حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل. ولكل قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد. فإن اتبعت سبيلهم فموه، وإن ابتدعت فما عليك معول، وإن ابتدعت فما عليك معول.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها فهم ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. في هذه الحلقة نحاول أن نبصر معكم جذور الفتنة، وما هي الأجواء التي هيأت لها أن تنشأ في المجتمع المسلم.
بداية يجب أن يكون معروفا أن مصادرنا التاريخية الإسلامية كانت تبدأ في إيراد أحداث الفتنة دون أن تعقد تمهيدا، أو تناقش الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي ولدت هذه الفتنة من رحمها؛ لأن مصادرنا التاريخية، وطريقة المدرسة التاريخية الإسلامية، أنها تهتم برصد الأحداث ذاتها، وهي تعتمد في ذلك على طريقة الإسناد، التي هي طريقة نقل الخبر دون التوقف عند تحليل المضامين والفحوى، أو تحليل الأجواء الكبرى التي أحاطت به. فهذا هو المنهج المعتمد للمدرسة التاريخية الإسلامية.
لكن طبعا المعاصرون يهتمون كثيرا بالتوقف أمام أسباب الفتنة الاقتصادية والاجتماعية، ويحاولون استنتاجها من خلال المادة التاريخية المتاحة، وهم في هذا متأثرون بطبيعة المدرسة التاريخية الغربية؛ لأن المدرسة التاريخية الغربية جعلت دور المؤرخ جامعا بين أمرين: بين جمع المادة وتحليل المادة للخروج بنظرية عامة أو تصور عام، سواء في التاريخ أو في الاجتماع أو في الاقتصاد. والسبب في ذلك يرجع إلى الاختلاف بين المدرستين؛ المدرسة الإسلامية في التاريخ، والمدرسة الغربية في التاريخ.
الذي يهمنا الآن من هذا الاختلاف أن نشأة علم التاريخ في الحضارة الإسلامية كانت مستندة إلى رؤية إسلامية واضحة، لم يكن المؤرخ المسلم يبحث عن التصور الفلسفي الأساسي للحياة. كذلك فإن التاريخ الذي تناول سيرة النبي والخلفاء الراشدين كان من الضرورة الدينية؛ كان لا بد لأجل هذه الضرورة الدينية تمحيص الأخبار؛ لأنها تشريعات ولأنها أحكام دينية. فمدرسة التاريخ الإسلامية أنشأت مناهج نقد صارمة للتحقق من الحدث، وتميزت بأدوات الإسناد وعلوم نقد السند والمتن، فأنتج هذان الأمران منهجا تاريخيا مهتما بالتثبت من الخبر بالمقام الأول.
على العكس من ذلك التاريخ في المدرسة الغربية المعاصرة، نشأ علم التاريخ عندهم في لحظة انتقال الغرب إلى العلمانية، لحظة انخلاع الغرب من الكنيسة. فالتاريخ في هذه الأجواء كان إحدى الأدوات التي استعملها الغربيون لمحاولة الوصول إلى تصور للحياة، إلى تكوين رؤية فلسفية، فالتاريخ كان ساحة نزاع بين فلسفات كثيرة. لذلك نشأ علم التاريخ هناك مهتما بجانب التحليل والتعليل والتفسير، لم يكن فقط إيراد أخبار، بل كان جانب تحليل وتعليل وتفسير، ولم يكن عندهم من الأدوات ما يمكنهم من التثبت من الخبر التاريخي، فالجهد المبذول عندهم هو الجهد العقلي وحده؛ لأنه ليس عندهم إسناد ولا علم رجال.
طبعا هذه الحلقات ليست موطن هذه المناقشة المتخصصة في مسألة الخلاف بين المدرستين، وما هي المزايا وما هي العيوب الناتجة عن كل مدرسة، لكن القصد هنا أن المدرسة التاريخية الإسلامية اهتمت بأن تبين لنا وزن الخبر التاريخي وقدره من الصحة والضعف، لكن المدرسة التاريخية الغربية كانت مهتمة بأن تستخرج من الأخبار قصة مكتملة العناصر والأركان، ويتركب فيها فعل البشر على فعل المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وحتى الجغرافية والمناخية.
لو حاولنا تقريب الصورة، نقول مثلا الآن القنوات الإخبارية لديها مراسل ينقل الخبر، ولديها محلل يحلل الخبر؛ مهمة المراسل هي تقديم المعلومة بأكبر قدر من التفاصيل وليس من مهمته تحليل هذه المعلومة، لكن المحلل الذي يجلس في القناة أو يجلس في مكتبه، هذا مهمته أن يحلل الخبر ويفهمنا ما هو معنى الخبر ودلالاته، وما ارتباطاته بالأخبار السابقة وما تأثيراته وهكذا. فالمدرسة التاريخية الغربية دمجت بين هاتين المهمتين، ألزمت المؤرخ بمهمة التحليل بعد الجمع؛ بعبارة أخرى جعلت من كل مؤرخ فيلسوفا، وهذه كلمة قالها روتشي وفولتير، أو كلاهما له كلمة بنفس المعنى. لكن المدرسة الإسلامية فصلت بين هاتين المهمتين، فجعلت مهمة المؤرخ مقتصرة على إيراد المعلومة حتى لو لم يفسرها أو يحللها.
على كل حال هذا الذي قلناه لا يمنع طبعا من أن تحتوي المادة التاريخية الإسلامية على تحليلات اجتماعية واقتصادية، وطبعا لا يمنع أنه المؤرخين وسائر العلماء كانت لهم جهود في تكوين نظريات عامة من المادة التاريخية، لكن كل هذا يأتي عرضا لا أصلا، شبيه مثلا بأن المراسل الصحفي قد يحلل لكن مهمته الأساسية هو نقل الخبر.
هذا الذي جاء عرضا في مادتنا التاريخية، التي تشير إلى أجواء اقتصادية واجتماعية، حظي في زماننا هذا المعاصر بتركيز شديد عليه؛ لأن المؤرخين والباحثين المعاصرين اهتموا باستجلاب الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي أحاطت بهذا العصر. المشكلة الأساسية في هذا النوع من التحليلات أنه قائم على النظر العقلي النقدي، أي يعتمد على قدرة المؤرخ على تمثل العصر وعلى تفهم العصر، وكلما تباعد الزمان كلما فقد المؤرخ المعاصر أمورا أساسية في فهم المجتمع الذي يبحثه، فلذلك يختل تقويمه وتقديره، ويضعف التقاط إيحاءات اللغة وخصوصيات الثقافة، ولذلك هذا الموضوع مما تتسع فيه الاجتهادات ويكثر فيه الخطأ، وكذلك يكثر فيه الاختلاف بين المؤرخين في تكوين الصورة العامة.
من أجل هذا سنجد أنه حتى في كتابات المعاصرين، حتى المعاصرين الإسلاميين، حتى ذوي النوايا الطيبة، سنجد لديهم اختلافا واسعا في استخلاصات التحليل الاجتماعي والاقتصادي والنفسي لعصر الفتنة. أنا ذكرت أنه حتى الإسلاميين الذين كتبوا بغرض نزيه وشريف بعضهم لم ينتبه إلى بعض لوازمه ولوازم هذه التحليلات.
سأذكر أمثلة لكي نفهم هذا الموضوع؛ مثلا من الأمثلة بعض الباحثين الإسلاميين يقول إن توقف الفتوحات في النصف الثاني من خلافة سيدنا عثمان كان من أسباب الفتنة؛ لأن توقف الفتوحات سيجعل الناس تهتم بأنفسها، وصار يرتب على ذلك كلاما ونتائج. بينما نحن لو نظرنا إلى هذا النصف الثاني من خلافة سيدنا عثمان سنرى أنه مثلا في عام 30 للهجرة حصل غزو طبرستان، وطور يزدجرد -وهو الكسر الأخير لفارس- حتى لجأ إلى خراسان، في عام 31 حصلت غزوة الأوده، غزوة بحرية مهمة، ثم حصلت الغزوة الفاصلة غزوة ذات الصواري البحرية الفاصلة التي استولى بها المسلمون على البحر المتوسط وصاروا أسياده، وفيها قتل يزدجرد الكسر الأخير لفارس، وفيها فتح عبد الله بن عامر فتوحه في خراسان، وفي عام 32 للهجرة حصل فتح مرو الروذ في خراسان، وفتح الطالقان والجوزجان وتخارستان وبلخ، وهذه مناطق في أفغانستان.
وبعض المؤرخين يقولون إن ذات الصواري كانت في سنة 34 ولم تكن في سنة 31. القصد هنا أنه إلى قبيل اندلاع الفتنة لم تكن الفتوحات متوقفة، بل لو أراد باحث آخر أن يعكس الأمر ويقول إن السبب في وقوع الفتنة هو استمرار الفتوحات، ربما يكون هذا أقرب إلى الصحة؛ لأن المناطق التي وقع فيها التمرد، العراق ومصر، هي التي كانت جيوشها في ذلك الوقت تقاتل في خراسان وطبرستان وذات الصواري.
من الأمثلة الأخرى مثلا على الاختلاف في مسألة التحليل الاقتصادي والاجتماعي، هذا الحديث المطول عن وجود فئات في المجتمع الإسلامي لم تتلق التربية الكافية ولم تتعلم الإسلام، وطبعا يأتي في سياق هذا الحديث الكلام عن اليهود والنصارى والأعاجم -الفرس والكرد والبربر الأمازيغ وغيرهم- ويحصل نوع من التوسع والمبالغة؛ لم يكن ممن أثاروا الفتنة على عثمان ناس من النصارى أو من الكرد أو من البربر، لا، كل أولئك كانوا من العرب.
مثلا بعض الباحثين جاء في كلامه تلميح أو تصريح أحيانا معناه أن التوسع في الفتوح كان خطأ؛ لأنه التوسع في الفتوح أدخل على المجتمع الإسلامي عناصر كثيرة كانت فوق طاقة المجتمع الإسلامي في الاستيعاب والتربية والتعليم. طبعا هذا السبب ينافي السبب الأول الذي يقول إن الفتنة حصلت مع توقف الفتوحات، وأحيانا تجد نفس الباحث ونفس الكاتب يضع هذين السببين إلى جوار بعضهما ولا يشعر بتناقض.
كذلك ستجد حديثا مطولا عن مسألة تغير الجيل، وأنه الجيل تبدل، وطبعا يحصل مبالغة وتوسع في العبارة حتى إن القارئ يشعر وكأن جيل التابعين كان انقلابا على جيل الصحابة، وأنه كان نقيض جيل الصحابة. طبعا واقع الأمر ليس كذلك؛ في النهاية أهل الفتنة هؤلاء قلة بين هذا الجيل، وهذا التحليل مناقض للحديث الصحيح الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم». فهذا الجيل الذي نتحدث عنه جيل التابعين هو أفضل الأجيال بعد الصحابة بنص الحديث.
طبعا أيضا بعض الناس يتصور وجود مؤامرة دولية شاركت فيها عناصر يهودية ونصرانية وفارسية لاغتيال الخلفاء، وبعضهم يجزم بأن اغتيال عمر لم يكن تدبيرا من فرد -أبو لؤلؤة المجوسي- وأن اغتيال عثمان وعلي أيضا هو حلقة في هذه سلسلة المؤامرة.
الخلاصة: التحليلات التي توسعت في استخلاص الأسباب غير المباشرة كثيرا ما أغربت وذهبت بعيدا وجاوزت الحد، وهذا الإغراب والمبالغة يكشف لنا عن مزية من مزايا طريقة المدرسة الإسلامية في علم التاريخ؛ لأنها تهتم بإيراد الخبر مصحوبا بسنده، فتضع المعلومة مثل المادة الخام أمام الباحث ولا تكلف كل مؤرخ عناء البحث والترجيح والتعليل والتفسير، ولا تلزمه بتكوين الصورة الكاملة؛ وحقيقة ليس كل الناس لديهم هذه الموهبة، موهبة أن يجمع المعلومة ويحللها معا.
نحن في هذه الحلقات سنستفيد من هذه الأقوال التي جاءت في مصادرنا الإسلامية، الأقوال التي تفسر الظروف والأجواء الكبرى التي مهدت للفتنة، وهنا تنبيه: أن هذه الأقوال لا يلزم أن تكون قد وردتنا بالسند الصحيح؛ لأنها تحليل، فهي حتى لو لم تكن صحيحة نسبة إلى قائلها، فقائلها أو المنقول عنه واحد من نخبة هذا العصر، من نخب القرن الهجري الأول، رجل يعيش في ذلك العصر، فهو يقدم لنا تفسيره وتحليله لما حصل، وطبعا من وجهة نظر تاريخية لا يمكن إهمال هذا التفسير والتحليل لأنه ورد من سند لم يستوف شروط الصحة على منهج المحدثين، فهذا يمكننا الاستفادة من التفسير والتحليل حتى لو لم نسلم بأنه صحيح النسبة إلى قائله الذي نسب إليه.
من أهم ما ورد في ذلك ما رواه الطبري في تاريخه، ورواه بإسناد ضعيف أن عثمان رضي الله عنه كتب في أول كتاب للعامة -أول كتاب للعامة هذا أشبه بخطبة الخلافة، الخطبة الأولى التي يلقيها الخليفة حين يتولى الخلافة، لكنها لغير المقيمين في العاصمة؛ لأن زمان ما كانش فيه تلفزيون، فكان يخطب في أهل العاصمة ويرسل الكتب إلى الولاة- فأول كتاب كتبه عثمان كان فيه هذه العبارة المهمة، يورد عنه أنه قال: "فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم للقرآن".
هنا نجد أنفسنا أمام ثلاث أمور: الأمر الأول تكامل النعم، وهذا تغير اقتصادي. الأمر الثاني بلوغ أولادكم من السبايا، وهذا تغير اجتماعي. الأمر الثالث هو أن يقرأ الأعراب والأعاجم القرآن، وهذا أمر علمي. حتى لو لم يصح أن سيدنا عثمان تنبأ بهذا، فالصحيح أن هذا التغير كان مرصودا في هذا العصر الأول، وبعضهم رتب عليه أنه من أسباب هذه الفتنة.
أول شيء تكامل النعم، تكامل النعم الذي يكون بكثرة الأموال المتدفقة على الديار الإسلامية من غنائم الفتوحات، ولأن السلطة في الدولة الإسلامية لا تكتنز الأموال بل تعيد توزيعها، فسرعان ما تنعكس هذه الأموال على الناس، سرعان ما يشعر المجتمع بالغنى الذي تحققه الدولة. روى ابن شبة في تاريخ المدينة بإسناد صحيح عن الحسن البصري -والحسن البصري شاهد عيان في ذلك الوقت، رأى كثرة الرخاء في عصر عثمان بن عفان- يقول الحسن البصري: "أدركت عثمان وأنا يومئذ قد راهقت الحلم" -أي على أول البلوغ- "فسمعته يخطب، وما من يوم إلا وهم يقسمون فيه خيرا -أموال قادمة- يقال: يا معشر المسلمين اغدوا على أرزاقكم -رواتب- فيغدوا ويأخذونه وافرة، يا معشر المسلمين اغدوا على كسوة ثياب، فيجيء بالحلل فتقسم بينهم، يقال اغدوا على السمن والعسل -أطعمة-". فقال الحسن: "والعدو ينفر -العدو يهرب من المسلمين- والأعطيات كثيرة، وذات البين حسن، والدنيا سلام، والخير كثير، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا". المسلمون لا يخشون من بعضهم البعض.
من طبائع الاجتماع أن حصول الترف يكون من علامات التغير، لما يكون فيه من التنافس والتنازع وفساد ذات البين. أنتم تعرفون الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». إذا، تكامل النعم حصل في زمن عثمان.
الأمر الثاني التغير الاجتماعي الذي حصل بظهور الجيل الجديد، جيل أبناء المسلمين من السبايا؛ هؤلاء آباؤهم من العرب المسلمين لكن أمهاتهم من الفرس أو الروم أو غيرهم، فيحصل في هذا الجيل تأثر طبيعي بالأمهات وثقافة الأمهات وطبائع الأمهات، وهو ما سيشيب البيئة العربية بما لم يكن فيها من الأخلاق والعادات والسلوك، وطبعا سيرافق هذا أن جيل الصحابة.
في تناقص مستمر سواء بالموت الطبيعي أو بالاستشهاد في الفتوحات. هذا ينقلنا إلى الأمر الثالث وهو التغير الثقافي أو العلمي، وذلك حين أثر في الأعراب والأعاجم من يقرأ القرآن. الأعراب يفهمون القرآن الكريم لأن اللغة عربية، لكنهم لا يعرفون فيما نزلت الآية فيخطئون الفهم، ويخلطون بين منازل الآيات ومواقعها والاستشهاد بها.
هذا الأمر فسره ابن عباس في عهد عمر؛ فروى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن، وروى سعيد بن منصور في كتاب التفسير من سننه، أن عمر رضي الله عنه سأل: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن فقرأنا وعلمنا فيما نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا.
إذا كان هذا هو حال الأعراب الذين يفهمون لغة القرآن ولا يفهمون فيما نزل، فالأمر سيزداد سوءاً في حال الأعاجم؛ لأن الأعاجم أصلاً تعلموا اللغة العربية أو حتى لم يتعلموها، فهم أحرى أن يخطئوا في فهم اللغة وفي فهم مدارك التنزيل. إذاً نحن أمام ثلاث إرهاصات: اقتصادي بتكامل النعم وحصول الترف، واجتماعي بنشوء جيل يستمد بعض ثقافته من أمهاتهم من السبايا، وعلمي حين يقل فهم القرآن الكريم لدى قارئيه من الأعراب والأعاجم.
كذلك من النصوص التي تفسر البيئة والأجواء العامة التي حصلت في عصر الفتنة ما نقله الطبري في تاريخه، أنه بداية الفتنة كانت حين سمح عثمان رضي الله عنه لمن شاء من كبار الصحابة بالخروج من المدينة. طبعاً كان سيدنا عمر يحظر عليهم هذا، كان يحب أن يكون كبار الصحابة حوله يستشيرهم دائماً، فلكن سيدنا عثمان سمح لهم من أراد أن يخرج فيقيم في مكان آخر.
فيروي الطبري أنه لما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر فانسابوا في البلاد، فلما رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس، انقطع إليهم من لم يكن له طول ولا مزية في الإسلام؛ يعني هناك من الناس ليس لهم نصيب في الإسلام فكان مغموراً في الناس، فصاروا أوزاعاً إليهم، وبدأ بعض الناس يلتصقون بالصحابة متسلقين، يقولون: يملكون فنكون قد عرفناهم، وتقدمنا في التقرب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام، وأول فتنة كانت في العامة.
إذاً نحن نرى أنفسنا في هذا النص أمام تحليل اجتماعي للفتنة أو لأجواء الفتنة، وهو مما نثبت به طبعاً أن أسلافنا لم يكونوا غافلين عن فكرة التعمق في الأسباب غير المباشرة، لكنه كما قلنا يأتي في مصادرنا عرضاً؛ لطبيعة أن مصادرنا مهتمة بالتوثيق والتسجيل والجمع بالمقام الأول.
هنا في هذا النص سنرى بروز فئة من المتسلقين الذين تحلقوا حول كبار الصحابة والتصقوا بهم، ابتغوا بذلك أن تكون لهم منزلة عند الصحابة، وأن تكون لهم منزلة عند الناس، وإذا انتقل الحكم إلى هؤلاء الصحابة صاروا هم بذلك في موضع قوة ومقربين منهم، وبالفعل سيأتي في سياق الفتنة مصداق هذا الكلام؛ كيف أن بعض أهل الفتنة كانوا أغم لا حظ لهم في الإسلام، لكن استطاعوا أن يكونوا قريبين من بعض كبار الصحابة في مواقف فاصلة، وهذا النص يخبرنا بخطورة هذه الفئة من الناس، وهي فئة المتسلقين الذين يحرصون على القرب من أهل الفضل والمكانة.
هناك نصوص أخرى تكشف لنا عن طبيعة التغير الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي مهد لبزوغ الفتنة، لكن إن شاء الله نستكملها في الحلقة القادمة، ثم نبدأ بعدها في متابعة الأسباب المباشرة، ومن أين اندلعت الشرارة الأولى لهذه الفتنة العظيمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكل قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل، فإن اتبعت سبيلهم فموفق، وإن ابتدعت فما عليك معول، وإن ابتدعت فما عليك معول.
محمد إلهامي