات من المؤلفات ثم ترى المنظوم منها أقلها، بل إن بعضهم يقدم "البؤساء" وهو كتاب لفيكتور هوجو على سائر مؤلفاته وفيها الشعر، كما يرون اعتراف ابن العصر لألفرد موسيه أجل أثر له بين كثير من الآثار».
وكلا الشاعرين مطبوع، ولم يختلف في سليكته اثنان، على أن قيل في أعمالهم النثرية إنها أعلى من شعرهم وأشهر. طبعًا هذا عندهم مفترض، ما لنا ولا للغرب في هذا؟ ليس من فراغ نبهتك في الأول أن شوقي كان في العشرينيات من عمره في هذا الوقت.
انقاد بأزمة هذا الوهم، وطالما أوذيت به، فكنت إذا عرضت لي كتابة أشفق منها وأجفل عنها، فصرت كمثل الشاعر الفرنسي الذي يحكى عنه أنه لما رأى أهل باريس يبالغون في الحفاوة به، ويكثرون من دعوته إلى موائدهم ومجالسهم ليسمعوا حديثه على ظن أنه يقول ما لا يقوله الناس، بلغ به الاحتراس منهم إلى أن كان إذا دعي إلى وليمة حضر والقوم على المائدة فأكل صامتا ثم انصرف والقوم لم يفرغوا من الطعام، فقيل له في ذلك فقال: «أنا على المائدة كأحدكم، فإذا جلست إذًا مكتبي فتصوروني كما شئتم».
أما كونه الناثر لا ينظم إلا إذا كان حاصلًا على هذه الملكة الموهوبة من الله، فحقيقة لا مشاحة فيها. وإن لم يكن بذلك عار على الكاتب، بل الغبن الفاحش والخسران المبين أن تضيع حياة الكثيرين من الكتاب والعلماء، وليست بقليلة الثمن في محاولة المحال والتماد في مثل هذا الضلال.
ثم قال كلمة أخرى جميلة: «على أن الشعر ليس من حاجيات العمران المادي الذي تتوقف عليه سعادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ولكنه من كماليات العمران الأدبي الذي تسام النفس عنده الحقيقة المجسدة والمادة المجردة، وتميل في بعض أوقاتها إلى التنقل بشعورها من عالم إلى آخر ومن فضاء إلى سواه». ولعل هذه هي الحكمة في كون الشعراء قليلًا عديدهم في كل زمان ومكان، لا تُعطى الأمم منهم إلا بقدر حاجتها إليهم.
ومما يجمل إيراده في هذا المقام، ما يحكيه شوقي أنه بدأ لأحد الإنجليز أن تكون عنده مجموعة فيها من كل شاعر عصري شيء من نظمه بخطه، فجعل يطوف بها على مشاهير الشعراء، حتى وفد على جول سيمون، فقيد فرنسا وفيلسوفها المشهور، فطلب منه أن يكتب شيئًا من نظمه، فاعتذر الرجل بكونه ما نظم قط ولا يملك قول الشعر، قال: «لست شاعراً وما قلت الشعر قط».
فما زال الإنجليزي يلح عليه حتى أحرجَه، وكان جول سيمون يحفظ أبياتًا للشاعر الشهير لمرتين، وكانت أحسن ما في منظومته التي سماها "البحيرة"، فأخذ المجموعة وكتب الأبيات ثم جعل اسمه تحتها. واتفق بعد ذلك أن المجموعة وقعت في يد منتقد أدبي لبعض الصحف السائرة في باريس، وكان لا يعرف الشعر ولا يدري لمن هو، فلم يكن منه إلا أن ملأ أعمدة الجريدة من انتقادها، ورمى جول سيمون بالدخول فيما لا يعنيه والتطفل على موائد الشعراء، ثم نصح له أن يبقى فيلسوفًا كما كان، ومن الفلسفة ألا يحاول الإنسان ما ليس في الإمكان.
يُعلم مما تقدم جميعه، أنني أرى للمشتغلين بالشعر من أبناء الوطن العربي أن يجمعوا في مسيرتهم على الدرب بين أزواج ثلاثة لا وصول بدونها مجتمعة. الزاد الأول: ثقة الإنسان من كون الشعر في طباعه، وهذا هو الشرط الأوجب. شوقي يؤكد لابد أن تتأكد أنك موهوب في الشعر وأنه من طبعك.
وأن الأمر للآباء والأساتذة أكثر من سواهم؛ ينبغي للأب أن ينتبه لطبيعة ابنه: يميل إلى الشعر أو لا، والأستاذ ينبغي أن ينتبه إلى تلميذه: يراه يميل إلى الشعر أو لا، ولا ينبغي لهم أن يتصرفوا في مستقبل الأطفال -الذين هم أمانة الله في أيديهم- بمقتضى أميالهم الشخصية وأفكارهم الخصوصية.
ولا ينبغي لهم أن يتصرفوا في مستقبل الأطفال الذين هم أمانة الله في أيديهم بمقتضى أميالهم الشخصية وأفكارهم الخصوصية، بل عليهم إذا أونسوا هذه الهبة عند الطفل، إذا وجدوا أنه يميل إلى الشعر، أن يأخذوا بيده ويعينوه عليها، ولو كانوا ممن ينظرون إلى الشعر بعين السخط؛ يعني حتى لو كانوا ممن لا يحب الشعر، لأن الله سبحانه وتعالى وهو الواهب قد رأى له ذلك. الله هو الذي وهبه الشعر، أنت تعترض على قضاء ربنا؟
من جاء في أذهانكم في هذه الحال يا إخوة؟ من ورد في أذهانكم في هذه القصة من الأشخاص؟ من جاء بالأذهان عندكم؟ لا يا محمود، على العكس، من الجواهري؟ أحسنت يا أوراق الخريف، الجواهري نعم، جاء الجواهري في بالي شديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى وهو الواهب قد رأى له ذلك.
كان الجواهري رحمه الله يلزمه أبوه بالعلوم الشرعية، فيتظاهر أمامه بعمل الواجبات أنه يذاكر في الفقه وكذا، فإذا انصرف أبوه وخرج مع أخيه، هرع راغًا إلى مكتبه الدواوين وأخذ يقرأ الشعر. يقول: «أنا لولا أبي لكنت أشعر»، غفر الله لأبيك؛ لأن الله سبحانه وتعالى وهو الواهب قد رأى له ذلك، وما يرى الله أفضل.
وإذا وجدوه داعيًا في الشعر، دخيلًا منذ الطفولة، وجب عليهم تبعيضه إليه وممانعته عن نظمه، ولو كانوا من محبي الشعر ونصرائه.
الزاد الثاني: أخذ العلوم وتناول التجارب؛ لأن الشعر لا يخرج رجيًا عن كونه إخبارًا وحكمة، وهما لا يكونان إلا من عليم مجرب.
الزاد الثالث: ألا يتخذ الشعر حلية على عطل من سائر أمور الدنيا وأشغالها. فإذا كان ولا بد من التفرغ للأدب، فهو يقول: إذا تفرغت للأدب فاجعل الشعر رأس عنايتك واجعله أساس تفرغك. ينصح نصيحة عامة: لا تجعل الشعر حرفتك.
الاشتغال بالأدب يعني لا تجعله أساس عملك وأنت خالي من العمل، لا تجعله حرفتك، انشغل بأعمال ووظائف في أمور الدنيا، لا تجعل الشعر أساسًا. ولكن إن كان ولا بد من التفرغ للأدب حباً به أو طلبًا للكسب، فليكن الشعر هو اليتيمة القعساء، يعني الثابتة في عقد علومه، وصاحب العلم في موكب فنونه.
لا ينافي تعاطيه الكتابة نثرًا في جميع المطالب ودروب المواضع، فإنك لا تجد الشعر وسلطانه عندئذ إلا مرشدين أمينين وذخرين ثمينين. يقول لك لن تتعطل عن الكتابة، بل سيمك... قال: «فليكن الشعر هو اليتيمة القعساء في عقد علومه، وصاحب العلم في موكب فنونه، لا ينافي تعاطيه الكتابة نثرًا في جميع المطالب ودروب المواضع، فإنك لا تجد الشعر وسلطانه عندئذ إلا مرشدين أمينين وذخرين ثمينين».
فمن جمع بين هذه الأمور الثلاثة مرة أخرى -ما هي؟- أن تتأكد من الموهبة، أن تزيد من علومك وتجاربك، أن تجعل الشعر رأس أدبك إذا تفرغت عليه. فمن جمع بين هذه الأمور الثلاثة، وكان عاملًا متقنًا لعمله، حريصًا عليه، مرتقيًا فيه، يخاف الله في الغرور ويخشاه في إيذاء خلقه، فقد تكشف له سر النجاح، وأحرز قصب السبق في حلبة الكتاب والشعراء.
الآن أدخل في الحديث مع فريق طلبوا مني أن أجعل صورتي في هذه المجموعة فوتوغرافية، أي أن أطبع صورته في الشوقيات، وواضح أنه لم يفعل، مشكلة. الطبعات الأولى لم يكن فيها، هذا تصميم غلاف عادي في مصر.
طلبوا مني أن أجعل صورتي في هذه المجموعة، وآخرون رغبوا إلي في كلمة تقال عنها وعن صاحبها، عن الصورة وعني، وأنا يقولها سواي. معذرتي إلى الفريق الأول الذي طلب الصورة: «إن من يعرض صورته على الناس كمن يعرض وجهه عليهم»، وأعوذ بالله وبالمحبين أن أكون ذلك الرجل.
نُداعب شوقي، يقول: «معذرتي إلى الفريق الأول الذي طلب نشر الصورة، إن من يعرض صورته على الناس كمن يعرض وجهه عليهم، وأعوذ بالله وبالمحبين أن أكون ذلك الرجل، على أن صورتي ما عشت بينهم ينظرون إليها، فإذا مت فليأخذوها من أهلي إذا جد بهم الحرص عليها».
وللآخرين الذين قالوا تكلم قل كلمة عن حياتك وسيرتك، أقول إني لا أزال في أول النشوء، كان في الثامنة بعد العشرين يا إخوة، أقول إني لا أزال في أول النشوء، وأن حياتي لم تحفل بعد بالعجائب ولم تمتلئ من الفوائد ولا المصائب. أنا لسه مصايب؟ من هذا الناشئ الذي عاصر الخديوي وهو في الثامنة والعشرين، وأمه وجدته يونانية وأبوه كردي تركي، والدنيا حلوة معه، والقصر طراوة.
«وفوق والسقف عالي في القصر تراوه».
يقول: «وللآخرين أقول إني لا أزال في أول النشأة، وإن حياتي لم تحفل بعد بالعجائب، ولم تمتلئ من الفوائد والمصائب حتى أحدث الناس بأخبارها». المصائب لسه جاية، والله العادة ما شعرت. ويقول هذا الكلام: «لم تحفل بعد بالمصائب»، لسه، استنى لما نقع في البحر، لما نغرق هقول لك نعمل إيه.
يقول: «لكني لا أثق بيومي الآتي، ولا أثق باليوم غدًا، فأؤجل وأخاف بعدي رجلًا، وأرجّم بالظن». وكأن الكلام في الظن. «فلي العذر أن أجيب طلبهم على أن يكون الحديث بيني وبينهم كما يكون بين الأحباب». سأتكلم بحديث هو بيننا كحديث الأحباب، ليس أنني أملي عليهم تجربتي وحياتي ومصائبي. يا شوقي، تعال شوف المصائب، إحنا نحكي بناقلات النفط، نحكي جبالًا من الهم والغم، الحمد لله.
يقول: «سأحكي حديث الأحباب، لست أفرض تجربتي ولا نفسي». وأنا شاب عشريني، سمعت أبي رحمه الله يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب. يقول: «سمعت أبي رحمه الله يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب»، ويقول إن والده... أختنا الدكتورة آثار تقول: محظوظ، حتى مصيبته أنهم نفوه للخارج، رماه في إسبانيا. كان يمشي في شوارعها يحمل ديوان المتنبي غريبًا، ما أشد الغربة! غربة في إسبانيا، يمشي بالبدلة والكرافتة في شوارع إسبانيا مبتلًى.
لو رأيت القصر الذي أقام فيه لما رجع إلى أن توفي عام 1932، بشارع النيل بالكورنيش في الجيزة، الدقي، لعلمت أنه كان في منفى. والله له قصر على النيل، لو أنك أقمت فيه تأكل الخبز الجاف والقهوة، ولا تريد شيئًا من الدنيا بعدها. كان له قصر كفيلا على النيل، ذهبت إليها مرتين تقريبًا، لا أذكر بالضبط، أذهب إليها هذه الأيام إن شاء الله، يسمونها كرمة شوقي، والله شيء جميل جدًا، البيت مبني على ضفة النيل مباشرة.
سمعت أبي رحمه الله يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب، ويقول إن والده، جد شوقي المباشر، قدم هذه الديار يافعًا يحمل وصيته من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا. يعني أحمد شوقي هو الحفيد الأول في مصر لجد تركي، هو الحفيد الأول في مصر لجد كردي. طبعًا كل هذا في ظل الدولة العثمانية، يقال إن كله أتراك.
يقول: «جاء جده، جد شوقي، قدم هذه الديار يافعًا شابًا يحمل وصيته من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا». من سلالة محمد علي باشا. وكان جدي الذي أتى إلى مصر وأنا حامل اسمه ولقبه، يحسن الكتابة العربية والتركية خطًا، وإن شاء فادخله الوالي في معيته، محمد علي باشا. الرجل ربيب قصور من الأول، أحمد شوقي، فادخله الوالي في معيته، ثم تداولت الأيام وتعاقب الولاة الفخام وهو يتقلد المراتب العالية والمناصب السامية، إلى أن أقامه سعيد باشا أمينًا للجمارك المصرية.
«فكانت وفاته في هذا العمل عن ثروة راضية، بددها أبي في سكرة شبابه». أبو شوقي صرف أموال أبيه، الذي هو جد أحمد شوقي، الذي كان مع محمد علي باشا والولاة من بعده. هذه الثروة ضيعها في سكرة شبابه. «ثم عاش بعمله غير نادم ولا محروم، وعشت في ظله وأنا لا أسمع بما كان من سعة رزقه، ولا أراني في ضيق حتى أندب تلك السعة». لست في ضيق، أنا أيضًا أصرف جيدًا، نعيش في رفاهة جيدة، فلماذا أضيق؟ لماذا أندب هذه السعة الواسعة التي أسمع عنها؟ كأنه رأى لي كما رأى لنفسه من قبل: «ألا أقتات من فضلات الموتى».
أما جدي لوالدتي، فاسمه أحمد بك حليم، ويُعرف بالنجدهلي نسبة إلى نجده، إحدى قرى الأناضول. وفد على هذه البلاد فتية، وكذلك جده لأمه وفد إلى مصر أيضًا. أما جدي لوالدتي فاسمه أحمد بك حليم، هو بك وأبوه بك، وجده بك، وجده الثاني بك. وفد على هذه البلاد فتية، فاستخدمه والي مصر إبراهيم باشا أيضًا. إبراهيم باشا هذا جده لأمه، استخدمه إبراهيم باشا كما أن جده لأبيه استخدمه محمد علي باشا. استخدمه إبراهيم باشا من أول يوم ثم زوجه من معتوقته.
كانت أمه يونانية من معتوقاته، جدتي التي أرثيها في هذه المجموعة، وأصلها من مورا. مورا يا إخوة، هذه شبه جزيرة كبيرة جنوب اليونان، تسمى الآن بيلوبونيز تقريبًا على ما ضبطته وكتبته، ويسميها العثمانيون مورا تعريبًا للاسم الأوروبي موريا. نعم، هي شبه جزيرة كبيرة في جنوب اليونان، تسمى بيلوبونيز، ويسميها العثمانيون مورا، وهو تعريب لاسمها الأوروبي موريا.
قال: «وأصلها من مورا»، يعني جدته لأمه يونانية، وجدها لأمه زوج اليونانية يعني تركي. وأبوه، يعني نسله من أبيه كردي، فهو كردي الآباء من جهة الأعمام، وكردي من جهة الآباء، وكردي من جهة الأم، والجدة تركية يونانية. الأصل من مورا من اليونان، جُلبت منها أسيرة حرب لا شراء.
شوقي يقول: «جلبت منها أسيرة حرب لا شراء»، لفتتني هذه الكلمة؛ يقول إنها لم تكن بالأصالة، لا أسرت في حرب، فهي سيدة كريمة ولكن جُلبت أسيرة حرب لا شراء في الدولة العثمانية. كانت رفيعة المنزلة عند مولاها، وكان زوجها محبوبًا عنده كذلك، فما زالا كلاهما مغمورين بنعمة هذا البيت الكريم.
هذا البيت هو بيت والي مصر إبراهيم باشا، وما أدراك ما إبراهيم باشا! عندما ساعد محمد علي الدولة العثمانية في القضاء على تمرد اليونان. فما زالا كلاهما مغمورين بنعمة هذا البيت الكريم حتى توفي جدي، وهو وكيل لخاصة الخديوي إسماعيل باشا، فأمر بنقل مرتبته برمته إلى أرملته، وأن يُحسب ذلك معاشًا لا إحسانًا.
وكان الخديوي المشار إليه، إسماعيل باشا، يقول عنهما: «لم أرَ أعف منه ولا أقنع من زوجته»، ولو لم يسمه أبي حليمًا لسميته عفيفًا لعفته، ولو لم يسمه أبي حليمًا لسميته حليمًا لحلمه. يقول أحمد شوقي: «أنا إذاً عربي، تركي، يوناني، جركسي بجدتي لأبي؛ أصول أربعة في فرع مجتمعة».
«تكفله لها مصر، كما كفلت أبويه من قبل، وما زال لمصر الكنف المأمول والنائل الجذل، على أنها بلادي وهي منشئي ومهادي ومقبرة أجدادي، ولد لي بها أبوان، ولي في ثراها أب وجدان، وببعض هذا تحبب إلى الرجال الأوطان».
أما ولادتي فكانت بمصر القاهرة، وأنا الآن أحبو إلى الـ... حدثني سيد ندماء هذا العصر، المرحوم الشيخ علي الليثي. يقول الشيخ علي الليثي لشوقي: «لقيت أباك وأنت حمل لم توضع بعد، فقص علي حلمًا رآه في نومه، فقلت له وأنا أمازحه: ليولدن لك ولد يخرق خرقًا في الإسلام».
ثم اتفق أني عدت الشيخ في مرض موته، وكانت في يده نسخة من جريدة الأهرام، فابتدر خطابه يقول: «هذا تأويل رؤيا أبيك يا شوقي، فوالله ما قالها قبل في الإسلام أحد». قلت: «وما تلك يا مولاي؟» قال: «قصيدتك في وصف البال التي تقول في مطلعها: حفَّ كأسهُ الحُبَّبُ.. فهي فضةٌ وذهبُ وها هي في يدي أقرأها». فاستعذت بالله وقلت له: الحمد لله الذي جعل هذه هي الخرق ولم يضر بها الإسلام فتيلاً.
«أخذتني جدتي لأمي من المهد، وهي التي أرثيها في هذه المجموعة، وكانت منعمة موسرة، فكفلتني لوالدي وكانت تحنو عليَّ فوق حنوهما، وترى لي مخايل في البر مرجوة». كانت جدته لأمه يونانية من جزيرة مورا، وكانت منعمة موسرة فكفلت والده.
حدثتني أنها دخلت بي على الخديوي إسماعيل وأنا في الثالثة من عمري، وكان بصري لا ينزل عن السماء من اختلال أعصابه، فطلب الخديوي بدرة من الذهب ثم نثرها على البساط عند قدميه، فوقعت على الذهب فاشتغلت بجمعه واللعب به. فقال لجدتي: «اصنعي معه مثل هذا، فإنه لا يلبث أن يعتاد النظر إلى الأرض».
قالت جدته للخديوي إسماعيل: «هذا دواء لا يخرج إلا من صيدليتك يا مولاي». قال: «ائتِ به إليَّ متى شئت، إني آخر من ينثر الذهب في مصر».
ولا يزال هذا الارتجاج العصبي في الإبصار يعاودني، يقول شوقي: «ولا يزال هذا الارتجاج العصبي في الإبصار يعاودني». وكان المرحوم الشيخ علي الليثي كلما التقت عيني بعينه ينشد هذا المصراع للمتنبي: «محاجر مسك ركبت فوق زئبقي»؛ لأن عينه تعمل كذلك، فيقول: محاجر مسك ركبت فوق زئبق تتحرك.
دخلت في مكتب الشيخ صالح وأنا في الرابعة، وهي من أهلي جناية على وجداني أغفرها لهم، ثم انتقلت منه إلى المبتديان. فالتجهيزية، كيف تنطق يا إخوة هذه؟ قديمة، فالتجهيزية. فكنت التلميذ الثاني لهذه المدرسة وأنا في الخامسة.
وكان ناظرها المرحوم صادق باشا: «شن قد حصل لي من النضارة على المجانية بوجه الاستثناء، لا عن حاجة إليها ولكن على سبيل المكافأة».
ثم رأى لي أبي أن أدرس القوانين والشرائع، فدخلت مدرسة الحقوق، وكان ناظرها المؤسوف عليه فيدال باشا لا يراني أهلاً لذلك للسن الصغيرة، فما زال أستاذي وصديقي المهذب يحيى بك إبراهيم، وكيل المدرسة يومئذ، يؤيدني عند رئيسه إلى أن قبلت، ثم لم يكفه ذلك حتى حصل لي من النضارة على مائتي قرش في الشهر، جنيهان.
فدرست الحقوق سنتين، ثم ارتأت الحكومة أن ينشأ بمدرسة الحقوق قسم للترجمة يتخرج فيه المترجمون الأكفاء، فنصح لي الوكيل أن أدخل هذا القسم ففعلت، وأقمت به سنتين ثم منحتني نظارة المعارف، الشهادة النهائية في فن الترجمة.
وبينما أنا أتردد على المغفور له علي باشا مبارك في شأن، ورد عليه مرسوم من المعية الثانية بطلبي إليها، فكان سروره بذلك أضعاف فرحي بالنعمة المفاجئة. فذهبت إلى السراي، وهنالك استؤذن لي على المرحوم الخديوي توفيق باشا. فلما مثلت بين يديه، ولم أكن قد رأيته من قبل ولكن مدحته مراراً وأنا في المدرسة، خاطبني بهذا اللفظ الشريف: «قرأت يا شوقي في الجريدة الرسمية أنك أعطيت الشهادة النهائية، وكنت أنتظر ذلك لألحقك بمعيتي، لكن ليس بها الآن محل خال، فهل لك في الانتظار ريثما يهيئ الله لك خيراً؟».
فاستلمت أذيال العزيز وقبلتها. ثم قلت: «حسبي يا مولاي أنك قد تذكرتني من تلقاء نفسك الشريفة، وأي خير يهيئ الله لعبدك أفضل من هذا؟». فأطرق هنيهة ثم قال: «قد سمعت أن أباك قد عطل من الخدمة، فبلغه أني ربما أدخلته في عمل قبلك». ثم تهلل لي وأذن لي بالانصراف.
فلبثت في المعية بضعة شهور أنتظر فرجاً يأتي به الله، وكان المرحوم علي باشا مبارك لم يقطع عني الراتب. إلى أن كان يوماً كثر غيمه وتثاقل مطره، فخرجت قبيل الأصيل في حاجة لي على حمار أبيض كان لوالدي، وبينما أنا عائد إلى منزلي أجتاز ميدان عابدين، بصرت بالعزيز في بهو السراي يشرف منه، فننزلت عن الدابة أمشي كرامة للملك المطل، وأمرت الخادم أن يبتعد بها وأن يلاقيني خلف القصر.
ثم مشيت على الأقدام حتى إذا انتهيت من الميدان، اعترضني رسول من الأمير يدعوني إليه، فوافيت حضرته وأنا لا أعرف السبب، وكان معه ساعة، إذ المرحوم عبد الرحمن باشا رشدي فتح الحليم بصورة الغضب، ثم قال: «أليس لي أن أطل من بيتي؟». حتى نزلت عن حمارك، وألجتني إلى الانثناء. قلت: «عفواً يا مولاي». هكذا أدبنا الأوائل حيث يقول شاعرهم: «وإذا المطايا بنا بلغنا محمداً...».
الرجال حرام، فتبسم ضاحكًا ثم قال: "إنكم معشر الشعراء تتفاءلون بالغيوم، فهذا اليوم من أيامكم، فاسمعوا للباشا فإنه عنده لك فضلًا".
فالتفت الباشا عندئذ إليّ قال: "الآن أمرني أفندينا أن أبلغك تعيين أبيك مفتشًا في الخاصة الخديوية، وأما أنت فتعين بعد شهر". ثم مد العزيز إليّ يده فقبلتها واجمًا، قد غلب عليّ السرور حتى أنساني الشعر، وكان ذلك وقته.
ثم لم يحل عليّ حول في الخدمة الشريفة حتى رأى لي الخديوي أن أبعث للتأديب في أوروبا. تخيلوا! الخديوي يقول لي: "أنا شايف يا شوقي أن تدرس في أوروبا". أنا عايز الخديوي يتبناني، حبيبي يا خديوي، حبيبي يا خديوي، خديوي حلو قوي! لما يجي لك الخديوي كده يقول لك: "أنا شايف إنك تكمل دراسة في أوروبا"، بقى يلا روح وأصرف عليك وعلى رواتب وعلى بيتك. آه يا خديوي!
ثم لم يحل عليّ حول في الخدمة، أقل من عام، حتى رأى لي الخديوي أن أبعث للتأديب في أوروبا، فخيرني في ذلك وفيما أريده من العلوم، فاخترت الحقوق لعلمي أنها تكاد تكون من الأدب، وأن لا قدم فيها لمن لا لسان له. القاضي عندنا الآن يخطئ في الآيات القرآنية، وهو يقول: "تكاد تكون الحقوق من الأدب وأنا لا قدم فيها لمن لا لسان له". سبحان الله!
فأشار عليّ الأمير عندئذ أن أجمع في الدراسة بينها وبين الآداب الفرنسوية بقدر الإمكان، ثم سافرت على نفقته، فكنت أنقد 16 جنيهًا في الشهر؛ نصفها من المعية ونصفها من الخاصة. وأعطاني يوم سفري 100 جنيه، يا سلام! كانت كبيرة جدًا في هذا الوقت. أرسل نصفها إلى مدير الإرسالية ليهيئ لي جميع ما أحتاج إليه حال وصولي، ودفع إليّ النصف الآخر بيده الشريفة.
وما أنسى من مكارمه رحمه الله، لا أنسى قوله لي في ساعة الوداع: "لا حاجة بك منذ اليوم إلى أهلك، فلا تعنتهم بطلب النقود، وأعنت أباك هذا الغني". لأن أباه اشتغل مع العزيز.
نكتفي يا إخوة، شكرًا لكم، جزاكم الله خيرًا. غدًا نتم إن شاء الله، جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سيرة بشوات صح؟ هذه سيرة بشوات، يعني بشوات وبكوات وخديوي. وإيه الموضوع ده؟ إيه الجو التركي اللي إحنا وقعنا فيه ده؟ باشا وبيك وخديوي ووالي. في أمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد