دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 8. ماذا فعل عثمان ليتمردوا عليه؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد وإن ابتدعت فما عليك معول.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. تكلمنا في الحلقة الماضية عن قائد الفتنة هذه الشخصية الخطيرة عبد الله بن سبأ اليهودي اليمني، وقلنا إنه عمل على استغلال أجواء كانت موجودة بالفعل من بزوغ العصبية القبلية، واستثمار حالة من بدايات الفتنة كانت موجودة لدى موتورين وناقمين أو لدى طامعين في مزيد من الأموال.

كان مركز عمله الأساسي في مصر، لكنه تواصل مع هؤلاء الموتورين المتحفزين في البصرة وفي الكوفة. بدأ في إشاعة أن عليا هو ولي الله وهو الوصي وهو الأجدر بالخلافة وأنه غصب حقه في الخلافة، وطبعا هذا الأمر كان عمليا التمرد على عثمان رضي الله عنه لأن أبا بكر وعمر قد ماتا بالفعل، ولأنه لا أحد يفكر في التمرد على الخليفة المسلم في ذلك الوقت. فعمدوا إلى إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمطالبة بعزل الولاة، ونشر الرسائل في الأطراف حتى شعر أهل كل بلد أن بقية البلاد في فساد وفوضى وأن واليهم وحده هو العادل فيهم، وشعر أهل المدينة عاصمة الدولة الإسلامية أنهم وحدهم في عافية. ذكرنا أن سيدنا عثمان أرسل من يراقب الولاة ويستطلع أحوال الناس، فلا يقع أحدهم على شيء غريب إلا الخلافات الطبيعية والأمور البسيطة التي لا تخلو منها دولة.

في هذه الحلقة سنتابع تطور هؤلاء المتمردين ووصولهم إلى مرحلة الإنكار على عثمان رضي الله عنه واختلاقهم الأكاذيب عنه وترويجها ليكون هذا تمهيدًا للتمرد عليه. فالآن نحتاج أن نتوقف عند هذه الأكاذيب أسباب التمرد، ما الذي فعله عثمان رضي الله عنه لكي يتمردوا عليه؟ ما هي الحجج؟ ما هي الدوافع؟ ما هي الشعارات التي استخدموها لكي ينقموا على عثمان ويحرضوا عليه؟

الدكتور محمد الغبان حفظه الله صاحب كتاب فتنة مقتل عثمان بن عفان له تقسيم لطيف، قسم الشبهات التي أثيرت حول عثمان إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول شبهات ثبت من خلال الروايات الصحيحة أنهم طعنوا بها عليه، القسم الثاني شبهات جاءتنا من طرق ضعيفة فهو محتمل أنهم طعنوا بها عليه أيضًا لكن لم يصلنا طعنهم هذا من خلال بهذه الشبهات في روايات صحيحة، والقسم الثالث هو شبهات موجودة في الكتب ومنتشرة في الكتب لكن لا يعرف لها إسناد.

لنأخذ هذه الأقسام واحدا تلو الآخر. القسم الأول الشبهات التي ثبت أنهم طعنوا بها على عثمان رضي الله عنه هي خمس شبهات، أو خمسة اتهامات: الاتهام الأول أنه تخلف عن غزوة بدر ولم يخرج فيها، وأنه كان من الفارين يوم أحد، وأنه لم يشهد بيعة الرضوان في صلح الحديبية، وأنه أحرق المصاحف، وأنه حمى الأرض.

ببداية نقول إنه حتى لو كانت هذه الخمسة كلها صحيحة فإنها لا تجيز الخروج على عثمان ولا تبيح قتله كما فعلوا، لأن هذه الأشياء الخمسة كلها حصلت بين الصحابة ولم يرها أحد من هؤلاء الصحابة مثلبة لعثمان، بل اختاروه للخلافة ورضوا بإمامته وأطاعوه وهم أعلم الناس به وأعلم الناس بهذه الأمور الخمسة. لكن اتخاذ هذه الخمسة مطعنا في عثمان هو دليل على استحكام الجهل وضيق العقل عند هؤلاء المتمردين. سنرى أن أربعة من هذه الخمسة هي من مناقب عثمان، يعني من فضائل عثمان، وليست من المطاعم أو الشبهات أو الاتهامات عليه.

الشبهة الأولى أنه لم يخرج في غزوة بدر وأنه تخلف فيها، أولًا النبي صلى الله عليه وسلم في بدر لم يحمل الناس على الخروج إلى بدر وإنما كان ندبهم للقاء القافلة، فالنبي كان خارجًا للقاء قافلة فقال: من كان ظهره حاضرًا فليأتِ معنا، حتى أن بعض الصحابة استأذنوا أن يأتوا برواحلهم من مكان في أقصى المدينة فلم يأذن لهم، أراد أن يخرج بالمستعد الجاهز. فلم يكن المتخلف عن بدر مقصرًا أو متوانيًا أو مذنبًا، والنبي لم يعاتب أحدًا لم يخرج في بدر. ومع ذلك فعثمان رضي الله عنه كان من الخارجين إلى بدر إلا أن زوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت في مرض موتها، وكان هو يقوم على رعايتها، فهو كاد يخرج لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في البقاء معها، وأخبره صلى الله عليه وسلم أن له الأجر الثابت كما شهد بدرا، وقسم له من غنائمها، ولم يرجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر إلا وكانت رقية ابنته قد توفيت بالفعل.

التهمة الثانية أنه كان من الفارين يوم أحد، وهذا الفرار يوم أحد وقع لعدد من الصحابة، ونزل القرآن الكريم بأن الله قد عفا عنهم في ذلك، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 155]. هؤلاء المتمردون على عثمان لا يمكن لأحد منهم أن يجزم بأن الله قد عفا عنه هو في ذنب، لا يملك أحد فينا ولا في المتمردين أن يجزم بأن الله قد عفا عنه، لكن الله قد جزم بأنه عفا عن هؤلاء الذين فروا يوم أحد. فإن جاز أن يقال إن هذا الفرار مثلبة من مثالب عثمان، فالمنقبة والفضيلة أن الله تبارك وتعالى أثبت أنه عفا عنه وعن أمثاله، فثبوت هذا العفو بالوحي الخالد منقبة من مناقب عثمان لم تكن إلا للقليل من المسلمين.

التهمة الثالثة أنه لم يحضر بيعة الرضوان، والسبب في ذلك أن هذه البيعة نفسها كانت انتصارًا لعثمان، فالنبي في صلح الحديبية أرسل عثمان سفيراً إلى قريش فأشيع أنه قتل، فالنبي بايع المسلمين على الموت وعلى القتال وعلى الصبر انتصارًا لعثمان رضي الله عنه. فطبيعي ألا يكون عثمان موجودًا لأنه أصلا كان غائبًا وقد أشيع قتله، وفي هذه البيعة تروي الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم تلقى البيعة بيمينه ثم وضع يسراه قائلاً: «وهذه يد عثمان»، وهذه الرواية في البخاري، فتلك منقبة لعثمان وليست مطعنا عليه.

التهمة الرابعة أنه أحرق المصاحف، لماذا أحرق المصاحف؟ كان ذلك من إتمام عملية جمع المصحف. المصحف جمع مرتين، المرة الأولى في عهد أبي بكر رضي الله عنه جمع من الأوراق والصحف والعظام والرقاع فصار مصحفًا، والجمع الثاني هو الجمع الذي حصل في زمن سيدنا عثمان بن عفان، وهذا الجمع أراد أن يتجنب ما وقع في المصاحف من بعض الخلاف في القراءة، فعثمان أتم ما عرف بالجمع الثاني وجعله على لسان قريش لكي يتجنب هذه الاختلافات في اللهجات وفي القراءات. فجمع المصحف الجمع الثاني بمحضر من الصحابة، وأمر بإحراق ما سوى ذلك من المصاحف لكي يكون هذا المصحف هو المصحف المعتمد، وهذا كان على مشهد من الصحابة. وحتى سيدنا علي رضي الله عنه كما رواه ابن أبي داود في كتابه المصاحف بسند صحيح وتصحيح السند صححه الحافظ ابن حجر كما ذكر ذلك في الفتح، أن سيدنا علي رضي الله عنه قال: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا إلا خيرًا في المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا على ملأ منا، وفي رواية زاد: ووالله لو فعلت مثل الذي فعلت. فهذا كلام سيدنا علي في مسألة حرق المصاحف.

التهمة الخامسة هي تهمة أنه حمى الأرض، وهذه تهمة تحتاج إلى وقفة نفهم فيها ما هو الحمى. الحمى هو تحديد قطعة من الأرض ومنع الناس من استثمارها أو الرعي فيها، لأن هذه الأرض مخصصة لغرض معين. في الجاهلية كان سيد القبيلة يحدد أرضًا يحميها فيجعلها لنفسه ولإبله ولمشيته فيمنع الناس من الرعي فيها، فلما جاء الإسلام نهى عن هذا، وروى البخاري حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لا حمى إلا لله ولرسوله». فالإسلام منع بذلك أن يستأثر بعض الناس بشيء من الموارد العامة يمنعونه عن بقية الناس. وهذا موضع افتراق خطير بين الإسلام وبين الدولة الحديثة المعاصرة التي نحن فيها الآن، فالدولة الحديثة تجعل كل الأرض في ملكية السلطة تسميها أرض الدولة، ولذلك الناس لا يستثمرون الأرض لا بزراعة ولا ببناء ولا بغير ذلك إلا بشرائها من الدولة أو بأخذ تصريح أو إذن منها. نحن نرى في هذا الاعتراض أن عثمان حمى قطعة من الأرض نرى هنا مدى حساسية المجتمع الإسلامي ومدى نفوره من أمر تتقبله المجتمعات المعاصرة بكل بساطة، والمجتمعات لا ترى في هذا ظلمًا، وحتى المجتمعات القديمة الجاهلية كانت تتقبله.

هؤلاء المتمردون على عثمان صحيح اشتدوا واشتطوا وغلوا وبالغوا كثيرًا حتى خرجوا عن العدل إلى الظلم والبغي، لكن يجب التأمل أن هذه المبادئ وهذه الدوافع التي حركتهم للاعتراض هي مبادئ العدالة الإسلامية، هي مبادئ الإسلام التي تحاسب الأمير على الأمر البسيط الذي لا يراه أحد في المجتمعات الجاهلية نوعًا من الظلم. كون هؤلاء المتمردين يحملون هذه المبادئ وتستفزهم هذه الدوافع فهذا من فضل الإسلام عليهم، لأن الإسلام حررهم من عبودية الملوك والسلاطين. وكونهم اشتطوا وغلوا فيها وخرجوا عن العدل فهذا هو من أثر الجهل أو من أثر الخبث واللؤم وإلباس الحق بالباطل.

ماذا فعل عثمان؟ عثمان زاد في مساحة الأرض المحمية لزيادة أعداد إبل الصدقة، نحن ذكرنا أن المسلمين كانوا في رخاء في عصر عثمان رضي الله عنه، وأن الأموال زادت وبالتالي زادت الزكاة، ومن هذه الزكاة زكاة الإبل والماشية، أصحاب الإبل والماشية كانوا يخرجون زكاتهم من الإبل، فهذه الإبل التي خرجت كزكاة صارت الآن في رعاية السلطة، والسلطة تخصص لها أرضًا لكي ترعى فيها، فهذه أرض تخصص للمصلحة العامة للمسلمين. واضطر لهذا قبل عثمان عمر بن الخطاب، حين بدأت تزيد أموال الغنائم فسيدنا عمر حمى منطقتي الشرف والربذة لإبل الصدقة. وورد بسند حسن كما عند ابن أبي شيبة في المصنف وعند خليفة بن خياط في التاريخ أن عثمان رضي الله عنه رد على هذه التهمة بهذا الرد، رد أن عمر حمى الأرض من قبله، فسكت أولئك المتمردون. ونحن ذكرنا قبل ذلك في الفارق بين شخصيتي عمر وعثمان أن هذا الحلم واللين جر أهل الفتنة على التمرد على ما كانوا يتقبلونه من عمر رضي الله عنه. فهذه حقيقة المطاعم الخمسة التي ثبت أنهم شوهوا بها سيدنا عثمان رضي الله عنه، فالخمسة لا تجيز لهم ما فعلوا، وأربعة من هذه الخمسة مناقب وفضائل، وحتى الخامسة التي هي فراره يوم أحد أيضًا تدخل في المناقب والفضائل لأن الله تبارك وتعالى عفا عنه.

هذا هو القسم الأول، قسم التهم التي ثبت أنهم طعنوا بها على عثمان. القسم الثاني وهي التهم التي لم يأتنا من طريق صحيح أنهم طعنوا بها على عثمان وجاءتنا من طرق ضعيفة فهي محتملة، هما تهمتان: التهمة الأولى أنه أتم الصلاة في منى، وأنه ضرب عمار بن ياسر. وبداية يكفي في رد هذين المطعنين أو هاتين التهمتين أنهما لم يثبتوا، فمن الأول إذا اتخذنا المنهج العلمي هما غير ثابتين ولم ترد بهما رواية صحيحة، ومع ذلك فحتى لو صحا فإن كلا المطعنين لا يجيز الخروج على عثمان ولا يبيح قتله أيضًا.

نأتي إلى إتمام الصلاة في منى، جاء في روايات يقوي بعضها بعضًا أن سيدنا عثمان رضي الله عنه كان يقصر الصلاة في منى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر في صدر الخلافة. أنتم تعرفون في الحج صلاة الظهر والعصر تكون ركعتين، وكذلك المغرب والعشاء. فكرة أنه أتم الصلاة في منى أي أنه صلى الظهر أربعًا والعصر أربعًا، فالنبي وأبو بكر وعمر وعثمان في صدر خلافته كانوا يفعلون هذا، لكن عثمان حين كثر الأعراب الذين أسلموا وكانوا يأتون إلى الحج فيتعلمون الدين، وصل إلى عثمان أن بعض هؤلاء الأعراب صار يصلي الظهر والعصر ركعتين في مكانه كما رأى أن عثمان يفعل ذلك في الحج، فعندئذ أتم عثمان الصلاة في منى لكي يوضح.

للناس الذين جاؤوا يتعلمون أن الظهر أربع، والعصر أربع، ويوضح للناس ما هي السنة في القصر والإتمام، هذه فكرة تهم إتمام الصلاة.

الثانية أنه ضرب عمار بن ياسر، هذه أشهر ما في هذه التهمة، رواية ضعيفة تقول بأن سيدنا عمار رضي الله عنه أراد الدخول على عثمان وكان عثمان مشغولًا في ذلك الوقت، فأبى عمار أن ينصرف، فحاجب عثمان أي الرجل الواقف على الباب ضرب عمارًا. فلما بلغ ذلك عثمان، قال عثمان: هذه يدي لعمار فليصطبر أي ليقتص مني، ها أنا ذا أمام عمار فليقتص مني. إن صحت هذه الرواية التي هي أصلاً نحن ذكرنا أنها ضعيفة، ففيها العذر لعثمان، وفيها أن الخطأ لم يكن الخطأ من عثمان وإنما كان الخطأ من حاجبه، وفيها إنصاف عثمان لأخيه عمار، وفيها أنه وضع نفسه ليؤخذ منه القصاص.

وردت رواية أخرى طويلة مليئة بالتفصيل وبدون إسناد، ويدل طولها ويدل سياقها على أنها موضوعة مختلقة، حتى من ليست لديه خبرة بالحديث وبالأسانيد يعرف من مجرد قراءتها أنها موضوعة. لكن هذه الرواية تتحدث عن أن عثمان أمر بضرب عمار فضربوه، ثم جاء عثمان فوطئه، أي وضع رجله عليه حتى فتقت أمعاء عمار وغاب عن الوعي، وتعصب له بنو مخزوم لأنه طبعًا عمار كان من موالي بني مخزوم. وهذه الرواية ممن أحسن الرد عليها الإمام ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم، لما قال: ذلك زور وإفك، فلو فتقت أمعاؤه ما عاش أبدًا. لو صحت هذه الرواية وأن أمعاءه فتقت فإنه ما يعيش أبدًا. ومع ذلك فحتى لو صح أن عثمان ضرب عمارًا، فالصحابة بشر يقع منهم الخطأ؛ هذا أقول على فرض أن هذا صحيح، وقد يكون الحق مع عثمان وقد يكون الحق مع عمار، وقد حصل قبل ذلك أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يضرب بالدرة، فليس هذا الضرب مما يبيح الخروج على الأمير أو قتله، فإنه مما يجتهد فيه، ويجوز أن يكون مخطئًا ويجوز أن ينكر عليه.

هاتان هما التهمتان اللتان وردتا بأسانيد غير صحيحة، إنهما طعنتا بهما على عثمان. وأما المطاعن التي اشتهرت ورويت بغير إسناد فهي عدم إقامته الحد على عبيد الله بن عمر، وأنه نفى أبا ذر إلى الربذة، وأنه كان يحابي أقاربه في المناصب وفي الأموال. وهنا ضروري أن ننبه على أن هذه المطاعن قد تكون وضعت بعد زمن عثمان بكثير، أي وضعت على ألسنة الوضاعين أو الشيعة في سياق المسجلات والمجادلات التي حصلت فيما بعد بأثر الفتنة؛ فحشد هؤلاء كل ما وجدوا فيه شبهة أو لبس وألصقوه بالمتمردين على عثمان، من أنهم تمردوا عليه لأجل ذلك.

هذه المطاعن الثلاثة أيضًا يقال فيها نفس ما يقال في سابقتها؛ كونها بغير إسناد يكفي أصلاً لإسقاطها، ويكفي لإسقاطها مرتين أنها كانت مطعنًا على رجل ثبت بالأحاديث الصحيحة فضله، وثبتت بالأحاديث الصحيحة مكانته؛ لا يقف الضعيف ليحتج به على الأمر الثابت الصحيح. ومع ذلك فنحن لو تأملنا فيها فسنجد أنها ساقطة في نفسها أيضًا. الأمر الأول أنه لم يقم الحد على عبيد الله بن عمر؛ أصل ما حدث أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال صبيحة قتل عمر رضي الله عنه، بأنه رأى أبا لؤلؤة المجوسي مع الهرموزان مع جفينة في الليلة التي قتل فيها عمر، ومعهم خنجر له طرفان، وهذا الخنجر هو الذي قتل به عمر فعلاً. فكان هذا شبهة قوية في أنهم تآمروا على قتله، فابنه عبيد الله بن عمر، وهو في ثورة الغضب وأبوه قتيل، قتل الهرموزان وقتل جفينة وقتل ابنة لأبي لؤلؤة المجوسي.

فلما تولى عثمان، عظم على المسلمين أن يقتل عمر بالأمس ويقتل ولده اليوم قصاصًا، فعندئذ حكم عثمان أنه يدفع الدية عن هؤلاء القتلى من ماله؛ لأن الذي فعله عبيد الله بن عمر فيه قوة شبهة، والشبهة باعتبارهم قتلة أبيه، وما فعله هو يعتبر افتياتًا على الحاكم في تنفيذ الحد، والأمير له أن يعزر هذا الذي افتات على الحاكم وله أن يعفو عنه بما يرى أنه الأصلح؛ لأنها من الأحكام الاجتهادية. فهنا يجب الانتباه أيضًا إلى أن عبيد الله بن عمر كان متأولًا في قتلهم، أي هو كان يعتقد حل قتلهم لكونهم تماؤلوا على قتل أبيه، وتأوله هذا شبهة تدرأ عنه الحد، كما وقع لأسامة بن زيد رضي الله عنه لما قتل من نطق بالشهادة حين ظن أنه قالها خوفًا من السلاح، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقم عليه الحد. فإذا تجاوزنا عن كل ما فات، فخطأ الأمير في عدم إقامة الحد على واحد في مسألة ملتبسة هو أيضًا من الأمور التي لا يجوز بها الخروج عليه فيها.

الأمر الثاني هو نفي أبي ذر إلى الربذة، والأمر الثالث هو محاباته لأقاربه في الولايات. وهذا إن شاء الله هو ما نراه في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.