حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل. فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الخامسة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، التي نتناول فيها ما جرى بين الصحابة الأجلاء من الخلاف والقتال رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. تحدثنا في الحلقة الماضية عن أنه ورد في مصادرنا التاريخية الإسلامية عبارات مهمة في تفسير الأجواء والظروف العامة التي كانت أسبابًا بعيدة لبذور الفتنة، أو ما يسمونها الآن الأسباب غير المباشرة، واستعرضنا بعضًا منها. في هذه الحلقة نلقي الضوء على نصين آخرين مهمين، فمن العبارات التي نرى فيها بجلاء ما يمكن أن يسمى التحليل النفسي للتاريخ، ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، والآجري في كتاب الشريعة، وذكره المحدث الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لقد عبتم على عثمان أشياء لو أن عمر فعلها ما عبتموها.
وهذه الكلمة روي نفس معناها عن عثمان رضي الله عنه؛ روى الأزرقي في أخبار مكة، والبلاذري في فتوح البلدان، والطبري في التاريخ أن عثمان رضي الله عنه قال للمتمردين عليه: إنما جرأكم عليَّ حلمي عنكم وليني لكم، لقد فعل بكم عمر مثل هذا فأقررتم ورضيتم. هنا نرى كيف تؤثر الطبيعة النفسية لشخصية الأمير أو القائد أو الحاكم في مسار التاريخ؛ فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما كانا مسارعين في الحزم، تعظم هيبتهما في النفوس، وهذه الهيبة تعظم إلى الحد الذي لا يجترئ فيه عليهما لا طامع ولا صاحب فتنة، لكن سيدنا عثمان كان حليمًا لينًا هادئًا، وهذا مما جرأ عليه أولئك وأطمعهم فيه.
كذلك حكيم التاريخ ابن خلدون استنتج من مجموع روايات الفتنة ومن مجموع أحداثها ما سماه بزوغ ظاهرة العصبية القبلية أو وازع العصبية، وكيف أن وازع العصبية هذا صعد حتى تقدم على وازع الدين عند بعض أهل الفتنة هؤلاء. وهذا هو الأمر الذي دفع بعض القبائل لإثارة الفتنة وإشعال شرارتها، وحملهم هذا التعصب القبلي حتى أنهم دافعوا عمن شاركوا من أبنائهم في قتل عثمان رضي الله عنه، فلم يسلموهم حتى لو اضطرهم ذلك إلى خوض حرب ضد جيش فيه عائشة وطلحة والزبير؛ أي فيه أم المؤمنين وزوج النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه كذلك اثنان من العشرة المبشرين بالجنة من أكابر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن خلدون في هذا النص النفيس: كان أكثر العرب الذين نزلوا هذه الأمصار -يعني يقصد البصرة والكوفة- جفاةً، لم يستكثروا من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا ترتادت نفوسهم بخلقه؛ مع ما كان فيهم من الجاهلية والعصبية والتفاخر، وإذا بهم عند استفحال الدولة قد أصبحوا في ملكة المهاجرين والأنصار من قريش وأهل الحجاز ويثرب السابقين الأولين إلى الإيمان. فاستنكفوا من ذلك لما يرون لأنفسهم من التقدم بأنسابهم وكثرتهم ومصادمة فارس والروم، فصاروا إلى الغض من قريش والأنفة عليهم والتعلل في ذلك بالتظلم منهم والاستعداء عليهم والطعن فيهم بالعجز عن السوية والعدل في القسم.
معنى هذا الكلام ببساطة أن هؤلاء الأعراب لم يرتضوا بخلق النبي، وما تزال فيهم جاهلية وعصبية، رأوا أنفسهم كثرًا وكانوا قبل ذلك مستقلين، فلما جاء الإسلام صار في ملكة المهاجرين والأنصار، ولما كثرت الأموال استنكفوا ذلك وبدأوا يتعللون بوقوع المظالم. إذن نحن أمام عدد من الأسباب، تعالوا نتذكرها معًا: السبب الأول هو تكامل النعم وبداية ظهور الترف، والسبب الثاني هو نشأة جيل جديد أمهاتهم من السبايا، شيبت أو اختلطت ثقافتهم من جهة أمهاتهم، وتوازى هذا مع انقراض الصحابة بالموت والاستشهاد في الفتوحات.
السبب الثالث هو نشأة قوم يقرأون القرآن ويختلفون في فهمه ومعانيه ولا يعرفون فيما نزل، والسبب الرابع هو بزوغ ظاهرة المتسلقين الذين التفوا حول كبار الصحابة في أمصارهم، ابتغوا بذلك أن يحققوا نوعًا من التقدم والرئاسة والظهور. والسبب الخامس هو شخصية سيدنا عثمان رضي الله عنه التي تتميز بالحلم واللين، وكان هذا مما جرأ عليه بعض أولئك المفسدين، والسبب السادس هو بزوغ وازع العصبية لدى القبائل التي صارت طموحة إلى المزيد من الغنائم والمال والرئاسة.
الآن، ما هي الشرارة التي بدأت تتفاعل في هذه الأجواء لتصنع هذه الفتنة الكبرى؟ تأملوا معي وانظروا وتفكروا فيما سنقول؛ بشكل عام تحتاج كل حركة كبيرة إلى قائد، كل دعوة أو رسالة أو ثورة أو انقلاب لا بد لها من قائد. وهناك حاصل خلاف بين الفلاسفة والمؤرخين والناس بشكل عام في معضلة هل يصنع القائد الحدث أم أن الحدث يصنع القائد؟ هذا السؤال ينتج عن معضلة تقول: لو وجد هذا القائد في ظروف أخرى هل كان سيستطيع أن ينجز ما فعل؟ أو لو غاب القائد عن هذه الظروف هل كانت هذه الظروف ستخرج شبيهًا له؟ نحن بعيدًا عن هذا السجال النظري، الذي يعنينا أنه هناك قيادة دائما تستثمر وتستغل الظروف المحيطة لكي تنفذ ما تريد.
ونحن نتكلم عن الفتنة، سيعنينا هنا الحديث عن هذين الأمرين: القائد والظروف. نبدأ بالحديث عن الظروف والأجواء ليكون ذلك أسهل في فهم طبيعة الفتنة التي أشعلها فيما بعد ابن سبأ، وكيف استثمر هذه الظروف لتهيجها. سنعتمد على الروايات المقبولة، وهي الروايات الصحيحة أو الحسنة، أو أنها تعتضد وتتضافر مع غيرها لتبلغ بذلك درجة الصحة أو الحسن، أو أنها تنسجم مع الروايات الصحيحة والحسنة فهي لها شواهد، ولكن فيها تفاصيل مزيدة.
وقد استفدت هذا بالأساس من الكتب التي ذكرتها قبل ذلك في الحلقة الثانية من هذه السلسلة، أرجعوها إن أحببتم، وأنا أرجع وأقول هذه الكتب مفيدة جدًا لمن أحب التوسع، طبعًا مع ما زدت عليه بما قمت من التوثق والمقارنة بنفسي، إلا أن الفضل الأكبر يرجع لأصحاب هذه الكتب وما أنا إلا متتبع لخطواتهم. لطبيعة البرنامج لا بد أن نقوم بنوع من الاختصار والتركيب والسرد المكتمل الذي يكون قصة مفهومة للمشاهد، فلن نستطيع أن نقف عند كل سطر لنقول من روى هذا ومن فعل هذا، القصد أننا سنسير في سياق الروايات الحسنة والمقبولة فقط، ومن أراد التوسع فليراجع هذه الكتب، ولعل هناك كتابًا يصدر لي بعد زمن أرجو ألا يكون طويلًا في موضوع الفتنة.
إذن نبدأ بالحديث عن الظروف، سيأخذنا الحديث عن هذه الظروف إلى الكوفة، هناك كانت البداية المباشرة التي صنعت الفتنة. الكوفة كانت ولاية متعبة، كان يكثر الشغب في أهلها حتى لقد أرهقوا معهم الصحابة الكبار؛ سعد بن أبي وقاص، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، هؤلاء صحابة كبار جدًا كانوا ولاة على الكوفة وأرهقوا من أهلها، وبدأ شغبهم على الولاة منذ عهد عمر رضي الله عنه وهو عمر، وكان واليهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ومع أن عمر رشح سعد بن أبي وقاص للخلافة من بعده ضمن الستة، إلا أنه عزله عن الكوفة بطلب من أهل الكوفة حين اتهموه في القصة المشهورة، وكذلك عزل سيدنا عمار بن ياسر بعدما تولى على الكوفة.
على كل حال هناك كتاب جميل اسمه "الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين" للدكتور عبد العزيز العمري، يمكن أن ترجعوا إليه وتنظروا في قائمة الولاة الذين تولوا على الكوفة وعزلوا، ويبدو إرهاق أهل الكوفة لسيدنا عمر رضي الله عنه في هذا النص، حين كان يستشير صحابته رضوان الله عليهم؛ فروى البلاذري في "أنساب الأشراف" والطبري في التاريخ وغيرهما أن عمر رضي الله عنه قال في مجلسه: من يعذرني من أهل الكوفة؟ إن استعملت عليهم القوي فجروه -أي قالوا إنه فاجر- وإن وليت عليهم ضعيفًا حقروه.
فقال المغيرة بن شعبة: أما المؤمن الضعيف فله إيمانه وعليك ضعفه، وأما الفاجر القوي فلك قوته وعليه فجوره. فسيدنا عمر ولى عليها المغيرة بن شعبة صاحب هذه النصيحة، والمغيرة هذا معروف أنه من دهاة العرب الأربعة، وطبعًا القوة والفجور ليست فكرة الظلم والاستبداد ولكن تقديم الأقوى والكفاءة. المهم مع ذلك فقد اتهم أهل الكوفة المغيرة بن شعبة فيما بعد وعزله عمر أيضًا، فطبعًا لنا أن نتخيل أنه إذا كان هذا في زمن عمر ومع كبار الصحابة فينبغي أن نتوقع ازدياد الأمر سوءًا في الكوفة مع طول الزمن، ومع من هم أقل في القدر والمكانة من سيدنا عمر ومن ولاته، ومع ازدياد هذه النزعة القبلية في الكوفة.
الكوفة عند سيدنا عثمان كانت كالاتي: أول تهجم على والي الكوفة في زمن سيدنا عثمان كان في ولاية الوليد بن عقبة، وهذا أيضًا من الصحابة. المسألة بدأت بسيطة، اشتباك بين مجموعة من الشباب، فقتلوا واحدًا منهم وشهد عليهم الناس، فحبسهم الوليد بن عقبة والي الكوفة وأرسل إلى عثمان بالخبر، فأمر عثمان بقتلهم قصاصًا فقتلهم الوليد تنفيذًا لحكم الله فيهم. هنا أثارت هذه العصبية القبلية لدى آباء أولئك الشباب، وأبرز هؤلاء بعض الأسماء التي تتردد في الروايات منهم أبو مري الأسدي، وأبو زينب الأسدي، وجندب الأسدي؛ هؤلاء اغتظت صدورهم على قتل أبنائهم، فصاروا بعد ذلك يترقبون أي خطأ من الوليد بن عقبة أو حتى يخترعونه ويفترون به عليه، وبالتأكيد لو هناك خطأ من الوليد فإنهم سيضخمونه.
فمن ذلك مثلاً أن الوليد بن عقبة جاءه ضيف كان على النصرانية فنزل في بيته، فأحد هؤلاء الموتورين سعى إلى آباء أولئك الشباب الذين ما زالت تمور صدورهم بكراهية الوليد، فأخبرهم أن الوليد وضيفه النصراني يشربان الخمر الآن، فأسرعوا إلى تهييج الناس وذهبوا إلى بيت الوليد بن عقبة واقتحموه عليه، فلم يجدوا إلا صحنًا فيه قليل من العنب، وهنا وقع اشتباك بين الناس وبين هؤلاء الذين هيجوهم، المهم أن والي الكوفة أراد أن يهدئ الأمور فاحتمل الوليد ذلك منهم وسكت وصبر، لم يعاقبهم ولم يبلغ عثمان بشيء، راعى أن الصدور ملتهبة فحاول تسكين الأمور.
لكنهم لم يكفوا عن إذاعة وإشاعة أن الوليد بن عقبة يشرب الخمر، بل حملوا هذا الكلام إلى عبد الله بن مسعود، وسيدنا عبد الله بن مسعود ممن نزل في الكوفة وإليه ينتهي فقه أهل العراق، فقالوا له: هلك الوليد بن عقبة، تقطر لحيته خمرًا. فسيدنا عبد الله بن مسعود قال لهم -طبعًا هم أرادوا أن يهيجوا سيدنا عبد الله بن مسعود أن يقوم معهم- فقال لهم: قد نهينا عن التجسس، نحن لا نقتحم على الناس خلواتهم ولا نفتش عنهم في بيوتهم، فإن يظهر لنا نقم عليه.
طبعًا هذا الرد من عبد الله بن مسعود أغضب الوليد بن عقبة، لأنه فيه قبول أصل التهمة، وكأن ابن مسعود يوافق على أن الوليد يشرب الخمر، فأرسل إلى ابن مسعود وعاتبه قائلاً: أيرضى من مثلك بأن يجيب قومًا موتورين بما أجبت عليه؟ أي شيء استتر به؟ إنما يقال هذا للمريب؛ أي يقال هذا لمن يستتر هو الذي يرتكب الذنب. على كل حال كان هذا سببًا في وقوع التغاضب بينهما، لكن ظلت تهمة الخمر هذه تشيع وتذيع حتى كثرت ووصل خبرها إلى عثمان بالمدينة المنورة عاصمة الإسلام، بل صار بعض الصحابة يكره أن يبقى الوليد في ولايته بعد كثرة المقالة فيه.
بينما تزداد هذه التهمة في السريان والانتشار، وقعت حادثة أخرى؛ جاء إلى الكوفة رجل ساحر من بابل في العراق، وفيما يبدو أنه كان حديث الإسلام ولم يكن يعرف أن السحر محرم من الكبائر أو أن حده القتل، فنصب مجلسًا واجتمع عليه أهل الكوفة وصار يعرض عليهم مهاراته في السحر، فرفع الأمر إلى الوليد بن عقبة وأرسل إلى سيدنا عبد الله بن مسعود، فقرر عبد الله بن مسعود أن حكمه القتل. بينما هما في ذلك إذ اندفع جندب الأسدي وهذا والد أحد الشباب المقتولين أيضًا، فأخذ سيفه فذهب إلى الساحر وقتله. الرواية تقول إن هذا الساحر كان يخيل للناس أنه يذبح نفسه بالسيف فلا يتأثر مثلما نرى في زماننا هذا وفي ألعاب السيرك، وأنه يقسم الرجل نصفين ويمشي بينهما ثم يعيده حيًا مرة أخرى، أو يدخل في فم الناقة ويخرج من دبرها.
هكذا من العيب السحر. فطبعاً جندب الأسدي هذا لما قتل الرجل بالسيف قال: هذا قد قتلته فليحيِ نفسه إن كان صادقاً؛ طالما هو يستطيع أن يحيي الناس فيما يظهر فليحيِ نفسه إن كان صادقاً، وصاح في الناس: أفتأتون السحر وأنتم تبصرون؟ المهم هو بقتله الساحر هذا افتات بذلك على السلطان؛ افتات يعني تعدى على حق السلطان، فتنفيذ الحدود ليس متروكاً لعموم الناس، تنفيذ الحدود موكول إلى السلطان. وكذلك أيضاً هذا الساحر قد يكون عنده شبهة لأنه لم يبين له أن السحر محرم، ولم تقم عليه الحجة، فالأمر ما زال فيه التباس.
فالمهم حبسه الوليد بن عقبة، حبس جندباً وحبسه أيضاً برأي ابن مسعود ومشورته، وأرسل ذلك إلى عثمان يستشيره في شأنه. فسيدنا عثمان حكم أن يعزروه لافتياته؛ التعزير هو عقوبة غير المنصوص عليها والتي لا تبلغ أن تكون عقوبة الحد، لكن من قام بحد صحيح افتات بذلك على السلطان فيعزر بحسب ما يرى الأمير. وأرسل سيدنا عثمان إلى الناس ألا يقيموا الحدود دون السلطان، فإنا نقيض المخطئ ونؤدب المصيب؛ يعني إذا الذي أقام هذا الحد كان مخطئاً في ذلك فإنه يقتص منه، وإذا أصاب فإنه يعزر. فالمهم عزره الوليد بن عقبة وخلى سبيله؛ تورد رواية أخرى أنه حارس السجن أفلتَه وأطلقه لما رأى من صلاحه.
المهم كان حبس جندب وتعزيره مما زاد في إيغار صدور هؤلاء القوم، وزاد عليهم أن غضب لجندب بعض أهله وأصحابه، فانطلق وفد منهم إلى المدينة يطالبون عثمان بعزل الوليد بن عقبة، وأثاروا مرة أخرى مسألة شربه للخمر. فنهرهم عثمان وقال: تعملون بالظنون وتخطئون في الإسلام، وتخرجون من الكوفة بغير إذن، وأمرهم بالرجوع. فلما رجعوا كانهم رجعوا مخذولين؛ أنهم لم يبلغوا شيئاً، فكان رجوعهم وفشلهم فيما أرادوه مما زاد في غضبهم وإيغار صدورهم، وبهذا صارت هذه المجموعة مركز فتنة ومؤامرة، واجتمع إليها كل من كانت له ضغينة، أو كان في نفسه شيء من الوليد، أو شيء من عثمان، أو حتى شيء من نظام الإسلام كله.
انتقلوا بعد ذلك إلى مرحلة أخرى؛ وهي أنهم دبروا أن يوقعوا الوليد بن عقبة في تهمة الخمر، يعني أن يثبتوا عليه هذه التهمة. فبعضهم استطاع أن يتسلل إلى بيت الوليد وأن يسرق خاتمه؛ الخاتم لم يكن فقط زينة وإنما خاتم يختم به الكتاب أو تختم به الرسالة. وسرقوا خاتمه ومضوا إلى المدينة فوضعوا الخاتم أمام عثمان كدليل على أن الوليد يشرب الخمر فيسكر ويغفل عن خاتمه، وشهدوا عليه أنهم رأوه يشرب الخمر ويقيؤها. من ألفاظ الرواية وأجوائها نرى أنه سيدنا عثمان لم يكن مطمئناً لهذا الأمر، إلا أنه أمر بإنفاذ الحد؛ قال: طالما رأيتموه وشهدتم عليه أنهم يقيؤها فهو لم يقيئها إلا لأنه شربها، فأمر بإنفاذ الحد على الوليد وعزله عن الكوفة، وتولى سيدنا علي بن أبي طالب جلده الحد.
طبعاً هنا وقفة مهمة جداً؛ نحن نقول إن الصحابي بشر وأنه غير معصوم وأنه يخطئ، يعني لا نزعم أن الوليد بن عقبة لا يمكن أن يشرب الخمر، لا نستطيع أن نقول هذا، وإنما نقول إن التهمة في حقه غير ثابتة بشكل مؤكد. طبعاً الرواية حين تروى من وجه آخر، إذا نظرنا إليها من وجهة أخرى تقول إن الوليد بن عقبة شرب الخمر واستتر بشرب الخمر، وذات يوم -وهذه الرواية جاءت صحيحة في مسلم- أنه صلى الفجر ولا يزال برأسه أثر الخمر فافتضح أمره، صلى ركعتين وقال: أزيدكم؟ فهذه الرواية في صحيح مسلم؛ يعني رفع هذا إلى عثمان، لكن الذي رفع هذا إلى عثمان، هذا الذي لا نستطيع أن نتأكد منه؛ وصول الخبر على هذه الصورة هو خبر ثابت ورد في صحيح مسلم.
فالرواية الأخرى تقول بأنه -قصدي أننا إذا نظرنا إلى الرواية من وجهة نظر أخرى- فالوليد بن عقبة يشرب الخمر، يستتر بالخمر، وذات صباح فعل الخمر في رأسه. وإن هذا الساحر كان موجوداً في الكوفة برضا الوليد، وربما كان يلعب أمامه كما نقلت بعض الروايات، ولذلك لما قتله جندب الأزدي فقد كان جندب محقاً في هذا، وكان بهذا ينهى عن المنكر. فحتى لو سلمنا بأن هذا الوجه الآخر للرواية هو الصحيح وأن الوليد بالفعل اقترف هذا، فيفترض أن تعود هذه الولاية؛ ولاية الكوفة إلى الهدوء بعد أن عزله عثمان رضي الله عنه، خصوصاً وأنه الوالي الجديد كان هو سعيد بن العاص.
سعيد بن العاص كان من أهل الكفاية، هو صاحب علم وفصاحة وبيان، وكان حكماً على اللهجة القرشية لما جمع الصحابة الجمع الثاني للمصحف في عهد عثمان؛ طبعاً فوق أنه كان قائداً فارساً في فتوح جورجان وطبرستان. لكن المشكلة هنا أن سعيد بن العاص تولى على قوم نجحوا لتوهم في عزل واليهم، فهم الآن مركز قوة خطير، وهم يرون أنفسهم قادرين على عزل الوالي إذا لم يستقم لهم. طيب، هذه الفئة التي بدأت بأبناء المخذولين قصاصاً، وانضم إليها من كان في نفسه شيء على الوالي أو على الخليفة أو على الإسلام، كانت المحضن الطبيعي الذي سيجد فيه ابن سبأ أنصاره، أو كذلك أن ابن سبأ أدخل بعض أنصاره وعناصر تنظيمه إلى هذه الفئة؛ فوجد كل منهما في الآخر ساعده وسنده ووجد عوناً له، ومن أبرز أسماء هذه الفئة الأشتر النخعي، وجندب بن عبد الله، وأبو مصعب بن جثامة.
الكوفة كانت معسكراً للفاتحين الذين فتحوا العراق مع سعد بن أبي وقاص، لكن حصل عليها تغير خطير وفارق؛ فما هو هذا التغير؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكن من الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل، فإِن اتبعت سبيلهم فمُوحدون، وإن ابتدعت فما عليك مُعوّل.
محمد إلهامي