دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 6. اضطراب الأوضاع في الكوفة

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكل قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد، فإن اتبعت سبيلهم فموه، وإن ابتدعت فما عليك معول.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.

تحدثنا في الحلقة الماضية عن الشرارة الأولى للفتنة والتي بدأت من الكوفة، تلك المدينة التي أتعبت الصحابة في عهد عمر؛ ضاقت بالولاة العظام، وضاقت بهم الولاة العظام مثل سعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وأبي موسى الأشعري. وزاد الأمر سوءاً في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه، وسخطت مجموعة من الكوفيين على واليهم الوليد بن عقبة واتهموه بشرب الخمر، ودبروا لذلك حتى انتهى الحال إلى أن عاقبه عثمان وعزله، وولي عليهم الفارس الفاتح الفصيح ذا الكفاءة والبأس سعيد بن العاص.

ظلت هذه المجموعة تظن أنها قد صارت مركز قوة، وأنها قادرة على عزل الولاة. ولاحظ سعيد بن العاص أن الكوفة قد أفرزت مجموعة من غير أهل السابقة والفضل. كيف ذلك؟ الكوفة كانت الموضع الذي بناه العرب، وكانت معسكراً لجيوش الفتح، ومنها انطلقت جيوش الفتح في فتح المناطق الشمالية، الجزيرة الفراتية، وأنحاء أرمينيا وأذربيجان وهكذا. فكانت معسكراً لجيوش الفتح، وبالتالي تدفقت إليها القبائل التي أرادت أن تقاتل، وحصل نوع من التغير الاجتماعي مع مرور الزمن؛ لأنه مع الانتصارات الإسلامية الواسعة، ومع الفتوحات الإسلامية، ومع تدفق الغنائم، ذكرنا أنه المجتمع المجاهد يحمل حتى من كان ليس من أهل الفضل على أن يجاهد؛ لأن الجهاد صار مغنماً أكثر منه مغرماً. صارت الأمور، صار انتصار المسلمين نوعاً من العادة، فلذلك انضم إلى المقاتلين من جاء لكي يطلب الغنيمة أيضاً.

فالمهم الكوفة مع استمرار الفتوحات وتوسعها، ومع انتقال الصحابة رضوان الله عليهم إلى إدارة مناطق متقدمة أحياناً، ومع أن أهل السابقة والفضل والقوة كانوا بدأوا ينساحون في المدن والولايات، هنا بدأت الكوفة نفسها يسيطر عليها رجال لم يكونوا من أهل السابقة والفضل. فهذا أول ما لاحظه سعيد بن العاص حين كان والياً على الكوفة؛ فسعيد بن العاص أرسل إلى عثمان رضي الله عنه يخبره ويستشيره ماذا يفعل في هذا الواقع الذي أفرزته الكوفة. فأرسل إليه سيدنا عثمان أن يبذل جهده في إعادة تقديم أهل السابقة والفاتحين الكبار وأهل البذل والجهاد الأوائل، وأن يجعلهم وجوه الناس، يقدمهم في المجالس ويجعلهم موضع صحبته ويجعلهم خلصاءه في مجلسه، ونستطيع أن نقول يعيد ترتيب الوضع الاجتماعي بحيث يكون أهل السابقة والفضل هم وجوه الناس والمقدمين عليهم.

وفعلاً فعل ذلك سعيد بن العاص، جمع إليه من كان لاحقاً وتالياً في الفضل والمكانة، وبدأ سعيد بن العاص يعيد ترتيب الوضع كما أوصاه سيدنا عثمان. فطبقت وجوه الصحابة، وطبقت من كان بعدهم في الفضل والمكانة، وطبقة أهل التقوى والخير، فأثر بمجلس خاص صاروا فيه، فضلاً عن مجلسه العام الذي يجالس فيه أهل الكوفة جميعاً. فكان من آثار هذه الخطوة أن أبعدت أولئك الذين ظنوا أنهم مركز قوة عظيم في الكوفة، فزاد ذلك من اشتعال صدورهم حقداً وزاد ذلك رابطتهم قوة، بل ولجأ إليهم كل من ظن أنه مستبعد من مجلس الوالي وأهل مشورته. فبدأت تلك المجموعة في إثارة الأقاويل والأكاذيب وفي تهييج الناس، لكن هذه المرة فارق مهم؛ لم تكن التهمة الموجهة الآن موجهة إلى والي الكوفة، بل كانت اعتراضاً على النظام العام ككل.

وهنا يجب أن نتوقف قليلاً لبيان هذا النظام العام، لا سيما في باب المال ولماذا حنقوا عليه. كان المال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر قليلاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسارعون إلى قسمته بين الناس، حتى أنه لم يكن في ذلك الزمن بيت للمال؛ لم يكن هناك خزانه عامة أو وزارة مالية باصطلاحنا المعاصر. فكان أبو بكر يرى أن الأموال القادمة، سواء من الفتوحات أو الغنائم أو الزكوات والصدقات، كان يرى التسوية في العطاء، يعطي كل الناس الموجودين في المدينة -المسلمين- كان يعطيهم بالسوية، فإذا أعطى الناس لم يكن يفرق بين السابق في الإسلام -من تقدم إسلامه وبذل وجاهد- وبين من تأخر من الناس. فهو عبر عن هذا بقوله: «إن هذا المعاش الأسوة فيه خير من الأثرة»، أي التسوية فيه خير من تقديم بعض الناس على بعض.

سيدنا عمر كانت له وجهة نظر أخرى في ذلك؛ كان يرى أنه لا ينبغي التسوية بين من قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام، وبين من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسيدنا عمر يريد أن تتوزع العطايا بنظام متدرج يكون فيه أهل الفضل والسابقة أصحاب الرواتب الكبيرة، ثم الأولى فالأولى بحسب العطاء والسبق. سيدنا عمر كان ينظر إلى أن إغناء أهل السابقة والفضل والتقوى وتفضيلهم في المال هو أولاً من الإكرام لهم بما سبقوا وقدموا وجاهدوا وبذلوا يوم أن كان الإسلام ضعيفاً، وهو من أجر الدنيا على ما بذلوه في ذلك الوقت. وثانياً، وهذا هو الأهم فيما يخص النظام، أن تقواهم وسابقتهم وفضلهم ستحملهم على إنفاق المال في وجوه الخير، فهذا يزيد من فضلهم وسيادتهم وارتفاع مكانتهم في المجتمع أولاً، وسيحمل المجتمع على تقليدهم، فأن يتنافسوا في البر والتقوى، وهذه أمور لا يمكن أن تحدث بنفس القدر لو أنه أعطى الجميع بالسوية، فأعطى من أسلموا حديثاً ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم مثل ما أعطى للسابقين. فكرة سيدنا عمر هي أن إغناء أهل السابقة والفضل سينشئ وضعاً جديداً في المجتمع يجعل فيه وجوه الناس هم أهل السابقة والفضل، وبالتالي هذا ما يؤثر على سلوك المجتمع.

لما تولى سيدنا عمر كانت هذه وجهة نظره، طبقها، لكن حصل أمر جديد في خلافة سيدنا عمر وهو تدفق الأموال؛ الأموال صارت أكثر، الغنائم والجزية طبعاً اتسعت الفتوحات، فلو كان المال أيام أبي بكر يكاد يكفي في المعاش وربما وجهة النظر في ذلك الوقت، وجهة نظر أبي بكر أنسب؛ لأنه في المعاش والكفاية تحسن فيه التسوية بين الناس، لكن المال الكثير أيام عمر يزيد عن هذا المعاش. الأمر الثاني أن كثرة الأموال في أيام سيدنا عمر استدعت تنظيم الموارد والمصارف وتسجيلها في دواوين، وطبعاً هذا حصل أيام سيدنا عمر أنه دون الدواوين، فصار لدينا سجلات بالناس المستحقين للعطايا والرواتب والمصارف. فسيدنا عمر رتب الدواوين على قسمة القبائل، فالمجتمع الإسلامي كان كل فرد فيه منسوباً إلى قبيلته، والقبيلة هذه مسجلة في الديوان، فسيدنا عمر اعتمد قسمة المال بناءً على المكانة والفضل والسبق إلى الإسلام، فكان ترتيبه للقبائل على هذا النحو: بدأ بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قبيلة النبي بني هاشم، ثم المهاجرين والأنصار ومقسم إلى مراتبهم في السبق والفضل؛ فمن شهد بدراً مثلاً ليس كمن شهد الحديبية، وكل أولئك ليس كمن أسلموا بعد الفتح أو في عام الوفود.

المهم سيدنا عمر طبق هذه السياسة، أول ما طبقها على نفسه، يعني كان أول من نقص عطاؤه هو ولده عبد الله بن عمر. روى البخاري أن عمر رضي الله عنه لم يعطِ ابنه عبد الله عطاء المهاجرين مع أنه محسوب في المهاجرين، وقال: «هاجر به أبواه»، هو لم يهاجر من نفسه وإنما حمله أبوه وأمه حين هاجرا. وروى أبو داود بسند حسن وروى الإمام أحمد بسند صحيح -وطبعاً التحسين والتصحيح للشيخين الألباني وأحمد شاكر في تعليقهما- عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «ما أنا بأحق به منكم، وما أحد منا بأحق به من أحد إلا أنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته». يعني هذه ترتيبه سيدنا عمر رضي الله عنه للناس: البلاء والسابقة وكذلك الحاجة.

وروى أحمد والبيهقي في السنن الكبرى، وابن أبي شيبة في المصنف وغيرهم بأسانيد حسنة وصحيحة أن عمر رضي الله عنه قال: «إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلماً وعدواناً، ثم أشرفهم، ففرض لأصحاب بدر منهم 5000، ولمن كان شهد بدراً من الأنصار 4000، ولمن شهد أحداً 3000، قال: ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته». الفكرة هنا أن السياسة المالية في عهد سيدنا عمر تدعم السابقين إلى الإسلام. وللدكتور أكرم ضياء العمري عبارة لطيفة يقول: لا شك أن الفئة التي حازت الأموال الوفيرة في خلافته هي التي أقيمت على أكتافها صرح الدولة الإسلامية، كما أنها أكثر فقهاً والتزاماً بالشرع ومقاصده، وأكثر ورعاً وصلاحاً في التعامل مع المال، تذليله لتحقيق المقاصد الاجتماعية عن طريق الإنفاق. فدعم هذه الفئة اقتصادياً يقوي نفوذها في المجتمع ويجعلها أقدر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لما تدفقت فيما يبدو الأموال وكثرتها أيام سيدنا عمر رضي الله عنه جعلت سيدنا عمر في آخر أيامه يقدر أن سياسة التفضيل قد حققت أغراضها، فوُرد عنه أنه عزم على التسوية بين الناس في عطاء العام المقبل برفع الرواتب، سيجعلها سواء. صرح عمر رضي الله عنه كما صح عنه فيما روى البيهقي في السنن الكبرى وابن أبي شيبة في المصنف وغيرهم أنه قال: «لئن بقيت إلى قابل لألحقن آخر الناس بأولهم، ولا أجعلنهم بياناً واحداً»، إلا أنه رضي الله عنه استشهد قبل أن يطبق هذا. إذاً النظام الذي كان سائداً هو نظام توزيع الأموال بناءً على المراتب كما شرحناها: المراتب في السبق والفضل وكذلك حاجة الناس.

سيدنا عثمان رضي الله عنه مضى على ما كان في عصر سيدنا عمر، فلم يغير هذه السياسة وظلت هذه السياسة المالية كما هي. هذا الأمر كان مفهوماً ومقبولاً طوال عهد عمر، والناس خاضعون له بالفعل، لم يثر أحدهم مشكلة في هذا النظام، وكان سائداً في معظم عهد عثمان رضي الله عنه، لكن الذي طرأ الآن من أجواء الفتنة والعصبية القبلية جعل لهذه السياسة منظوراً آخر؛ بالذات لدى رؤوس الفتنة في الكوفة، لم ينظروا إلى هذا باعتباره تفضيلاً للسابق في الإسلام، بل نظروا إليه باعتباره تفضيلاً لقريش على سائر قبائل العرب، ورأوا أن قريشاً صارت ذات أموال طائلة، وهذه الأموال حرمت منها بقية القبائل حتى ممن شاركوا في الفتوح، فكان هذا الأمر من أسباب تهييج الفتنة في الكوفة على يد هذه الفئة التي تجتمع على الشر.

ويرى بعض الباحثين، ومنهم الدكتور خالد الغيث في كتابه استشهاد عثمان ووقعة الجمل، أن البيئة أيضاً قد تكون ذات أثر؛ قرب البصرة والكوفة من أهل العراق قد يجعلها قابلة للتأثر بما قد يكون تسرب إليهم من أفكار المزدكية، وهي أقرب ما تكون الآن إلى الأفكار الشيوعية، أو ما تسرب إليهم ممن أسلموا من أهل العراق وبقيت فيهم هذه الرواسب، أو حتى ممن أسلموا نفاقاً وعملوا على نشر هذه الأفكار والتعلل بها.

انفجر الأمر في مجلس سعيد بن العاص الذي كان يخص بمجلسه القراء وأهل الفضل والصلاح، فهو كان يجعل يوماً لمجلسه للعامة، ويوماً لمجلسه لهؤلاء. المهم هؤلاء الذين كانوا يبعدون من مجلسه الخاص الذي كان يختص به أهل الفضل والصلاح كانوا يحضرون مجلسه العام، لأنه لكل أهل الكوفة، وبينما هم فيه تطرق الحديث إلى أملاك سيدنا طلحة بن عبيد الله وأملاكه الكثيرة. وطبعاً جوده الكثير، سيدنا طلحة من السابقين الأولين، فكانت لديه أملاك كثيرة في هذا الزمن وكان جواداً كريماً. فقال سعيد بن العاص تعليقاً عادياً طبيعياً جداً: «لو أن لي مثل ما له لجعلت عيشكم رغداً». فتكلم شاب موجود في المجلس بأنه ود لو كان لسعيد بن العاص ساحل الكوفة على الفرات، لا تدري هل هو صادق في هذا أو هي مجاملة عادية للأمير.

على كل حال، هذه الكلمة البسيطة التي ربما يكون فيها مجاملة للأمير أو ثناء على الأمير واعتراف بصدقه مست حقد رؤوس أهل الفتنة الحاضرين، ففسروها على أنه يحرض سعيد بن العاص على أملاكهم، فسرعان ما اشتبك الأمر؛ قاموا إليه فضربوه وضربوا أباه حتى أُغشي عليه، ولم يستطع سعيد بن العاص منعه، هؤلاء الرؤوس كما قلنا منهم الأشتر النخعي، ومنهم صعصعة بن صوحان.

ومنهم ابن الكواء وغيرهم، هذه الأسماء التي ترد في المصادر. وكادت تنشب معركة بين القبائل؛ إذ كاد هذا الاشتباك في المجلس الذي ضرب فيه رجل وأبوه أن يثير معركة بين القبائل، لولا أن استطاع سعيد بن العاص تهدئة الوضع في آخر الأمر. وأرسل إلى عثمان -رضي الله عنه- يستشيره، فعثمان حثه على تهدئة الأمور على قدر ما يستطيع. لكن هؤلاء الذين أشعلوا الفتنة وبعدما نجوا من انتقام القبائل بوساطة سعيد بن العاص، زادوا فيما هم عليه من التحريض والتهييج والإشاعات، حتى كتب أهل الكوفة لعثمان في شأنهم.

فأمر عثمان بنفي رؤوس الفتنة هؤلاء، وهم بضعة عشر رجلاً، أمر بنفيهم من الكوفة إلى الشام عند معاوية بن أبي سفيان؛ لأن معاوية كان الوالي على الشام. لما ذهبوا إلى معاوية، كان معاوية -رضي الله عنه- يجالسهم ويناقشهم، والمصادر مثل الطبري وغيره تفصل في هذه الأمور والمناقشات، لكن كانت لهجة معاوية معهم لهجة تدرجت من الهدوء إلى الشدة، وفي النهاية احتقر أمرهم واستصغر شأنهم، وأرسل إلى عثمان يقول له إنه لا خطر من هؤلاء إذا لم يكن معهم غيرهم، بما رأى من جدالهم؛ فهم في العقل والتدبير والفهم أقل من أن يكونوا خطراً إذا لم يكن معهم غيرهم، ولهذا سمح لهم بالخروج من الشام.

طبعاً هم لاعتبارات أخرى خافوا أنهم إذا عادوا إلى الكوفة أن يشمت بهم الناس، فاختاروا أن يذهبوا إلى الجزيرة الفراتية، كان الوالي عليها في ذلك الوقت هو عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد أول ما عرف أن هؤلاء أهل الفتنة، تعامل معهم بالشدة والحزم، حتى لم يجرؤوا أن يكلموه كما كانوا يكلمون سعيد بن العاص أو معاوية، فلذلك أظهروا الخضوع وأظهروا التوبة وأظهروا الإذعان ورضوا بالبقاء عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. وبهذا المشهد بدا أن الفتنة قد تخمد، لكن جناح الفتنة الآخر المتمثل في عناصر تنظيم ابن سبأ كانت لا تزال تعمل في الكوفة، هي دخلت في حالة من الكمون بعد نفي هؤلاء، لكن كانت لا تزال تعمل. نحن سنأتي بعد قليل إلى عبد الله بن سبأ وتنظيمه، لكن هذا الجناح الآخر الذي هو عناصر ابن سبأ، عناصر التنظيم السري، هذه الحالة من الهدوء أغرت والي الكوفة سعيد بن العاص، فعمل على إجراء تغييرات؛ هو شعر أن الفتنة هدأت وخمدت، فبدأ يحاول أن يولي بعض الولاة على أنحاء الكوفة، أي المناطق التابعة للكوفة، فولى عليها وجوه الناس وفضلائهم وأعيانهم.

فعاد الأمر من جديد، فرغت الكوفة من القيادات الإسلامية الكبيرة، ولم يبقَ فيها من وجوه القوم أو من أعيان الناس أو من زعماء القبائل إلا منزوع أو مفتون بتعبير الطبري، أي الرؤساء الذين ظلوا في الكوفة. فعاد الأمر كما كان قبل ذلك، أن صاحب الكلمة في الكوفة ليسوا شخصيات مؤتمنة أو مأمونة أو من أهل السبق والفضل والسابقة. سيستغل تنظيم ابن سبأ حالة الفراغ هذه، وسيبرز معنا اسم جديد من رؤوس الفتنة في الكوفة هو يزيد بن قيس. سعيد بن العاص ذهب إلى المدينة ولم يكن في الكوفة، فظهر يزيد بن قيس هذا، واغتنم هذه الفرصة ونظم اجتماعاً في جامع الكوفة -أشبه بالاعتصام أو أشبه بالمظاهرة في مصطلحاتنا المعاصرة- ودعا فيه إلى خلع عثمان بن عفان، واجتمع إليه في ذلك تنظيم ابن سبأ.

فهنا انتفض عليه القعقاع بن عمرو التميمي -رجل مختلف في صحبته، هو صحابي إلا أنه من فرسان الإسلام الكبار ومن وجوه الفتح الكبار ومن الثقات الكبار- فانقض عليه القعقاع بن عمرو التميمي فأمسك به، فساعةئذ زعم أنه مطيع لعثمان وإنما يطالب بخلع سعيد بن العاص عن الكوفة، فأخرجه القعقاع من المسجد ونهاه عن الاجتماع فيه وأمره أنه إن كان له طلب أن يرفعه إلى عثمان. وبالتالي رجع يزيد بن قيس هذا مخذولاً إلى بيته، إلا أنه بهذا الوضع الجديد الذي اصطنعه أرسل إلى المنفيين من رؤوس الفتنة يستدعيهم إلى الكوفة، خصوصاً وواليها سعيد بن العاص موجود في مكة، فوجدها أولئك فرصة لا تعوض وهرعوا إلى الكوفة من جديد.

كان أحد هؤلاء الفتنة، الأشتر النخعي، أحد رؤوس الفتنة، سبق وصول هؤلاء إلى الكوفة فأطلق كذبة تقول إن سعيد بن العاص ينوي إنقاص الأعطيات المقررة لهم؛ لأن سعيد بن العاص يرى أن هذه الأموال هي بستان قريش، أي أملاك قريش. وطبعاً سعيد بن العاص كما قلنا كان في المدينة قبل ذلك، فلذلك خاطب هذا الأشتر بهذه الكذبة العصبية القبلية، وخاطب فيهم الحرص على المال، وخاطب أهل الحرص على المال لأهل المطامح ومن لا قبيلة لهم مثل الصغار أو العبيد المحررين ونحوهم، فهنا هاج الناس وانفلت الأمر، وعزم أولئك على أن يخرجوا إلى ظاهر الكوفة يمنعون سعيد بن العاص من دخولها، وبالفعل خرجوا.

لما وصل سعيد بن العاص وجدهم معسكرين له، فلما عرف طلبهم وأنهم يريدون خلعه عاد فرجع إلى المدينة، وعرف هذا اليوم الذي تجمهر فيه أولئك بيوم الجرعة، وهذا اليوم ورد ذكره إجمالاً في صحيح مسلم. لما عاد إلى المدينة سأله عثمان: ماذا يريدون، أخلعوا يداً من طاعة؟ فسعيد بن العاص قال: لا، وإنما يقولون إنهم يريدون تبديل والٍ بوالٍ آخر. قال عثمان: فمن يريدون؟ قال سعيد بن العاص: يريدون أبا موسى الأشعري. قال عثمان: قد ولينا عليهم أبا موسى الأشعري، والله لا نجعل لأحد عذراً.

وإلى هذه اللحظة نكون قد وقفنا عند مرحلة مهمة وهي مرحلة يوم الجرعة، ونكمل معكم إن شاء الله في الحلقة القادمة، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علم، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكل قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل، فإن اتبعت سبيلهم فموفق، وإن ابتدعت فما عليك معول، وإن ابتدعت فما عليك معول.