دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 2. أفضل مصادر تاريخ الفتنة بين الصحابة

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد وإن ابتدعت فما عليك معول.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الثانية من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى؛ الفتنة التي بين الصحابة، والتي نحاول فيها أن نشرح ما حصل من القتال بين هؤلاء الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونحاول أن نزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. في هذه الحلقة سنضع لأنفسنا المنهج العلمي الذي يجب علينا أن نعتمد عليه في بحث هذا الموضوع الخطير والشائك، وسأخبركم في هذه الحلقة بأهم الكتب المحققة التي تناولت هذه الفترة لمن أراد منكم أن يتوسع فيها.

يجب أن أقول في البداية: هذه الحلقات أقدمها للمسلم العادي الذي يريد فهم ما حصل، وكما سبق وذكرت في الحلقة الأولى، لولا الضغوط الشديدة المنهمرة علينا من الشيعة ومن النواصب ومن العلمانيين، ما كنت فكرت في تقديم هذه الحلقات. وعلم الله سأكون في غاية السعادة لو أن الكلام عن هذا الأمر انتهى، حتى لو أن هذه السلسلة لم تحقق أية مشاهدات؛ فعلم الله أن الغرض هو معالجة المرض لا إثارة الموضوع. ولذلك فأنا الآن أخاطب المسلم، وطبعا لست مهتما بمخاطبة الشيعي أو العلماني أو غير المسلم أو الغربي أو المستشرق؛ لست مهتما بهؤلاء، أنا مهتم بمخاطبة المسلم الذي يريد أن يعرف. نحن هنا في هذه الحلقات لن ندخل في مناقشة علمية وردود على أحد، ولكن سنكتفي بشرح ما حصل وفق هذا المنهج العلمي.

أحبابنا الكرام، البحث في الفتنة لا بد فيه من استيعاب أمرين أساسيين: الأمر الأول هو فهم الفتنة في ضوء النصوص الصحيحة، والأمر الثاني فهم الحكمة من وقوع الفتن. إذا لم يتسلح المسلم بفهم هذين الأمرين، فالنتيجة ستكون غالبا هو أنه يخرج من هذا الموضوع بتخليط وتخبيط وأمور كثيرة، سواء على مستوى المنهجية العلمية أو على مستوى الفهم التاريخي لطبيعة ما جرى. الاعتماد على النصوص الصحيحة ضروري لأنه يحقق المنهج العلمي في عقل الباحث وفي أدواته. كذلك فهم الحكمة الربانية من وقوع الفتن ضروري للمسلم لأنه يحقق فيه التسليم الإيماني ويقيم شأن العلم والفقه في نفس الباحث وفي ضميره.

في هذه الحلقة سنناقش مسألة النصوص الصحيحة. في كل علم، بل في كل عملية بحث حتى لو لم نصل إلى علم، لا بد من معرفة الحقائق الأصيلة، الحقائق الصلبة، الحقائق الأولى؛ الحقائق الصحيحة والأمور التي لا يختلف عليها أحد قبل أن ندخل إلى مجهولات العلم أو مجهولات البحث أو الغوامض أو الدقائق. فالحقائق الصحيحة الأصيلة هي الأصول التي ينطلق منها، والأصول التي يعتمد عليها للوصول إلى التفاصيل وإلى الغوامض وإلى الأمور المجهولة. لا يستحق الموضوع أصلا أن يسمى علما إذا لم تكن له حقائق أولى واضحة، وأيضا لا يمكن أن تبدأ عملية بحث دون أن تستند أصلا وأساسا على المبادئ الأولية التي تقررت صحتها ويسلم بها؛ أي عملية بحث لا بد أن تنطلق من أمور منتهية الصحة ومسلم بصحتها. لذلك فعصر الفتنة تحديدا، حيث إنه عصر شائك واختلفت فيه وجوه النظر، لا بد لنا من أن نستخلص النصوص الصحيحة التي هي أصل البحث وقاعدة البحث.

اعتماد النصوص الصحيحة ضروري لأكثر من سبب؛ السبب الأول هو الأمانة العلمية والمنهجية، وهذا أمر ضروري في كل علم وفي كل بحث. السبب الثاني: لأن هذا الأمر الذي نتكلم فيه هو دين؛ هؤلاء الصحابة هم نقلة هذا الدين إلينا وهم أنفسهم جزء من هذا الدين؛ فالصحابة هم الشخصيات الأولى في الإسلام وهم أعمدة الإسلام، وهم الذين بني الإسلام على أكتافهم، وهم الذين نشروه وأبلغوه، وهم القدوة للأجيال المسلمة كلها، فلذلك صورة الصحابة يجب أن تتضح وتبرز وتتجلى بأوضح ما يكون وبأدق التفاصيل الممكنة.

السبب الثاني في مسألة أنه هذا الأمر دين، أن عصر الخلافة الراشدة هو عصر تشريع سياسي للمسلمين؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث العرباض المشهور: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ». إذا فنحن مأمورون باتباع سنة الخلفاء الراشدين؛ فالتدقيق في سنة الراشدين ومعرفة سنة الراشدين هو من ضرورات الفقه في الدين.

السبب الثالث: لأن التهاون في شأن الاعتماد على النصوص الصحيحة سيؤدي بنا إلى خليط من التصورات والآراء والأهواء، وهو بالفعل أفضى إلى تكوين وظهور الفرق الضالة المنحرفة؛ فرق الروافض والنواصب والخوارج، كل هؤلاء خرجوا لأنهم انحرفوا عن هذه النصوص الصحيحة. وهذه الطوائف كان لها أثر سيء وقبيح في تاريخ المسلمين، لا سيما الشيعة والخوارج؛ لا يمكن إحصاء ما جرى على المسلمين من الأضرار بسبب هاتين الفرقتين. لا تزال الأمة منذ عصر الفتنة وحتى هذه اللحظة، أكثر من 1400 سنة، تعاني من هذا الأثر السيء؛ ستظل الأمة تدفع من أرواحها وأبنائها وأموالها ومن هيمنة عدوها عليها بسبب كثير من هذه الفرق الضالة المنحرفة؛ لأنها فعلا كانت طعنة نافذة في قلب الأمة من داخلها، وكثيرا ما كانت هذه الفرق مدخلا نفذ عدو الأمة إلى الأمة من خلاله. وكثيرا ما كانت هذه الفرق معيقة لتقدم الأمة ومعطلة لفتوحاتها في لحظات ذهبية لا تعوض، هذا أمر يطول شرحه ومن قرأ في التاريخ عرفه.

كذلك كثيرا ما تسببت هذه الفرق في حالات خروج عن الإسلام؛ مثلما ضل بها العلمانيون. حين قرأ العلمانيون انحراف الشيعة وطعنهم في الصحابة، اعتمدوا على ذلك لكي يطعنوا في الدين كله، وحتى المستشرقون الغربيون. فالقصد هنا أن الصورة التي ستتشكل في أذهاننا من النصوص الضعيفة والموضوعة ستحمل على تشويه هذه الصورة، وستحمل صاحبها على ازدراء الصحابة وازدراء الدين، أو حتى أن يلفقوا صورة توافق هواهم في الانخلاع من الدين وفي ازدراء الدين. لهذا كله، فإنه مسؤولية الباحث المسلم حين يقدم على الحديث عن عصر الفتنة أن يبدأ باستخلاص النصوص الصحيحة ليؤسس عليها.

سنجد أن هذه النصوص تقدم لنا فوائد نفيسة؛ الفائدة الأولى أن هذه النصوص ستفيدنا في معرفة الصحابة وعدالتهم، وهذا أمر مهم ولابد من الانتباه إليه؛ لأن الصحابة ليسوا كغيرهم من الشخصيات التاريخية حين نقومها. سائر شخصيات التاريخ نحاول فهمها من خلال ما ظهر من أعمالها، ونحن لا نعرف ما كان في قلوبهم وما انطوت عليه بواطنهم، لكن الصحابة ثبت لنا بالنصوص الصحيحة القرآنية والنبوية أن الله أثنى عليهم وأن الله امتدحهم؛ فبالتالي نحن نعرف بذلك بواطنهم، ونعرف أنها كانت خيرا وأنها لا تنطوي إلا على خير، حتى لو وقعوا في أخطاء، حتى لو وقعوا في ذنوب، فهذا هو حال البشر جميعا. فالثناء القرآني والنبوي على الصحابة يضيء لنا جانبا هو مظلم تماما لدى كل شخصيات التاريخ الأخرى، وهو هذا الجانب العميق في أغوار النفس. ولهذا من الممكن دائما أن يخطئ المؤرخ في تفسير عمل أي شخصية تاريخية لأنه يجهل أغراضها ويجهل مرادها، ولأن نظره مقتصر على ظاهر الأمر، لكن هذه النصوص حسمت لنا طبيعة الصحابة وفضلهم، فوجب علينا أن نلتمس لتصرفاتهم وأفعالهم أفضل تأويل لأن فضلهم قد ثبت بثناء خالقهم عليهم وهو أعلم بهم.

الفائدة الثانية من فوائد الاعتماد على النصوص الصحيحة، أنها ستفيدنا في نفي المبالغات والأكاذيب التي أدخلها القصاص والوضاعون وأصحاب الفرق الضالة في أخبار التاريخ؛ لأنه لولا النصوص الصحيحة لن يتبين لنا مقدار الصدق من الكذب ومقدار الحقيقة من المبالغة في الروايات الأخرى. فالنصوص الصحيحة لا تقرر فقط الحقائق، لكنها أيضا تحكم على مدى الانحراف ومدى المبالغة ومدى التزوير الذي جاء في الروايات الأخرى التي هي الروايات الضعيفة أو الموضوعة. ولذلك نحن نحاكم الروايات الضعيفة بناء على ما ظهر لنا من النصوص الصحيحة؛ فالرواية الأخرى ربما يختلط فيها الحق بالباطل أو اختلق فيها الحدث بتفسير الراوي أو تفسير المؤرخ له، فلذلك بالنصوص الصحيحة نحن نكتشف القدر المقبول من الأخبار التي تسرب إليها تحريف أو تزييف، وكذلك نكتشف بها أين موطن الخلل في هذا الخبر؛ ربما يكون هذا راجعا لكذب الراوي أو لهواه، أو ربما كان راجعا لغفلته أو حتى لسوء تفسيره.

هذه المهمة، مهمة استخلاص النصوص التاريخية الصحيحة في عصر الخلافة الراشدة، نهض لها عدد من العلماء والمؤرخين المسلمين وبذلوا في ذلك جهدا عظيما. هؤلاء العلماء هم موكب جليل ممتد؛ نستطيع أن نميز أو نتكلم عن ثلاث مراحل كبرى في مسألة جمع النصوص الصحيحة. المرحلة الأولى: مرحلة علماء الحديث الكبار، مثل طبقة مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من المحدثين؛ هؤلاء حرصوا في أعمالهم العلمية على تقديم الروايات الصحيحة وعلى تقييم عمل الكثير من الرواة. دواوين السنة النبوية تحمل الكثير جدا من الأخبار التاريخية المتعلقة بالفتنة، والميزة في هذه الدواوين كتب السنة أنها مسندة إلى رواتها، فطريقة المحدثين أصحاب السند والحديث تتيح دائما اختبار الرواية واختبار الرواة والمقارنة بين الرواية وبين غيرها. فهذه المرحلة انصبت فيها الجهود الحثيثة على تصحيح المرويات المتعلقة بالحديث النبوي، وأنجزت في هذا إنجازا هائلا غير مسبوق في تاريخ أي أمة ولا ملحوق أيضا. لكن بقيت كتب التاريخ أقل شأنا من هذا؛ غلب على المادة التاريخية في تراثنا التساهل الشديد في الرواية، فالمؤرخون المسلمون الرواد كانوا يعتمدون طريقة الجمع والحشد للروايات؛ كانت العادة أو كان التقليد العلمي في ذلك الزمن هو جمع كل المادة الموجودة والاستكثار من الأسانيد والروايات إلى أقصى حد ممكن، نعتبرها في باب التاريخ مرحلة جمع.

جاءت المرحلة الثانية، نستطيع أن نقول إن هذه المرحلة كانت مرحلة القرنين الثامن والتاسع الهجري، وكانت في مصر والشام؛ هذه المرحلة نستطيع أن نقول تقريبا أنها بدأت بالإمام ابن تيمية شيخ الإسلام، وأنها ختمت بالإمام ابن حجر الحافظ. وفيها الأسماء المشهورة الأخرى مثل الإمام الذهبي والإمام ابن كثير؛ هؤلاء الأربعة على وجه التحديد مثلوا مرحلة مهمة في تنقيح الأخبار التاريخية والتعليق عليها، ولكل واحد منهم كتاب كبير أو أكثر تعرض فيه لفترة الفتنة؛ منها مثلا لابن تيمية «منهاج السنة النبوية» وله كذلك «مجموع الفتاوى»، هذان فيهما مجهود هائل في استخلاص والتعليق على الأخبار. الإمام الذهبي له «تاريخ الإسلام» وله «سير أعلام النبلاء»، الإمام ابن كثير له «البداية والنهاية» كتابه التاريخي المشهور، والإمام ابن حجر له موسوعته الفريدة درة الموسوعات «فتح الباري» الذي شرح فيه صحيح البخاري، وله أيضا كتابه «الإصابة في تمييز الصحابة». فهذه المرحلة شهدت نقد كثير من الأخبار التاريخية التي حشدها الجيل الأول من المؤرخين الرواد.

ثم جاءت المرحلة الثالثة، وهي العلماء المعاصرون، والحق أنه بلغ الجهد التحقيقي فيها ذروته؛ طبعا هذا حصل بسبب شدة السطوة التغريبية والاستشراقية، وأيضا بسبب السطوة الشيعية الرافضية. ونحن ذكرنا أن كلا الفريقين المستشرقين والشيعة أعادوا إنتاج الروايات التشويهية للصحابة ولعصر صدر الإسلام؛ طبعا لأن المستشرقين يريدون الطعن على الإسلام كله، والشيعة يريدون الطعن في الصحابة إلا الذين كانوا منهم مع علي رضي الله عنهم. لذلك هذا الجهد بدأ، نستطيع أن نقول بدأ من عند الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله، وجمعت أعماله في الموسوعة الأعمال الكاملة للشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني، أحد المحدثين الكبار الرواد الأجلاء.

وفي فتراته بعده المشايخ المحدثون المعاصرون، مثل الشيخ أحمد شاكر في مصر، والشيخ ناصر الدين الألباني في الشام، والشيخ شعيب الأرناؤوط في الشام، والشيخ حسين سليم أسد، ووصي الله عباس. هؤلاء هذه الأسماء أسماء كبيرة جداً في علم الحديث، هؤلاء حققوا دواوين السنة، فكان تحقيقهم لدواوين السنة عملاً عظيماً اعتمد عليه المؤرخون. هذه الأسماء التي ذكرت حققت أشهر كتب السنة؛ وهي السنن الأربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، والمسند للإمام أحمد وبقية الكتب التسعة، وفي كل تحقيقاتهم كانوا يبينون رتبة الروايات الواردة فيها. فلذلك استفاد المؤرخون من ذلك الحكم على هذه الروايات الكثيرة، واستفادوا ثروة عظيمة في معرفة رتبة هذه الروايات.

ثم انطلقت المسيرة العظيمة، أسميها هكذا: مسيرة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وفق النصوص الصحيحة. وكان رائد هذه المسيرة شيخ المؤرخين المعاصرين الدكتور أكرم ضياء العمري. الدكتور أكرم ضياء العمري جند طلابه في الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية في المدينة، وأحياناً في جامعات أخرى كأم القرى والإمام، جندهم لكتابة رسائلهم العلمية التاريخية باعتماد منهج المحدثين في كتابة التاريخ. فأشرف على عدد من الرسائل عن السيرة النبوية، أي أحداث السيرة النبوية، ووضع خلاصتها في كتابه المهم: كتاب السيرة النبوية الصحيحة، الذي صدر في مطلع التسعينات، أي قبل حوالي 35 سنة من الآن.

ثم أشرف على مجموعة رسائل أخرى عن فترة الخلافة الراشدة، ووضع خلاصة هذا في كتابه عصر الخلافة الراشدة. أبرز هذه الدراسات التي أشرف عليها الدكتور أكرم بن العمري بنفسه حفزت آخرين على أن ينسجوا على منوالها، فوجدنا أنفسنا أمام عدد من الكتب المهمة. ما يهمنا منها الآن في موضوعنا هذه الكتب التي من أراد أن يتوسع فيها توسع؛ كتاب فتنة مقتل عثمان بن عفان للدكتور محمد بن عبد الله الغبان، هذا يتحدث عن فترة فتنة في عصر سيدنا عثمان بن عفان، وطبعاً هذه الكتب أعيد وأذكر أنها كتب عملت مسحاً للروايات، وعلقت على الروايات الصحيحة والضعيفة، واستخلصت التاريخ من الروايات الصحيحة.

الكتاب الثاني: كتاب خلافة علي بن أبي طالب وهذا للدكتور عبد الحميد ناصر فقيهي. الكتاب الثالث: كتاب الخلافة الراشدة والدولة الأموية من فتح الباري، استخلصها فضيلة الدكتور يحيى اليحيى، وطبعاً سترون في هذا الكتاب العقلية التاريخية للإمام ابن حجر. الكتاب الرابع: كتاب أيضاً للدكتور يحيى اليحيى، كتابه مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري عن عصر الخلافة الراشدة؛ لأن أبا مخنف هذا أحد أشهر الرواة وهو راوٍ شيعي صاحب أخبار، فكان يقارن بين ما جاء في روايته عند الطبري وبغيرها من المصادر، كتاب نفيس جداً. ومن الكتب أيضاً: كتاب استشهاد عثمان ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر التميمي في تاريخ الطبري، وهذه رسالة الدكتور خالد الغيث حفظه الله.

هذه المسيرة العظيمة أوقدت همم باحثين آخرين بذلوا جهوداً أخرى في هذا المضمار، ومن أبرز المجهودات التي بذلت في هذا الجهد الكبير الذي بذله الدكتور محمد طاهر البرزنجي؛ هذا الدكتور محمد طاهر البرزنجي أمسك بتاريخ الطبري، ديواننا التاريخي الكبير، وفصله إلى صحيح وضعيف، فاستخلص الروايات الصحيحة فجعلها في خمس مجلدات ووضعها باسم صحيح تاريخ الطبري، ثم وضع الروايات الضعيفة في قسم الروايات الضعيفة والمسكوت عنها في ثمانية مجلدات أخرى تحت عنوان الضعيف والمسكوت عنه في تاريخ الطبري.

وفي الواقع انتهت هذه الجهود إلى ثمرة عظيمة صدرت مؤخراً قبل ثلاث أو أربع أعوام، صدرت عام 2019 أو 2020، وهو كتاب صحيح أخبار صفين والنهروان وعام الجماعة، وهذا للشيخ الدكتور فواز بن فرحان الشمري، وهو ما زال باحثاً شاباً، لكن ما شاء الله بذل مجهوداً عظيماً جداً في هذا الكتاب الذي خرج في مجلدين: صحيح أخبار صفين والنهروان وعام الجماعة. ومزية هذا الكتاب أنه جمع بين ثلاثة أمور؛ أولاً: هو أوسع الكتب في موضوعه جمعاً واستيعاباً للروايات فيما رأيت، وعلمت قبل أيام من تصوير هذه الحلقات أنه بصدد إصدار طبعة ثانية زاد فيها أيضاً روايات أخرى، لأن الطبعة الأولى كان فيها 600 وشوية من الروايات الصحيحة، أضاف عليها روايات أخرى حتى تناهز 700، وإن شاء الله يكون فيها خير كثير.

المزية الأولى أنه أوسع ما رأيت على حد علمي في جمع الروايات، الأمر الثاني أن صاحبه أسأل الله أن يبارك فيه وأن يجعله من المخلصين، متضلع في علم الحديث، وهذا أتاح له القدرة الواسعة على التخريج والتتبع لطرق الخبر. والمزية الثالثة أنه كتب منهجاً تاريخياً في المقدمة سماه المصطلح التاريخي، وعلى غرار أسد رستم لما كتب مصطلح التاريخ، وأتمنى أن يكون للتاريخ مصطلح كمصطلح الحديث، فهذا البحث الذي بدأ به الدكتور فواز بن فرحان الشمري فصل فيه للطريقة العلمية التي ينبغي التعامل بها مع المرويات؛ لأنه طبعاً الاقتصار على منهج المحدثين مسقط للتاريخ، لأن المحدثين في غاية الصرامة، لكن القليل الذي يبقى بعد التصفية على منهج المحدثين لا يكفي لتوضيح الصورة التاريخية، والأمر الآخر أن فتح الباب كذلك للضعيف سيغرقنا في الروايات التشويهية والمنحرفة، وهو أصلاً ما أردنا تلافيه.

فلذلك هذا المنهج الذي فصله الدكتور فواز مارسه في كتابه، لكن يجب أن أقول إنه مارسه أيضاً قبله آخرون إلا أنهم لم يكتبوه على هذا النمط من التنظير، هم طبقوه عملياً كثمرة للخبرة والدراية والممارسة، فكان تفصيل الدكتور فواز وبيانه لهذا المنهج ثمرة ناضجة، وجدير بكل المؤرخين أن يستفيدوا بها من بعده. هذه الكتب لا يستطيع باحث أن يكتب في تاريخ صدر الإسلام ويتجاوز هذه المؤلفات الرصينة؛ جلت صورة هذا التاريخ ببحث علمي رصين، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يوفيهم خير ما يوفي عباده الصالحين، وبهذه الكتب أنا أحسب أن أصول البحث في هذه الفترة التاريخية اكتملت بهذا الكتاب الأخير.

وطبعاً سيبقى الأمر مفتوحاً للإضافات والتقييد والتفاوت في التطبيق ونحو ذلك، فكما قيل: كم ترك الأول للآخر، وكم في الإمكان أبدع مما كان. هذا المجهود المبذول في الرسائل الجامعية وازته مجهودات أخرى في تخريج الآثار من الموسوعات الكبرى، وأهمها فيما يخص الموضوع موسوعة المصنف لابن أبي شيبة، هذا الكتاب محتشد بأخبار الفتنة، هو أفرد لها في آخر مصنفه كتاباً: كتاب الفتن. وفي هذه السنوات الخمس عشرة الأخيرة صدرت ثلاث طبعات للمصنف؛ الطبعة الأولى كانت بتحقيق الشيخ المحدث محمد عوامة، وهذه الطبعة قليلاً ما علق فيها على الأحاديث، لكن صدرت طبعتان أخريان؛ إحداهما حققها الشيخ أسامة بن إبراهيم، ثم طبعة أخرى حققها الشيخ الدكتور سعد بن ناصر الشثري، هاتان الطبعتان الأخيرتان اهتمتا بالحكم على الآثار الواردة في هذا الكتاب الضخم، واهتمتا ببيان درجتها من الصحة والضعف.

وبالموازاة لهذا أيضاً هناك سلسلة من الرسائل الجامعية التي خرجت في قسم السنة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود، هذه عملت على تخريج آثار كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، وطبعاً كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد هو موسوعة علمية ضخمة لأهم الرجال في تاريخ صدر الإسلام، الرجال الذين شهدوا عصر الفتنة الذي نتناوله في هذه الحلقات. فلذلك بعد تخريج كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد على يد عدد من الباحثين في مراحل الدراسات العليا، هناك طبعاً ما تزال بعض الموسوعات تحتاج إلى تحقيق وتخريج، لكن نستطيع أن نقول إن كل هؤلاء قدموا خدمة ثمينة للتاريخ الإسلامي بهذه الجهود، وعلى جهودهم ستنبني جهود أخرى إن شاء الله، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجزيهم خير الجزاء.

لكن نقول إن أهم الكتب التاريخية المتعلقة بفترة الفتنة بهذه الجهود نستطيع أن نقول إنها درست، وأنها ميزت رتبة أخبارها، ولم يعد هناك عذر لمن يضرب في هذا الموضوع بسهم دون أن يتبصر وينتفع بهذه التمهيدات. كان هذا موضوعنا حول أهمية وضرورة الاعتماد على النصوص الصحيحة، وهذه بعض المصادر، وفي الحلقة القادمة إن شاء الله نتكلم عن الحكمة من وقوع الفتن، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.