دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 1. لماذا لا نكف عما شجر بين الصحابة

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابه كلهم لي مذهب وموده القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل سطع, لكنما الصديق منهم أفضل هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فنوحد، وإن ابتدعت فما عليك معول، وإن ابتدأت فما عليك معول.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه السلسلة الجديدة من الحلقات التي نتناول فيها عصر الفتنة بين الصحابة، قصة الفتنة الكبرى، وهو العصر الذي يبدأ من التمرد على عثمان رضي الله عنه وحتى استشهاد علي رضي الله عنه، والذي شهد معارك الفتن الكبرى، الفتن الأكبر في تاريخ المسلمين، الجمل وصفين. هذه الحلقة الأولى هي بمثابة التمهيد والتوطئة والمدخل إلى هذا الموضوع المهم.

منذ عشر سنوات تقريبا أو أكثر ربما، وانا يلح على ذهني أن أسجل هذه الحلقات عن هذا الموضوع. ولكني كنت مترددا في ذلك، الموقف الشرعي هو أن نسكت عما شجر بين الصحابة من الخلاف، وأن نححسن الظن بهم، وأنهم جميعا مجتهدون فيما وقع بينهم. لكن عبر هذه السنوات كانت تزداد في كل سنة الأسئلة التي تأتيني حول هذه المرحلة، وتزداد الشبهات كذلك، يعني تزداد شبهات حول هذه المرحلة التاريخية، حتى إنه ذات يوم أجريت استطلاع رأي بين المتابعين على فيسبوك وتويتر وشبكات التواصل بشكل عام عن أهم الأسئلة في التاريخ الإسلامي التي تجول في أذهانهم.

فكانت ثلاثة أرباع الأسئلة، يعني 75% منها، تتعلق بعصر الفتنة، بينما ربع الأسئلة فقط، يعني 25%، تنتشر في سائر التاريخ الإسلامي. لكم أن تتخيلوا أنه ثلاث أسئلة من كل أربع أسئلة تتعلق بهذه السنوات الخمس، بينما 1435 سنة من التاريخ يتعلق به سؤال واحد في أذهان السائلين، يعني سؤال واحد من كل أربع أسئلة، فكان هذا الموقف يعني أحد الأشياء التي نبهتني إلى خطورة الوضع.

في الواقع دائما ما تأتي الخشية من أنه الحديث في هذا الموضوع ينبه من كان غافلا عنه، والغفلة عن مثل هذه الموضوعات الشائكة هي من النعمه والفضل العافية في الدين لا تعدلها عافيه. وهذا الموضوع إذا لم يدخل فيه من كان أهل له فانه يخرج منه بجراحات، يخرج بإصابات ربما تأثر إيمانه، وأما إذا دخل فيه المرء متسلحا بالإيمان وبالعلم وبالعقل، فانه يخرج منه وقد ازداد إيمانا. فالصحابه رضي الله عنهم اجمعين، حتى في اختلافهم وقتالهم، كانوا أرقى وأسمى وأرفع النماذج البشرية.

كانت المشكلة، ويعني كان سبب التردد، أني خشيت أني إذا تكلمت في هذا الموضوع فإني أثيره لدى من كان في عافية من الله، يعني كان غافلا عنه، وطبعا أخشى أن أتحمل ذنب أحد ينتبه لهذا الموضوع بسبب ثم يضل فيه، وقد يخسر دينه إذا ضل كما حصل لكثيرين بالفعل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لكن الحوادث والأسئلة صارت تتوالى وتزداد يوميا، وانا أحكي لكم عن المحطات الكبرى التي جعلت هذا الموضوع يعني مثارا دائما.

المحطة الكبرى الأولى الغلو الشيعي. الغلو الشيعي والتمدد الإيراني المعاصر، طبعا تعرفون صار للشيعة دولة ودولة قوية اللي هي إيران، وهذه الدولة تعمل بجهد هائل لنشر التشيع، فلهذا انفجر في العالم الإسلامي كثير من الشبهات، يعني نحن بالفعل أمام تلال من الكتب والمقالات، وأمام سيل من المقاطع المرئية والخطب والدروس، حتى صار كثير من أهل السنة يتكلم عن معاويه رضي الله عنه باستخفاف واستهانه أو حتى بازدراء، بل وقع في هذا الفخ بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة مع الأسف الشديد.

ولم تقتصر الشبهات عند الصحابة الذين قاتلوا علي رضي الله عنهم أجمعين، مثل معاويه أو عمرو بن العاص أو عائشه وطلحة والزبير، لكن تمددت هذه الشبهات الشيعية حتى طالت من مات قبل الفتنة أو لم يشارك فيها أصلا، حتى خالد بن الوليد وحتى المغيرة بن شعبه وحتى أبو موسى الأشعري وحتى أسامة بن زيد أيضا تمددت إليه هذه الشبهات، بل تمددت أكثر وأكثر حتى وصلت إلى أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه، وأحيانا صرت تسمع في القنوات العربية في البلاد السنية طعنا صريحا حينا وخفيا أحيانا في هؤلاء الصحابة الكبار.

والإنسان، الإنسان إذا يتشكك في تاريخه تضرر وتأذى وفقد الثقه بنفسه وبأجداده، فكيف إذا كان هذا التاريخ بالنسبة لنا ليس مجرد تاريخ بل هو دين؟ التشكك في هذا التاريخ ليس مجرد ضرر في الدنيا أو ضرر على الوطنية، لكنه فوق ذلك ضياع في الآخرة وخسران للدين، فهذا الذي يبغض الصحابه أو يسبهم، يعني هذا يرتكب كبيرة ويخرج بها عن أهل السنة، وربما خرج عن الملة كلها. فيعني القصد أن دولة إيران بما سخرته من جهود عظيمة لنشر التشيع أدت إلى انتشار شبهات كثيرة.

في المقابل، فهذا التغول الإيراني بالذات في السنوات العشرين الأخيرة وبالذات في السنوات العشر الأخيرة، من بعد مرحلة احتلال العراق فيما بعد سوريا وفيما بعد اليمن، التدخل الإيراني في الثورة السورية وثم في اليمن، وما ظهر من الدموية والعنف والوحشية، يعني ما حصل في العراق من مذابح طائفية في أهل السنة، وما حصل في الشام، وما حصل في اليمن، وطبعا أقل من ذلك ما حصل في لبنان. كل هذا العنف الشديد ولد غلوا مقابلا، فظهرت من جديد طائفة كانت قد انقرضت واختفت وتلاشت، وهي طائفة النواصب. يعني هذه الطائفة الناصبية هي المقابل للطائفة الشيعية، الشيعة لديهم غلو في حب أهل البيت وفي تعظيمهم، لكن النواصب يكرهون عليا وآل البيت.

فقبل عشر سنوات كان الذي يتكلم في موضوع الفتنة يحتاج أن يعالج الموضوع بما يدفع شبهات الشيعة عن معاوية وعائشة وبقية الصحابة، لكن الآن مع بزوغ هذه الظاهرة، ظاهرة النواصب، فعلى الذي يعالج هذا الموضوع أن يضاعف جهده ليعالج شبهات الشيعة وشبهات النواصب أيضا. النواصب يرون أن عليا هو من حرض على الانقلاب على عثمان وعلى قتله، وأنه أول من تولى الخلافة بانقلاب غير شرعي، وأنه حمى قتلة عثمان، وأنه قاتل بهم بقية الصحابة. فهذه الفرقة النواصبية كانت موجودة في القرون الهجرية الأولى، وهي نفسها من نتائج الفتنة، هذه الفرقة كما خرج خوارج وكما خرج شيعة خرج أيضا نواصب.

لكنها كانت اختفت واستقر الأمر بين المسلمين على تعظيم علي وأنه هو الذي كان محقا ومصيبا، وأن من قاتله كان مخطئا مجتهدا متأولا، لكن الغلو الشيعي المعاصر بعثها إلى الحياة من جديد. أنا رايت بعض هؤلاء بنفسي، ووصل الحال حتى أن رأيت كتابا عنوانه فضائل الخليفة أو مناقب الخليفة يزيد بن معاوية، ورايت من يقول إن كل الكتب الإسلامية لم تخلو من أثر للشيعة بما في ذلك البخاري ومسلم. هذه طبعا هذا نفس طائفي هذا نفس ناصبي قصد، فهنا يعني هذا سبب مزدوج يجعل موضوع الفتنة موضوعا حيا ومثارا. هذا السبب الأول اللي هو التغول الإيراني وإثارته.

السبب الثاني هو الغلو العلماني، نحن أيضا في هذه اللحظة التي نتكلم فيها لا يوجد أبدا دولة واحدة تحمل مذهب أهل السنة والجماعة وتنافح عنه، حتى الدول السنية الحالية أنظمتها علمانية ووسائل إعلامها تروج للعلمانية. فيعني إذا نظرنا إلى القنوات والصحافة ووزارات الثقافة والتعليم والاعلام فلن تجد إلا العلمانيين ويروجون الأفكار العلمانية. فإن كان الشيعة يريدون هدم الصحابة الذين خالفوا عليا رضي الله عنه، فالعلمانيون يريدون هدم الصحابة كلهم، صحابة على الجملة.

طبعا هم يريدون هدم الدين أصلا، فالصحابه وسيلتهم إلى الدين، فهؤلاء لا يريدون سماع كلمة لا عن الدين ولا عن الدولة الإسلامية ولا عن الخلافة ولا عن تطبيق الشريعة، ولهذا فأول ما يحاولون التعلق به وإثارته هو الفتنة، الفتنة التي وقعت بين الصحابة، يريدون أن يقولوا إنه الصحابة تقاتلوا للدنيا، والصحابة تقاتلوا على المناصب، والصحابة لم يكونوا أهل دين وتقوى. هذا مع أنه مجرد القتال أمر يقع في جميع الدول والاديان والمذاهب، يعني العلمانيون، الدول العلمانية تقاتلت ونشات بينهم الحروب، بينهم الحروب الشنيعة، الحرب العالمية الأولى، الحرب العالمية الثانية، كل هذه كانت بين أنظمة علمانية في حقيقة الأمر، ومع ذلك لم تؤثر هذه الحروب في العلمانيين ثم جعلتهم يتركون العلمانية مثلا، وكذلك النصارى تقاتلوا، الملحدون تقاتلوا، الفكرة أنه وقوع القتال هو ظاهرة بشرية حصلت في كل الأديان وفي كل الأمم، ولا تكفي دليلا على تشويه الدين.

لذلك مع هذا الغلو العلماني لا يكاد يمضي شهر أو شهران إلا وتجد أحדם قد انبعث في صحيفة أو في برنامج أو في حسابه حتى على مواقع التواصل، وغالبا ما يكون حساب ممول ليتكلم في هذا الموضوع أو ليطعن في أحد من الصحابة. طبعا الأمر وصل إلى حد خطير هذا العام، وهو أنه هناك صحفي مصري ومعروف بالنفاق كتب مسلسلا عن معاوية رضي الله عنه سيعرض هذا العام وبإنتاج ضخم سمعته رقما هائلا، وطبعا هذا الذي دفع الأموال الهائلة لا يعرف بالدين ولا بالتقوى بل يعرف بعكس ذلك في واقع الأمر، لا الكاتب ذو دين ولا صاحب المال، وبالطبع ولا الممثلون، الممثلون مجرد أدوات ناطقة لما كتبه المؤلف، والله أعلم لا ندري ماذا سيفعلون.

وأيضا حصل في هذا العام مثلما كتب أحدهم مسلسل معاوية، أصلا مؤسسة شيعية أخرى أيضا أنتجت فيلما خطيرا عن السيدة عائشة رضي الله عنها سمعت عنه بعض التقارير سيبث ربما في هذا الشهر شهر رمضان أو ربما بعده. خطورة الفكرة، خطورة الأمر، أن هذه الشبهات صارت الآن لا تدخل من جهة العقل بل تدخل من جهة النفس والشعور والمؤثرات العاطفية، المشاهد المسكين لا يسمع كلاما يبدو منطقيا ومزخرفا يخاطب العقل، بل ستدخل إليه المعاني وتدخل إليه الشبهات بالموسيقى التصويرية ودرجة الإضاءة وحركة الكاميرا ودموع الممثلة إلى آخر هذه الأمور، وهذه أخطر وأشد، أخطر وأشد، أخطر وأشد، لأنه إزالة الشبهة العقلية أشد من إزالة الشبهة التي تمكنت في النفس وصنعت المشاعر وصارت جزءا من التفكير غير الواعي.

يعني الآن احنا ذكرنا سببين كبيرين، فكرة الغلو الشيعي والتمدد الإيراني وما أثاره من شبهات خطيرة وما ولده من غلو مقابل عند جديد الشبهة الناصبية، والسبب الثاني الهيمنة العلمانية على دولنا الإسلامية والتي تثير الشبهات على الصحابة بل على الدين كله، فالصحابة أحد مداخلهم ووسائلهم، وعصر الفتنة هذا أحد العصور التي يتكئون عليها لتكون حجة لهم في نفي الدين كله.

وتعَالوا أحدثكم عن السبب الثالث الكبير، ومع أنه هذا السبب الثالث هو الأقل والاضعف في الامكانيات، إلا أنه جبهتنا الداخلية مع الأسف الشديد هو جبهتنا الداخلية. لما جاءت الثورات العربية ونجحت في بدايتها نجاحا جزئيا ثم أخفقت بعد ذلك، كان عبادها الشباب الناظر القوي المتحمس وفي القلب منهم الشباب المسلم الفدائي، مع كل أسف وجد في بيئة المثقفين الإسلاميين وفي بيئة المنتسبين إلى العلم والدعوة من يعني فهم وسعى في أفهم هؤلاء الشباب أنهم بهذه الثورات يصححون الخطأ الذي ارتكبه معاوية قبل 1400 عام، وأنهم الآن يعيدونها شورى من بعد ما حولها معاوية إلى استبداد وظلم وطغيان. هذه الصورة صورة فاحشة الغلط، صورة خاطئة تماما، وأنا لم أر واحدا من الذين يحملون هذه الفكرة لديه تصور ولو متوسط لا أقول جيد ولو متوسط عن حقيقة ما جرى في التاريخ في هذه الفترة.

يعني غالب ما عندهم أفكار وتهويمات وخيالات واستنتاجات وعبارات عاطفية فقط، لذلك ظن كثير من الشباب أنهم يقومون بالانجاز التاريخي الكبير الذي أخفق فيه الصحابة، طبعا كفى بهذا غرورا وكفى بهذا جهلا أصلا. ثم لما أخفقت وأخفقت الثورات العربية ظن هؤلاء وظن معهم كثير من هؤلاء المثقفين أنهم، أنهم إنما أخفقت إنما أخفقت لثقل الميراث الاستبداد والظلم الذي أسس لهم معاوية ورضي به الصحابة وشرعنه العلماء عبر التاريخ الإسلامي. وتحت ثقل الهزيمة النفسية التي تصاحب هذه الهشاشة العلمية والهشاشة العقلية فكثير منهم تشكك في دينه وبعضهم خرج بالفعل من الدين، كثيرون كثيرون جدا.

حين كتبوا في هذه الفترة أحلامهم لدولة المستقبل توقفوا عند الفتنة، وظنوا وهم يكتبون أنهم كانوا أكثر ذكا وأحسن دينا من الصحابة، فخرجت منهم أفكار وألفاظ نسال الله تبارك وتعالى أن يغفرها لهم وأن يتوبوا منها، لكن كلهم، كلهم لا أقول أغلبهم، كلهم تراه ثوريا على الورق واتجاه الماضي، بينما واقعيا، طبعا أقصد فئة المثقفين الإسلاميين والمنظرين، تراه ثوريا على الورق وثوري تجاه الماضي، أما في الواقع، يعني في حياته العملية، تجد أنه يراعي الظروف ويهادن الملوك ويحترم الدستور والقانون حتى لو كان هذا القانون قانون ظالم، لا حول ولا قوة إلا بالله.

هذه الأسباب الثلاثة، الإيراني والغلو الشيعي والتمدد الإيراني وما ولدهم تطرف مقابل الهيمنة العلمانية، وكذلك ما حصل في حياتنا الواقعية وما أصاب جبهتنا الداخلية، هذه الأسباب الثلاثة تجمعت بقوة في هذه السنوات الأخيرة، فجعلت مسألة الفتنة مثار دائما. هذه السلسلة، سلسلة الحلقات التي نقدمها، جاءت تحت ضغط هذا الواقع تحاول أن تشرح مسألة الفتنة شرحا هادئا وموضوعيا وتلقي النظر على الموضوع من جهاته المختلفة.

يعني نحن نريد أن نقدم صورة للفتنة هدفها بيان إلى أي حد كانت المشكلة مشكلة شائكة وغامضة ومعقدة، وكان الحق فيها ملتبسا، ولم يكن الحق فيها واضحا ولا بينا. سيتفاجأ كثيرون أنه لولا النصوص النبوية التي تصرح بأن الحق مع علي رضي الله عنه، فالقراءة التاريخية كانت ستكون إلى جانب معاوية ضد علي رضي الله عنهم أجمعين. سيتفاجأ أنه أصلا كثيرون سيتفاجئون بغرابه سياسة سيدنا علي رضي الله عنه في الفتنة وأنها سياسة غير مفهومة ومثيرة للتساؤل، وسيرى كثيرون كيف أن المسلة اختلف فيها الصحابة على ثلاث فرق، فرقة كانت مع علي وفرقة كانت ضد علي وفرقة اعتزلت.

الفتنة ولم يتبين لها وجه الصواب فيها. والآن أنت الآن إذا رأيت خبراء أي مجال اختلفوا في قضية ما على ثلاث مواقف؛ مع وضد وقسم لا يدري، فمن الجهل والغرور أن تتصور أو أن تزعم أنه الحق واضح.

يعني نحن الآن بعد 1400 سنة من هذه الأحداث، كيف يتصور أحدنا أنه يستطيع تمييز الحق في أمر اختلف فيه صفوة الأمة دينا وعقلا؟ كيف يتصور ذلك؟ هذا من الجهل والغرور.

هنا ليس هدفي في هذه الحلقات أن أثبت أن عليا كان مصيبا أو أن معاوية كان مخطئا، هذا أمر ثابت بالنصوص النبوية الصحيحة هذا أمر منتهي. هدفي أن أوضح كيف كان ينظر علي للفتنة، وكيف كان ينظر معاوية للفتنة، وكيف كان ينظر بقية الصحابة للفتنة، لماذا وقع بينهم القتال مع أنهم جميعا أرادوا الحق؟

وها هنا المسألة يا أحبابي يجب أن نعرفها أيضا، مرحلة الخلافة الراشدة مرحلة تمثل القدوة في إدارة الحكم والدولة في غياب النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي. مرحلة تمثل القدوة في إدارة الحكم والدولة في غياب النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، يعني فترة الخلافة الراشدة هي الفترة المتممة للعهد النبوي، هي خلافة على منهاج النبوة وهي بالتأكيد مرحلة ضرورية لابد منها لكي يتعلم المسلمون كيف يسيرون حياتهم من خلال الاجتهاد البشري وحده.

ولهذا فترة الخلافة الراشدة شملت كل مراحل الدولة لكي يقتدي بها المسلمون في سائر المراحل، يعني شهدت مرحلة الولادة والصعود والتمكن وهذا كان في عهد أبي بكر وعمر وعثمان. وشهدت كذلك مرحلة الفتنة والأفول وهذا كان في آخر سنوات سيدنا عثمان وفي عهد علي رضي الله عنه صحابة النبي أجمعين، فهؤلاء الخلفاء الأربعة هم قدوة المسلمين في سائر عصورهم وهم مبشرون بالجنة وكلهم من السابقين إلى الإسلام.

يعني أنه سبق الحكم لهم بالصلاح حكم الله تبارك وتعالى، ولذلك تقييم هؤلاء ليس كتقييم أي أحد من الشخصيات التاريخية الأخرى؛ لأننا نعرف حقيقة أحوالها، هؤلاء الصحابة بخلاف بقية الشخصيات التاريخية الأخرى، بقية الشخصيات التاريخية لا نعرف منها إلا الظاهر، لكن هؤلاء الصحابة نعرف أن باطنهم صالح بما قاله الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

الفكرة هنا أنه كان لابد أن تكون أمامنا فترة تمثل القدوة نرى فيها كيف يتعامل المسلمون في خلافاتهم بل حتى كيف يتعاملون في حروبهم وقتالهم، وهذا إن شاء الله سنركز عليه في الحلقات القادمة. لكن قصدت القول الآن أنه هذه السلسلة غرضها بوضوح أن تشرح تعقد الموضوع وأنه الأمر لم يكن سهلا ولم يكن واضحا كما يتصور كثيرون من المعاصرين، وأن الصحابة حين تقاتلوا إنما فعلوا ذلك لإحقاق الحق، كل واحد منهم كان يريد أن يحق الحق بحسب ما كان يتصوره وبحسب اجتهاده.

هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله: فإن اتبعت سبيلهم فنوحد، وإن ابتدعت فما عليك معوج.