حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه السلسلة الجديدة من الحلقات التي تتناول قصة الفتنة الكبرى، قصة الفتنة بين الصحابة، والتي نحاول فيها فهم ما جرى في هذه الفترة، وإزالة ما يثار عنها من الشبهات وما يتعلق بها من الأكاذيب والأوهام.
ذكرنا في الحلقة الماضية أنه لا بد للباحث المسلم الذي يريد البحث في عصر الفتنة من استيعاب أمرين: الأول هو فهم ما حصل في الفتنة في ضوء الروايات الصحيحة، والثاني هو فهم الحكمة من وقوع الفتن. وذكرنا أن الرواية الصحيحة تفيدنا في تصور ما حصل ومعرفة التاريخ بأقرب قدر ممكن من حقيقة ما وقع. وهذه الروايات الصحيحة تمثل الأساس في تكوين صورة التاريخ، وهذا هو أساس البحث العلمي المنهجي في أي موضوع. ولكن يظل أمر آخر وراء الفهم، أمر ما بعد الفهم وتكوين الصورة، وهو فهم الحكمة في وقوع الفتن بين المسلمين.
فالمسلم يجد في نفسه ألمًا لوقوع هذه الفتن؛ أي مسلم يود لو أن عصر الخلافة الراشدية كان عصرًا من السلام والوئام والنصر والفتوحات والتمكين. فيعز على كل مسلم أن يرى الصحابة يتقاتلون، بل يعز على كل مسلم، وهو كبير وعظيم على كل مسلم، أن يرى مسلمين يتقاتلان، فكيف بالصحابة؟
تحدثنا في الحلقة الماضية عن الكتب والمصادر والجهود التاريخية التي بذلها العلماء في جمع الأخبار التاريخية الصحيحة، وفي بناء الصورة التاريخية وفق مراتب ودرجات هذه الأخبار. ونتحدث إن شاء الله في هذه الحلقة عن الأمر الثاني، الذي هو محاولة فهم حكمة الله تبارك وتعالى في وقوع الفتن بين الصحابة أنفسهم؛ هؤلاء الصحابة الذين هم خير الأمة كلها، وهم أزكاها قلوبًا وأزكاها عقولًا وأكثرها علمًا.
ذكرنا سابقًا أن الخلافة الراشدة هي فترة القدوة، هي النموذج المثالي الذي تعرف به الأمة كيف تدير شؤونها في ظل انقطاع الوحي. الأمر انتهى، لم يعد معنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعد يتنزل جبريل بالوحي، وإنما يحكم الأمة بشر منهم، وهؤلاء البشر يخطئون ويصيبون وهم يجتهدون في ذلك. فكل المسائل المتعلقة بالسياسة تقريبًا مأخوذة من عصر الخلافة الراشدة. ولهذا احتوت فترة الخلافة الراشدة على كل مراحل الدولة: البداية والتأسيس وهذا كان في عهد أبي بكر رضي الله عنه، الصعود والقوة والتوسع وهذا كان في عهد عمر رضي الله عنه، الرخاء والازدهار وكثرة الأموال وهذا كان في عهد عثمان رضي الله عنه، ثم الفتن والمحن والأصول كما هو في آخر عصر سيدنا عثمان وفي عصر سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عن صحابة النبي أجمعين.
بالتالي، فمن الحكمة هنا -من حكمة الله في وقوع الفتن بين المسلمين، بل بين الصحابة- أن المسلمين انتفعوا مما حدث من الفتن في عصر الخلافة الراشدة، انتفعوا فقهًا كثيرًا. يكاد يكون كل باب الفقه المتعلق بالمعارضة، معارضة الحاكم والخروج عليه، مأخوذًا من عمل الراشدين عثمان وعلي رضي الله عنهم، ومن أضاف إليهم الحسن. ظهر من خلال تعاملهم مع المعارضة السلمية ومع المعارضة المسلحة ما يجب عليهم وما يجوز لهم، وكذلك ما يجب على الحاكم وما يجوز له. وظهر من خلال هذه الفتن فقه التعامل مع النزاعات الداخلية بين المسلمين، وما تخلفه من قتلى وجرحى، وما تسفر عنه من مفاوضات واتفاقيات، وظهر منها أيضًا فقه التعامل مع الطوائف الضالة المنحرفة كالغلاة والبغاة، ما يجب أن يحفظ لهم من الحقوق وما يجب أن يعاملوا به قبل إفسادهم أو بعد وقوع إفسادهم.
الفكرة أن أكثر المسائل الحرجة في باب الحكم والسياسة أُخذ الفقه فيها من هذه الفترة؛ فترة الخلافة الراشدة. مثلاً: حق الرعية في الاعتراض، تعامل الأمير مع المخالفين والمتمردين، اختيار الخليفة في الفتنة، امتناع أحد الولاة عن البيعة للخليفة، الافتيات على الأمير في إقامة الحد، التنازل عن الخلافة، ولاية المفضول في وجود الفاضل، وغيرها من المسائل. لو لم تقع هذه المسائل والنوازل في عصر الخلافة الراشدة، لو لم يكن التعامل فيها على يد عثمان وعلي والحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين الذين هم خلفاء راشدون، لكان اختلاف المسلمين في هذه المسائل سيكون شاسعًا وواسعًا جدًا. فبالتالي، كان من الضروري لأجيال المسلمين أن تحدث هذه النوازل، وأن تعالج هذه المسائل على يد الصحابة؛ ليظهر التطبيق الإسلامي في عصر القدوة والتشريع، فيعرف الفقه الإسلامي في أبواب السياسة.
الإمام الزهري، الإمام العالمي الكبير محمد بن شهاب الزهري، أكد على هذا المعنى في قوله: "إن الفتنة الأولى سارت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرًا كثير، فاجتمع رأيهم على ألا يقيموا على أحد حدًا في فرج استحله بتأويل القرآن، ولا قصاص في قتل أصابوه على تأويل القرآن، ولا يرد ما أصابوه على تأويل القرآن، إلا أن يوجد بعينه فيرد على صاحبه". هذا لفظ عبد الرزاق في المصنف، وهو أيضًا مروي عند ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح إلى الزهري.
هذه النصوص النبوية التي تبين مع من كان الحق لم يكن ممكنًا فهمها إلا حين تقع بالفعل. مثلاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «تقتل عمارًا الفئة الباغية». هذا الحديث لم يكن ممكنًا فهمه إلا بعد مقتل عمار بالفعل؛ لا يمكن أن يفهم قبل عمار، لأنه أي حرب قد يدخلها عمار قد ينجو منها، فلا يمكن فهمها إلا بعد مقتل عمار بالفعل. نحن طبعًا سنأتي إلى تناول هذه الأمور، لكن قصدت القول إن النصوص النبوية حكمت في التنازع الذي وقع بين المسلمين، فعرفنا منها من من الطائفتين كان أدنى إلى الحق. وبناءً على هذه النصوص وعلى ما وقع من الفتن بني الفقه الذي ينير حياة المسلمين في سائر العصور وفي سائر الأجيال.
كذلك استفدنا خلاف الفقه؛ استفدنا الدين والأدب والتقوى لله حتى في الحرب. في حروب الصحابة نرى نموذجًا راقيًا للقتال؛ القوم يتقاتلون ومع ذلك يصلي بعضهم خلف بعض، وإذا انتهت الحرب لم يجهز على جريح ولم يتعقب الفار؛ لا تحدث مطاردة لمن يترك المعركة، ولم تنتهك النساء. وهذا قتال لم يتكرر مثله في الصراعات الأهلية؛ تعرفون الصراعات الأهلية تشهد من المذابح والانتهاكات ما هو معروف ومشهور. لكن في القتال بين الصحابة سنرى حرص كل واحد منهم على حفظ حياة خصمه في الحرب، وسنرى تحزنه عليه أيضًا.
علي رضي الله عنه هو من أنقذ عائشة رضي الله عنها، وهو الذي حزن وندم حين رأى جثمان خصمه في الحرب طلحة بن عبيد الله، وهو الذي بشر قاتل الزبير -والزبير خصمه- بشر قاتله بالنار، وهو الذي نهى عن سب أهل الشام مع أن أهل الشام قاتلوهم مع معاوية. والزبير رضي الله عنه هو الذي رفض اقتراح واحد من أهل الفتنة أن يغتال علياً وقال له: "الإيمان قيد الفتك". إلى آخر هذه المشاهد التي سنتعرض لها. ورأينا الخليفة سيدنا علي رضي الله عنه في قتاله للخوارج الذين يكفرونه يحفظ لهم حقوقهم ويبينها لهم؛ ما كان أحد قبل ذلك يتخيل في هذه الدنيا مجرد خيال أن يكون للخارجين على الحاكم الشرعي حقوق مصانة، كان علي رضي الله عنه يحفظ حقوق الخوارج الذين خرجوا عليه وكفروه.
لو لم يكن الصحابة بشرًا ما كان يمكن أن يكونوا قدوة؛ نحن نقتدي بهم ونتأسى بهم ونتعلم منهم لأنهم بشر مثلنا. هم ليسوا موصولين بالسماء، لا يتنزل عليهم الوحي، وهم غير معصومين. ولو تصورنا أنه انتهى جيل الصحابة دون أن يقع بينهم قتال، فإننا عندئذ سنصاب بأزمة ثقة فظيعة جدًا في أنفسنا وفي الأمة لو وقع بينها قتال. نحن عرفنا من خلال قتال الصحابة أن القتال قد يقع بين الفضلاء، ولكنه حين يقع بينهم كان قتالًا فاضلًا على درجتهم ورتبتهم ومستواهم.
كذلك من فوائد الفتن ما نتعلمه نحن منها من طبائع البشر والاجتماع والتاريخ. ما من جيل أتقى لله ولا أورع ولا أذكى من جيل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ فهؤلاء حين تقع بينهم الفتن، فلا يستغرب أن يتكرر هذا في أجيال المسلمين التالية. الفتن لا تطعن في الخيرية ولا تسلب الفضل عن المسلمين؛ العامل للإسلام المسلم الحق يجب أن يتوقع أنه سيجد العديد من هذه الفتن في حياته، بما في ذلك الصف الذي هو فيه. لن يصل أي عامل للإسلام مهما بلغ نجاحه إلى جيل خير من جيل الصحابة، هذا مش ممكن، وهؤلاء الصحابة وهم خير الأجيال وهم تلاميذ خير الأنبياء هم بشر؛ فهم بشر لم تنخرق لهم السنن، لم تتعطل السنن من أجلهم، مضت عليهم السنن أيضًا.
وبهذا ندرك أنه لا أحد فوق السنن. وهذا الأمر -أن ندرك ونعرف أنه لا أحد فوق السنن- أمر مؤثر جدًا في تصوراتنا وأفكارنا، وهو ينبغي أن يكون مؤثرًا أيضًا في خططنا وتحركاتنا وسلوكنا حين نشرع في العمل. وهذا يجب أن يدفعنا دائمًا لمراقبة النفس، وإلى تحصين نوافذ الشر، وإلى الخوف من وقوع الفتن، ومن حسن التعامل معها إذا وقعت.
من أهم هذه السنن أنه لا يدوم شيء؛ كما قيل فعلًا: "لكل شيء إذا ما تم نقصان". عصر سيدنا عثمان رضي الله عنه هو عصر ذروة الازدهار وكثرة الأموال واتساع الفتوحات، حتى لم يعد للمسلمين في هذه الأرض منافس ولا مقارب. ولابد بعد دورة من دورات الصعود أن يبدأ دور آخر من دورات الهبوط. فمن أهم هذه السنن أيضًا أن أهل الشرور والتآمر يستطيعون أن يفسدوا على المسلمين دينهم ودنياهم، وأنهم قد يتوصلون إلى هذا الإفساد بصورة مراوغة، يلبسون فيها ثياب الدين ويزعمون أنهم أتقى لله وأحرص على الدين من أئمة الدين ونقلته؛ هؤلاء أصحاب الفتنة زعموا أنهم أحرص على الدين من نقلة الدين الذين تنزل القرآن بالرضا عنهم، والذين تربوا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سيدنا الزبير بن العوام حين قيل له ما قدم بكم، ذكر الخليفة وهكذا مما سمعت، قال عبارة مهمة للوقوف عندها: "نحن قرأنا هذه الآية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم نظن أنها نزلت فينا". هي آية: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. قال: "لم نكن نحسب أن أهلها نحن حتى وقعت منا حيث وقعت". فحين نعرف أن هؤلاء المفسدين يمكن أن يفسدوا على المسلمين دينهم ودنياهم، هذه من السنن التي ينبغي الانتباه لها.
وقد يستجيب لهؤلاء المفسدين وأهل الشرور من كان غبيًا ومغفلًا، ومن كان ضيق الصدر، ومن كان متشددًا؛ الخوارج الغلاة الذين كانوا مطية هؤلاء المتآمرين أهل الفتنة، هؤلاء بلغ بهم الجهل والغرور أنهم قاتلوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم حسبوا أن الصحابة تفرطوا في الدين وأنهم يقاتلون. الغلو مبدأ الشر؛ حتى لو كان هذا الغلو غلوًا في التقديس والتعظيم. بعض الناس الذين تشيعوا لعلي رضي الله عنه حتى ظهر فيهم من يجعل علياً إلهًا، وهؤلاء أنفسهم لما بلغ بهم الضلال مبلغًا فظيعًا، لما سيدنا علي بنفسه نهاهم عن ذلك وقال لهم: "إنما أنا بشر"، لم يرتدعوا وأصروا على أنه إله وأنه رازق وأنه محيي وأنه مميت، فأحرقهم سيدنا علي رضي الله عنه وقتلهم حرقًا. القصد أن هذا الغلو، الغلو في التقديس، مبدأ الشر. وهذا الغلو في التقدير سيفضي إلى غلو مقابل في التكفير أيضًا، وهو الذي ظهر لدى الخوارج الذين كفروا الصحابة المبشرين بالجنة وقاتلوهم.
في دراسة أسباب الفتن كثير من الفوائد التي يجب أن يتأملها المسلمون في سائر حياتهم. من أهم فوائد الفتن أيضًا أن في وقوع الفتن تصديقًا للنبي صلى الله عليه وسلم وإثباتًا لنبوته. وقعت هذه الفتن التي نتكلم عنها في هذه الحلقات على النحو الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم، فلو أنها لم تقع لكان هذا مطعنًا في النبوة. هذه الفتن من جملة نبوءاته صلى الله عليه وسلم التي أثبت التاريخ صدقها.
النبي أخبر بوقوع الفتن، وأخبر بافتراق الأمة، وأخبر أن الأمة سيكون بينها بأس شديد، وأخبر بمقتل عثمان بن عفان في فتنة وصرح بأن هذه الفتنة يقتل فيها عثمان مظلومًا وأن قاتليه هم أهل ضلالة. وأخبر كذلك بالحرب التي تقع بين عائشة وعلي، وأخبر بتفاصيل دقيقة مثل الكلاب التي ستنبح على قافلة عائشة عند مكان هو ماء الحوأب، وأخبر بمقتل طلحة والزبير، وأخبر بمقتل عمار وصرح بأن عمارًا تقتله الفئة الباغية، وأخبر بظهور الخوارج وأخبر بالفئة التي تقاتلهم وأنها هي الفئة الأقرب إلى الحق، ووصف قتيلاً لهم بعلامات في جسده، قتيل للخوارج "ذو الثدية". هذه الأمور كلها لا يمكن أن تحصل بمجرد العبقرية والذكاء ولا يمكن أن تحصل بمجرد التوقع، بل هي دليل على النبوة وأن الله تبارك وتعالى أطلع نبيه على بعض هذا العلم من الغيب؛ فأخبار الفتن هي في.
حقيقتها مما يزيد المؤمن إيماناً وتمسكاً بهذا الدين، ويزيده تصديقاً لهذا النبي الكريم، ويزيده إجلالاً لهؤلاء الصحابة الذين جاءت النصوص والأخبار بفضلهم ومناقبهم وبرضى الله ورسوله عنهم.
أخيراً أيضاً، من فوائد الفتن أن البلاء من وسائل تمييز الصفوف، وتمحيص النفوس، وانكشاف المعادن؛ فالناس مختبئون تحت العافية، فإذا وقعت المحن والفتن ظهرت حقائقهم. الفتن كاشفة وفاضحة للمنافقين والكاذبين والذين في قلوبهم مرض، وهي من أسباب المغفرة والرحمة ورفع الدرجات للصادقين والمؤمنين. والله تبارك وتعالى يقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: 29].
هذا المجتمع الإسلامي كان مجتمعاً مجاهداً، كان فيه من يجاهد في سبيل الله وفيه من يجاهد في سبيل الغنيمة وابتغاء الدنيا. فمجتمع الصحابة كان مجتمع مجاهدين، ولكن لما جاءت هذه الفتنة كشفت معادن كثير من الناس، فنقلتهم من أن يكونوا مجاهدين إلى أن يكونوا بغاة وخوارج ومفسدين. وكذلك هذه الفتن صقلت نفوس المؤمنين، فنراهم كانوا يداً واحدة مع عثمان رضي الله عنه ضد أولئك المتمردين، وبعد ذلك انقسم هؤلاء الصحابة وفق اجتهادهم؛ فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ. وقد سئل علي رضي الله عنه عن قتلى صفين فقال: «قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويصير الأمر إلي وإلى معاوية». وفي رواية أخرى قال: «من قتل منا ومنهم وهو يريد وجه الله والدار الآخرة دخل الجنة». وهذا رواه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح.
الخلاصة أيها الإخوة الأحباب، أن فهم الحكمة من وقوع الفتن يجعل المسلم واعياً وهو يقرأ أخبارها ويتأمل فيها؛ ينتبه إلى أمور ليس من الممكن أن ينتبه إليها ولا أن يفهمها ولا أن يلتقطها من يقرأ نفس هذه الأخبار والأحداث إن كان خالياً من هذا المعنى. من يقرأ الأحداث وهو يتأمل حكمة الله فيها مخالف تماماً لمن يقرأها وهو لا يؤمن بالله أو لا ينتبه لحكمته؛ فالأول يزداد إيماناً، والثاني يزداد تشككاً. في الحلقة القادمة إن شاء الله نبدأ في حكاية جذور الفتنة ومقدماتها.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسلُ ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكن من الصديق منهم أفضلُ هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقلُ فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معوّلُ
محمد إلهامي