دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 7. قائد الفتنة الخطير عبد الله بن سبأ

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسلُ. ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضلُ. هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقلُ. فإن اتبعت سبيلهم فمُوحدٌ، وإن ابتدعت فما عليك مُعوَّلُ.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.

ذكرنا في الحلقة الماضية مجمل أوضاع الكوفة التي كانت أهم مراكز الفتنة، ويمكن بعد ذلك أن نرى في الولايات الأخرى شجرات من هذه الأجواء أو بعض هذه الظروف، ولكن هذه الظروف كانت في ذاتها بسيطة وغير مؤثرة، لكن إذا وُجد من يريد استغلالها وتضخيمها وترويجها فسيكون الأمر أشد خطورة.

نذهب إلى ولاية الشام؛ ففي الشام وقع خلاف بين أبي ذر رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنهما، ومعاوية كان الوالي في الشام في ذلك الوقت. كان لأبي ذر رأي في المال وكنزه انفرد به عن بقية الصحابة، فسيدنا أبو ذر كان يرى أن المال الذي يزيد عن حاجة المرء في يومه هو من الكنز الذي توعد الله صاحبه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]. سيدنا أبو ذر كان رجلًا زاهدًا، وكان يرى أن كنز المال هو المال الذي لا تحتاجه في اليوم والليلة.

سيدنا أبو ذر كان قد غادر المدينة إلى الشام عملًا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم أن يغادر المدينة إذا اتسع عمرانها وبلغ البناء فيها حتى جبل سلع، وهو جبل على حد المدينة. وهذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك وابن أبي شيبة في المصنف، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو أن يخرج من المدينة إذا بلغ البناء فيها سلع. هناك في الشام، وبناءً على هذا الرأي، رأى سيدنا أبو ذر أن معاوية يكنز المال، الكنز الذي يراه أبو ذر أنه داخل في وعيد الله، فاشتد الخلاف بينهما حتى أرسل معاوية إلى عثمان رضي الله عنه في المدينة يطلب منه أن يستدعي إليه أبا ذر لئلا تكون فتنة في الشام؛ لأن أبا ذر ينهى عن المنكر وينهى عن كنز المال.

هنا نحتاج إلى وقفة مع سيدنا أبي ذر رضي الله عنه؛ فسيدنا أبو ذر صحابي جليل وداعية من الطراز الأول، فهو أسلم مبكرًا، وجاء بنفسه إلى مكة وتخفى لكي يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وما إن سمع كلام النبي حتى أسلم، ثم جهر بالدعوة متعرضًا لأذى قريش في مكة، وهذا أشبه بالعملية الفدائية في ذلك الوقت. ثم ذهب إلى قبيلته غفار ودعاهم فأسلم نصف القبيلة قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

يبدو من مجمل أخبار سيدنا أبي ذر رضي الله عنه أنه من أصحاب العاطفة الحارة ومن أصحاب العزم الشديد، وهؤلاء يكونون من أعلام الدعوة، ولكنهم لا يصلحون لأمر السياسة والقيادة، لذلك أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتولى، أي لا يكون أميرًا على اثنين، وألا يكون صاحب مال، وهذا كما في صحيح مسلم قال: «يا أبا ذر، إني أوصيك ألا تولى على اثنين». ولما طلب أبو ذر رضي الله عنه أن يكون في عمال النبي صلى الله عليه وسلم، قال له كما رواه مسلم في الحديث المشهور: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة».

فيما يخص الأمر هنا، فإن رفض سيدنا أبي ذر للسياسة المالية لسيدنا معاوية رضي الله عنه، مع استحضار أنه من أهل السابقة في الإسلام وأنه صاحب عاطفة وصاحب حماسة؛ كل هذا جعل معاوية يناشد سيدنا عثمان أن يستدعيه إلى المدينة كي لا تحدث فتنة في الشام تأثرًا بأبي ذر رضي الله عنه. وربما هذا استنتاج، ولعله لهذا أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة حين تتسع عمارتها لأنه لن يطيق أن يبقى في البلد بعدما تكثر فيها الأموال.

بالفعل أرسل سيدنا عثمان إلى أبي ذر، وعاد أبو ذر إلى المدينة. في المدينة لما أدرك سيدنا أبو ذر سبب هذا الاستدعاء، قال: يا أمير المؤمنين، أأخفتني؟ فوالله لأن أمرتني أن أتعلق بعروة قتب حتى أموت لفعلت. العروة هي العقدة، كما في قوله تعالى: ﴿الْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ [البقرة: 256]، والقتب هو رحل صغير على قدر سنام الجمل. فالمعنى أن سيدنا أبا ذر مقيم على طاعة عثمان، ولا يمكن أن يُتوقع منه عصيان أو تمرد على سيدنا عثمان أو خروج عليه أبدًا.

لكن سيدنا عثمان قال: بل أحب أن تقيم في المدينة. ولكن سيدنا أبا ذر -لوصية النبي صلى الله عليه وسلم له بالخروج من المدينة حين يبلغ البناء فيها جبل سلع- قال له: أستأذنك أن أخرج من المدينة. وفي رواية أن سيدنا عثمان رغب في ذلك. ابن سعد في الطبقات الكبرى بإسناد صحيح أن أبا ذر رضي الله عنه سئل في الربذة -المكان الذي ذهب إليه واختار الإقامة فيه- عن هذه القصة التي كانت مع معاوية ثم مع عثمان، فسيدنا أبو ذر حكى هذه الحكاية، ولكن ما يهمنا منها هنا هو قوله: ولو أمروا علي عبدًا حبشيًا لسمعت وأطعت.

أبو ذر لم يكن في ذهنه أبدًا مسألة الخروج على الخليفة؛ لأنه رضي الله عنه يعرف حدود النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويفهم ما هي المساحة المباحة. فلا شك أنه بعض الكلام الذي قاله أو بعض المواقف التي وقفها ربما جرى استغلالها وتضخيمها من قبل بعض هؤلاء المفتونين والجهلاء، أو حتى من قبل من لا يدركون، فإما أن يكونوا مغرضين أو جهلاء. في النهاية كان وضع أبي ذر في الشام مما تأثر به بعض الناس، وابن سبأ -عبد الله بن سبأ- كان في الشام لمدة من الوقت أيضًا، وبدون شك لا ريب أنه عمل على الاستفادة من هذا الإنكار الذي أنكره أبو ذر. وهنا نقف وقفة؛ أن إنكار المنكر يجب أن يكون صاحبه ذا فقه لكي يعرف إلى أين يتجه إنكاره، ومن الذين يستغلون هذا الإنكار. المهم في النهاية ظلت ولاية الشام ساكنة آمنة، ولم تتهددها الفتنة؛ لأن سيدنا معاوية بن أبي سفيان كان يقظًا وكان حسن السياسة.

إذا ذهبنا إلى ولاية أخرى وهي البصرة، ففي البصرة سنجد أن هناك شكاوى تكاثرت من رجل يسمى حكيم بن جبلة. هذا الرجل، نحن ذكرنا أن المجتمع المجاهد يخرج الناس للجهاد، ويخرج منهم من كان يجاهد في سبيل الله، وكذلك يخرج منهم من يجاهد في سبيل الغنيمة أو غير ذلك؛ فمن كان طبعه الشدة وكان يحب القتال، ففي بعض الناس طبعهم هكذا، شديدون يستريحون لأجواء القتال. على كل حال، هذا صاحبنا حكيم بن جبلة العبدي كان إذا خرج في الجيش للغزو والفتح يتنكر، أي يتلثم، ويغادر الجيش فيغير على أهل الذمة وعلى غيرهم ممن هم في طريق الجيش، ثم يلتحق بالجيش.

لذلك رُفعت الشكوى لسيدنا عثمان بن عفان، فأمر سيدنا عثمان واليه على البصرة عبد الله بن عامر بن كريز أن يمنعه من مغادرة البصرة، وأن يحرمه من الخروج مع جيوش الفتح؛ لأن البصرة والكوفة كانتا منطلقين لجيوش الفتح. فهذا صيّر حكيم بن جبلة موتورًا؛ لأنه حُرم ببابين للرزق: حُرم باب الرزق الحلال وهو الغنائم في الفتوح حين يشارك مع الجيوش، وحُرم باب الرزق الحرام وهو الذي يصنعه حين يغير على أهل الذمة أو من عاداهم. فكان هو وقومه الذين التفوا حوله حاضنة مناسبة لحركة عبد الله بن سبأ، وبالفعل نزل ابن سبأ في ضيافتهم مدة، وسمعوا منه وقبلوا كلامه، وتكونت مجموعة وصاروا يجتمعون في البصرة حتى بلغ ذلك والي البصرة عبد الله بن عامر، فاستدعاه إليه، استدعى عبد الله بن سبأ وتشكك فيه، وفيما يبدو أنه أمره بالخروج من البصرة.

هذه ولاية الكوفة، وهذه ولاية الشام، وهذه ولاية البصرة، وأما الأوضاع في مصر فسيأتي الحديث عنها حين نتناول حديثنا عن العنصر الثاني. نحن تكلمنا أنه لا بد من أمرين: ظروف مهيأة وشخصية قائد. تكلمنا عن الظروف، بقيت الظروف في مصر، فهذه نعرض لها عند حديثنا عن قائد الفتنة الخطير عبد الله بن سبأ، ومع عبد الله بن سبأ هناك شخصية أخرى سنأتي إليها أيضًا هي شخصية محمد بن أبي حذيفة. إذًا كان هذا هو مختصر الأوضاع؛ لنسعَ الآن أن نتصور ماذا سيفعل قائد الفتنة عبد الله بن سبأ في استغلال هذه الأحوال في تنفيذ أغراضه ومراده.

نأتي لعبد الله بن سبأ؛ اتفقت المصادر على أن باعث حركة الفتنة ضد عثمان بن عفان هو عبد الله بن سبأ، وهو يهودي يمني أظهر الإسلام وتنقل بين اليمن والشام والعراق ومصر، حتى استطاع استمالة بعض الناس واستغلال هذه الظروف القائمة للتحريض على عثمان رضي الله عنه. بعض الباحثين خصوصًا من الشيعة ومن المستشرقين وبعض من تأثر بهم نفى الوجود التاريخي لعبد الله بن سبأ، أي نفى أنه شخصية حقيقية، وقال بأنه شخصية غير حقيقية ومختلقة، وطبعًا تعددت أغراضهم في ذلك، لكن علميًا تعدد الأخبار الواردة عن عبد الله بن سبأ بما في ذلك أخبار صحيحة يجعل هذه الدعوى دعوى ساقطة ومتهافتة؛ فعبد الله بن سبأ شخصية حقيقية بالفعل لا شك في ذلك، ومن أراد أن يتوسع في هذا الموضوع ينظر في دعاواهم وفي الردود عليهم. فأنا أرشح مثلاً كتاب «فتنة مقتل عثمان» للدكتور محمد الغبان، وكتاب «استشهاد عثمان ووقعة الجمل» للدكتور خالد الغيث، وكتاب «تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة» للدكتور محمد أمازون؛ تحديدًا هذا الفصل من الفصول التي كانت جيدة جدًا في هذا الكتاب. بعض الباحثين ألف كتبًا متخصصة في هذا الموضوع، مثل كتاب «عبد الله بن سبأ ودوره في أحداث الفتنة» للشيخ سليمان العودة، وكتاب «عبد الله بن سبأ حقيقة لا خيال» للشيخ الدكتور سعدي الهاشمي، هذا لمن أراد أن يتوسع.

لكن الخلاصة -حيث إننا في حلقات مختصرة الآن- أن عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية لا شك في ذلك، لكن الذي يجب أن يقال وأن ننبه عليه ونكرر التنبيه عليه، أنه وإن كان شخصية حقيقية ومؤثرة، لكنه بكل تأكيد لم يفعل هذا وحده؛ فتدل الروايات الصحيحة على وجود تنظيم فعال أدار حركة التمرد على عثمان، وهذا التنظيم قام بتزوير رسائل وبإيفاد مبعوثين في وقت حرج، بل واستطاع أن يشعل حرب الجمل وغيرها مما سنأتي إليه، وسيظهر إن شاء الله في تناولنا للأحداث. ولكن من طبيعة الأمور أن يكون حول هذا التنظيم -بل وفي هذا التنظيم- مخدوعون، وأن يكون فيه أغرار وأناس يسهل استعمالهم ويصلح توظيفهم، وطبعًا فيهم من التقت أغراضه الدنيوية مع أغراض أخرى سواء كانت هذه الأغراض دينية أو قبلية أو اقتصادية أو نفسية حتى؛ فالمسألة ليست عبد الله بن سبأ وحده، إنما هو قائد هذه الفتنة، وهناك من كان معه من المغفلين والمنخدعين، وكذلك من كانوا معه بسبب أغراضهم التي التقت معًا.

تدل الروايات الصحيحة أن عبد الله بن سبأ كانت بدايته أنه بث في الناس فكرة الانتصار لعلي بن أبي طالب، وأن علي بن أبي طالب هو الأحق بالخلافة، وأن أبا بكر وعمر وعثمان اغتصبوا الخلافة من علي رضي الله عنه، وطبعًا كانت وسيلته في ذلك أن عليًا هو الأقرب نسبًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ابن عمه وزوج ابنته. وبدأ يظهر الأحاديث وينشرها -وربما ألفها- في فضائل علي رضي الله عنه، يريد بذلك أن يثبت دعواه في أن عليًا هو أفضل الصحابة وأحق الصحابة بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو ما يجر إلى الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان؛ لأنهم إذا كانوا اغتصبوا حقًا ليس لهم فلا شك أن هذا مما يسيء إليهم.

لكن دعنا الآن من الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان؛ فحيث إن أبا بكر وعمر ماتا بالفعل، فالنتيجة العملية لهذه الدعوة الآن هي السعي في خلع عثمان، وعثمان هو الذي ما زال حيًا في الخلافة، ولذلك من هنا بدأ في التحريض والتشنيع على عثمان ببعض الأمور، وسنأتي إليها بعد قليل. لكن هذه الخطوة السبئية التي فضلت عليًا عن غيره من الصحابة بل عن كل الصحابة، تمادى ابن سبأ في هذه الفكرة حتى رفع عليًا إلى مرتبة الألوهية، وأنه هو الذي يخلق ويرزق، ووجد قوم في عهد علي رضي الله عنه صرحوا بهذا وصرحوا بهذا أمام علي رضي الله عنه؛ قالوا: أنت خالقنا وأنت رازقنا، فسيدنا علي نهارهم.

ونهاهم عن هذا، لكنهم لم يرجعوا؛ فهددهم بالقتل، قال: والله لأقتلنكم، فلم يرجعوا. وبالفعل حفر لهم أخاديد في الأرض؛ والأخاديد هي حفر طويلة في الأرض، وأشعل فيها ناراً وقذفهم فيها. وعُرف هؤلاء الذين غلوا في علي إلى هذه المرتبة بالسبئية.

ومن أراد أن يقرأ عنهم أكثر، فالعلماء تناولوهم بالكلام في الكتب المتخصصة في الملل والنحل، مثل كتاب أبي الحسن الأشعري مقالات الإسلاميين، وكتاب الشهرستاني الملل والنحل، وكتاب ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، وغير ذلك من الكتب.

ومما ساعد عبد الله بن سبأ في اعتناق بعض الناس لهذه الفكرة أن البيئة التي عاش فيها هؤلاء هي بيئة قريبة العهد بنظام التوريث؛ فكلتا الإمبراطوريتين الفارسية والرومية -اللذان حكمتا العراق ومصر- كان انتقال الحكم فيهما إلى أقرب الناس نسباً إلى كسرى وقيصر. أيضاً محاولة رفع البشر إلى مرتبة الألوهية أمر ليس جديداً على اليهود.

وهنا يُضرب المثل دائماً، أو أشهر الأمثلة التي تُضرب في هذا هو بولس، الذي يسميه النصارى بولس الرسول. هذا بولس الرسول اسمه شاؤول، كان يهودياً ولكنه كان من أشد أعداء المسيح ابن مريم عليه السلام، ومن بعد ما كان من أشد الناس عداوة له، بدأ بعد وفاة المسيح ينتقل فجأة إلى النصرانية، وأخذ في نشر فكرة أن المسيح لم يكن نبياً بل كان إلهاً متجسداً في بشر، وهذه الفكرة هي أساس تحريف النصرانية. فحركة ابن سبأ في أنه يرفع علياً عن مرتبة البشر إلى مرتبة الألوهية حركة تكررت قبل ذلك على يد اليهود، وبها حرّفوا المسيحية.

تنقل ابن سبأ في الأمصار المهمة، أي الأمصار التي يسكنها المقاتلون العرب؛ لأن المقاتلين العرب هم شوكة الدولة، وهم الجيوش المسلحة، وهذه الأمصار هي البصرة والكوفة والشام ومصر. هذه مراكز الجيوش الإسلامية؛ فجيوش البصرة والكوفة تتولى فتح مناطق الشرق في فارس وخراسان ومناطق الشمال في أرمينيا وأذربيجان، وجيوش الشام تتولى مجاهدة الروم في الشمال الغربي في الأناضول وفي البحر المتوسط، وجيوش مصر تتولى فتح الشمال الإفريقي وفتح السودان.

حاول ابن سبأ في كل هذه الأنحاء ترويج هذه الأفكار، لكنه عجز عن ذلك في الشام ليقظة معاوية وتنبّهه رضي الله عنه، لكنه حقق نجاحاً محدوداً في البصرة والكوفة، ونجاحه الأهم هو الذي كان في مصر، ولذلك كانت إقامته هو في مصر. كانت خطة عبد الله بن سبأ إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمناداة برفع المظالم، والمناداة بعزل الولاة الذين يقومون بهذا المنكر.

طبعاً في ذلك الوقت لا أحد من المسلمين يقبل أو حتى يفكر في مسألة الخروج على الخليفة، لا يرون في ذلك لا ذريعة ولا مبرراً. لكن الفكرة الأساسية التي يبثها في نفس المقربين منه هي تفضيل علي على سائر الصحابة، ستؤدي لا محالة إلى الخروج على عثمان وإلى خلع عثمان. هذا الخروج على عثمان وفقاً لهذه الفكرة، فكرة أن علياً أفضل منه وأن عثمان مغتصب للخلافة، هو وفق هذه الفكرة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في رفع المظالم.

وهنا بدأت ماكينة الإعلام، ماكينة ترويج الأكاذيب؛ فأخذ هذا التنظيم -تنظيم ابن سبأ الذي هو متوزع بين الشام ومصر والبصرة والكوفة- في تبادل الرسائل؛ كل قوم يكتبون بما يعانونه من المظالم في ولاياتهم، وكل قوم يشرحون ما أفسده واليهم، فتقرأ هذه الرسالة في الولايات الأخرى. طبعاً في ذلك الوقت لم يكن هناك مراسلون ومسألة تحقّق، لكن كانت هذه الرسائل كلما كتب أحدهم شيئاً راجت في الولايات الأخرى عبر هذا التنظيم، فيحسب أهل كل بلد أنهم في عافية من المظالم التي شاعت في الولايات الأخرى، ويحسبون أن الوالي في بلدهم يعدل فيهم، وأن ولايتهم هذه بما فيها من الأمن هي استثناء أو شذوذ بين عالم من المظالم في الولايات الأخرى.

وصلت هذه الرسائل إلى أهل المدينة، وأهل المدينة باعتبارهم العاصمة تكثر فيها حركة الناس والتجارة والانتقال وزيارة النبي والحج والعمرة، فظن أهل المدينة أن المظالم تشيع في سائر الولايات. وبلغ هذا الأمر سيدنا عثمان رضي الله عنه، وسيدنا عثمان هو المكلف شرعاً بمراقبة عماله وولاته، فكان يستقصي فلا يظهر له شيء.

أشار عليه بعض الصحابة الذين وصلهم هذا الكلام أن يرسل سيدنا عثمان من عنده رسلاً ليطالعوا الحالة عن قرب في الولايات. وبالفعل أرسل سيدنا عثمان جماعة من كبار الصحابة إلى الولايات، أرسل عمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وأيضاً هؤلاء ذهبوا وراقبوا الأحوال ولم يشعروا بشر ورجعوا بذلك إلى عثمان.

فيما بعد ذلك أرسل سيدنا عثمان رسائل إلى الأمصار، رسائل لكي تُقرأ على الناس، خلاصتها أن من كانت له شكاية فليأتِ الحج ويرفع شكايته إلى عثمان رضي الله عنه، حتى لو كانت هذه الشكوى ضد الوالي نفسه، وأن سيدنا عثمان سيلزم الولاة بحضور موسم الحج.

هناك بعض الروايات الضعيفة تورد أن عبد الله بن سبأ التقى بأبي ذر في الشام، وأنه التقى بعمار بن ياسر في مصر حين أرسله سيدنا عثمان مبعوثاً لمطالعة أحوال ولاية مصر. طبعاً هذا محتمل وممكن، وحتى من المحتمل أن يكون وقع لدى أبي ذر أو لدى عمار نوع من التأثر بما قيل لهما عن سياسة المال أو ما قيل لهما عن سيئات عثمان؛ لأن الأخطاء لا يخلو منها مكان، والخلاف في السياسات أمر طبيعي لا يُستغرب. ولكن المؤكد أن كلا الرجلين عماراً وأبا ذر رضي الله عنهما لم يسهم بأدنى شيء في إثارة التمرد على عثمان رضي الله عنه، وهذا ما تدل عليه سيرتهما الثابتة الصحيحة.

في نهاية الأمر استكمل تنظيم ابن سبأ استعداده واتفقوا على يوم يخرجون فيه على أمرائهم بالأمصار، فلم يتمكن أحد من أن يخرج على أميره إلا أهل الكوفة حين خلعوا سعيد بن العاص في اليوم المعروف بيوم الجرعة الذي تكلمنا عنه قبل ذلك. وقلنا إن سيدنا عثمان ولّى عليهم أبا موسى الأشعري باعتبار أن هذا كان مطلبهم لما عزلوا سعيد بن العاص، وأبو موسى الأشعري حين ذهب إليهم جدد منهم البيعة لعثمان، وبالتالي هنا حصل إخفاق لتدبير أهل الفتنة هؤلاء.

لكنهم كرروا هذه المحاولة حين عزموا على الخروج في يوم محدد، كأنهم يذهبون إلى الحج ثم يقصدون إلى المدينة. أخفقوا في مسألة إثارة الناس في الولايات، فاتفقوا على أن يكون خروجهم معاً إلى العاصمة كأنهم ذاهبون إلى الحج. ماذا سيفعل هؤلاء حين يصلون إلى المدينة؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكن من الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك مُعوّل.