مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.
تكلمنا في الحلقة الماضية عن الشبهات والأكاذيب التي أثارها أهل الفتنة على عثمان رضي الله عنه ليتوصلوا بذلك إلى إثارة الناس وتأليبهم عليه، وذكرنا أنها ثلاثة أقسام -نقلنا طبعا هذا من الدكتور محمد الغبان حفظه الله في كتابه فتنة مقتل عثمان-: القسم الأول هو القسم الذي ثبت أنهم طعنوا بها على سيدنا عثمان، وقسم لم يثبت أنهم طعنوا بها وإنما جاءت في روايات ضعيفة، وقسم عن التهم المشهورة لكنها وردت بلا إسناد. وذكرنا أنه هذا القسم الثالث يحتمل معه أنه مما أضافه القصاصون والوضعون فيما بعد ذلك.
نحن تكلمنا عن شبهة من هذا القسم الثالث، وهي أنه عثمان لم يقيم الحد على عبيد الله بن عمر وبقيت معنا شبهتان: شبهتنا في أبا ذر إلى الربذة. نحن أسلفنا ذكر الخلاف الذي وقع بين معاوية وأبي ذر في الشام وما ترتب عليه أن أبا ذر اختار الإقامة في الربذة. وبالجمله فسائر ما ورد في أن عثمان هو الذي نفى أبا ذر سائر ورد في ذلك روايات ضعيفة، بل على العكس صح كما روى الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وافقه الذهبي، صح عن أم ذر أنها أقسمنت على خلاف ذلك، وأنها قالت والله ما سير عثمان أبا ذر ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له إذا بلغ البنيان، إذا بلغ البنيان صلعا -اللي هو جبل سلع- فاخرج منها.
ومع ذلك وعلى فرض أن عثمان صح نفيه لأبي ذر -يعني على فرض صحة ذلك- فانه نفي الأمير لواحد من الرعية، ولو أخطأ الأمير في ذلك فإن هذا أيضا لا يبيح الخروج عليه ولا يبيح استحلال دمه. وقد كان هذا الأمر -اللي هو أمر العلاقة بينه وبين أبي ذر- أمام محضر وجمع من الصحابة وهم أولى الناس بالإنكار على عثمان إن كان اجتهاده خاطئا أو كان قد وقع في ظلم بنفيه لأبي ذر.
بقيت الشبهة الأشهر للغاية وهي أن عثمان كان يجامل أقاربه في المناصب وبالأموال. هذه الشبهة يظهر كذبها بمجرد التدقيق والمقارنة، خذ عندك سيدنا عثمان ولى خمسة من أقاربه بينما كانت الولايات -مناصب الولاية في الدولة الإسلامية في ذلك الوقت- ثمانية عشر، يعني خمسة من بين 18 والي، فهل يقال جامل أقاربه؟ هذا واحد. الرقم الثاني أنه سيدنا عثمان عزل من هؤلاء الخะسة اثنين: عزل الوليد بن عقبة -ونحن ذكرنا كلمته لما أاتههمه أهل الكوفه بشرب الخمر رغم انه لم يكن مطمئنا لذلك ولكن قال نقيم الحد والله يعاقب المفتري- وعزل بعده سعيد بن العاص عن الكوفة حين في يوم الجرعة.
الرقم 3 -يعني إذا عثمان ولى خمسة من بين 18 وعزل منهم اثنين بالفعل- رقم ثلاثة أنه سيدنا عثمان لم يكن يسكت على ما يصدر عن ولاة من الأخطاء والمثال الأشهر هو عقابه للوليد بن عقبة على شرب الخمر، فهذا يعتبر منقبة لعثمان بن عفان، ومن قبله ورد أن عمر بن الخطاب جلد وعزل واليه على البحرين اللي هو قدامة بن مظعون في شرب الخمر، فلم يحسب هذا إلا أنه من مناقب عمر -يعني لم ير أحد أنه ينبغي أن يخرج على عمر-.
رقم أربعة نحن حتى إذا تاملنا في علي بن أبي طالب والذي جاء بعد عثمان رضي الله عنه الجميع، فسنرى أن سيدنا علي ولى أربعة من أقاربه من أبناء عمومته الولايات، فهو ولى عبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس وقثم بن عباس وتمام بن عباس ولم يعتبر هذا مطعنا عليه.
في العموم يعني مسألة تولية الاقارب يحكمها اجتهاد الأمير ولا من قصد إذا ولى الأمير أقاربه، طالما كانوا ذوي كفاية، ويعني قبيلة عثمان اللي هي بنو أمية بن عبد شمس قبيلة عثمان كان مما من القبائل التي كثرت فيها الكفاءات، حتى إنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: لا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من بني عبد شمس. ذكر هذا في منهاج السنة، وعد ابن تيمية ستة من هؤلاء من بني عبد شمس -يعني اللي هي قبيلة عثمان- كانوا من عمال النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر وفي عهد عمر أيضا كان من عمالهم أبناء من بني أمية بن عبد شمس كي يزيد بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد بن أبي السرح والوليد بن عقبة وهو معاويه بن أبي سفيان.
فيعني الخلاصه أنه لم يكن مستنكرا على الخلفاء أن يولوا أقاربهم أو أن يولوا بعض من بني أمية، والولاه الخمسة الذين ولاهم عثمان من أقاربه كانوا من أكابر الاكفاء؛ مثلا معاويه بن أبي سفيان كان من دهاة العرب ومن أعظم السياسة وكان كاتبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان واليا لعمر على الشام وأحسن إدارة الشام أحسنها، أحسن إدارتها في الحرب وفي السياسة لأن هي الشام كانت خط المواجهه مع الروم وكان فيها جيش المسلمين في الثغور.
ولا الرجل الثاني وهو عبد الله بن سعد بن أبي السرح وهذا كان واليا على مصر، والي مصر بحكم موقعه مشرف على فتوح الشمال الإفريقي والسودان، وهو عبد الله بن سعد بن أبي السرح هو فاتح النوبه وهو صاحب معركة -يعني قائد الوالي- صاحب معركة ذات الصوارم المعركة البحرية الحاسمة في تاريخ البحر المتوسط، والتي بها صار المسلمون سادة البحر المتوسط.
ومنهم عبد الله بن عامر بن كريز وهذا كان يحكم العراق وفارس وخراسان، وهو الذي فتح تابل -تابل العاصمة افغانستان الآن- ومشهور بإنجازه في حفر نهر البصرة وفي تمهيد طريق الحج من البصرة إلى مكة، وهو رغم سنه صغير كان كفاءة عالية.
كذلك منهم الوليد بن عقبة والوليد بن عقبة أيضا كان داهية في السياسة وكان باسرا في الحرب، حتى إن الإمام الشعبي كان يصف حسن سياسة الوليد وقوة ضبطه بقوله: كيف لو أدركتم الوليد غزوة وأمارته إن كان ليغزو فينهي إلى كذا وكذا -يقصد يتوغل حدا بعيدا ما قصر ولن تقض عليه أحد-. وهذه العبارة أبرزها الطبري في تاريخه.
وبقي معنا من الخمسة سعيد بن العاص، سعيد بن العاص أحد مشاهير العرب بالجود وهو أحد فصحائهم وكان حكما في عملية الجمع الثاني للمصحف عند اختلاف القراءات، وهو فوق ذلك فاتح طبرستان وغزا مناطق جورجان وغيرها. فكل ولاة عثمان كانوا من الأكفاء. ونفس ما يقال عن محاباته عن محاباة عثمان أقاربه بالولايات يققال أيضا في مسألة أنه كان يحابيهم في الأموال. فالذي جاء في قصة في قصص محاباته لأقاربه بالأموال لا يخرج عن أحد احتمالات ثلاثة: أما أنه خبر ضعيف ومكذوب -يعني الأخبار هذه تصور مبالغات في العطاء للاقارب- وأما أن عثمان كان يعطي عطاءه لأقاربه هذا من مالـه هو ليس من مال المسلمين، وأما أنه واقع ضمن الاجتهاد المقبول من الأمير في سياسة المال.
على كل حال يعني مما له -يعني من المفارقة من الأدلة من الشواهد من الأمور العظيمة في هدا الموضوع- أن هؤلاء الولاة الخمسة يعني لم يكونوا في هذه الولايات بدافع المحاباة القبلية، الدليل على ذلك أنه ثلاثة منهم اعتزلوا القتال بين الصحابه بعد مقتل عثمان. المتوقع أنهم أقارب عثمان، فالمتوقع أن هم عصبته، والمتوقع أنه عصبة الرجل تندفع إلى القتال طلبا لدمه، لكن ثلاثة منهم اعتزلوا القتال -الوليد بن عقبة اعتزل القتال، عبد الله بن سعد بن أبي السرح اعتزل القتال، سعيد بن العاص اعتزل القتال-.
من أهم الأمور التي يجب أن نركز عليها أولا أنه الإسلام حرر البشر من استعباد الملوك، فصار الناس يحاسبون الأمير على الأمور البسيطة وعلى الأمور الاجتهادية -زيادة في الأرض المخصصة لرعاية إبل الصدقة أو تاريخ سابق للخلافة يقولون له أنت تخلفت عن غزوة كذا أو عن بيعة كذا-. وهؤلاء الناس أنفسهم كانوا بالأمس عبيدا لكسرى وقيصر وكانوا خاضعين لزعماء قبائلهم -يعني لم يكن أحد منهم يراجع زعيم قبيلته في أمر قد قضى فيه بل كان يخوض معه الحروب، وربما هذه الحروب يعني تهلك الحرث والنسل والأموال، ولم يكونوا يحاسبون قائددهم على هذا-. والأمير من جهته أيضا يرى -يعني الأمير المسلم يرى- أن من أن لهم حق الاعتراض، وأن عليه واجب البيان والتفنيد والسعي في ترضيتهم وإزالة اللبس عن تصرفاته التي اشتبهت عليهم. هذا التحرير للشعوب في هذا الوقت القصير وفي ذلك الزمن الذي يترأسه فيه استعباد الملوك لرعاياهم هو من فضائل الإسلام العظمى التي ما يزال البشر حتى الآن بحاجة إليها في عصرنا هذا.
لكن هذه القيم العظمى وهذا التحرير الذي جاء به الإسلام يجب أن يكون محروسا بالحزم والعدل، وأن يكون محروسا بالأخذ على يد صناع الفتن كي لا تكون مدخلا لهم في إثارة الفتنة وفي تخريب المجتمع المسلم. وهنا يظهر فضل أبي بكر وعمر على من تلاهما؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المروي عن حذيفه أنه قال: «إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر». وروي أيضا في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا».
يعني أبو بكر وعمر كان مبادرين إلى مواجهة الخلل، وكان لهما من الحزم والهيبة ما أقر لهم الأحوال مع شدة ما كانت فيه الدولة الإسلامية في زمنهما -فتنة الردة في زمن أبي بكر، والفتوح في زمن أبي بكر آخر زمنه وفي زمن عمر-. فكان مسارعين إلى الحزم، وطبعا ذكرنا أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». العلماء جمعوا بين هذا الحديث الذي فيه اتباع الخلفاء الأربعة، وبين الحديث الذي فيه التنصيص على أبي بكر على أبي بكر وعمر أنه أبو بكر وعمر أفضل من الشيخين أفضل من الصهرين اللي هم عثمان وعلي.
فالقصد هنا أنه يجب أن يكون، يجب أن تكون هذه القيم العظمى محروسة بالحزم والعدل، وأن ينتبه إلى هؤلاء لا تكون مدخلا لهؤلاء أصحاب الفتنة -يعني أن تكون مدخلا لهم إلى تخريب المجتمع المسلم-.
الدرس المهم أيضا أنه الكذب وترويج الأكاذيب من أخطر ما تصاب به المجتمعات. الخير الفعل الجليل ينقلب بالكذب إلى شر ومطعن ومثلبة. وكثير من الناس طبائع الناس كثير من الناس تذوق نفوسهم إلى تصديق الشائعات، والآلة الإعلامية تستطيع قلب الحقائق وتستطيع تهيييج الناس، هذا واقع، فلذلك يجب أن يدقق العاملون للإسلام، يدقق المسلمون في صحة الأخبار صحة الأنباء، وأن ينشروا هذه القيمة قيمة إحسان الظن وقيمة ﴿إِن جاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَايَنوا﴾ وقيمة التحذير من الكذب وتناقل الكلام من غير توثق منه، وقيمة الانتباه إلى خطورة هؤلاء الكذابين المروجين للفتن، وأن هذا ينبغي أن لا يسمح لهم بهذا الإفساد ما كان ذلك مستطاعا.
كذلك من الدروس التي يجب أن نستفيد منها أنه الجماهير الواقعة تحت تأثير التحريض لا تنفع معها الردود العاقلة، ولا تنفع معها تفنيد الحجة بالحجة، هذا أمر معروف في طبائع الاجتماع -هذه الشبهات التي طرحت والتي صارت سببا في التحريض على عثمان رضي الله عنه كل شبهة منها متهافتة، لكن لما صيغت واحد اتنين تلاتة چهار عمل وعمل وعمل فعل وفعل اجتماعها مع أنها مجموعة أكاذيب اجتماع مثير ومهيج-. ولذلك يجب مرة أخرى على العاملين لهذا الدين وعلى المسلمين أن ينتبهوا إلى الضرر الخطير الذي تسببه وسائل الإعلام الكاذبة، لأنه هذا يوصل الجماهير إلى إلى حد لا يمكن معالجته إلا بالدماء وبالحروب الكثيرة.
والدرس المهم أيضا والذي يجب أن نركز عليه أنه التمرد في المجتمعات المسلمة صحيح بذرته خبيثة وبذرته حاقدة، لكنها تتدثر بالقيم الإسلامية، تتغطى بالقيم الإسلامية تعلن أنه -يعني يعلن هؤلاء أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر- وبهذا ينجذب إليهم الغوغاء والدهماء والأغرار والجهلاء، وبعض الذين بلغ بهم الحال أن ظنوا أنهم أتقى لله وأنهم أورع من صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مما يشهد به التاريخ أنه هؤلاء الأغرار مرضى النفوس هؤلاء يظنون أنهم أصحاب المنهج النقي وأصحاب الصفاء العقدي، ويعني هؤلاء ذراع ممتاز يستعمله أعداء الدين في أغراضهم -هؤلاء الغلام هم من قتلوا عثمان رضي الله عنه وقتلوا بعده عليا رضي الله عنه-. ولا يزالون حتى هذه اللحظه من أخطر التحديات أمام العاملين للإسلام -في واقعنا القريب هذا في زماننا المعاصر نحن راينا كيف أنه أعداء الإسلام الصرحاء استعملوا طوائف من المنتسبين إلى الإسلاميين في تدمير التجارب الإسلامية، حصل هذا في مصر بعد الانقلاب العسكري على الرئيس مرسي رحمه الله بل مداخلة كتائب المداخلة التي تقاتل في ليبيا مع حفتر مؤخرا، في أفغانستان نشط تنظيم الدولة بالتفجيرات بعدما انتصر الطالبان وتحررت أفغانستان، والثورة السورية وقبلها حركة المقاومة للاحتلال الأمريكي في العراق-. كلاهم كلاهما ساحتان حافلتان بالآلام والآثار المدمرة لأولئك الغلام الذين أفسدوا المقاومة وأفسدوا الثورة وعطلوا تحرر الأمة ونكبوها، وعلى يدهم قتل صفوة الأمة وكثير من خيرها.
هنا مما قد يتفاجأ له الكثيرون وأحتاج أيضا أن أركز عليه لكي يستوعب الناس ما.
حصل في عصر الفتنة على سيدنا عثمان أن التمرد على سيدنا عثمان كان يبدو وكأنه تمرد من أهل الدين، يعني تمرد ممن هم حريصون على الإسلام وممن يقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الإمام أحمد روى في فضائل الصحابة بإسناد صحيح، وكذا روى البخاري في خلق أفعال العباد، وروى ابن شبة في تاريخ المدينة وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها قالت أنها لم تر من هم أشد عبادة من الصحابة إلا حين رأت هؤلاء، هؤلاء المتمردون على عثمان، فقالت: والله ما احتقرت أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حين نجم النفر الذين طعنوا على عثمان، فقالوا له قولا لا يحسن مثله، وقرأوا قراءة لا يحسن مثلها، وصلوا صلاة لا يصلى مثلها، فلما تدبرت الصنيع إذا هم والله لا يقاربون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومثل ذلك ما رواه أيضا الإمام أحمد في فضائل الصحابة، ورواه ابن شبة في تاريخ المدينة، ورواه ابن حبان في صحيحه وهي رواية حسنة عن زوجة عثمان رضي الله عنه اللي هي السيدة نائلة بنت الفرافصة، وذلك أنهم حين قتلوا عثمان نظروا إليها، وتلفظ بعضهم بما لا يصدر عن متورع تقي، فقالت السيدة قالت: فعلمت أن عدو الله لم يرد إلا الدنيا، لم يرد إلا الدنيا.
ومثل ذلك أيضا ما رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة بإسناد صحيح، ورواه الطبري في التاريخ أن أم المؤمنين أم حبيبة رمله بنت أبي سفيان في أيام الحصار حاولت الوصول إلى سيدنا عثمان وقت أن كان محصورا يمنعون عنه الطعام والشراب، فهي ذهبت إليه باعتبارها أم المؤمنين ولم يخطر بالبالها أن يمنعوها، إلا أنهم ضربوا بغلتها وقطعوا حبل البغلة الذي كانت يعني تحمل عليه بالسيف، حتى كادت أمة المسلمين أم المؤمنين تسقط من فوق البغلة وربما كانت قتلت.
الفكرة القصد هنا أن هذا المظهر المتسربل بالدين كان يثير ويغري كثير من الناس أن هؤلاء المتمردين ما جاؤوا إلا لرغبة صادقة في إنكار المنكر وفي الإصلاح، ومن بين هؤلاء بعض أمهات المؤمنين حين رأوا عبادتهم وقراءتهم، ولا شك أيضا أن كثيرا من هؤلاء كان مغفلا وضعيف الرأي وكان يحسب أنه يحسن صنعا.
كان هؤلاء من الذين تأثروا بالدعاية التي أطلقها عبد الله بن سبأ الذي يطالب بعلي خليفة، وهم لم يكن لهم زعيم يطالب يعني يطالب بالخلافة لنفسه، يعني هم لم يخرجوا ولديهم من يريد أن يتولى هو الخلافة، يعني ليس فيهم من يرى نفسه أحق بها ابن عثمان مثلا، لكن المظهر أنه هي مظالم وقعت عليهم أو بلغهم أنها وقعت على غيرهم فجاءوا يطالبون برفعها وجاءوا يطالبون برد الحقوق إلى أهلها، فهذه هي الصورة العامة للتمرد.
بعض الصحابة أدرك مبكرا أن هذا التمرد على عثمان يستهدف قتله، روى ابن أبي شيبة في المصنف والفسوي في المعرفة والتاريخ بإسناد صحيح أن حذيفة بن اليمان سئل عن هؤلاء المتمردين، قيل له: إن هؤلاء صاروا إلى هذا الرجل فما تقول؟ قال حذيفة: يقتلونه والله. فقالوا له: أين هو؟ قال: في الجنة. فقالوا: فأين قتلته؟ قال: في النار والله.
وهنا تشير ألفاظ الرواية إلى أن قتال المسلمين أصلا كان مستغربا وغير متصور، علشان كده يعني لذلك سألوا أين هو وأين قتلته، فطبعا الغالب على الأذهان والنفوس في ذلك الوقت أن الأمر مجرد معارضة أو معاتبة ولا يمكن أن يصل إلى القتل.
يعني روى الخلال في كتاب السنة بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان القوم يختلفون إلي يعني يحضرون عندي يختلفون إلي في عيب عثمان ولا أرى إلا أنها معاتبة، وأما دمه فأعوذ بالله من دمه. وهذا النص هو دفاع من عائشة رضي الله عنها عن نفسها ضد الدعاوى والأكاذيب التي قالت بأنها كانت تحرض على عثمان، بهذا التصور فانه يعني الوضع العام في أذهان الجميع كان متصورا أن هذا التمرد ما يلبس أن ينتهي برجوعهم حين ترفع الجهالة عنهم، وحين يبين لهم الخليفه حجته، أو حتى إذا رجع الخليفه عما قد يكون أخطأ هو فيه أو أخطأ فيه أحد ولايته وعماله.
فإذا لم يصلح ذلك فبالقتال؛ لأنه في النهاية المدينة ما يزال الخليفه يطيعه جمهرة المهاجرين والأنصار، وهذا ليس فقط جمهرة مهاجرين وأنصار بل كان أيضا يستطيع أن يستدعي الجيوش الموجودة في مصر وفي الشام وفي العراق. لكن هنا طبعا نرى أن سيدنا حذيفة أدرك هذا مبكرا، لأنه سيدنا حذيفة كان مهتما بأخبار الفتن وكان يحرص على أن يأخذها من الرسول صلى الله عليه وسلم، فتوقع أن هذه هي الفتنة التي سيقتل فيها عثمان كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
الذي يهمنا التأكيد عليه الآن أن ظاهر الصورة لمن ينظر من بعيد؛ مجموعة من أهل الدين والتقوى والورع رأوا بعض المنكرات والمظالم، اشتبهت عليهم بعض الأمور، فساروا إلى الخليفه يرفعون إليه ما حصل أو يطالبونه بعقوبة الذين وقعوا في هذا المنكر، فهي المسألة على صيغة المتابعة والتظلم والمعاتبة والتشكي.
وأكثرهم فجاجة وفجورا هو الذي ينادي بخليفة آخر وهو سيدنا علي رضي الله عنه، لكن حتى سيدنا علي هو نفسه سامع مطيع لعثمان ولا يرضى بهذا الذي يقال من أجله، يعني لأن كان قلب الفتنة من المفسدين والمجرمين والمحرضين اللي هم في تنظيم سبأ أو من غلبه على نفوسهم الطمع أو العصبية القبلية، لكن دعايتهم الدينية أخرجت معهم ضعفاء العقول والنفوس وأخرجت الغلاة المتشددين.
في الحلقة القادمة إن شاء الله نرى ماذا فعل هؤلاء حين وصلوا إلى المدينة مع عثمان رضي الله عنه، نسأل الله تبارك وتعالى أن يععلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع لكن من الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فوحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.
محمد إلهامي