دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 10. بداية التمرد على عثمان

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله؛ فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة الفتنة الكبرى بين الصحابة، التي نحاول فيها أن نشرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. تكلمنا في الحلقة الماضية عن طبيعة التمرد الذي وقع على عثمان رضي الله عنه. هذا التمرد كان قادة المفسدين واتباع تنظيم ابن سبأ ومعهم من غلبت عليه المطامع، ومن كان في قلبه مرض، ومن كان في نفسه ضيق، ومن كان في عقله تشدد. لكن المظهر العام للتمرد أنه كان تمردًا من متدينين أو من أصحاب ورع يريدون إقامة الدين ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكما ذكرنا سابقًا، إن أهل النواحي الثلاث التي انتعشت فيها الفتنة، الكوفة والبصرة ومصر، قد اتفقوا على يوم واحد للخروج. سار أهل مصر، وهنا ملحوظة مهمة أيضًا، أنه حين نقول أهل مصر في هذا السياق فليس المقصود بهم المصريين من أهل البلاد، لكن المقصود بهم هم العرب المسلمون الذين أقاموا بمصر منذ الفتح. فهؤلاء صاروا أهل مصر، لكن طبعًا البصرة والكوفة فهما أصلًا مدينتان عربيتان أسسهما العرب، وكانتا معسكرين للجيوش ولم يكن فيها أحد غير العرب؛ فهما معقل عربي؛ لأنهم كانوا منطلقًا تنطلق منه جيوش الفتح ولم يكن معهم غيرهم.

سار أهل مصر، وكذلك سار أهل العراق، اللي هم مجموعتان من أهل البصرة وأهل الكوفة، إلى المدينة. وفي ذلك الوقت كان سيدنا عثمان في قرية خارج المدينة، فاتجهوا إليه فيها. ووقع بينهم نقاش لم يستغرق زمنًا طويلًا، خلاصة ما في الروايات التي يمكن الاعتماد عليها الآتي: أنهم سألوه عن زيادة الحمى، الأرض المحمية المخصصة، فأوضح لهم أن ذلك حصل لزيادة إبل الصدقة، فإبل الصدقة احتاجت مزيدًا من الأرض، وأن عمر رضي الله عنه قد فعل ذلك من قبله حين حمى الشرف والربذة لإبل الصدقة. وعلى كل حال، كلما سألوه عن أمر أوضح لهم حجته فكانوا يستمعون منه ويرضون. وانتهى هذا المجلس إلى أن تعاهدوا على سبعة أمور، وهي أن المنفي يقلب، والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم -القسم اللي هو التقسيم يعني- وأن يستعمل ذو الأمانة والقوة، وكتبوا ذلك في كتاب. وأيضًا هناك بندان لم يكتبوهما، وهو أن يرد ابن عامر على البصرة -يعني يعاد تولية عبد الله بن عامر بن قريص على البصرة- وأن يكون أبو موسى الأشعري على الكوفة.

سيدنا عثمان من جهته أخذ عليهم العهد ألا يشقوا عصا ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم. وانتهى الأمر، والرواية تقول ثم رجعوا راضين. هنا نلاحظ أن أهل البصرة طلبوا بعودة عبد الله بن عامر، عبد الله بن عامر بن قريص الذي طلبوا بعودته وليًا عليهم، وهو من قرابة عثمان، وهو لما تولى البصرة أول مرة كان في الخامسة والعشرين من عمره، وهذا مما يرد به على قول القائلين بأن عثمان كان يحابي قرابته، أو أن الناس ضجوا من ولاية أقارب عثمان، أو أن من كان يوليهم كانوا حدثاء الأسنان وكانوا غير أكفاء.

تقول الرواية المختصرة، وهذا الموقف الحوار بينه وبين عثمان جاء من روايتين، رواية مختصرة وهي أكثر صحة، تقول هذه الرواية المختصرة أن عثمان عاهدهم بنفسه. ولكن في بعض الروايات المفصلة التي هي دون الأولى في القوة تفاصيل تفيد بأن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي تولى كتابة هذا العهد معهم. وهنا يحتمل أمرين، يحتمل أن سيدنا علي كان حاضرًا الأمر من أوله إلى آخره، وبعدما انتهى الاتفاق بينه وبين سيدنا عثمان واتضح لهم ما اشتبه عليهم، كلف سيدنا عثمان عليًا بأن يتمم معهم العهد وأن يكتب الكتاب. ويحتمل أيضًا أن سيدنا عثمان كلم أهل مصر بنفسه، وأوفد سيدنا علي ليكلم أهل العراق فحصل نفس الاتفاق، لكن اتفاق أهل العراق كان على يدي سيدنا علي.

الذي يهمنا من هذا الموقف هو توضيح موقف سيدنا علي من التمرد على عثمان رضي الله عنه وموقفه من عثمان، لأنه مما له أهميته هنا أن تصدي سيدنا علي لكتابة هذا العهد من نفسه كان مما أحرج أهل الفتنة لأنه حملهم على الرجوع. ورد في بعض طرق الرواية أنهم شادوه وشادهم مرتين أو ثلاثة، كأنهم لم يرغبوا في الرجوع، لكن حيث أن سيدنا علي الذي يراه بعضهم أفضل الصحابة هو من تولى ذلك معهم، فلم يكن لهم بد من الرجوع. وحين رجعوا بدا أن الأزمة قد انتهت وأنها لم تكن أكثر من أمر عابر.

المشكلة بدأت في أمر حصل مع هؤلاء الراجعين، هم أهل البصرة عادوا إلى طريق البصرة، وأهل الكوفة إلى طريق الكوفة، وأهل مصر إلى طريق مصر. حصل مع الراجعين هؤلاء أمر أعادهم أشد غضبًا وحقدًا مرة أخرى، وهذا مما يدل على وجود تنظيم فعال لهذه الفتنة. بينما أهل مصر في طريق عودتهم رأوا راكبًا يتعرض إليهم ثم يفر عنهم؛ يعني يشبه أنه يذهب فيقابلهم فيعود عنهم، طبعًا هذا سلوك مريب. وتورد بعض الروايات أنه كان يركب بعيرًا من إبل الصدقة، يعني أنه موفد من الدولة أو موفد من عثمان. المهم هذا الراكب بينما هو يكرر ذلك، أن يتعرض لهم ويفر عنهم، إذ قبضوا عليه، سألوه من أنت؟ قال لهم: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله على مصر. ففتشوه، استخرجوا من ثيابه رسالة منسوبة إلى عثمان رضي الله عنه ومختومة بخاتمه إلى عامله وواليه على مصر؛ خلاصة الرسالة أن يقتلهم وينفيهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. فبطبيعة الحال استشاطوا غضبًا وشعروا بالغدر، وكان هذا بالنسبة لهم نقض لما تعاهدوا عليه قبل قليل، فسرعان ما عادوا مرة أخرى من الطريق إلى المدينة.

ولما عادوا قصدوا إلى علي رضي الله عنه. روى أحمد في فضائل الصحابة وخليفة بن خياط في التاريخ وابن شبة في تاريخ المدينة المنورة، والرواية إسنادها حسن، أنهم قالوا لعلي رضي الله عنه: ألم تر إلى عدو الله كتب فينا بكذا وكذا؟ وإن الله قد أحل دمه، فقم معنا إليه. قال علي: والله لا أقوم معكم. قالوا: فلما كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابًا. فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة.

هنا تظهر أصابع التنظيم السري التابع لعبد الله بن سبأ مرتين على الأقل؛ استطاع تنظيم الفتنة أن يكتب كتابًا على لسان عثمان، وأن يزوروا خاتمه عليه على هذا الكتاب، وأن يبعثوا بأحدهم على هيئة الرسول أو على هيئة المبعوث يكون متعرضًا لهذا الوفد المصري لكي يقبض عليه ويؤخذ الكتاب الذي معه. وفي ذلك الوقت أرسلوا آخر، أو على الأقل خرج من بين الوفد واحد زعم أن عليًا قد كتب لهم يأمرهم بالرجوع إلى المدينة. فهنا في هذه اللحظة جرى تزوير كتابين: كتاب على لسان عثمان وكتاب على لسان علي، كتاب على لسان عثمان يأمر واليه أن يقتلهم، وكتاب على لسان علي يأمرهم بالرجوع إلى المدينة.

طبعًا هذه إن صحت التفاصيل الواردة في الرواية؛ لأنه بعض المؤرخين مثلًا لا يستبعد أن يكون أهل الفتنة في الوفد المصري نفسه هم الذين كتبوا كتابًا بهذا المعنى، أو هم الذين زعموا قصة على هذا النحو، قصة الراكب، أو أنهم اصطنعوها، أو قالوا أمسكنا براكب من عثمان، كل هذا ممكن؛ فهيجوا بذلك بقية الناس في الوفد. لأنه أيضًا لا يعرف، لم يرد إلينا كيف وصلهم كتاب علي رضي الله عنه؛ نحن عرفنا كيف أوصلهم كتاب عثمان، القصة معروفة، لكن لا يعرف كيف وصل لهم كتاب علي أو الكتاب المنسوب إلى علي.

وفيما بعد سيظهر تزوير رسالة أخرى على لسان عائشة رضي الله عنها. فروى ابن سعد في الطبقات الكبرى، وابن أبي شيبة في المصنف، وخليفة في التاريخ، وابن شبة في تاريخ المدينة بإسناد صحيح -هذا الإسناد صححه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية- أن عائشة حين أنكرت مقتل عثمان، قيل لها: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج إليه. فقالت عائشة: لا، والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت إليهم بسوداء في بيضاء -يعني ما كتبت إليهم أي شيء- حتى جلست مجلسي هذا.

فإذن لدينا الآن ثلاث كتب مزورة على الأقل على لسان بعض الصحابة. هناك أيضًا يد أخرى خفية تظهر ملامحها، لو كان أهل مصر قد تعرض لهم الراكب، فما الذي أرجع أهل البصرة وما الذي أرجع أهل الكوفة؟ لأننا ذكرنا أنهم رجعوا، وكل ركب سار مراحل في طريقه. أهل مصر تعرض إليهم راكب فرجعوا، فكيف رجع أهل البصرة وأهل الكوفة؟ كيف لهم أن يعلموا بما حصل مع أهل مصر؟ فعلى كل حال هذه أيضًا تثبت وجود عناصر هذا التنظيم السري.

تكمل الرواية وتقول بأنه لما قصد العائدون الغاضبون إلى عثمان، قالوا له: كتبت فينا بكذا وكذا. فقال عثمان: إن شئتم أن تقيموا رجلين من المسلمين يشهدوا أنني كتبت هذا، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت. هذا قسم من سيدنا عثمان أنه لم يكتب ولا حتى أملى ولا حتى علم بهذا. يقول عثمان: وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل، وارد ينسب على لسان الرجل كتاب لم يكتبه وينقش الخاتم، وعلى الخاتم اللي هو الختم. لكنهم قالوا: قد أحل الله دمك ونقضت العهد والميثاق. ومنذ هذه اللحظة بدأ الحصار. طبعًا هذا الرد منهم دليل على أنهم كانوا في قمة الغضب والهياج، قد بلغ فيهم هذا مبلغه، فهم لم يفكروا في سؤال أحد من الصحابة عن صحة الكتاب المنسوب إلى عثمان، ولم يأبهوا بيمينه رضي الله عنه أنه لم يكتب ولم يعلم، وإنما عقدوا هذا العزم على قتله.

هنا يظهر لنا بغير أدنى شك أن الكتاب مزور على عثمان رضي الله عنه، وأبرز الأدلة على ذلك أن عثمان نفسه نهى عن قتل أهل الفتنة في الكوفة قديمًا، وفي ذلك الوقت كان قد أشار عليه القعقاع بن عمرو التميمي قبل أن يتحركوا من الكوفة بزمن، لكن عثمان رفض قتلهم واكتفى بنفيهم كما ذكرناه من قبل حين نفوا إلى الشام ثم إلى الجزيرة الفراتية. وأقوى من هذا الدليل وأظهر أن عثمان نفسه أيضًا لم يقاتلهم حين حاصروه فيما بعد، بل ومنع الصحابة من قتالهم، وسياتي معنا تفصيل هذا. لا يعقل أن سيدنا عثمان ينهى عن قتالهم في بدايته وينهى عن قتالهم فيما بعد ذلك، ثم يرسل بقتلهم حين كانوا قد عادوا إلى بلدهم وأظهروا الطاعة والإذعان والإنابة.

هناك إضافة مهمة في الرواية نريد أن نتوقف عندها، وهي التي تقول أن سيدنا علي رضي الله عنه بعد هذا الحوار خرج من المدينة. فغالب الظن أن سيدنا علي أراد بهذا الخروج ألا يكون لهم بوجوده قوة، لأن بعضهم يراه في المدينة ويطالب به خليفة، أو يظن أو يعتقد أنه الأحق بالخلافة، فلذلك خروج سيدنا علي من المدينة يحرمهم من عنصر هذه القوة. ومنذ هذه اللحظة بدأ الحصار، أنهم كانوا يريدون عثمان على خلع نفسه من الخلافة وإلا قتلوه.

الحصار في البداية كان أمره هينًا، مجرد اعتصام إن صح التعبير بمصطلحنا المعاصر، بحيث أن سيدنا عثمان كان يستطيع الخروج إلى الصلاة وكان يخطب الجمعة وكان يستطيع من شاء الدخول إليه. ثم بعد ذلك كانوا يشددون في حصاره حتى منعوه من الخروج إلى الصلاة في المسجد النبوي ومنعوا الناس من أن تدخل إليه. طبعًا هذا المنع من الخروج إلى الصلاة هو محاولة منهم لخلعه من الخلافة، لأنه من واجبات الخليفة المسلم أنه يصلي بالناس إمامًا، يأم الناس في الصلاة، والخليفة المسلم يخطب في الناس الجمعة ويخطب فيهم العيدين.

أحيانًا صلى بالناس أيضًا بعض الصحابة استأذنوا من عثمان رضي الله عنه فأذن لهم عثمان، ومن أولئك الذين صلوا بالناس الصحابي أبو أمامة رضي الله عنه. وعيد الأضحى أيضًا لم يستطع عثمان أن يخطب بالناس ولا أن يصلي، فتولى خطبة عيد الأضحى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وطبعًا هذا أمر مفهوم لأنه سيدنا علي هو موضع إجماع من الطرفين، من الصحابة ومن أهل الفتنة كذلك. هنا من هذه اللحظة، سياسة سيدنا عثمان مع هؤلاء المتمردين يمكن أن نلخصها في ثلاثة أمور:

الأمر الأول: الحرص التام على مخاطبتهم ومحاججتهم وإقناعهم بخطأ ما هم عليه شرعًا وعقلًا؛ هذه سياسة من سيدنا عثمان أنه اعتمد الحوار. البند الثاني في سياسته: التجنب التام للاشتباك معهم والنهي عن أي شيء يؤدي إلى وقوع قتال بينهم وبين الصحابة. البند الثالث في سياسة سيدنا عثمان: الرفض التام للتنازل عن الخلافة. هذه الأمور الثلاثة تعالوا نتابعها واحدًا واحدًا. أولًا: الحرص على المخاطبة والإقناع بخطأ ما هم عليه هذه.

الحكمة منه واضحة، وكل ما يمكن أن يعالج بالسلم وبالإقناع وبالهدوء هو بطبيعة الحال خير من أن يعالج بأي أسلوب آخر. وأما الامتناع والنهي عن الاشتباك معهم بما يؤدي إلى القتال فهذا أمر محير، أمر محير ويحتاج إلى تفسير. وكذلك من المحير رفضه التنازل عن الخلافة وهذا ما سنأتي إليه فيما بعد، لكن أنتم تعالوا أولاً نبدأ بماذا فعل في نصحهم ومخاطبتهم ومحاولة إقناعهم بخطأ ما هم عليه.

عثمان رضي الله عنه تسرب إليه، سمع منهم وهو في بيته أنهم ينون قتله فقال رضي الله عنه: ولم يقتلونني وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس. فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منه منذ أن هداني الله، ولا قتلت نفساً، ففيما يقتلونني؟». وتقول إنه أشرف على المحاصرين فخاطبهم بهذا الكلام.

وكذلك طلب منهم سيدنا عثمان أن يختاروا من بينهم رجلاً يكلمه، فاختار أهل الفتنة رجلاً مر معنا اسمه قبل ذلك وهو صعصعة بن صوحان. وهذا صعصعة كان شاباً من أولئك الغلاة الذين سبق منهم في الكوفة ما كان، وكان من مجموعة الفتنة الذين نفوا إلى الشام، ولما تكلم مع عثمان ظهر من حديثه أيضاً قلة الفقﻩ والغلو وأنه يضع الآيات في غير مواضعها.

تكلم مع عثمان فقال، يشتكي أنه نفي، قال: أخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. فقال له عثمان: اتلُ، يعني اقرأ، هذه الآية التي تستدل بها. فقال صعصعة الآية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. وأكمل الآية، فقال عثمان: هذه ليست لك ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي.

وفي رواية قال له: كذبت، لستم بأولئك، نحن أولئك أخرجنا أهل مكة، ولذلك قرأ عثمان رضي الله عنه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 39-41].

هنا تنظر أنه إذا كان هذا هو مستوى المتحدث باسم القوم فهذا دليل على حقيقة فهمهم للآيات، وعلى قدرتهم على أن يستدلوا بها. ومن العجيب هنا أن يستدل أحد الناس بأية نزلت في فضل الذين يتمرد عليهم الآن، يعني من العجيب أنه يرى نفسه قد نفي لأنه كان مؤمناً بالله مع أنه نفي هو ومجموعة هذه الفتنة، هو وهذه المجموعة مجموعة الفتنة لما أثاروه من فتنة وحزازات بالكوفة، وهو الآن يرى أولئك الذين نزلت عليهم الآية، يرى الصحابه الذين نزلت عليهم الآية لا في صف المتمردين على عثمان ولا حتى من الساخطين عليه.

فيما بعد لما اشتد الحصار جرت بين عثمان وبين هؤلاء محاورات أخرى أكثر تفصيلاً، وفيها يظهر لمن كان له أدنى إيمان وأدنى عقل أن عثمان رضي الله عنه هو المحق وأنهم هم المبطلون، وهذا ما نستعرضه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل ولكلهم قدر وفضل سطع لكن من الصديق منهم أفضل هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول