دخولتسجيل الدخول

الدرس 4

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحبا بالإخوة الكرام.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد: هذا مجلسنا الرابع والأخير إن شاء الله تعالى من قراءة المقدمة التي كتبها أحمد شوقي رحمه الله تعالى عام 1898م على الطبعة الأولى من ديوانه "الشوقيات".

أيها الإخوة، كنا مع أحمد شوقي وهو يحكي عن نفسه بين الوالي والبيك والباشا، هونا أنفسنا في بيئة تركية عثمانية تعرفونها، وكانت في مصر أيام الملكية. ومصر كما تعلمون هي أكثر من غيرها في الحضارة المعاصرة، وتمدنها قديم جداً، وما تعاني مصر منه الآن في الحقيقة، لو قارناه بما كان، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيل عثرتها.

وصلنا إلى الموقف الذي ذكره لما قال: «فاستلمت أذيال العزيز وقبلتها، ثم قلت: حسبي يا مولاي إنك قد تذكرتني». لما قال: «إنك قد ذكرتني من تلقاء نفسك الشريفة، وأي خير يهيئ الله لعبدك أفضل من هذا؟». ثم قال: «قد سمعت أن أباك قد عطل من الخدمة، فبلغه أني ربما أدخلته في عمل قبلك»، ثم تهلل وأذن لي بالانصراف.

فلبثت في المعية بضعة شهور أنتظر فرجاً يأتي به الله، وكان المرحوم علي باشا مبارك لم يقطع عني الراتب، إلى أن كان يوم كثر غيمه وتثاقل مطره. فخرجت قبيل الأصيل في حاجة لي على حمار أبيض كان لوالدي، وبينما أنا عائد إلى منزلي أجتاز ميدان عابدين عندنا في القاهرة، بصرت بالعزيز في بهو السراي يشرف منه، فنزلت عن الدابة أمشي كرامة للمليك المطل، وأمرت الخادم أن يبتعد بها وأن يلاقيني خلف القصر، ثم مشيت على الأقدام.

حتى إذا انتهيت من الميدان، اعترضني رسول من الأمير يدعوني إليه، فوافيت حضرته وأنا لا أعرف السبب، فكان معه ساعة إذ المرحوم عبد الرحمن باشا رشدي، فتحلى الحليم بصورة الغضب، ثم قال: «أليس لي أن أطل من بيتي؟» حتى نزلت عن حمارك وألجتني إلى الانثناء. قلت: «عفواً يا مولاي»، هكذا أدبنا الأوائل حيث يقول شاعرهم: وإذا المطايا بنا بلغن محمداً *** فظهورهن على الرجال حرامه

فتبسم ضاحكاً ثم قال: «إنكم معشر الشعراء تتفاءلون بالغيوم، فهذا اليوم من أيامكم، فاسمع للباشا». فالتمت الباشا عندئذ إلي وقال: «الآن أمرني أفندينا»، شوف ما بين باشا وبيك وأفندينا! «الآن أمرني أفندينا أن أبلغك تعيين أبيك مفتشاً في الخاصة الخديوية، وأما أنت فتعين بعد شهر». ثم مد العزيز إلي يده فقبلتها واجماً، قد غلب علي السرور حتى أنساني الشعر، وكان ذلك وقته.

ثم لم يحل علي حول في الخدمة الشريفة حتى رأى لي الخديوي أن أبتلع التأديب في أوروبا، فخيرني في ذلك وفيما أريده من العلوم، فاخترت الحقوق، لعلمي أنها تكاد تكون من الأدب، وأن لا قدم فيها لمن لا لسان له، فالقضاة لا يقرأون الآيات صحيحة، والله لا أبالغ. فأشار علي الأمير عندئذ أن أجمع في الدراسة بينها وبين الآداب الفرنسوية بقدر الإمكان، ثم سافرت على نفقته.

فكنت أنقد ستة عشر جنيهاً في الشهر، تعرفون متى هذا يا إخوة؟ هو كتب هذه المقدمة عام 1898م، يعني في آخر القرن التاسع عشر. ستة عشر جنيهاً في الشهر، انظروا إلى الجنيه المصري كم كان يساوي من الجنيهات الذهبية! فكنت أنقد ستة عشر جنيهاً في الشهر، نصفها من المعية ونصفها من الخاصة، وأعطاني يوم سفري مئة جنيه، أرسل نصفها إلى مدير الإرسالية ليهيئ لي جميع ما أحتاج إليه حال وصولي، ودفع إلي النصف الآخر بيده الشريفة.

وما أنسى من مكارمه رحمه الله عليه، لا أنسى قوله لي في ساعة الوداع: «شؤم الأدباء لم يصب شوقي». مولانا، ينبغي أن يكون الإنسان مسلماً لقدر الله، مؤمناً بتصريفه للكون. وسبحان الله، الإنسان في كل عصر ما كان يتخيل أن تتغير الأحوال؛ من كان لديه ستة عشر جنيهاً في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر، كان من أثرياء القوم، فعلاً كانت ثروة، وهذا التقلب حاصل.

الذي يرى مثلاً حال مصر في هذا الوقت، مصر كانت ملكية، وهذا حال الشاعر فيها، وكيف كان الحجاز في هذا الوقت وشبه الجزيرة العربية، والأرض التي قبل أن تنشأ الدول الموجودة الآن، قبل أن تنشأ الدول كانت الأرض والتراب شيئاً واحداً. سبحان الله، أخرج الله هنا مكونات طبيعية أو معادن طبيعية، فجاءهم الثراء. ومصر والبلاد الأخرى التي كانت على خلاف ذلك، التي كانت في حالة من الثراء وفي حالة من البحبوحة من الدنيا، سلط عليها من لا يفهم وفسد، فهذا حال البلاد، ولا ندري كيف يكون الغد، تنقلب الدنيا في عقود قليلة.

والإنسان لابد في أثناء هذا كله أن يتعلق بالسماء، أن يتعلق بالله، وأن يتقي الله، وأن يعلم كيف يوظف هذه الثروات. ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 27]. ويقول تعالى: ﴿كَلَّا نَمُدُّ لَهُمْ ۖ مِّنَ الْعَطَاءِ ۗ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 64]. ﴿وَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]. فالأرض الله تعالى قدر فيها أقواتها، فلا يخشى فيها فقر.

لا يخشى فقر لدرجة أن الإنسان يعلم أنه إذا سعى ونظم هذا العيب، فمن ظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فالله تعالى كأنه يختبر عباده؛ يمنّ عليهم بخيرات الأرض، ويمنّ عليهم بتيسير تجارتهم، ويمنّ عليهم بكل هذا، ثم ينظر من حالهم وشأنهم. والذي يخشى الآن من بلاد المسلمين التي منّ الله تعالى عليها بالثراء أنها لم تدبرها كما أراد الله لها أن تدبر، كما يريد الله تعالى منهم أن يدبروها؛ لأنهم ربما ينسون أنها نعمة الله، الله لا ينسى.

كذلك كما كان في مصر، كانت نعمة يرفلون فيها وقوة يرفلون فيها في دولتهم الأخيرة، لم يراعوا الله فيها ولم يصرفوها فيما أراد الله سبحانه وتعالى أن تصرف وتستعمل. وهكذا الذي كان في ملوك الطوائف في الأندلس، عندهم الأرض وعندهم كذا، لكنهم مفرقون، لم يلتزموا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. ففي الأخير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فهذا لفظ عام، ما بقوم، يعني كل شيء لن يتغير ما أنت فيه إلا إذا غيرت أنت وبدلت.

أزال الله تعالى النعمة. وكنت من باب غيرتي على البلاد الإسلامية أتحدث مع من ألتقيهم، وأتحدث مع بعض المتخصصين في الدراسات الاقتصادية وكذا، فكانوا يشرحون لي الفرق بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد الوهمي، أو الفرق بين قوة الاقتصاد الحقيقي والثراء. فرقوا لي، قالوا: فرق بين اقتصاد قوي وثراء. قلت: ما الفرق؟ قالوا: اقتصاد قوي يعني قوة شعبية، قوة صناعية، قوة مهارية، قدرة وعلوم تستطيع تحويل المواد الأولية كالرمال وكذا إلى مواد استهلاكية نافعة، قوة صناعية واستخراجية تحول الصناعات، وقوة زراعية لمن عندهم موارد طبيعية كالأنهار والسهول ونوع الأرض، أو عندهم بحار فيكثر فيهم الصيد والتجارة السمكية، قالوا: هذه كلها تسمى قوة اقتصادية حقيقية، وهي التي يمكن أن تغطي العملة.

أما الثراء، فهو أن يصادف في البلاد أن يكون فيها الموارد الطبيعية أو الموارد المحدودة، كالبترول وبعض المعادن أو المناجم المحدودة التي هي موارد تنفذ في الأخير، أو يعني لا تنمو إلا عن ثراء؛ أنت وجدت مثلاً كنزاً عندك، تستعمله. قال: هذا لا تكون فيه قوة اقتصادية، هذا يسمى قوة ثرائية.

تحدثت مع بعض إخواني ممن أعرفهم في بعض دول الخليج العربي في إحدى السفريات، وتحدثت إليه، قلت ممن أعلم أنه يحب بلاده، فدائماً عنده اعتراضات وعنده توجيهات إصلاحية وكذا، فقلت له: أسألك سؤالاً، لو أن هي دولة بترولية، ولم تكن السعودية بالمناسبة، قلت له: لو أن البترول الآن توقف، أو بعض الآبار عملت معاملة سيئة من غير خبرة فخرجت من الخدمة، أو استولى عليها آخرون من شركات التعدين، ماذا سيفعل أهل هذا البلد من صناعة وقوة صناعية وقوة اقتصادية وتحويل الموارد الطبيعية الرخيصة إلى مواد صناعية؟ قال: سنعود إلى صيد السمك والرعي، وسنذكر وسنحكي العقود التي عشناها في ثراء فقط.

قلت له: هذه الفترة من الثراء، ألا تستحق أن تكون فترة للتنمية وإحداث قوة صناعية، ومن ثم عسكرية حقيقية، لا تحتاج فيها إلى تحالفات، أنت فيها واقعياً خاضع، لست تملك أمرك ولا نفسك، ومضطر إلى شخص أنت تعاديه ديناً وثقافة أن يكون له أماكن عندك؟ قال: هذا ما أقوله، ومن هذه الأشياء سموني معارضاً وشوهوني. قال: من هنا سموني معارضاً وشوهوني، يعني هذا الذي تقول وأنت من خارج البلد، أنت تتكلم بأسس. أقول طبعاً أسس.

أنا من ضمن حزني على مصر، من أسباب حزني على مصر الآن أنها تحول إلى دولة خدمية؛ كافتيريات، تجارات، فنادق. مصر ليست كذلك، تركيبها ليس كذلك، مصر قوة شعبية أولاً، قوة شعبية كمية ضخمة جداً، وثانياً مصر ثقافياً وقوة صناعية، أهل حرف وفنون، صناعية. فمصر في هذا تستطيع النهضة كنهضة الصين، وتستطيع أن تنتج منتجات رخيصة وذات جودة عالية، الأيدي العاملة كثيرة والمصريون فنيون، تراهم في أي بلاد ماسك خط الإنتاج أو الورش، فنيون يحبون العمل.

فيها نهر وصحراء تستصلح، وبحران والدلتا كبيرة، وفيها صناعات التعدين أو الحديد والصلب وكذا، فأنا أرفض، بوصفي مصرياً، أرفض أن تكون مصر دولة خدمية، أرفض أن تكون مصر دولة جالبة للاستثمارات من فلان وفلان وفنادق، والمصريون يعملون في الجرسونات وفي الكاستمر سيرفيس. أنا أرفض هذا، المصري عندي فوق هذا، المصري مدير ومهندس وعامل، أعلى مهندسين من مصر، أعلى دكاترة، هناك طبعاً قد يتفوق عليهم غيرهم في مجالات، أفهم هذا، لكن الدكاترة والمهندسين من مصر.

أنا زارني يمنيون قريباً، وصدقوني أو لا تصدقوني، والله يشهد على ما أقول، أخبراني أنا وصورتهم بالمناسبة نشرتها عندي موجودة على الفيسبوك قبل أشهر قليلة، قال لي والعهد عليهما.

نحن في رحلة علاجية إلى مصر، ذهبنا بمريضنا إلى ألمانيا. هذا الكلام قيل لي، والله أنا لا أجرؤ على قوله، لكن قيل لي وقالوا بالحسابات لا يصلح في مصر، تبنوه ونجحت.

قال الدكاترة في مصر يفكرون، لا يقفون على كتب الطب؛ ماذا لو فعلنا؟ ماذا لو جربنا؟ حتى لو جربنا على عهده المريض، لكن في احتمال. عندي يمنيان وصورتهما على الصفحة، زارني قبل ثلاثة أشهر تقريبًا، قبل رمضان بشهرين تقريبًا، قال لي: نحن في رحلة علاجية، والدكاترة في مصر مستواهم عالٍ جدًا، ولم يتقبلوا الحالة في ألمانيا؛ قالوا علميًا هكذا بالكتاب لا يصلح، لكن قالوا لي على كلامهم أيضًا: الألماني يقف، المصري يفكر في حلول؛ ماذا لو؟ ماذا لو؟ ماذا لو؟ لو هناك خطر، طب ما إحنا ممكن نعملها على عهده المريض لكن نحاول. يحاول أن يعمل شيئًا يفكر وماذا لو ويطرح احتمالات، لا يقف عند المسألة إذا سدت المعادلة، لا يقف عند المعادلة. هذا كلام اليمنيين الذين زاروني هنا في هذا المكان.

خلاص، المهندسون؛ اعلموا أن أعلى الكفاءات في الدولة العربية من الهندسة مصريون، تعليم مجاني. فأنا أرفض مثلا في مصر أن تكون دولة خدمية تنشئ محطات بنزين وكافيتريات، المصري يعمل هناك، لكن المصري عامل محترم ومدير ومهندس وطبيب وصناعي. فمصر يمكن أن تكون من أثرى الدول، لا أقول على مستوى الدول العربية، بل على مستوى العالم، ولكنها مرصودة ألا تكون كذلك.

كسروا الشوكة الأولى؛ العراق كسروها بهذا الأرعن العنجهي، ثمروا طبيعته الغبية، تعرفون من أقصد؟ الذي كان بداية الخراب على العراق، والآن مصر كانت بعدها سوريا، الآن مصر وهم صرحوا بهذه الدول. فمصر لا يراد لها أن تقوم، يعلمون أن فيها 120 مليونًا، ويعلمون موقفهم، ويعلمون أنها قد تقوم اقتصاديًا، فهي مسلط عليها اقتصاديًا، لكن يمكن أن تقوم قومة كبيرة عزيزة بصناعة وتجارة، بحران ونيل متفرع فروع كثيرة، أساسيان: دمياط ورشيد، وبينهم من الأنهار ما لا يحصى. في كل بلد تذهب تجد أنهارًا من النيل، وصحراء هنا وهنا، ورمال لصناعة أودية السيليكون أو صناعة الأجهزة الإلكترونية، قالوا ليست موجودة في مكان من الجودة فيها، واستصلاح أراضٍ وكذا، وأغلقوا عليها النيل من هناك، وأفقروها من هنادها، ومن هنا حاصروها.

أسأل الله أن يحفظها، إن شاء الله يكون الانبعاث من هذا البلد العظيم، من هذا البلد العظيم، بلد الأزهر، إن شاء الله سبحانه وتعالى.

القوة الاقتصادية غير قوة الثراء؛ فليت إخواننا الذين نحبهم، الذين هم نحن، الذين بلادهم بلادنا وبلادنا بلادهم، أرضنا أرضهم وأرضهم أرضنا، الذين تلحمتنا العرقية والدينية والقرآنية واللسانية والثقافية والأخلاقية وكل شيء والمكانية كلها واحدة، ليت إخواننا يفيقون لأنفسهم ولا يطمئنون، وليعلموا أن هؤلاء لن يرضوا عنهم، وأنهم يفقرونهم ويجففونهم، وأنهم أولى بثرواتهم وأولى بخيراتهم وأولى بأن يقوموا في هذه المدة، ألا يطمئنوا، أن يقوموا باقتصاد حقيقي: صناعي، زراعي، تجاري، بحور وأرض واستصلاح، وثروة بشرية وصناعة.

وهذا الذي يدير ويأتي بشخص من هنا، من هذا البلد، اعمل؛ اعمل، حاول أن تكون في خط الإنتاج، اعمل. مرة فكر جمال عبد الناصر لما عمل مصنع النصر للسيارات، السيارات تعمل إلى الآن، سيارات مصرية رخيصة، أنا أراها في الشارع تعمل إلى الآن، أقوى، تدخل في حائط تهده كما يقولون. السيارات التي صنعت هنا في مصر بشركة النصر للسيارات ليغني المواطن العادي الفقير، إلى الآن أرى السيارات تعمل، أكثر من نصف قرن، ومتينة جدًا تدخل في حائط تنسفه.

فهيا حاولوا، ولا تركنوا ولا تطمئنوا، ولا تضعوا أي اطمئنان لهذا الذي تركنون إليه، إنه بيننا شراكة وبيننا كذا، هذا لا يعرفه أحد، الله المعين. والله حزين يا إخوة على بلادنا، حزين على مصر وعلى الشام وعلى العراق وعلى الخليج، حزين. وليس حزني على الخليج مع ثرائه بأقل من حزني على مصر والشام والعراق، لأنني أعلم أنها أشياء ليست مجذرة، ليست قوة اقتصادية ثابتة حقيقية، وإنما موارد طبيعية. وما زلنا نحتاج إلى ثقافة التصنيع والاستغناء، وأن يكون دواؤنا وغذاؤنا من أرضنا.

وأنتم تعلمون، ليتأكد لكم ذلك، تعلمون ما الذي حصل مع أي أحد دعا في أي بلد إلى أن يكون مستغنيًا بغذائه ودوائه؟ الله يرحمه، أظن الشيخ الشعراوي كان ماذا يقول؟ الشيخ المفسر كان يقول، كأني سمعتها منه لا أذكر لست متأكدًا، يقول: «اللي لقمته مش من فاسه، كلمته مش من راسه»، اللي لقمته مش من فاسه، كلمته مش من راسه، تملى عليه، اللي لقمته مش من لقمته؛ يعني أكله زاده قوته. أصلح الله بلاد العرب والمسلمين، آمين.

نرجع إلى الباشا والبيك والوالي وأفندينا، قال: ودفع إلي، وما أنسى من مكارمه رحمه الله عليه، لا أنسى قوله لي في ساعة الوداع: «لا حاجة بك منذ اليوم إلى أهلك، فلا تعنتهم بطلب النقود وأعنت أباك هذا الغني». فركبت البحر لأول مرة، مارسيليا، فلما قدمتها وجدت مدير الإرسالية في انتظاري بها، فأخبرني بأن الأمير يأمر بأن أقضي عامين في مدينة مونبلييه، وأخرين في باريس. أنت ستروح مونبلييه تقعد سنتين، بعدين تروح باريس تقعد عامين، من الذي يقول كذا؟ الأمير ومتابعك حنان الأم. وكان المدير قادمًا من مونبلييه للقائي، فعاد بي إليها على الفور، وهنالك قدم إلي جميع ما أحتاج إليه، وأدخلني في مدرسة الحقوق بالجامعة، ثم رجع إلى العاصمة. فلما انقضت السنة الأولى، التمست من ولي النعم، يا سلام على ولي النعم، التمست من ولي النعم أن يأذن لي بالأوبة إلى مصر.

أن يأذن لي في الأوبة إلى مصر لقضاء زمن العطلة بين أهلي، فأوقع إلى أمره أن هذا من نزق الشباب. أوقع إليّ، أي كتب إليّ أمره، أن هذا من نزق الشباب، وسيبك من مصر، ركز في أوروبا. وأنه يرى لي أن أقيم أربع سنوات كاملة في أوروبا، وأنا أضيع منها دقيقة واحدة.

هذه الرعاية صُنعت على عين العثمانيين، شوقي صُنع على عين العثمانيين. ثم أرسل إليّ 50 جنيهاً لأنفقها في رحلة أزمعها إلى أي بلد أشاء إلا مصر. خذ، لا، واحد ثاني؛ خذ 50 جنيهاً سافر، اذهب إلى أي بلد أوروبي آخر غير الذي أنت فيه، لكن مصر لا. "ثم أرسل إليّ 50 جنيهاً لأنفقها في رحلة أزمعها إلى أي بلد أشاء إلا مصر".

وكانت الدعوات قد توالت عليّ من الفرنساويين، رفقائي في المدرسة، بالذهاب إلى مدنهم المتفرقة في الجنوب وقضاء بعض الأيام في ضيافتهم هنالك. فقضيت بعد شهرين أو نحو شهرين، كنت فيهما قرير العين، طيب النفس، ناعم البال، حيث التفتُّ فرأيت حولي مناظر رائعة ومجالٍ شائقة ومعالم للحضارة في أقاصي القرى شاهقة، وآثاراً لدولة الرومان تزداد حسناً على تقادم الزمان. وعرفت الفلاح الفرنسي في داره، وكنت ألقاه في مزرعته وأماشيه في الأسواق، فيخيّل إليّ أنه قد خلف العرب في قرى الضيف وإكرام الجار.

وكان أعجب ما رأيت مدينة "كركسون"، وجدتها قسمين، وألفيت القوم عليها صنفين؛ فمنها الباقون على ما كانوا عليه من أيام آبائهم في القرون الوسطى؛ بناؤهم ذلك البناء، ولباسهم ذلك اللباس، وعاداتهم وأخلاقهم تلك العادات والأخلاق. والآخرون خلق جديد، وشعب كأسر سائر شعوب الأمة في أخذهم بأشياء التمدن العصري. وبالجملة كانت نتيجة هذا التنقل من أجل نعم الله عليّ، وأثنى أيادي الخديوي السابق عندي.

ثم كنت أنتهي من السنة الثانية، حتى كتب إليّ مدير الإرسالية المصرية يستقدمني لباريس، ويخبرني أنه ذاهب بتلامذته إلى إنجلترا لقضاء أكثر أيام العطلة فيها، وأن الأمير -رحمه الله- أدى نفقة هذه السياحة عني إذا رغبت فيها. فبرحت من بلدي على عجل إلى باريس للمرة الأولى، فأقمت بها يومين ريثما أهب للرحلة، ثم سافرنا إلى عاصمة إنجلترا فلبثنا فيها نحو شهر، نغشى من معالمها في الحضارة، ونشاهد من دوران دولاب التجارة والصناعة فيها ما ينتهي إليه العظم والجلال في هذا العصر.

لكن لم نلبث أن سئمناها، وهذا أكبر عيوبها؛ إنجلترا، وأنا رأيت في عهدنا لم أسافر إلى إنجلترا، لكن لقيت كثيراً ممن سافر إلى هناك يقول: "بلد يُمِلّ". لندن بلد يُمِلّ، صناعة وجمال لكن يُمِلّ سريعاً. ثم سافرنا، فلبثنا في لندن نحو شهر نغشى من معالمها في الحضارة ونشاهد من دوران دولاب التجارة والصناعة فيها ما ينتهي إليه العظم والجلال في هذا العصر، لكن لم نلبث أن سئمناها، وهذا أكبر عيوبها أنها تُمَلّ بسرعة. فخرجنا إلى بعض المدائن على بحر الشمال، وهناك وجدنا راحة الخاطر وقرة الناظر، وإن يكن الجو كثير التقلب غداراً في غالب الأحيان.

فلما كانت السنة الثالثة، وهي الأولى لي في باريس، أصبت بمرض شديد، كنت فيه بين الحياة والموت. فاستخدمت ممرضة تسهر عليّ وتعمل بإشارتي في الحركة والسكنة، فكنت أسمعها وأنا في سكرات الحمى تقول: «أفي مثل هذا الشباب تذهبون؟»، ثم تكفف الدمع. لكن الله خيّب ظنونها ومنّ عليّ بالشفاء.

وعندئذ أشار عليّ الأطباء أن أقضي أياماً تحت سماء أفريقيا، على زعم أن الذي بي من الضجر والسآمة ليس إلا حنيناً إلى الوطن. فوقع اختياري على الجزائر، فرحلت إليها مع أحد قضاة الفرنساويين، فنفعتني مرافقته وظل دليلي على الهدى في عاصمة المستعمرة نحو عشرين يوماً، ثم برحتها إلى وهران.

أما جو الجزائر فلم يعدله جوٌّ في صحوه وطيب نسمته مع توقد شمسه، إلا جنوب فرنسا. ولم أتأثر فيها كتأثري من رؤية المصريين في القهاوي البلدية، إذ أكثر أصحابها وغلمانها منهم، وكان قد بلغهم جلوس مولانا الخديوي القائم عباس باشا على الأريكة المصرية، فكنت أراهم فرحين بالنبا وأسمعهم يدعون لسموه.

ولا عيب في الجزائر سوى أنها قد مسخت مسخاً، يقول شوقي: «ولا عيب في الجزائر سوى أنها ... قد مسخت مسخاً» فقد عهدت مساح الأحذية فيها يستنكف من النطق بالعربية، يعني يستكبر عن ذلك، وإذا خاطبته بها لم يجبك إلا بالفرنسية، أخس! هذا عيبها. على أن حركة العمران في المدينة عجيبة، وآثار التمدن الفرنسي بادية عليها في الجزائر، ولكن المسلمين من أهلها لا يشاركون القوم في شيء من ذلك، ولا يتهافت مترفوهم إلا على مدار التمدن وأسوائه، فكان حظنا واحداً في كل مكان.

لا أنسى كلمة هنا، كنت في الكويت مع صديق عام 2022، فكنت أتمشى معه، فكان يحكي لي أنه سافر بلاد الخليج جميعاً تقريباً، فيقول: "أما البلد الفلاني فهو بلد محدث جديد، أنت ترى الواحد منهم يدخل يصرف عشرات الآلاف من عملته، ويخرج يلبس لك أغلى كاب وأغلى تيشيرت وأغلى كذا وكذا، ولكنه كالببغاء هكذا، ما زال محدث نعمة". هو يحكي عن هذا البلد الآخر.

ونحن نسبقهم بكثير، نحن بيننا -لا أذكر كيف قال- لكن أذكر أنه قال: نحن بيننا حوالي دهر، ستون عامًا. فكنت ساكتًا كل هذا الوقت ونظرت إليه، فنظر لي فضحك شهيقًا وقال: "آه، مصري!".

قلت له: "جاي مصري بتكلمه عن الحضارة والتمدن؟ ستون سنة يا راجل!". ستون سنة، كنت أقول يا رب ستتعدل إن شاء الله وتعدي. هذه الستين سنة عندنا، لكن المنظر كان جميلًا وأنا ساكت أفكر في كلامه؛ هو يقارن الكويت ببلد آخر، يقول: "هذا البلد الآخر نحن سبقناهم بستين عامًا، نحن أسبق تمدنًا وخلاص، هم جديدون في هذا الباب، فتراهم حتى الآن عندهم ثراء لكن ليس عندهم ذوق الحضارة، في الشراء، في الشياكة، في اللباس".

فنظرت إليه، فنظر إليّ، فتقول في نفسك: لا تكلم مصريًا هكذا! أنت بتكلمني في ستين سنة وبتكلمني كأنك أحمد شوقي، من الذي بين البشوات؟ هذا شاعر أول أمس، جدي، أنت متخيل! فأتكلم في ماذا؟

تذكرت الآن عندما قال شوقي: "ولكن المسلمين من أهلها لا يشاركون القوم في شيء من ذلك التمدن والعمران". لأن بلادنا العربية، للأسف، لم تأخذ من الانفتاح الاقتصادي أو الانفتاح الثرائي إلا الصور الببغائية.

الببغاوية هي أن تلبس وتتأنق وتعمل أغلى موبايلات، وأغلى سيارات، وأغلى قصور؛ هذه ليست قوة. وعند النوازل الحقيقية يظهر أنها ليست قوة، هذه نفقات، هذا ثراء يذهب في لحظة، ليست قوة ولا عملاً حقيقيًا، ولا هي قوة اقتصادية أو أساس اقتصادي قوي. الاقتصاد أو الثراء الذي يكون بيد عدوك ويذهب عنك إذا أراد دون أن يعمل لك حسابًا، هذه ليست قوة حقيقية.

اخرجوا من الغضب للنفس، وانظروا إلى الواقع، وإلى من ينصح بحق، ومن يحبكم بحق، ويغار عليكم بحق؛ يكلمكم كذلك لأنه يحبكم ويغار عليكم بحق، ويسوءه أن يجد هذه البلاد على هذه الصورة، كما ساء شوقي أن رأى الجزائر على هذه الصورة ونقدها.

تخيلوا أن هناك خللًا أساسيًا في الناس، بمعنى القائمين على هذه البلاد، أنهم ينظرون إلى أنفسهم قبل أن ينظروا إلى تقويم هذا الشأن. لو أنه نقدهم أحد في أنهم ينبغي أن يكونوا كذا ولا يكونوا كذا، نظروا إلى أنفسهم ولم ينظروا إلى بلادهم ومصلحة بلادهم، وأن هذا النقد قد يكون صحيحًا. نظروا إلى أنفسهم: "كيف ينقدنا هكذا؟".

لا، نحن يا أخي نحن ضعنا. ضع نفسك بكل ضمائر المتكلم هذه في كفة، وضع البلد والأمة في كفة، من سترجح؟ هناك من هو مستعد لخراب أمته فقط حتى لا تمس صورته. لا أتخيل أحدًا يتولى رعية وينظر إلى نفسه، وأن يكون هو الرقم واحد في الحكم والنظر، وأن يجعل كيانًا وأمة كاملة تابعة فقط لما يصحح به صورته، بحيث لا يُنقد، فتتحمل أمته لمعته وتتحمل أمته بياض وجهه! حرام.

«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». خذوا هذه من جوامع الكلم، ﷺ أوتي جوامع الكلم. كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته. تخيلوها، أنك راعٍ بمنتهى البساطة والهدوء، مسؤول عن رعيتك، ستسأل عن ماذا؟ ليس عن ظنونك، بل عن الأصلح لها.

لا يشم رائحة الجنة أو كما قال النبي ﷺ: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فسلطه الله عليهم، ثم مات وهو غاش لهم، دخل النار». ومن ولي على المسلمين أمرًا من أمرهم أحد وهو يعلم أن فيهم من هو أولى منه، فكيف بمن ضيع أمته لحساب نفسه؟ كلكم راع، فانظروا فيما استرعاكم الله فيه، توليتم رعيته، فقوموا على شأنها وأمرها، وعلى الرعية ألا تكون شياطين خرسًا.

بعضهم يأتي إلى هنا ويسكت، يقولون هم أعلم بكل شيء، هم الله في الأرض! لا والله، وأمرهم شورى بينهم، والخطأ خطأ ويقال له خطأ. «وأمرهم شورى بينهم»، «وشاورهم في الأمر». القضية أكبر بكثير من هذه الصورة المصدرة المطبقة في بلادنا، أكبر بكثير للأسف الشديد. الصواب صواب والخطأ خطأ، والإنسان يعمل ما يقدر عليه ويتوجه بالنصح ويقول خطأ ولا يخشى خطأ، لكن هناك من هم مبرمجون: طالما هو يراه صوابًا، غير هذا كان خطأ، خلاص كان خطأ، هذا عنده الحق والحق سواء.

قال: "أقمت بالجزائر زائرًا أربعين يومًا أو تزيد، ثم حثفت الرحال عنها قافلاً إلى باريس، وهناك تمت لي السنة الثالثة في الحقوق وحصلت على الشهادة النهائية، فرأى لي الجناب العالي -أيده الله- أن أقضي في العاصمة ستة شهور أتمكن فيها من معرفة أشياء باريس وأهلها، وقد كان في الدراسة ما يشغل عن ذلك ويحول دونه، ثم انقضت تلك المدة على ما رسم لي الرأي العالي أيده الله، فعدت إلى الوطن وأنا نضو فراق تهزني إليه الأشواق".

نضو فراق! يا عيني، جاي نضو! بقي منه القليل، كان في باريس ولف في أوروبا وإنجلترا وجاي يا عيني خاسس من الفراق. ده إيه الشكوى الجامدة دي يا عم شوقي! "وأنا نضو فراق تهزني إليه الأشواق"، مصر بلدي، جاي من باريس وإنجلترا.. روح على مارسيليا!

شوف، كل هذا كان قبل عام 1896، وهو تحت سن العشرين، يعني ينفق عليه الخديوي من القصر، ولا يأخذ من أهله شيئًا؛ ثري يذهب والخديوي هو الذي يلزمه بالأسفار والعلوم وينفق عليه إنفاقًا ببذخ. وفي سنة 1896 للميلاد، ندبني الجناب الفخيم لأنوب عن حكومته السنية في مؤتمر المستشرقين الذي كان انعقاده في مدينة جنيف عاصمة سويسرا.

كان عاقلاً، نعم، الشيخ خالد يقول لك كان عاقلاً، صحيح. طب يا مولانا ما تشوف خديوي كده، خليني أدرس شعر ولغات وأنا هكون عاقل إن شاء الله. وفي سنة 1896، والعقلاء كثر، ندبني الجناب الفخيم لأنوب عن حكومته السنية في مؤتمر المستشرقين الذي كان انعقاده في مدينة جنيف عاصمة سويسرا، فكانت خير فرصة تغتنم لمشاهدة.

هذه يا عيني كان محبوس، ما كانش عارف يسافر، فكانت خير فرصة تغتنم لمشاهدة هذه البلاد التي هي المجلى البديع لعروس الطبيعة: سويسرا.

هذه التي قال أحدهم -أظنه شخص مصري، مصري حداثي، يعلب سوء رأيه في شعره- فصار يلسن عليَّ ويغتابني في المجامع. هذا الشخص مصري يكبرني ربما بعقد أو أكثر من الزمن، في الخمسينيات من عمره، لكن لا أحب قول اسمه. هذا المصري الحداثي راسلني من قبل: ما رأيك في شعري؟ وأنظر كذا. فلم أرد عليه لأن شعره كان ساقطاً جداً، لم يكن شيئاً، فلم أقل له شيئاً، لكن هو فاهم.

فصار يلمزني في المجامع والمجالس وفي المنشورات ويغلط في شخصي. أتذكر الآن آخر شيء رأيته له يقول: «هذا أبو قيس، هذا ذو الطبيعة البدوية، ذو الطبيعة الأعرابية الصحراوية، هذا لو ذهبت به إلى سويسرا». هو يقول هكذا ويقصد شتمي، يقصد ذو الطبيعة الأعرابية الذي ولاؤه للصحراء، الذي لو ذهبت به إلى سويسرا لن يرى فيها جمال الصحراء التي يراها.

فتذكرت الآن كلمته، والله وطبعاً قدم بمقدمة هذا البدوي الصحراوي صاحب الشعر... طيب، لما أنت جئت تسألني عن شعرك يا محترم يا أستاذ فلان، عيب عليك؛ لأن شكلك محترم، هيئتك من الخارج محترم، لما جئت تسألني عن شعرك ما كنت تعلم أنني بدوي صحراوي وولائي للصحراء والخيام وبيت الشعر؟ ما كنت تعلم ذلك، ولا صرت الآن.

هذا البدوي الأعرابي، لما عرف سوء رأيي في كلامك أو سوء رأيي في شعرك، أو فيما تسميه شعراً -لا أنا لا يهمني ما تكون عليه، يهمني أن أرى رجالاً ولا أراك رجلاً بما تفعل- لا أراك رجلاً بما تفعل للاسف الشديد. أحب أن يا أخي خصومة الرجال شرف، والله الخصومة حتى الخصومة هي نوع من الاعتبار، أن أقول أنا أخاصم فلاناً، هذا نوع تقدير لفلان. لكن تأتي وتسألني، ولو عرفت سوء رأيي تقول: هذا البدوي الجلف الذي جمد الإبداع ولم يخرجه من الصحراء والرمال والإبل. ولو أنني أثنيت على شعر ناقد العصر أمام الدنيا، أنقد أهل العصر أثنى على شعري.

تعرفون أحدهم مرة، ربما بعضكم يعرفه، هذا الذي قال إن شوقي نظام. هو شخص سوري يزعم أنه ناقد، والآن والحمد لله بعد محاضرة عنه وبعض كلمات بينت فيها شأنه الحقيقية، عرف أمره أنه ليس بذلك، المهم أنه مدعي مع حداثة وكذا. فكان يقول: شوقي نظام. ولما أخرج بعض أصحابه أو بعض أحبابه أو صبيانه قصيدة يزعم أنها مديح نبوي، قال: «هذا أول مديح نبوي بعد البصيري». طيب وما بين ذلك؟ كله كلام فارغ. المهم فرددت عليه ببيان حال القصيدة التي ذكرها.

هذا الشخص يذكرني بالمواقف، بسبب سويسرا، هذا الشخص سبحان الله، لم أكن رأيته أصلاً، نقلوا لي الفيديوهين. له مقطع يقول فيه -هذا كان قبل أربعة أعوام- يقول: «هذا المصري أبو قيس، هذا تابعته والله رأيت، أشهد أنه أعلى ناقد في هذا العصر». طبعاً أصلاً لم يبلغني حينها المقطع، ولو بلغ مع أني كنت في الدائرة، الظاهر قريب، لكن ليس مجالي أن أبحث من قال ومن عاد، ولا طلابي الذين حولي يهمهم كلامهم حتى ينقلوه إليَّ، بعضهم رآه ولم يهتم.

فلما نقدت هذا النص الحداثي الساقط التافه الذي يزعم أنه أول مدحة نبوية بعد شوقي، خرج يقول: هذا المصري الذي لا يعلم شيئاً في النقد، هذا الشعبلا فعل هكذا، والله سوقي! هو جداً، حتى قيل لي إنه غير متعلم، الله أعلم، لكن قالوا لي إنه يظهر أنه ليس معه شهادات، فاخذ يتكلم بأسلوب سوقي.

فبعض الإخوة ماذا فعل؟ أخذ المقطعين وضعهما بجوار بعضهما في فيديو واحد وأرسله إليه، قال: انظر! في المقطع الأول يقول: هذا الناقد المصري اسمعه وهو يشرح ونقد القصائد، أشهد أنه أعلى ناقد في هذا العصر. والثاني يقول: هذا الجاهل لا يعرف شيئاً بعد نقد القصيدة. وهذا صاحب سويسرا كان قبلها يسألني ما رأيك في شعري، فلما لم أثنِ له عليه وعرف سوء رأيي فيه صار يقول: هذا البدوي، هذا الصحراوي.

وبعد ذلك لا نسلم من اللوم على إنصافنا، إنهم أناس يتطهرون فعلاً من مليء بالنجاسة؛ هذا الوسط المعروف بالنقاد والشواعر وكذا. حتى أنا أسميه موسم التزاوج بين النقاد والشواعر. لما يكون في مسابقة فيها فتيات أو نساء مشاركات، تبقى غالباً نساء، وترى بقية النقاد تالقت! موسم التزاوج، حبيبي الهرمونات! ابعد عن الشعر وشغل هرموناتك بعيد، لا هي تالقت ولا تأنقت ولا حروفها حلقت، أنت أهبل وهي أهبل منك، ولم تقل شيئاً، ولا أنت فاهم ولا حاجة، أنت هرموناتك ناقحة.

موسم التزاوج بين النقاد والشواعر، أول ما تجدوا كذا في تركيا، مش عارف في إيه موسم مهرجان، مش عارف في قطر، مش عارف في الإمارات، موسم التزاوج يبدأ، يحصل المديح، كيل المديح، وتالقت، واسجد للكلمات التي نزلت لتوها من عند خالقها. موسم تزاوج رسمي كذا، عارف أن كلامي يزعل لكنها الحقيقة، فلموا أنفسكم.

وفي سنة 1896، يعني كان عمره 26 عاماً للميلاد، ندبني جناب الفخيم لأنوب عن حكومته السنية في مؤتمر المستشرقين الذي كان انعقاده في مدينة جنيف عاصمة سويسرا، فكانت خير فرصة تغتنم لمشاهدة هذه البلاد التي هي المجلى البديع لعروس الطبيعة، فرحلت إليها وأقمت بها شهراً، ثم انفض المؤتمر فبرحتها إلى بلجيكا لمشاهدة عاصمتها وزيارة المعرض الذي أقيم بمدينة إينفرس في ذاك العام.

ولما كانت السنة الماضية، وكنت قد سئمت الحضر على أثر رمد طال أمده، خرجت إلى إستانبول طلباً للعافية على ضفاف البسفور، فأذن الله وكان ما رجوت، وعدت من عاصمة الإسلام وأنا أعتقد أن نسمات النسيم فيها تفعل في 40 يوماً ما لا يفعله طب الأطباء في 40 شهراً. إستانبول تركية، هذه هي أيام صباعي مستفزة.

«هذه هي أيام صباي وخطوات شبابي وأوائل نشأتي، أجبت عنها السائل ليعلم كيف تقضت، وفيما أنفقت، وأين ذهبت، وأنا أستغفر الله لي ولأهلي ولمن ينظر هذا الكتاب بعين الكريم المتجاوز المنتقد العدل».

جمعتني باريس في أيام الصبا بالأمير شكيب أرسلان، وأنا يومئذ في طلب العلم، والأمير -حفظه الله- في التماس الشفاء، فانعقدت بيننا الألفة بلا كلفة، وكنت في أول عهدي بنظم القصائد الكبر، وكان الأمير يقرأ ما يرد عليه منها منشورًا في صحف مصر، فتمنى أن يكون لي يومًا ما مجموعة.

تمنى شكيب أرسلان أن تكون لي يومًا ما مجموعة، ثم تمنى علي إذا هي ظهرت أن أسميها «الشوقيات»؛ فهو صاحب فكرة جمع الديوان، أن يكون «شوقي في الشوقيات»، وتسميته الشوقيات كانت من الأمير شكيب أرسلان.

«ثم انقضت تلك المدة فكأنها حلم في الكرى، أو خلسة المختلس، أو هي كما قلت: صحبتُ شكبًا برهة لم يفز بها سواي، على أن الصحاب كثير، حرصت عليها، ثم إنه كما ظن بالماس الكريم خبير، فلما تساقينا الوفاء، وتم لي وداد على كل الوداد، أمير تفرق جسمي في البلاد وجسمه، ولم يتفرق خاطر وضمير».

هذا أصل التسمية، سبقت به إشارة لا تخالف، ودُفعت إليه طاعة واجبة، وأنا بين هاتين هدف للقال والقيل. يظن بي نسبة الأثر الضئيل إلى الاسم القليل؛ يعني أنت سميتها الشوقيات، فهم يظنون أنني من تفخيمي لنفسي سميتها هكذا.

هو يقول: أنا استجبت لمن طاعته واجبة علي، وأنا بين هاتين هدف، يعني بين الإشارة التي لا تخالف والطاعة الواجبة، وأنا بين هاتين هدف للقال والقيل.

كانت وفاة والدي من نحو ثلاث سنوات. انظروا إلى الأب يا إخوة، انظروا إلى الأب وعنايته بولده، ولده العشرين؛ كانت وفاة والدي شوقي يقول: «فكان لي عجباً أن وجدت بين أوراقه شيئاً كثيراً من مشت منظومي ومنثوري، ما نشر منها وما لم ينشر، قد كتب بعضه بالحبر والبعض الآخر بالرصاص، والكل خط يد المرحوم».

أبوه كان يجمع أشعاره، فكان له عجباً لما توفي أبوه فتش في أوراقه، والكل خط يد المرحوم، وقد لفه في ورقة كتبت عليها هذه العبارة: «هذا ما تيسر لي جمعه من أقوال ولدي أحمد، وهو يطلب العلم في أوروبا».

كأنه يراه ويأمره، أبوه يقول على الورقة التي تركها بين أوراقه التي لف فيها أشعاره، وإني آمره أن يجمعه ثم ينشره للناس؛ لأنه لا يجد بعدي من يعتني بشؤونه، وربما لم يوجد بعده من يعنى بالشعر والآداب.

فبينما أنا ذات يوم تعب بهذه الأوراق حيران لوصية الوالد كيف أجريها، زارني صديقي مصطفى بك رفعت. فحدثته حديثي، فسألني أن أعيره الأوراق أياماً ثم يعيدها إلي، ففعلت.

ثم لم يمضِ شهر حتى بعث بها إلي، وإذا هي قد نسخت بقلم مليح يؤيده ذوق صحيح، بحيث لم يبق إلا أن تدفع إلى المطابع. فأخذتها، وبودي لو وفيت صديقي المشار إليه حقه من شكر الصنع، وأنا أقول في نفسي: لئن صدق أبي في الأولى، لقد ظلم في الثانية، فإن الخير لا يزال في الناس.

يعني ظلم في الثانية لأنه قال: إنه لا يجد بعدي من يعتني بشؤونه، وربما لم يوجد بعده من يعنى بالشعر والآداب. يقول: إن صدق في الأولى، ظلم في الثانية، فإن الخير لا يزال في الناس.

على أن ما جمع في الشوقيات ثم طبع ليس هو كل ما قيل، فقد أسقطت منه الكثير. قال: «عثرت على غيره ولكن في الزمن الأخير، فأما ما أسقط عمداً فأكثره من قولي في زمن الصبا، الذي لا يؤمن فيه على المرء الغرور، ولا يسلك الفتى فيه سبيلاً إلا وهو مضلل عثور، وقد خشيت أن يقع مثل ذلك في أيدي الناشئة، فأسأل عن سوء وقعه، ويكون إثمه أكبر من نفعه».

كتب أشياء فيها غروب وفيها اندفاع، فخشيت أن يسقط هذا في أيدي الناشئة، أو أن المبتدئين يريدون تقليده في هذا؛ فخشيت أن يحاكوه في الضعف فيكون قد دفع ثمنًا كبيرًا، وضررًا كبيرًا بسبب أن يحتفظ بذكرياته.

أحذف، لا نريد ذكريات ولا شعرًا؛ هناك ود بين المرء وكلامه، لكن احذف. لكني حرصت على إثبات بعض الشيء منه، كما يحرص الإنسان على ذكر ما طاب من أيام الشباب. وأما ما عثرت عليه والمجموعة في أيدي الطباع، فلم يكن في الوسع أخذه لئلا يختلط الكتاب ويختل ترتيب الأبواب، على أن يكون محفوظًا لينشر في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى، مع سائر القصائد التي قيلت بعد الإعلان عن الشوقيات ولم يتيسر إدخالها في أبواب هذا الجزء.

وقد عزمت بحول الله ومشيئته على أن أنشر في آخر كل عام هجري ما يحصل عندي من منظوم ومنثور، ولو قلَّ عدده وصغر حجمه، وأن أجعل ذلك بمثابة أجزاء متتالية للشوقيات تسمى باسمها وتكون لها متممة.

انتهت رحلتنا مع مقدمة شوقي في الشوقيات، ورأينا هذا الشاب في العشرينيات من عمره وهو في رعاية القصر، يُجبر على السفر إلى باريس وبومبلييه وإلى إنجلترا، ويحضر عليه المجيء إلى مصر حتى يظل ينهل من العلوم والآداب. ورأينا كيف كان معه الخديوي والقصر عمومًا بحنان الأم.

ولهذا هاج عليه العقاد؛ أنا لا أستطيع أن أنفي قدرًا من الغيظ أو الحقد الذي كان في العقاد على شوقي، يقول هذا ربيب القصور، أين هو من الوطنية والشعب؟ يا سيدي، هو ربنا رزقه أصلاً، أبوه كردي عثماني، هو كردي تركي يوناني شركسي، جده كان يعمل مع محمد علي باشا، جاء إلى مصر مع محمد علي باشا، فكانت هذه حياته، قسم الله له ذلك بالضبط، لماذا تحقد عليه لأنه ربيب القصور ولأنه رومانتيكي لا يقول الشعر بنبض الشارع ونبض الشعب؟ هو غير ملزم بأن يقول بنبض الشعب، هو ملزم بما يشعر به هو.

ولذلك لم يفت كلام العقاد في عضد مكانة شوقي، ولم يزعزعه عن مكانه. شوقي كغيره من الشعراء يقرأ ويدرس وينقد، قصائد نازلة وقصائد رفيعة، وأبيات ساقطة وأبيات طالعة، لكن الطريقة التي تكلم بها العقاد عن شوقي، وأراد إسقاطه هو وإبراهيم المازني معه، هذا الحقد فيها ظاهر وواضح. شوقي فتح عينه على القصور، وجدته التي ربته أخذته من والديه وربته عندها وحنت عليه كما لو كانت أحد أبويه، كانت في القصر وربي في القصر سبحان الله.

لم أستقرئ شعره أخي الكريم حتى أقول أعلى قصائدي كذا، كانت رحلة جميلة الحمد لله. في الأخير، كما أقول، أحمد شوقي رمز كبير مصري، وربما أقول هو الوزن الأكبر في مصر مع البارودي؛ الوزن الشعري الأكبر لمصر. لا أرى أنه سبق البارودي، فشوقي والبارودي شعراء مصريون أعطوا لمصر ما أعطاه شوقي والبارودي.

وسبحان الله، القصر العثماني عني بشوقي شاعراً، ولم يعنِ الولاة الذين تولوا في زمان الدولة العباسية على مصر باب شوقي، لا في بداية نشأته في مصر ولا بعد أن سافر إلى العراق وطار ذكره فجاء إلى مصر. فسبحان الله العناية والاهتمام، العثمانيون اهتموا بشوقي.

شوقي يراه الرافعي أشعر من البارودي، وعبد الله الطيب يرى البارودي فوق شوقي من الناحية الشاعرية. أما حافظ إبراهيم، فمن كلام عبد الله الطيب كأنه يراه غير موهوب في الشعر أصلاً، وهذا كلام لا يوازي ولا يقرب حافظ إبراهيم من شوقي.

وكتبت قبل عام ونصف منشورًا عن هذا، أن حافظ إبراهيم لا يقترب من شوقي، فإذا بمن يعمل إعجابًا على المنشور، هذا الإنسان الدكتور الوالد العزيز الفاضل العالم الجليل سعد عبد العزيز مصلح، عمل إعجابًا على منشوري الذي كنت فيه واضحًا شديدًا وحادًا في أن الذي يساوي بين حافظ إبراهيم وشوقي لم يعرف الشعر إنما أخذ بالسمعة فقط؛ فأحمد شوقي فوق حافظ بكثير، مسافة ضوئية.

لا بأس، ممكن نحن في الأخير نحكم على المجمل، أخونا محمود المصري يقول إن شوقي نفسه أثنى على حافظ وتمنى أن يكتب هو رثاءه، ممكن هذا لا بأس به. لكن أنا أرى بدر الدريعي مثلاً، وهو شاعر مجيد، أثنى على بعض الناس لا أراهم بالثناء الذي أثنى به، وفي الأخير نحن ننظر إلى مجموع ما ترك، وشوقي كشاعر يختلف عن شوقي كناقد، هذه شخصية وهذه شخصية.

بالمناسبة، يا أحباب نلتقي على خير مع مادة مفيدة أخرى إن شاء الله، شكراً لكم. مثل ثناء شوقي على البهاء زهير، هو مبهور بالبهاء زهير، هل هذا نقل زهيراً عن حاله؟ أحد الإخوة في مرة نقدت له قصيدة...

نقدًا شديدًا، وهو غضب شديد؛ فإذا به يصور اجتماعه مع أحد الذين أعرف أنني أجلهم، أحد علماء العربية والبيان والنقد، يعلم أنني أجله، فجلس معه وألقى نفس القصيدة في وجوده. وفي هذا المجلس أثنى الله ما شاء الله، فقلت بمنتهى الهدوء: أتظن أنك إذا قلت قصيدتك عند عالم رفع ذلك من قيمة القصيدة؟ وجعلني لا أرى فيها ما رأيته لما حطت منها.

أقول: أنت لم تعد موجودًا؛ أنا نقدتها لأجل عشرة أشياء أسقطت القصيدة، فلما تقرأها في ظل وجود واحد، أو في حضرة عالم فيثني عليها، يأتي أبو قيس ليقول: أتصِدق؟ مش شايف ولا واحدة من العشرة التي كنت أراها موجودة، وأخطأ الشيخ. عادي، جاء الملك ليلاطف الشيخ، فبعضهم يعمل فزاعة.

أحدهم أيضًا جاء من دولة عربية ونزل عند شيخ كبير في العربية والبلاغة، فجعله يثني على قصائده وهو يصور أصحابه، يصور طبعًا مدبرًا ومخططًا، فجعله يصور. فقال لي بعض من يتابع الموقف: هذه مدروسة ومقصودة، قلت: ولو! هذا الشيخ نفسه، لو قال كلامًا -بل هذا الشيخ نفسه- أنا ناقده، هذا الشيخ نفسه لي نقد عليه، أصلاً لي كتاب أخالفه في مسائل، عادي.

لو أنني أتكلم بمقامات الأشخاص، سأهاب المقام وأتراجع، لكن الذي يتكلم بدلائل وبتحليل وعلل، هي موجودة عند أعلى رأس. لو رأيت أعلى رأس يستجيد الكلام أقول له: لا، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، أنفي لي هذا الكلام؛ هذا الكلام كافٍ لإسقاط القصيدة. أصر كذا، أخالفك، أنت مخطئ عندي، خلصنا. ما الفرق بين الذي يتكلم بالظن وباعتبار المقام نفسه، حيث سيخاف ممن مقامه أعلى، وبين شخص عنده تحليل؟

والله لو نقدت إنسانًا الدنيا كلها عليه، لو نقدت نصًا لإنسان ليس له نصير في الدنيا ولا واحد ينصره، والله ما نمت حتى كتبت كل علة وكل شيء، ولم أقل له هكذا: يلا روح خلاص منقود، ولا أخاف منه، مثله مثل غيره. فتأتي وتنشط قصيدتك عند العالم الفلاني اجتماعًا وتسجيلًا، وتنشر قبل أن ينقدها فلان أو بعد أن نقدها فلان، مش سأغير رأيي، سأخرج مرة ثانية وأقول نفس العلل والناس تعرفها، ما هي العلل لم تزل من النص موجودة، نحن نتكلم عن علل موجودة نعلل بها النصوص.

أحسنت، شغل عيال، وللأسف الشاعر من هؤلاء في عصرنا؛ بدلًا من أن يذهب ويطور، يذهب ويحتمي ويتدرع. ولهذا أنا أرى الذي يحتمي ويتدرع ضعيفًا، لا أتوقع له نبوغًا. تعرفون لماذا؟ لأن الذي يحتمي ويتدرع يتخذ دروعًا من الناس، والذي يحتمي ويتدرع ما فعل ذلك إلا لأنه ضعيف، لأنه لو كان يعلم أنه سيستفيد من هذا الكلام ويصعد، لفعله، لكن لما وجد نفسه عاجزًا ذهب يتدرع.

اتصل بي أحد الأساتذة في أثر بعض الهجمات التي وقعت عليّ في أعوام مضت، قال لي: تعرف ما مشكلتك يا أبا قيس؟ قلت: ما هي؟ هو أستاذ كبير معروف، قلت: ما هي؟ قال: إنك لا تتدرع. أنا عرفت منه هذا المصطلح أصلاً، هذه المفردة في هذا السياق عرفتها منه. قال: لا تتدرع يا أبا قيس، ما معناه يعني أنت مادتك العلمية قوية جدًا وكذا، ولكن أنت تعمل وحدك، وأنت حاد الطبع، حاد العرض، ومبين شديدًا في الخصومة الجدالية، ومبين في إظهار المذهب والمباينة بينك وبين غيرك.

يعني لو أحد قال مثلًا: هذه القصيدة أو هذا المذهب كذا معتبر، وأنت لا ترى، تقول: لا، المذهب غير معتبر، أو ليس عندك مساحة المرونة التي بين القولين؛ هذه أنت شديد المباينة جدًا وشديد الموقف، وهذا الطبع لا تستسيغه أكثر الناس، لكنك لو تدرعت مع قوتك العلمية دنت لك الأرض في هذا الباب. فوالله شككني، فذهبت وسألت -لا أحب أن أذكر اسم الأول الذي قال تدرع، على أنه حواليه ممن يحملون أحقادًا علينا، لكن هو أفعلها بشكل شخصي، هذه النصيحة في الاتصال الشخصي- ذهبت وسألت الدكتور سعد مصلح، قلت له: ما رأيك يا أستاذ؟ الأستاذ فلان يقول لي: أنت مشكلتك في عدم التدرع، لا تحتمي بأحد ولا تدخل نفسك في مجموعات قوية.

يعني مثلًا أنت ألفت كتابًا يا أبا قيس، انظر من الجهات التي تهاجمك، الجهة الفلانية والفلانية، أستاذ كبير من هنا، وأستاذ كبير من هنا، يقدمون للكتاب، سيكون الطعن في الكتاب أو في صاحبه طعنًا فيمن قدم له. إيه القصة دي؟ هو الكتاب بما فيه عجب، الواحد عاجبه مش عاجبه، طز، يشرب من أي حاجة من البحر.

المهم، كلمت الشيخ سعد مصلح، الوالد الكريم، هذا إنسان استفدت منه كثيرًا في سؤالي له، وهو رجل حكيم في التسعين من عمره، قلت له: ما رأيك يا أستاذ؟ الأستاذ فلان يقول لي: تتدرع، تدخل نفسك في مجموعات، تدخل نفسك في كذا في كذا، تعرف ماذا قال لي؟ قال: لا تتدرع، لا تفعل والله، قال: لا تفعل وكن نفسك فقط. وافق هواي، قال: كن نفسك، قدم مادتك وليكن سلاحك علمك وحجتك، أما حرب يستعمل فيها غير هذا السلاح فليست حربك، لا تتدرع وكن كما أنت، كن أنت فقط.

وقال لي شيئًا آخر، قال: لا تتخذ أصدقاء مثلك ليس له أصدقاء. لا تتخذ أصدقاء، والله قالها لي في بيته هنا في مصر لما جاء إلى مصر في الجيزة بجوار جامعة القاهرة، قال: لا تتخذ أصدقاء مثلك بطريقته بمباينته الشديدة ومصارحته، سيغضب كل الأصدقاء. لا تتخذ أصدقاء، أنت تتخذ معارف، ليكن لك معارف، أما أصدقاء فلا، أصدقاء لا.

الله يرضى عليك يا محمد المصري أو محمود المصري، قال: اتخذ معارف وليس لك أصدقاء. فمن ترونني لا أهتم كثيرًا بالقرب الشديد من أحد حتى لا يتضايق، أو حتى لا أتضايق أنا منه إذا هو انقلبت نفسه من نقد شديد أو من نقد صريح لكلامه. نعم والله يا شيخ خالد، أفسدتنا المجاملة، والله ما أحببتها يومًا، لأن الذي يجاملني أعرف أنه سيجامل غيري ممن لا أراه شيئًا في هذا العلم.

رأيت أنا، لماذا أكره المجاملة؟ رأيت من يجاملني يقول نفس الكلام. في أشخاص أنا عارف أنهم قلة، زيارة مكان كده. لا أكبر إجلالك، ولا أكبر مجاملتك. إنما متى أعتبرها؟ لما أقولها لي عبد القدوس، يقول لي أنت في رتبة كذا. يقولها لي دكتور فراس السوداني، يقولها لي رجل أعلم أنه دارس ثقيل، بعضهم من الأكاديميات العربية والمصرية، يقول لي: أنا أعلم رتبتك.

بل أحد الدكاترة، رئيس رؤساء الأقسام في مصر، كلمني مرة وقال لي: لماذا لم تكمل شرح فلان؟ قلت له: أنت تعرف شرح فلان؟ قال: يا أبا قيس، شروحك الزم بها طلاب الدراسات العليا بشكل ودي لا شخصي. أنا أدفع طلاب الدراسات العليا عندي في الأدب في الكلية، وهو رجل رئيس قسم البلاغة والنقد، قال: الزمهم بمجالسك، أرشدهم إلى مجالسك. هذا شخص يفهم، يعني هو يعلم أن العلم ليس محصورًا في هيئة معينة أو شكل معين، وأنه بالعكس هو يشتكي أيضًا من ضعف المادة، ومن أن الفساد مسلط على الجامعة عمومًا.

فهؤلاء من اعتبروا كلامهم إما التدرع، ولاعبيني بقى: حوريني يا كيكة، وفلان يقدم لك وفلان عنك؛ ليه؟ عشان فلان ما ينتقدش. ما تنتقد يا حبيبي! ما تكتب وتعمل وتشرح براحتك، أقول لك عشان لا ينتقدك؟ ما ينتقده، حصل إيه لما انتقدت؟ أنا اتشويت، أهو زي الفل! انتقدت لما اتشويت، وكتبي بتطلع ويستفاد منها، والجمهور يحضر ويستفيد، والأثر يمتد، والذي يشارك في مشروع إلى قصيدة، والذي يعنى بقضايا إعجاز القرآن والرد على الطاعنين في البلاغة والإعجاز البلاغي.

والدنيا سائرة، يقول لك حتى لا ينقدوك. ما ينقدوا يا دكتور! هم سكتوا كده؟ يعني أنا هعمل له إيه؟ ما ينقد. أنا أيضًا أريد تفسيرًا لهذا: حتى لا ينقدوك، حتى لا يهاجموك، تدرع بفلان، هاجموني، حصل إيه؟ هناك من شتم وسب وقال، غير مؤثر، غير موجود، بل طلابه صاروا يقولون: أهان نفسه. أنا أعرف طلابه، أحد الأكاديميين في دار العلوم سبني وفعل وفعل وقال وجهلني، وظل يكتب أسبوعين تقريبًا يكتب. أين هو الأثر؟ أين تأثيره على ثمرة العمل؟ لا يوجد بحمد الله سبحانه وتعالى، كله بتوفيق الله.

كما قلت، في الجمهور الآن معي من يعنى بالجمهور المتأثر، من يعنى بالشعر، وهناك من يعنى بالقرآن، بفكرة البلاغة القرآنية والإعجاز البلاغي. أصل البلاغة القرآنية والإعجاز البلاغي قابعون الآن على كتاب دفاع عن القرآن، وهناك من هم يحفظون من السبع العذريات، وهناك من هو مدمن لعمر بن أبي ربيعة، وهناك من هو مدمن لاعم صباحًا وهكذا. الحمد لله رب العالمين. وهناك من لا يفارق المجالس، فالحمد لله، ولم يؤثر العقاد في شوقي مع ما فعله.

صحيح، الشيخ خالد يقول نجيب محفوظ يقول: «النجاح أكبر انتقام». والذي أهم من هذه، الأثقل والأصعب والأعصر من هذه الحكمة مولانا، أنك حتى لتؤدي النجاح لتنتقم، ينبغي ألا تنتقم، يعني ينبغي ألا تلتفت إليه، ألا تنظر، مش تتدرع وتكتب منشورات وتعمل هذا وهذا وتقرأ هذا وتكتب فيه، بس وعينك ولسانك، هذا هو. هنا يقال: النجاح أكبر انتقام.

أخونا عيسى علي يقول: أهديت كتابك "دفاع عن القرآن" دكتور في قسم التفسير، وثاني طالب علم قوي والحمد لله، ما شاء الله، الله يرضى عليك. من أين يا أخي عيسى بن علي؟ من أين أنت؟ من السعودية، ما شاء الله، المدينة النبوية. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا الأعظم الأمجد محمد وعلى آله وصحبه.

أنت كتبت من المدينة النبوية، مش محتاجة السعودية، خلاص تقول بالمدينة النبوية، خلصت. هذه قطب الأقطاب ولب الألباب، النبي ﷺ فيها. تعرف ما معنى النبي ﷺ في هذا المسجى، في هذا المكان؟ مكان يفدى بالدماء وبالعيون. تخيل مكان فيه النبي ﷺ، الواحد يكون يخشى أن يكون راعيًا على هذا المكان لا يقصر. واحد يخشى، يرتعب، يكون راعيًا ووليًا لهذا المكان يرتعب، من كل شيء أفعله يرتعب، ينام عن صلاة يرتعب، يؤخر يرتعب، يرتعب النبي ﷺ في المكان الذي طرحاه.

يلا يا أحباب، نقول لكم تصبحون على خير. آمين آمين، يقول: رزقني الله زيارتها، آمين آمين.

أبا مولده ﷺ عن طيب عنصره يا طيب مفتتح منه ومختتمه

يوم تفرس فيه الفرس أنهم قد أنذروا بحلول البؤس والنقم

وبات إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم

والنهر ساه العين من سدمي والنار خامدة الأنفاس من أسف عليه

وساء ساوة أن غيضت أو أن غاضت بحيرتها ورد واردها بالغيظ حين ظمي

كان بالنار ما بالماء من بلل حزنا وبالماء ما بالنار من ظرف

والأنوار ساطعة والحق يظهر من معنى ومن كل عموا وصموا

فاعلان البشائر لم يسمع وبارقه الإنذار لم تشم

من بعد ما أنذر الأقوام كاهنهم من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم

بأن دينهم المعوج لم يقم وبعدما عاينوا في الأفق من شهب منقضة

وفق ما في الأرض من صنمي حتى غدا عن طريق الوحي منهزم

من الشياطين يقفو أثر منهزمي كأنهم هربا، كأنهم هربا

كأنهم أبطال أبرهة أو عسكر بالحصى من راحتيه رمي نبذا به

بعد تسبيح ببطنه نبذ المسبح من أحشاء ملتقم

جاءت لدعوته الأشجار ساجدة تمشي إليه على ساق بلا قدم

كأنما سطرت سطرا لما كتبت فروعها من بديع الخط في اللقم

مثل الغمامة أنا سار سائرة تقية حر وطيس للهجير حمي

أقسمت بالقمر المنشق أن له من قلبه نسبة مبرورة القسم

وما حوى الغار من خير ومن كرم وكل طرف من الكفار عنه عمي

فالصدق في الغار والصديق لم يرمَ وهم يقولون ما بالغار من ارمي

ظن الحمام وظن العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحمي

وقاية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالم من اطمي

ما ضامني الدهر يوماً، واستجرتُ به إلا ونلتُ جواراً منه لم يضمني. ولا التمستُ غنى الدارين من يده إلا استلمتُ الندى من خير مستلمِ.

لا تنكر الوحي، لا تنكر الوحي من رؤياه، إن له قلباً إذا نامت العينان لم ينمِ. وذاك حين بلوغٍ من نبوته، فليس ينكر فيه حال محتلم.

تبارك الله، تبارك الله؛ لا وحي بما وحي بمكتسب، ولا نبي على غيب بمتهم. كم أبرأت وصبا باللمس راحته، وأطلقت أرباً من ربقة اللمم، وأحيت السنهباء دعوته.

حتى حكت غرة في الأعصر الدهم، بعارض جاد أو خلت البطاح بها سيب من اليم، أو سيل من العرم. دعني ووصفي؛ آيات له ظهرت، ظهور نار القِرى ليلاً على عَلَمِ.

نعم، وإلا سنأتي على آخره، هكذا. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عمتم صباحاً ومساءً.