دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 34 - مقدمة شرح قواعد الأصول تكملة (لا )العاملة عمل ( إنَّ ) ظن و أخواتها إِبراهِيم رفِيق

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا المسير في باب لا النافية للجنس.

أيها الأحبة، بينا في الدرس الماضي المبدأ الذي تنطلق منه لا النافية للجنس، وعرفنا أن الصحيح في تسميتها، أو الأفضل في تسميتها، تسمى «لا» التي تعمل عمل «إن»، أو نخصص فنقول «لا النافية للجنس»؛ لأن أنواع «لا» الأخرى قد تقوى على نفي الجنس، لكن الفرق بين «لا» التي تعمل عمل «إن» وبين أنواع «لا» الأخرى النافية التي تقوى على نفي الجنس ما هو؟ «لا» التي تعمل عمل «إن» هي بذاتها نص في ماذا؟ في نفي الجنس، نص يعني قطع بنفي الجنس.

أنواع «لا» الأخرى قد تأتي لنفي في الظاهر، وقد تأتي لنفي الوحدة، وقد تكون نصًا لنفي الجنس في حالة واحدة وهي إذا جاءت النكرة بعدها مجرورة بـ «من» الزائدة. فأنواع «لا» الأخرى ليست مثل هذا النوع الذي يعمل عمل «إن»، لذلك خصصوها وقالوا هي «لا النافية للجنس».

من سماها هو الأكثر، قالوا «لا النافية للجنس». لماذا خصصوها بهذه التسمية مع أن أنواعنا الأخرى تقوى في الجنس؟ لأنها نص مباشرة، باختصار لا تكون إلا نصًا في نفي الجنس. وأما أنواع «لا» النافية الأخرى التي لا تعمل عمل «إن»، فقد تنفي الجنس نصًا بشرط أن تكون النكرة مجرورة بـ «من»، وقد تنفي الجنس ظاهرًا، وقد تنفي الوحدة، فلها عدة احتمالات. أما هذه فهي مختصة بنفي الجنس على سبيل التنصيص، كأنهم لذلك خصصوها بقولهم «لا النافية للجنس».

ولكن ابن مالك كما قلنا خرج من ذلك حين قال في شرعه أو في تعليقه على ابن الحاجب: «لا التي تعمل عمل إن»، وأراح نفسه حتى يخرج من كل هذه المؤاخذات والاعتراضات على التسمية.

ثم عرفنا في الدرس الماضي أن هذه «لا» تعمل عمل «إن»، تنصب اسمًا وترفع خبرًا، لكن اسمها له ثلاثة أنواع: إما أن يكون اسمها مفردًا، والمفرد هنا يقابل المضاف والشبيه بالمضاف؛ فانتبهوا، المفرد هنا في هذا الباب ما يقابل المضاف والشبيه بالمضاف. فإذا كان اسمها مفردًا فإنه يبنى على ما ينصب به في محل نصب. وأما إذا كان مضافًا فلا يكون، فيكون معربًا منصوبًا. وإذا كان شبيهًا بالمضاف -وعرفنا ما معنى الشبيه بالمضاف وهو ما اتصل به لفظ من تمام معناه- فإنه أيضًا معربًا منصوبًا.

ثم بعد أن عرفنا هذه الأحكام، وعرفنا أيضًا أن هناك شروطًا حتى تكون «لا» تعمل عمل «إن»، ألم يقل ينبغي أن تكون «لا» المراد التنصيص على نفي الجنس، وأن يكون اسمها وخبرها نكرة، وأن يكون الاسم مقدمًا على الخبر؟ هذه شروط ذكرناها.

ثم انتقلنا بعد كل هذه القضية، وهي أخذت منا وقتًا في بيان التأصيل للجنس وتأصيلها وعلاقتها بأنواعها الأخرى، انتقلنا إلى مسألة -لا حول ولا قوة إلا بالله- مسألة شهيرة الذكر في هذه الأبواب، وهي مسألة إذا تكررت «لا». فقعدنا قاعدة عامة أيها الأحبة، قلنا إذا كانت «لا» توفرت فيها جميع شروط إعمالها عمل «إن»، ولكن تكررت، في حالة تكرارها هنا قاعدة: إذا كانت «لا» مستوفية لشروط العمل ولكنها تكررت، القاعدة تقول يجوز إعمالها عمل «إن» ويجوز إهمالها.

ما معنى إهمالها؟ أي لا تعمل عمل «إن»، وهذا بينته في الدرس الماضي، وكانت قاعدة مهمة في هذا المبحث. قضية التكرار إذا كانت «لا» مستوفية لشروط عملها ولكن تم تكرارها، في حالة التكرار هنا نقول: «لا» الأولى يجوز إعمالها عمل «إن» ويجوز إهمالها.

وانطلقنا من خلال هذه القاعدة في بيان الأحوال الإعرابية لـ «لا» -لا حول ولا قوة إلا بالله-. وقلت لكم سريعًا أن مسائل تكرار «لا» في الحقيقة أربعة من حيث الاحتمال العقلي؛ لأن الاحتمالات أربعة: يمكن أن تكون «لا» الأولى اسمها مفردًا والثانية اسمها مفردًا أيضًا، ويمكن أن تكون «لا» الأولى مفردًا والثانية مضافًا أو شبيهًا بالمضاف، ويمكن أن تكون «لا» الأولى مضافًا أو شبيهًا والثانية مفردًا، ويمكن أن تكون «لا» الأولى مضافًا أو شبيهًا والثانية أيضًا مضافًا أو شبيهًا.

وكل مسألة لها أحكامها حقيقة وبطريقة التعامل معها من حيث الأوجه الإعرابية المحتملة. لكن ابن هشام اقتصر على بيان الحالة الأولى حتى لا يطول الكلام ويتشعب، ومن فهم فكرة الحالة الأولى في الحقيقة أيها الأحبة، الأرجح أنه سيستطيع وحده أن يستنتج الأحوال الأخرى إذا كان فاهمًا فكرة «لا» النافية بالضبط، وكيف تعمل في المفرد والمضاف والشبيه بالمضاف.

فأنا أرى أن الطالب يختبر نفسه فيها، ثم بعد ذلك يراجع المصنفات، وأنا لن أذكرها حتى لا أطيل عليكم، وإنما اقتصر على ما اقتصر عليه ابن هشام وهو بيان التكرار له في حالة أن تكون «لا» الأولى مفردًا والثانية مفردًا، أما الحالات الثلاث الأخرى فهي للبحث، وإن شاء الله ربما نجلس معها في المطولات.

فقلنا أيها الأحبة، مثال التكرار ويكون بعد «لا» الأولى «لا» والثانية مفرد، المثال المشهور: «لا إله إلا الله»، فهنا «لا» الأولى دخلت على مفرد، والثانية مفرد. فقلنا بما أن «لا» الأولى هل توفرت شروط إعمالها عمل «إن»؟ نعم، الجنس وبعدها نكرة، توفرت جميع الشروط، لكن المشكلة أنها تكررت مرة ثانية، وفي حالة التكرار نقول: «لا» الأولى يجوز إعمالها ويجوز إهمالها.

هذه القاعدة في حالة التكرار ممتازة. إذا عملناها، ماذا سيحدث؟ عندما أقول: «لا حولَ ولا قوةَ»، إذاً ماذا سيحدث؟ إذا أعملنا الأولى، سيبنى الاسم الواقع بعدها على الفتح في محل نصب. فهذه هي الحالة الأولى؛ أن نُعملها، فيُبنى ما بعدها على الفتح أو على ما يُنصب به في محل نصب. إذا اخترت الإعمال، سيبنى ما بعدها.

في حالة بناء ما بعدها، هناك احتمالات في الاسم الواقع بعد «لا» الثانية؛ وهناك ثلاث احتمالات. أما إذا اخترت الإعمال، فالفتح بالنسبة للواقع بعدها له عدة احتمالات: الأولى الفتح، «ولا قوةَ»، ويجوز أن تختار النصب فتقول «ولا قوةَ»، لماذا النصب؟ وما هو التوجيه الإعرابي؟ يكون «قوة» منصوباً معطوفاً على محل «حول»؛ لأن «حول» مبنية على الفتح في محل نصب، فتقول: «ولا قوةَ» منصوبة معطوفة على محل «حول» وليس على لفظها، لأن لفظها مبني.

والحالة الثالثة قلنا ما هي؟ الرفع: «لا قوةَ». وإذا قلنا بالرفع، فإن الأوجه الإعرابية وتخريجها في الذهن مهمة. إذا قلنا بالرفع، «لا قوةَ»، عندنا عدة توجيهات إعرابية: الاحتمال الأول أن تكون «قوة» مبتدأ والخبر محذوف، ويكون «لا قوة» جملة كاملة معطوفة على الجملة الأولى «لا حول» كاملة. الاحتمال الثاني أن تكون «قوة» اسم «لا» التي تعمل عمل «ليس»، والخبر محذوف، وتكون جملة «لا قوة» أيضاً معطوفة على جملة «لا حول» كاملة.

وهناك وجه ثالث للرفع، وهو وجه مهم لأنه غريب عليكم: أن تكون «قوة» معطوفة على محل «لا» الأولى مع اسمها. سيبويه -رحمه الله- يرى أن «لا» مع اسمها، و«لا» الأولى مع اسمها، في محل رفع مبتدأ، وهذا له مناقشات، وهناك من نصر سيبويه في هذه القضية، فإذا كانت صحيحة يوافق عليها، لكن فيها خلاف. أما ابن هشام كأنه يلاحظ سيبويه على هذه القضية، فيرى أن «لا» الأولى مع اسمها في محل رفع مبتدأ؛ فاحفظها هكذا لتفهمها: «لا» الأولى في محل رفع، فتكون «قوة» بالرفع معطوفة على محل «لا» الأولى مع اسمها، فيكون مرفوعاً على مرفوع. فهذه ثلاث تخريجات للرفع، واضحة؟

إذا عرفنا تخريجات الرفع، وعرفنا تخريج النصب، وعرفنا تخريج الفتح، فإنه واضح. الحالة الثانية: إذا قلت لي إن «لا» الأولى استوفت شروط العمل وتكررت، يجوز إعمالها ويجوز إهمالها. خلصنا من الحالة الأولى وهي الإعمال، في الحالة الثانية لو قلنا إنها أُهملت، ماذا سيحدث في «حول»؟ سترتفع. إذا أهملت الأولى، فسترتفع كلمة «حول».

سترْتفع على ماذا؟ هناك احتمالان لرفعها. الاحتمال الأول أن تُرفع على أنها مبتدأ، وهذا هو الظاهر، والخبر محذوف. والاحتمال الثاني أن تُرفع علامة أخرى، لكن اعتبروه الآن مبتدأ، نقول: «حول» مبتدأ والخبر محذوف. إذا أهملت «لا» الأولى وارتفعت «حول»، ماذا سيحدث في الاسم الواقع بعد «لا» الثانية؟ الاحتمال الأول أن يُبنى على الفتح؛ فهنا أنا أعملت «لا» الثانية عمل الأولى، فتكون «لا قوةَ» إعمالاً للثانية، وأهملت الأولى، فأقول: «لا قوةَ» اسم «لا» مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، وجملة معطوفة على جملة.

الاختيار الثاني هو أن لا أعمل الثانية، وتكون «قوة» مرفوعة: «لا حولَ ولا قوةُ». وماذا عن التخريجات للرفع؟ نفس القول: «قوة» مبتدأ والخبر محذوف وتكون عطف جمل على جمل، أو «قوة» اسم «لا» التي تعمل عمل «ليس» والخبر محذوف وتكون جملة معطوفة على جملة، أو يوجد خيار ثالث هنا؛ أن تكون «قوة» معطوفة على «حول» وحدها، لأن «حول» ليست مرفوعة، فيصلح أن تكون «قوة» معطوفة عليها، فتكون «قوة» وحدها معطوفة على «حول»، ويكون من قبيل عطف المفردات، فنقول: «حولٌ قوةٌ» مفردة معطوفة على «حول» المفردة.

هل يمكن إذا أهملت الأولى أن ينصب الاسم الواقع بعد «لا» الثانية؟ نقول: «ولا قوةَ»؟ لا، ليس له وجه. لماذا؟ لأنه عندما كنت أعمل الأولى، كان نصب الاسم بعد «لا» الثانية له وجه، وهو أنه يعطف على محل الاسم الواقع بعد «لا» الأولى، لأنه مبني في محل نصب. لكن إذا أهملنا الأولى، لا أستطيع أن أنصب الاسم الواقع بعد الثانية؛ فعلى ماذا سأنصبه؟ لا يوجد شيء يعمل فيه النصب إلا ما كان سابقاً، وهل يوجد هنا «حول» في محل نصب حتى أعطف عليه «قوة»؟ لا، فأنا أصلاً لم أعمل الأولى، فـ«حول» مرفوعة، فلا يوجد لها محل نصب، فلا توجد احتمالية النصب في «قوة». فلذلك إذا أهملت «لا» الأولى، فإن الاسم الواقع بعد «لا» الثانية إما أن يُبنى على الفتح، وإما أن يُرفع.

مرور سريع على ما ذكرناه في المحاضرة السابقة. الآن أيها الأحبة، نحن قلنا إن «لا» النافية للجنس التي تعمل عمل «إن» إذا استوفت شروط عملها وتكررت، جاز إعمالها وجاز إهمالها. طيب، إذا لم تتكرر وكانت مستوفية لشروط عملها، يجب إعمالها. هنا ذكر ابن هشام قضية أنه إذا استوفت شروط عملها ولم تتكرر، ثم جاء بعدها عطف على اسمها، مثل: «لا حولَ ولا قوةَ بالله»، حيث عطف على اسم «لا» النافية للجنس من دون تكرار. هنا خلاص، بما أنها لم تتكرر، يجب إعمال «لا» النافية للجنس، وقطعاً لا يوجد لها إلا وجه واحد، وهو البناء على الفتح في محل نصب.

فـ«قوة» المعطوفة على «حول»، ما أوجهها الإعرابية؟ كل هذا تمرين ذهني مهم. هنا يجب الإعمال، فلا «حول» إلا البناء على الفتح في محل نصب، والاسم المعطوف على «حول» وهو «قوة». ما الأوجه الإعرابية الآن؟ الوجه الأول في «قوة» أن يكون منصوباً، فتقول: «قوةَ»، فما هو التخريج الإعرابي لنصبها؟ نفس الشيء، أنه معطوف على محل اسم «لا». الوجه الثاني أن يُرفع.

ما هو التخريج الإعرابي؟ هل هو معطوف على محله مع اسمها؟ قوة معطوف على محل لا مع اسمها التي هي الرئسية؟ ممتاز. هل يمكن أن نبني «قوة» على الفتح؟ نقول: «لا حولَ وقوةَ»؟ لا، ليس ممكناً. لماذا؟ هل السبب عودة الفتح؟ هو ليس اسم «لا» النافية للجنس، ولا توجد «لا» حتى يبنى معها على الفتح في محل نصب؛ لأن البناء معناه أنه عمل.

هل من الضروري أن يكون الاسم مفرداً؟ لا، ليس بالضرورة، ولكن لا ينفع في عطف المفردات أن أقول «وقوة» وأبنيها حتى أعطف على «حول»؛ هذه القضية لا تنفع في المفردات. إذا أردت أن أقول «قوته» فمعناه أن هناك «لا» نافية للجنس قبله، هي التي جعلته مبنياً على الفتح في محل نصب. وهنا نحن لم نحذفها، بل نقول: «لا حولَ ولا قوةَ».

أنا أفهم القضية؛ هم يتساءلون: لماذا بنيت «حول» هنا؟ لماذا؟ لأن «لا» النافية للجنس إذا كان اسمها مفرداً وليس مضافاً، فإنه يبنى. لماذا يبنى؟ قالوا لأنه يركب مع «لا» التي قبله، أي له تركيب معها. فهنا لأن «لا» جاءت قبل «حول»، نستطيع أن نركبها. ونفس الشيء في قضية «لا حولَ ولا قوةَ»؛ لما كررنا «لا»، قلنا: «لا قوةَ»، نستطيع أن نركبها مع التي قبلها، والتركيب هو الذي سبب البناء.

لكن هنا «قوة» لا يوجد قبلها «لا»، فبماذا سأركبها؟ لا يوجد شيء أركبها معه حتى نسوغ البناء. «حول» بنيت لأن تركيبها مع «لا» التي قبلها هو سبب البناء، وهنا «قوة» لا يسوغ بناؤها لأنه لا توجد «لا» قبلها يمكن التركيب معها. لكن قبل قليل، لما كررت «لا» في «لا حولَ ولا قوةَ»، استطعت أن أبني «قوة» بسبب وجود «لا» قبلها التي تقبل التركيب معها.

هذه فقط على السريع، وأعود إلى ابن هشام. انظر ماذا قال؛ هذا الموضع هو الأول الذي قرأناه، وهو «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله» من الدرس الماضي. ننتقل لمحاضرة اليوم، حيث قال ابن هشام رحمه الله: «فإن لم تتكرر لا مع النكرة الثانية -مثل ما هو على السبورة- لا حولَ ولا قوةَ، لا حولَ وقوةَ من دون تكرارها، فإن لم تتكرر لا مع النكرة الثانية لم يجز في الأولى الرفع».

لماذا؟ لأنه يجب إعمال الأولى. ابن هشام لم يصرح بهذه القاعدة التي أقولها لكم، لكنها مفهومة من ضمن كلامه ومن كلام غيره. يهمني أن تفهم أنه في حالة تكرار «لا»، جاز الإهمال، والإهمال لأنك إذا رفعت «حول» فمعناه أنك أهملت «لا» ولم تعملها عمل «لا» النافية للجنس. أما إذا بنيت «حول» فمعناه أنني أعملت «لا». مصطلح الإعمال والإهمال لم يستخدمه ابن هشام، ولكني استخدمته وهو يريده ويقصده. لذا أحبذ عليك أن تعلق بهذا الكلام هنا: إن لم تتكرر «لا» مع النكرة الثانية لم يجز في الأولى الرفع؛ لأنه يجب إعمال الأولى.

ولم يجز الرفع لأنه يعني الإهمال، وهنا لن تتكرر «لا»، وإذا لم تتكرر «لا» يجب الإعمال. إذا لم يجز في الأولى الرفع، فماذا يكون؟ لابد أن تُبنى الأولى، والثاني وهو المعطوف على الأول، مثل «لا حولَ وقوةَ»، المعطوف يجوز فيه الرفع كما بينا على السبورة، ولا يجوز البناء؛ لذلك قال: «ولا في الفتح»، ويقصد به البناء على الفتح في محل نصب، لأنه لا توجد «لا» قبله يمكن أن يركب معها. فتقول: «لا حولَ وقوةَ» بفتح «قوة»؛ لأن «لا» التي قبلها عاملة فيها، أو رفعها. قال الشاعر: فلا أبٌّ وابنٌ مثل مروانَ وابنهِ ويجوز في هذا البيت أن تقول: «فلا أبٌّ وابنٌ».

انتهينا من هذه المسألة، وننتقل إلى المسألة الأخيرة في بابنا، وهي مسألة في «لا» النافية للجنس، وهي أيضاً مسألة فيها أوجه إعرابية. ما شروطها وما قيودها؟ انتبهوا جيداً. قال: «وإن كان اسمه لا مفرداً». هذا هو القيد الأول؛ إذا جاءت «لا» النافية للجنس وجاء اسمها مفرداً، ومعنى مفرد هنا: ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف. ونعت هذا الاسم يكون مفرداً أيضاً، وهذا ما ذكره ابن هشام، أي أن النعت يكون مفرداً أيضاً، ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف.

هذا تنبيه في محله، لأنني استغربت حقيقة أن هذا قيد مهم. يقول ابن مالك في الألفية: ومفرداً نعتل مبني يلي ... فافتح أو انصبا أو ارفع تعدل وغير ما يليه غير المفرد ... لا تبن منصبه أو الرفع اقصد لقد استغربت أن قضية نوعية لم تقيد بمفرد هنا، فالأخ ينبهنا أن في بعض نسخ قطر الندى قيداً: «وإن كان اسمها مفرداً ونعتها مفرداً». هذا القيد في محله، ويبدو أن هناك سقْطاً في النسخ الأخرى. فالشرط الثاني أن يكون النعت مفرداً أيضاً، والشرط الثالث: «ولم يفصل بينهما فاصل»، أي لا يوجد فاصل بين اسم «لا» وبين نعتها.

إذا توفرت هذه الشروط الثلاثة، نضرب مثلاً: «لا رجلَ ظريفٍ في الدار» (باعتباره مضافاً)، أو «لا رجلاً ظريفاً في الدار» (باعتباره شبيهاً بالمضاف). لاحظوا أيها الأحبة حينما نقول: «لا رجلَ ظريفَ في الدار»، هنا «ظريف» خبر، واسمها مفرد ونعتها مفرد أيضاً، ولا يوجد فاصل بين «رجل» و«ظريف».

الآن الكلام سينصب على النعت؛ ما هي الأوجه الإعرابية المحتملة للنعت في هذه الحالة؟ كلمة «ظريف»؛ يقول ابن مالك في الألفية: «ومفرداً نعتل مبني يلي فافتح أو انصبا أو ارفع». يجوز في كلمة «ظريف» ثلاثة أوجه إعرابية: يجوز البناء على الفتح، ويجوز الرفع، ويجوز النصب. فيبدأ بالرفع، ويجوز أن أقول: «لا رجلَ ظريفاً في الدار». وما توجيه النصب هنا؟ «رجل» مبني على الفتح في محل نصب، فجاءت «ظريفاً» منصوبة اتباعاً للمحل وليست للفظ.

فاتبعًا لمحل "رجل" وليس لفظها، قالوا: يجوز "ظريفًا" بالنصب اتباعًا للمحل وليس للفظ؛ لأن "رجل" مبنية في محل نصب، فتكون "ظريفًا" جاءت متبعة للمحل وليست للفظ. هذا التخريج الأول.

يجوز الرفع، تقول: "لا رجلُ ظريفٌ"؛ وتخريج هذا الرفع يكون على محل "لا" مع اسمها، أي نعت لمحل "لا" مع اسمها؛ لأن سيبويه يرى أن "لا" مع اسمها في محل رفع مبتدأ، فـ "ظريفٌ" تكون مرفوعة نعت لمحل "لا" مع اسمها؛ لأن سيبويه يرى أن "لا" مع اسمها محلها الرفع.

ماذا تخرجون؟ يجوز أن نقول: "لا رجلَ ظريفةٌ" بدون تنوين، بناءً على الفتح؛ "لا رجلَ ظريفةٌ". هنا قضية التنوين، أظن أنها مفهومة عند الطالب النجيب، لكن أحيانًا تحتاج إلى إعادة تركيز. لماذا عندما يكون النصب هناك تنوين؟ وعندما يكون البناء لا يكون تنوين؟

لأن هذا التنوين هو تنوين التمكين، الذي يدل على أن هذه الكلمة معربة. أما عندما تكون مبنية، فماذا نريد؟ نحن نريد التمكين، والتنوين هو الذي يدخل على الاسم المعرب المنصرف، غير الممنوع من الصرف؛ فدائمًا الاسم المعرب ينون إلا إذا كان ممنوعًا من الصرف. فإذا أصبح الاسم مبنيًا فإنه لا ينون، يجب حذف التنوين. لماذا؟ لأن التنوين هو دلالة على أن الاسم معرب، أي أن الاسم متمكن. فإذا أصبح الاسم مبنيًا، مثل "رجل" عندما أصبحت مبنية، يجب أن أحذف التنوين؛ لأنه لو أبقيت التنوين فكأنما تقول إن الاسم معرب، وأنا عندما أرى تنوينًا على كلمة...

أنواع التنوين: تنوين التنكير الذي يدخل على أسماء الأفعال، وتنوين العوض، وتنوين المقابلة لجمع المؤنث السالم، وغير ذلك، ثم تنوين التمكين. فكل اسم عربي فيه تنوين تمكين معناه أن هذا الاسم معرب مباشرة، إذا حذفت منه هذا التنوين في غير حالة دخول "أل" التعريف عليه أو الإضافة، فمعناه أنه مبني. إذا وجد اسم ليس فيه "أل" ولا هو مضاف ولكنه ليس منونًا، فمعناه أنه مبني.

ينبغي أن تفهم هذه الأمور وتصبح لديك محكمة بناءً على طبيعة التنوين وفائدته في الاسم. قلنا سابقًا إن الاسم الذي يدخل عليه تنوين التمكين هو الاسم المعرب المنصرف. هل هناك اسم معرب لا يوجد فيه تنوين؟ نقول: إذا كان ممنوعًا من الصرف. لكن "رجل" ليست ممنوعة من الصرف. فلماذا حذف التنوين من "رجل"؟

إذا أردت العودة إلى عملية الحصر: "رجل" جاءت "لا رجلَ ظريفةٌ" بدون تنوين، هل هي ممنوعة من الصرف؟ لا. هل هناك علة في بدايتها؟ لا. هل هي مضافة إلى شيء بعدها؟ لا. فلماذا حذف التنوين؟ لأنها مبنية. إذن، حذف التنوين كان للدلالة على البناء. فهذه قضية مهمة أن تفرق: لماذا هنا نعيد التنوين "ظريفًا"؟ ولماذا نقول "ظريفةٌ" من دون تنوين؟ لأن الاسم المبني لا ينون، لأنك إذا نونتَّ فقد نسخت القاعدة؛ فالتنوين دلالة على أن الاسم معرب، فإذا نونتَ معناه أنك تقول إنه معرب، وهو بالعكس مبني، لذلك يجب أن أحذف التنوين فأقول "ظريفةٌ".

ما تخريج البناء على الفتح في "لا رجلَ ظريفةٌ"؟ قالوا بتخريجه أن النعت يركب مع المنعوت تركيب "خمسة عشر". النعت ركب مع المنعوت تركيب "خمسة عشر"، والأعداد المركبة مثل "خمسة عشر" و"ستة عشر" تكون مبنية على فتح الجزئين، يركب الجزء الأول مع الثاني فيكون الأول مبنيًا والثاني مبنيًا. قالوا هذا جائز؛ إذا جاء معك مفرد بعد اسم "لا" مفرد، يجوز أن يركب المنعوت مع منعوته تركيب "خمسة عشر"، فتكون "رجل" مبنية و"ظريفة" مبنية، ولكن لا نريد البناء على فتح الجزئين، بل نقول: "رجل" مبنية على الفتح في محل نصب، و"ظريفة" نعت مبني على الفتح في محل نصب، وانتهى الموضوع.

إذا كان هذا في حالة استيفاء الشروط الثلاثة، قال ابن هشام: «وإذا كان اسمنا مفردًا ونعت بمفرد ولم يفصل بينهما فاصل مثل: ظريف في الدار، جاز في الصفة أي في النعت الرفع». وخرج التخريج للرفع؛ قال الرفع على موضع "لا" مع اسمها، ولاحظ قال: «فإنهما في موضع الابتداء عند سيبويه». هذا عند سيبويه.

أما تخريج النصب، فهو أنها نعت لمحل اسم "لا" وليس للفظها؛ فمحل اسم "لا" وحده في محل نصب. فانظر، موضعها النصب، يعني هو مبني ولكنه في محل نصب. ولاحظ الكلمة هذه: "لا رجلَ"؛ "رجل" مبنية في محل نصب، والمحل هو هذا المكان الذي فيه كلمة "رجل"، وهو محل النصب أصلاً، لكن هذه جاءت مبنية لمسوغ، ولكن الأصل أنها في محل نصب.

لاحظ كيف تتضح معك معنى كلمة "محل"؟ إنه هذا الموضع الذي فيه كلمة "رجل"، وهذا المحل من نصب؛ لأن "لا" لا تعمل عمل "إنَّ". فالمحل الذي فيه كلمة "رجل" هو محل نصب، ولكن لماذا جاءت مبنية وليست منصوبة؟ نقول هي التي سببت البناء، ولكن بعد أن نبين البناء نقول: والمحل محل نصب. فانظر كيف توسعت مدلولة، فموضعه النصب بلا عامل، لأن "لا" لا تعمل عمل "إنَّ".

ثم بين تخريج الحالة الثالثة، قال: «والفتح يجوز: لا رجلَ ظريفًا». والفتح على التقديم؛ إذ إنك ركبت الصفة مع الموصوف كتركيب "خمسة عشر" ثم أدخلت "لا" عليهما. يريد أن يقول: إن هذا الرجل الذي نُعت بـ "ظريف" قد رُكب "رجل" مع "ظريف" (تركيب خمسة عشر) قبل أن تدخل "لا" التي تعمل عمل "إنَّ". هذه كلها أمور ذهنية أيها الأحبة، بغض النظر عن الموافقة عليها أو لا، لكن هكذا يحلل المحال: أنه تركيب "رجل" مع "ظريف" تركيب "خمسة عشر".

حصل قبل إدخال لا النافية، فأنا ركبت «رجل» مع «ظريف»، قلت: «رجل ظريفة»، ثم دخلت «لا» النافية. هكذا يريد أن يقول، لذلك قال كترتيب خمسة عشر ثم أدخلناها عليهما؛ فهو كأنه يريد أن يقول كخطوة: ينبغي أن تكون «رجل» ركبت مع «ظريف» تركيب خمسة عشر، ثم بعد ذلك أدخلت «لا» عليهما. طبعاً بغض النظر عن معلومة أعتبرها على الهامش، هي لا تهمك كثيراً أنك في النهاية يجوز الفتح، لا: «رجل ظريفة». بغض النظر هو أنني أدخلت ثقافة قوية دخلتها بعد، وهذا شغل ذهني وتقدير عقلي، لكن هو في النهاية هكذا يريدون أن يقولوا كخطوات.

الآن يريد أن يبين في حالة اختلال شرط من الشروط السابقة الثلاث، قال: «فإن فصل بينهما فاصل». إذاً النعت انفصل عن اسم «لا» بفاصل وقع بينهما، مثال ذلك: «لا رجل في الدار ظريف»، فصل بينهما فاصل. أو كانت الصفة غير مفردة، يعني كان النعت ليس مفرداً، جاء النعت مضافاً أو شبيهاً بالمضاف. قال: «جاز الرفع والنصب وامتنع الفتح».

أيها الأحبة، لو أننا قلنا: «لا رجل في الدار ظريف»، الآن «ظريف» ما هي الوجوه الإعرابية المحتملة لـ«لا» النافية؟ هنا اختلت الشروط ووقع بين النعت ومنعوته فاصل، في هذه الحالة «ظريف» لك فيها فقط الرفع والنصب. النصب على ماذا؟ على محل اسم «لا»، والرفع على محل «لا» مع اسمها؛ نفس الأوجه والتفريجات السابقة. لكن الذي منع هنا هو البناء على الفتح؛ لماذا لا أستطيع أن أقول: «لا رجل في الدار ظريفةً» أبنيها على الفتح؟ لأني لا أستطيع أن أركب «ظريف» مع «رجل» تركيب خمسة عشر وهناك فاصل وقع بينهما، لا يمكن ذلك.

هذا في حالة اختلال شرط الاتصال. إذا اخترنا شرط كون النعت مفرداً، فجاء النعت مضافاً أو شبيهاً بالمضاف؛ مثل: «لا رجلاً طالعاً جبلاً في الدار»، هنا جاء النعت شبيهاً بالمضاف. أو: «لا رجل طالب علم في الدار»، هنا جاء النعت مضافاً. في كلا الحالتين جاء النعت مضافاً أو شبيهاً بالمضاف، يجوز الرفع والنصب ولا يجوز البناء على الفتح. فيجوز أن أقول: «لا رجلٌ طالعاً جبلاً في الدار»، ويجوز: «لا رجلٌ طالعٌ جبلاً في الدار»، ويجوز أن أقول: «لا رجلَ طالبُ علمٍ في الدار»، ويجوز أن أقول: «لا رجلَ طالبَ علمٍ في الدار».

الآن ما تخريج النصب؟ نعرف أن يكون هناك في محل اسم «لا»، بأن يكون النعت في محل اسم «لا». وتخريج الرفع؟ نعديه على محل «لا» مع اسمها، نفس التخريجات. طيب، لماذا منع البناء هنا؟ لماذا لا يجوز أن أقول «لا رجلٌ طالعٌ» مثلاً؟ هو التنوين في «طالب» محذوف في جميع الأحوال بسبب أنه مضاف. هل يجوز أن أكون «طالباً»؟ الطالبة منصوبة، أو مرفوعة؛ إذا كنت «طالباً» هل يجوز أن أقول «طالباً» وهو مبني؟ يا شيخ هي مبنية، ما في تنوين.

لماذا لا يجوز البناء هنا للنعت؟ لأنه معه مركب؛ لأنه لا يجوز ترتيب ثلاثة أشياء مع بعضها البعض. «طالع جبلاً» هي شبه مركبة، ولو أني قلت «طالعاً» مبنية على الفتح وركبت مع «رجل» أصبح عندي ثلاث كلمات متتابعة مركبة مع بعضها البعض، وهذا لا نظير له في العربية؛ أن تكون «رجل» مركبة مع «طالب» (تركيب خمسة عشر) و«طالب» مركبة مع «علم»، هذا لا ينفع. كلياته هذا تركيب كامل، أقصى ما نسمعه هو تركيب كلمتين (خمسة عشر أو ستة عشر)، ما عندنا تركيب ثلاثي مع بعضه، كذلك هنا.

لو أنني بنيت النعت، يصبح عندي ثلاث ألفاظ متصلة مركبة مع بعضها البعض، وهذا لا نظير له في العربية؛ لذلك يقولون لا يجوز بناء النعت في هذه الحالة حتى لا تتوالى ثلاث مركبات، ويجب الرفع أو النصب على التخريجات السابقة. لذلك قال ابن هشام: «فإن انفصل بينهما فاصل، أو كانت الصفة غير مفردة، جاز الرفع على محلها مع اسمها، والنصب على محل اسم لا، وامتنع الفتح». هو الذي عرفني لماذا امتنع الفتح، حتى لا تتوالى ثلاث مركبات. فالأول نحو: «لا رجل في الدار ظريفٌ»، والثانية: «لا رجل طالعاً جبلاً»، وأما البناء على الفتح فهذا لا يجوز.

ننتقل الآن أيها الأحبة إلى الباب الثالث والأخير من أبواب النواسخ التي تدخل على الجملة الاسمية. نحن الآن ما زلنا نحلل في الجملة الاسمية وفي النواسخ التي تدخل عليها فتنسخ أحكامها القديمة، وهي الرفع للمبتدأ والرفع للخبر، وتحدث أحكاماً جديدة بسبب دخول عوامل جديدة على الجملة الاسمية. درسنا «كان وأخواتها»، ودرسنا ما يلحق بها من «ما» و«لا» و«لو»، درسنا «إن وأخواتها» وأن يلحق بها ما يعمل عملهن.

والآن نختم بالكلام عن القسم الثالث من النواسخ، وهو ما يسمى بـ«أفعال القلوب»، وهو باب «ظن وأخواتها». هذه الأفعال، أفعال القلوب، ويلحق بها طبعاً -ولم يذكر ابن هشام هنا ما يلحق بأفعال القلوب من أفعال التصور- أفعال القلوب وأفعال التصور تدخل على الجملة الاسمية؛ على المبتدأ والخبر، فتنصب المبتدأ على أنه مفعول به أول لها، وتنصب الخبر على أنه مفعول به ثانٍ لها.

وهذه الأفعال، أو هذه المجموعة من النواسخ الجديدة، كلها أفعال أيها الأحبة، مثل «كان وأخواتها»، كلها أفعال. دعونا نتعرف على هذه الأفعال وما معانيها، وسيتكلم ابن هشام عن حكمين فقط من أحكامها -جزاه الله خيراً سيختصر هنا- سيتكلم عن حكمين: حكم الإلغاء، وحكم التعليق. قال ابن هشام رحمه الله:

الثالث، أي الثالث من النواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر، هو: ظن، ورأى، وحسب، ودرى، وخال، وزعم، ووجد، وعلم، والقلبيات، إلى آخر أفعال القلوب؛ فتنصبهما مفعولين، أي تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان.

والآن بدأت في حكم الإلغاء، ويلغين برجحان أن تأخرنا نحو القوم في أثري ظننت، وبمساواة أن توسطنا نحو، وفي الأراجيز: خلت اللؤم والخور. وإن وليهن ما أولى أو "إن" أو لام الابتداء أو القسم أو الاستفهام، بطل عملهن اللفظ وجوبًا وسمي ذلك تعليقًا، نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ﴾ [الكهف: 54].

إذًا هذا هو الباب الثالث والأخير أيها الأحبة من أبواب النواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر؛ باب ظن وأخواتها، أو باب القلبيات كما سماها ابن هشام رحمه الله. يقول ابن هشام: "الباب الثالث من النواسخ ما ينصب المبتدأ والخبر معًا وهو أفعال القلوب". وقلت لكم يلحق بها أفعال التصيير، هناك أفعال التصيير لكن ابن هشام لم يذكرها، وإن شاء الله في ألفية ابن مالك نتطرق لها إن كان في العمر بقية.

يقول ابن هشام وهو الآن بدأ يعدد أفعال القلوب، وفي الحقيقة ابن هشام لم يستوعب جميع الأفعال وإنما عدد أكثرها، ونحن إن شاء الله سنكمل شيئًا من أفعال القلوب التي لم يتطرق إليها ابن هشام، نبدأ معها فعلًا فعلًا وننظر في المقصود منها.

قال: "وهو ظن"، أيها الأحبة من أفعال القلوب؛ لأنه فعل قلبي. لماذا سميت أفعال القلوب؟ لأنها أفعال يقوم بها القلب، وهذا يدل على أن للقلب فعلًا، أليست هذه مسألة اعتقادية؟ هل القلب له عمل؟ نعم، هذه أفعال القلوب مثل الظن. والظن هذا عمل ليس بالجوارح حتى تفعله، وإنما تفعله بالقلب.

جميل الظن أيها الأحبة هو رجحان القضية مع عدم الجزم؛ هذا هو الظن. القضية تترجح عندك لكنها لا تصل إلى درجة الجزم، كقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [القصص: 40]. و"إني أظن أنك"؛ أي الراجح عندي أنك مثبور، لكن هذا هو المعنى الأغلب في ظن، ويمكن أن تأتي ظن بمعنى علم، بمعنى الجزم والقطع؛ "ظننت الشيء" بمعنى علمت، أو "ظننت محمدًا قائمًا" بمعنى جزمت أن محمدًا قائم، ولكن إتيان الظن بمعنى العلم قليل.

ومن شواهده في القرآن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46]، فهذا ظن هنا بمعنى اعتقاد؛ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم أنهم إليه راجعون، هنا ظن بمعنى علم في القرآن في هذا الموضع، والأغلب فيها أن تكون ظن بمعنى الرجحان من دون الوصول إلى درجة العلم والجزم.

وهذا وعرفنا تحليلها. الآن أيها الأحبة، هناك معنى لظن في اللغة العربية أن تكون بمعنى اتهم؛ تأتي في اللغة العربية، ونعطيك أن الطالب قد يستعجل أحيانًا، يقول: "ظن"؛ آخر الظن أن تنصب مفعولين، ولا يدري أن الكلمة الواحدة لها عدة معاني. الظن التي تنصب المبتدأ والخبر هي الظن التي بمعنى رجحان القضية، ويجوز أن تكون الظنة التي بمعنى الجزم بالقضية، ولكن هناك معنى آخر لظن وهي الظنة التي بمعنى الاتهام؛ أقول: "ظننت زيدًا" أي اتهمت زيدًا. الظن التي معناها اتهم هذه ليست من هذا الباب، وإنما تنصب مفعولًا به واحدًا، تتعدى إلى مفعول به واحد فقط، فإذن لا تدخل في هذا الباب. فانتبه إذا قلت: "ظننت زيدًا" وسكت، لا تقل والله أخطأ، بل يقول هذه الظن التي بمعنى الاتهام وليس الظن الآتي بمعنى الرجحان أو الجزم. فإذن هذا توضيح لكلمة ظن.

نأتي إلى الكلمة الثانية: "رأى"، التي تدخل على جملة اسمية، فتنصب المبتدأ على أنه مفعول به أول، والخبر على أنه مفعول به ثاني. رأى التي بمعنى علم؛ رأيت الشيء بمعنى علمت الشيء، والمراد بالعلم الجزم هنا. طبعًا أيها الأحبة، رأى التي بمعنى علم أي بمعنى جزم: "رأيت محمدًا قائمًا" أي علمت محمدًا قائمًا علمًا جازمًا. هذا المعنى لها هو رأى التي بمعنى علم، أي جزم.

هناك معنى آخر لا يمكن الرد عليه، وهي الرؤية الحلمية؛ "رأيت محمدًا في منامي يسير على حمار"، رأيت هذه أيضًا "رأى" تنصب مفعولين. إذا جاءت "رأى" والمراد بها الرؤيا في المنام أيضًا تدخل على المبتدأ والخبر، تنصبهما على أنه مفعول به أول ومفعول به ثاني؛ فإذا قلت: "رأيت محمدًا يطلب العلم" وقصدت الرؤيا في المنام، نقول محمدًا مفعول به أول، والجملة "يطلب العلم" مفعول به ثاني، وأصلهما مبتدأ وخبر. فإذن هذا معنى آخر لها؛ أن تكون بمعنى علم أو بمعنى الرؤية الحلمية.

تأتي "رأى" بمعنى الرجحان والظن، وتعمل أيضًا في المبتدأ والخبر تنصبهما على أنه مفعول به أول ومفعول به ثاني. من يأتي بمثال على "رأى" بمعنى الظن في القرآن الكريم؟ ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6-7]؛ أي يظنونه ويحسبونه بعيدًا. "يرونه" هنا مضارعها "يرون"، وأيضًا هذه تدخل على المبتدأ والخبر وهي بمعنى ظن. فإذن "رأى" تنصب المبتدأ والخبر التي بمعنى علم، والتي بمعنى ظن، والتي بمعنى الرؤية في المنام.

جميل، طبعًا "رأى" في المنام مصدرها "رؤيا" بفتح الراء، بينما "الرؤية" البصرية مصدرها "رؤية" بالتاء. أما "رأى" الذي بمعنى أبصر الشيء، فهذه تأخذ مفعولًا به واحدًا؛ تقول: "رأيت محمدًا"، مفعول به واحد فقط، لأنها بمعنى أبصرت بعيني، فرأى البصرية هذه لا تنصب مفعولين، وإنما تنصب مفعولًا به واحدًا وليست من هذا الباب.

أيضًا "رأى" التي مصدرها الرأي؛ مثل: "والله رأيتُ ضرب محمد" يعني رأيي، فهذه "رأى" التي مصدرها الرأي ليست من هذا الباب. وأيضًا "رأى" المأخوذة من رأي الإنسان: "رأيي في القضية كذا"، فهذه أيضًا لا تنصب مفعولين. وأيضًا "رأى" تأتي في اللغة العربية بمعنى أصيب في رئته، هناك "رأى" بمعنى أصيب في رئته بمرض.

تقول: «رأى الرجل أصيب في رئته»، وهذه لا تأخذ مفعولين أصلاً؛ لأن «رأى» بمعنى أصيب في رئته، وهذه أيضاً لا تدخل. فالذي يهمنا هنا أن نحرر المعنى المراد بـ«رأى» هنا؛ ونقول «رأى» التي هي الخبر هي «رأى» التي بمعنى علم أو ظن أو الرؤية الحلمية، وأما المعاني الأخرى فليست من هذا الباب.

ثم مثل: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾، هنا «يرونه» بمعنى يحسبونه. و﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾، «نراه» الثانية -والله أعلم- بمعنى التحقيق؛ أي نراه قريباً. القراءة الأولى «يرونه» يحسبونه، و«رأى» الثانية بمعنى نجزم به. فلاحظوا كيف في آية واحدة اجتمعت «رأى» بمعنى الظن، و«رأى» بمعنى الجزم.

وقول الشاعر: «رأيتُ الله أكبرَ كل شيءٍ محاولةً... وأكثرهم جنوداً»، «رأيت الله» قطعاً ليست البصرية، وهذه لا نقاش فيها. فما معنى «رأيت الله»؟ يعني علمتُ الله أكبر. «الله» مفعول به أول، و«أكبر» مفعول به ثانٍ. ولفظ الجلالة مفعول به أول، وأحياناً أهل العلم يتحاشون لفظ الجلالة من باب الأدب، كأن تقول: «الله جميل»، فإنه أدبياً يقولون لفظ الجلالة مفعول به، لأن بعض الناس أحياناً يقولون بغير قصد حاشاه، لكن الطالب قد لا ينتبه لبعض القضايا الأدبية، وقد نمس بها نحن أيها الأحبة، نسأل الله أن يغفر تقصيرنا، لكن الأدب أن أعلمك أن تقول لفظ الجلالة ولا تقول الله جميل. إذن لفظ الجلالة مفعول به أول، و«أكبر» مفعول به ثانٍ، و«كل شيء» مضاف إليه، و«محاولة» منصوبة على التمييز.

الكلمة الثالثة إذا تعلمنا «علمنا» و«رأينا»، الكلمة الثالثة «حسب»؛ مضارعها فيه خلاف: «حسب يحسب» و«حسب يحسب»، يجوز هذا ويجوز هذا. «حسب» أيها الأحبة بمعنى نفس الشيء، بمعنى الرجحان؛ «حسبتُ الشيء» أي ترجح عندي، «حسبتُ محمداً قائماً» أي ترجح عندي أنه قائم ولا أصل إلى درجة الجزم، فهي تدل على الرجحان أصالة، ويمكن أن تدل على اليقين بقلة. وفي كلا الحالتين تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ﴾.

هذه الأفعال أيها الأحبة تأخذ مفعولين؛ بعدها تبدأ في المفعول به الأول والمفعول به الثاني. «لا تحسبوه»؛ «لا» ناهية، «تحسب» فعل مضارع من الأفعال الخمسة مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به أول، و«شراً» مفعول به ثانٍ.

الفعل الرابع هو «درى»، أيها الأحبة، تأتي بمعنى علم، كقول الشاعر: «دريتُ الوفيَّ العهدِ يا عروةُ... فاغتبطْ فإن ارتباطاً بالوفاء حميدُ». إذاً «درى» التي بمعنى علم وترى في هذا الباب لا تأتي إلا بمعنى علِم. ولكن هناك ما ذكره الشيخ محمد محيي الدين في الحاشية، حيث يحصل للطالب أن ينتمي إليه أن كثيراً من النحاة نفوا أن تكون «درى» من هذا الباب، أي أن تكون من أفعال القلوب التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. والغالب أنها تتعدى إلى مفعول به واحد بحرف الجر، أقول: «دريت بكذا»، وهذا هو استعمال الأشياء عندنا.

لأن «درى» في الأكثر من استعمالها فعل لازم، أدى إلى مفعول به واحد ليس بنفسه بل بحرف الجر، إلا إذا أدخلت عليها همزة التعدية كما يقول الشيخ؛ فإذا زيدت عليه همزة التعدية تقول: «أدراك»، فتقول: «ما أدراك بكذا»، إذا دخلت عليه همزة التعدية تصبح تتعدى لمفعول به بنفسها، والثاني تتعدى إليه بحرف الجر. وإذا جاء بعدها أسلوب استفهام، إذا دخلت هذه الهمزة على الاستفهام تعدت إلى ثلاثة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾.

باختصار: «درى» من دون همزة الأصل فيها أنها لا تتعدى إلا لمفعول به واحد، وإنما تتعدى إليه لو قلنا إنها تعدت بحرف الجر، نقول: «دريت بكذا». إذا دخلت عليها همزة التعدية تصبح تأخذ مفعولاً به، والمفعول الثاني لا تأخذه مباشرة بل بحرف الجر، نقول: «أدريته بكذا». وإذا دخل عليها الاستفهام تستطيع أن تنصب مفعولين مباشرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾؛ «ال كاف» المفعول به الأول، وجملة «ما القارعة» مبتدأ وخبر في محل نصب مفعول به ثانٍ. هذا هو الأكثر عند النحاة.

لكن هناك رأي لطائفة كبيرة من النحاة، ومنهم ابن هشام وابن مالك، يرون أن «درى» تأتي بمعنى «علم» وتستطيع أن تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، واستشهدوا بهذا البيت: «دريتُ الوفيَّ العهدِ يا عروةُ». أين المفعول به الأول؟ وأين المفعول به الثاني في هذا البيت؟ أحسنت، «دريتُ» مبني للمجهول أو لما لم يسمَّ فاعله، فالتاء التي في «دريت» هي نائب فاعل وهي مفعول به أول، و«الوفي» هو المفعول به الثاني.

أكثر النحاة يجيبون عن هذا البيت بقولهم: هذا بيت من قصائد ابن هشام يدل على أن «درى» تعمل عمل «علم» في نصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، ويردون بأن «درى» في هذا البيت خاصة ضمنت معنى «علم»، والتضمين هذا باب واسع في علم اللغة العربية. ضمنت معنى «علم» فاستطاعت أن تنصب مفعولين، هي هنا خاصة وليست موضوعة لتعمل عمل «علم»، ولكن في هذا البيت ضمنت، وإذا ضمن الفعل معنى فعل آخر يعمل عمله، فكل أفعال العربية إذا ضمنت الفعل معنى فعل آخر يقوى على أن يعمل عمل الفعل الآخر، وهذا باب التضمين. هذه قضية كبيرة في علم النحو تدرس في محلها إن شاء الله.

إذن، «درى» خلاص، نحن الآن نسأل النص من هشام.

تنصب مفعولين، تصدر من باب تداول الخبر. قال: «أخذناه وظللنا وراء، وحسب ودرى».

الخامس: خالة، أيها الأحبة، أيضًا من أفعال الرجحان، تدل على رجحان القضية وليس على الجزم بها، ويمكن أن تأتي للدلالة على الجزم بقلة. فهم أخوات ثلاث احفظوهن: ظن، وحسب، وقال؛ وهذه الثلاثة أيها الأحبة تدل على رجحان القضية، ويمكن أن تأتي لتدل على الجزم، والأصل فيها أنها للرجحان.

يقال به: «الحمولة طائرة»، أين المفعول به الأول؟ فاحسنت، أيضًا هذا فعل من أفعال الصيغة، فراعِ المفعول به الأول، وطائرة هو المفعول به الثاني.

زعم، أيها الأحبة، حقيقة الأكثر بها كما يقولون، أن يأتي مفعولها مجرورًا بحرف الجر، ولكنها تستخدم في باب ظن وأخواتها. الأكثر بها: زعمت بأن محمدًا قائم، هكذا نقول: زعمت بكذا أو زعم بكذا، ولكن سمعنا أن العرب تستخدمها استعمال ظن وأخواتها، سمعنا عن العرب استعمال زعم استعمال ظن وأخواتها، أنها تدل على الرجحان. زعم بمعنى ظن عند العرب، فإذا استخدمت زعم بمعنى ظن فإنها تنصب أصلهما المبتدأ والخبر، لكن الأكثر فيها إذا جاءت زعم بمعنى ظن أن مفعوليها يكون محلهما محل مفعولين، ويقولون: إن مع اسمها وخبرها حلت محل المفعولين، أو سدت مسد المفعولين.

هذه فوائدها السريعة والملمحة لبعض الأفعال حتى تعرف كيف تتعامل معها. زعم بمعنى ظن أنها تنصب مفعولين، وارد لكنه ليس هو الكثير، وإذا جاءت زعم بمعنى ظن وأريد أن تنصب مفعولين فالأكثر أن لا تنصب مفعولين بشكل مباشر، بل الأكثر أن يأتي بعد زعم بمعنى ظن "أن" مع اسمها وخبرها، ونقول: إن مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي زعم. هذا هو الأكثر فيها.

ومما جاء على الأصل قول الشاعر: «زعمتني شيخًا»، الياء مفعول به أول، وشيخًا مفعول به ثاني؛ يعني ظنتني شيخًا، حسبتني شيخًا ولست بشيخ، إنما الشيخ من يدب دبيبا. إذا هذه زعم تأتي بمعنى أظن وتأخذ فتنصب مفعولين، والأكثر فيها أن يأتي بعدها "أن" واسمها وخبرها. ويقال إن المفعولين مطية الكذب، يعني كثيرًا ما تستخدم زعم للدلالة على تكذيب القضية وتضعيف القول، فتقول: فلان يزعم وكذا، أنت متى تستخدم هذا؟ عادة إذا أردت أن تبين أن القول في ظن وأخواتها ضعيف القول، أو فيه شيء من الكذب. ولكن هنا زعم لا بمعنى غلط، الزعم التي نتكلم عنها الآن هي التي بمعنى ظن.

الان ننتقل للفعل: وجد. وجد أيها الأحبة في الحقيقة معانيها باللغة العربية كثيرة، وهنا أنا لن أستوعب جميع المعاني، لكن أبين بعض المعاني التي وجد. وجد التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر هي التي بمعنى علم، ومصدرها الوجود، مثل: "وجدت محمدًا قائمًا"، ووجد هنا بمعنى علم، ومحمد المفعول به الأول وقائم المفعول به الثاني، ومصدرها الوجود.

ووجد أيها الأحبة تأتي في اللغة العربية بمعنى حزن، ومصدرها الوجد. ووجد في اللغة العربية تأتي بمعنى حصل على الشيء، ومصدرها الوجدان. والمصادر المختلفة هي التي دلتنا على أن الفعل وجد له معاني مختلفة؛ فوجد لديه معنى علم مصدره الوجود، ووجد التي بمعنى حزن مصدره الوجد، ووجد التي بمعنى حصل على الشيء ونال مصدر الوجدان. فإذا اختلفت المصادر دلت على اختلاف الأفعال.

يهمنا إذا وجد التي بمعنى علم، كقوله تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [النساء: 40]. أين المفعول به الأول؟ أين المفعول به الثاني؟ دعونا نحللها؛ تجده أين المفعول به الأول؟ خيراً أين المفعول به الثاني؟ وما هذا الذي في المنتصف: "هو"؟ "هو" متعلقة، "تجدوه عند الله هو خيرًا"؛ هذا ضمير فصل. أحسنت، هذا ضمير فصل، ما نحن درسنا أن ضمير الفصل يأتي بين المبتدأ والخبر ليدل على التوكيد لا محل له من الإعراب، وفائدته التوكيد، ويسمى ضمير فصل عند البصريين ويسمى ضمير عماد عند الكوفيين.

حين تكلمنا في باب ظن وأخواتها تكلمنا عن قضية ضمير الفصل الذي يأتي بين المبتدأ والخبر، فلا نرجع له، فقط نقول ضمير لا محل له من الإعراب فائدته التوكيد، يأتي بين المبتدأ والخبر، بين اسم كان وخبر كان، بين اسم إن وخبر إن، ويأتي أيضًا بين مفعولي أفعال القلوب، فيأتي بين مفعولي أفعال القلوب كقوله: ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾، فهو لا محل له من الإعراب، كأن أصل التركيب: تجدوه عند الله خيرًا.

الفعل الأخير هنا: علم. وهذا هو الأصل أصلاً في الجزم، علم التي بمعنى جزم، وهذا هو الأصل في العلم، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]. علم تأتي بمعنى جزم، ويجوز فيها -وهو أقل- أن تأتي بمعنى ظن، فإذا قلت: علمت محمدًا قائمًا، فالأصل في علم؟ جزمته. لكن يجوز بقلة أن تكون بمعنى ظن. ومن أمثلتها الشهيرة هذه الآية التي ذكرها ابن هشام في سورة الممتحنة، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10]. المراد بأن علمتموهن، وهناك "أن"؛ أي علمتموهن مؤمنات، لأنك لا تستطيع أن تجزم أن المرأة مؤمنة، إنما أنا لي في ظاهرها ظني، فأغلب الحالة أنهم يتشهدون، فلا تستطيع أن تصل إلى الجزم، فلذلك العلماء قالوا: "فإن علمتموهن"؛ هذا شاهد على إتيان علم بمعنى ظن.

إذن أيها الأحبة، كم فعلًا ذكر ابن هشام؟ ذكرنا ظن، وحسب، وقال، وذكرنا رأى، ودرى، وزعم، ووجد، وعلم؛ ثمانية. بقي هناك أربعة في الحقيقة لم يذكرها ابن هشام رحمه الله، هناك "جعل" الذي بمعنى اعتقد، قال إنه جعل لها معاني أيضًا كثيرة؛ هناك جعل التي بمعنى خلق، وهذه تنصب مفعولًا به واحدًا، مثل: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1]، أي خلق الظلمات والنور، ليست معها مفعولين. وهناك جعل أفعال السيرورة، وهذه تنصب مفعولها تنصب المبتدأ والخبر، لكنها من أفعال السيرورة التي لم يذكرها ابن هشام. وهناك جعل الذي بمعنى...

اعتقد وهذه من أفعال القلوب يعني بمعنى اعتقد. ومثالها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19]، فالملائكة مفعول به أول وإناثا مفعول به ثاني. ومعنى جعلوا هنا اعتقدوا. إذا جعل الذي بمعنى اعتقد تفيد نسبة الفعل لقلب بجزئية ابتداء يعني رآها لا علمت وجد ظن حسبت وزعمت مع أحد. عدا عددت محمدا قائما مثلا، عددت هذه أيضا من أفعال التي تأتي للرجحان تأتي بمعنى الرجحان يعني حسبته واعتقدته كذا ولا أصل إلى درجة الجزم فيه.

هناك فعلان أيها الأحبة، هناك فعلان فعلا أمر يعاملان معاملة أفعال القلوب أيضا، وهما هب الذي بمعنى أحسب، وتعلم الذي بمعنى أعلم. هل محمدا قائما؟ يعني هب محمدا قائما. هب فعل أمر ولكنه ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وتعلم تعلم شفاء النفس قهر عدوها. تعلم بمعنى أعلم شفاء النفس قهر عدوها، فنصبت مفعولين وهذا بالفعل هو تعلم يكونان بصيغة الأمر.

فإذا هب وتعلم وجعل وعدى، هذه أفعال أربعة نضيفها إلى ما ذكره ابن هشام من أفعال القلوب. طيب، الآن كم فعل أصبح معنا؟ ذكرنا أحد عشر فعلا، ذكرنا أحد عشر فعلا أو اثني عشر، لا، ذكرنا اثني عشر فعلا. ممتاز، هذه الأفعال الآن أيها الأحبة سأقسمها سريعا، سأقسمها على السبورة سريعا إلى مجموعات أعيد فيها الترتيب.

هناك أفعال تدل على الجزم واليقين فقط، وهي وجد ودرى وتعلم التي بمعنى أدرى. أفعال تدل على الجزم مع احتمال دلالتها على الظن وهي علم ورأى. أفعال تدل على الظن غالبا مع احتمال دلالتها على اليقين وهي ايش؟ ثلاثة: ظن، حسب، خال. والافعال الأخيرة أفعال تدل على الظن فقط، وهي باقي أفعال هذا الباب. ايش هي؟ عد، جعل لأنه جعل لمن اعتقد يعني جعل اعتقد الشيء ولم يجزم به، زعم، وعد، وجعل، وايش كمان عندنا؟ باقي عندنا كم فعل إذا ذكرناها أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة أحد عشر، لا بقي واحد، لا زعم وعده وجعله وهب، أيوه هب الذي بمعنى هب محمدا قائما. إذا هي لا تكون إلا للظن فقط. هذه الأفعال ابن هشام ذكر أيضا فعلا يعني ثالث عشر وهو حجا، ابن هشام ذكر أيضا حجا بمعنى خال. عفوا ابن مالك نعم، ابن مالك عفوا هذا أقصده ذكر حجا أيضا، حجوت محمدا قائما بمعنى ظننت محمدا، من الأفعال التي تدل على الظن فقط. قد تكون ثلاثة عشر على طريقة ابن مالك.

طيب الآن عددنا هذه الأفعال، عرفنا أن هذه الأفعال تدخل على المبتدأ والخبر تنصب المبتدأ على أنه مفعول به أول وتنصب الخبر على أنه مفعول به ثاني. الآن سننتقل إلى حكمين ذكرهما ابن هشام لهذه الأفعال ونختم بهم الكلام عن النواسخ حتى ننهي الجملة الاسمية، وفي الدرس القادم إن شاء الله نبدأ بالجملة الفعلية.

هناك حكمان يتعلقان بهذه الأفعال، حكم على سبيل الجواز وحكم على سبيل الوجوب. الحكم الذي على سبيل الجواز يسمى الإلغاء، والحكم الذي على سبيل الوجوب يسمى التعليق. ما هو الإلغاء وما هو التعليق؟ دعونا ننطلق مع ابن هشام، قال رحمة الله عليه: ومن أحكام هذه الأفعال أنه يجوز فيها الإلغاء والتعليق. قال: فأما الإلغاء، فهو عبارة عن إبطال عملها في اللفظ والمحل، والسبب ما هو؟ لتوسطها بين المفعولين أو تأخرها عنهما.

جميل، الآن نقول الإلغاء أيها الأحبة باختصار أن تلغي عمل ظن وأخواتها أفعال القلوب في المفعولين، لا تعمل في المفعولين فيعودان إلى مبتدأ وخبر. هذا معنى الإلغاء، أن تلغي عمل هذه الأفعال في المفعولين فيعودان إلى أصلهما. ايش أصلهم؟ مبتدأ وخبر. طيب متى يجوز إلغاء عمل ظن وأخواتها؟ قال هناك حالتان: إذا توسط الفعل بين المبتدأ والخبر أو إذا تأخر الفعل عن المبتدأ. القضية سهلة أيها الأحبة.

يعني إذا قلت أيها الأحبة الحالة الأصلية التي يجب فيها العمل إذا قلت ظننت محمدا قائما هنا يجب العمل، محمدا مفعول به أول وقائما مفعول به ثاني. الكوفيون هذه فائدة يجوزون الإلغاء حتى ولو تقدم الفعل جاء في البداية، الكوفيون يجوزون أيضا هنا الإلغاء، يقولون يجوز الإلغاء تقول ظننت محمد قائم، لكن هذا الرأي لا يختاره الأكثر.

متى يجوز الإلغاء عند الجمهور؟ إذا توسط الظن بين محمد وقائم أو تأخرت عنهما، فلو قلت محمد ظننت قائم أو محمد قائم ظننت، أنا أتأخر هنا يجوز ولكن العبارة ماذا أقول؟ يجوز الإلغاء ولا يجب، يجوز ولا يجب يجوز أن أقول محمد مبتدأ وظننت فعل وفاعل وقائد خبر لمحمد فنفس الشيء، ولا محمد مبتدأ وقائم خبر وظننت فعل وفاعل فقط، هذا يسمى ايش؟ إلغاء.

ويجوز أن أقول محمدا ظننت قائما وتكون محمدا مفعول به أول مقدم وقائما مفعول به ثان مؤخرا، ويجوز نفس الشيء محمدا قائما ظننت وهنا الفعل تقدم المفعولان عليه. فالإلغاء حكم على سبيل الجواز. لكن ابن هشام كما ذكر في المتن قال: إذا تأخرت ظن عن مفعوليها فالاكثر الإلغاء، وإذا توسطت كان احتمال الإلغاء وعدم الإلغاء على التساوي، يعني يجوز الإلغاء ويجوز الإعمال ولا أفضلية لأحدهما. إذا تأخرت ايش الأكثر؟ والاشهر الإلغاء، وإذا توسطت كان احتمال الإلغاء وعدم الإلغاء على التساوي، يعني يجوز هذا ويجوز هذا ولا أفضلية. هذا الذي ذكره في ماذا؟ في المتن.

وايش قال في المتن؟ حينما قال: «ويلغين برجحان إن تأخرنا» ويلغين برجحان يعني الأفضل الإلغاء في حالة التأخر عن مفعوليها، «وبمساواة إن توسطنا» ايش يعني وبمساواة إن توسطنا؟ يعني يجوز هذا ويجوز هذا ولا أفضلية. هذا الذي ذكره في المتن وإن لم يصرح به في الشرح مرة أخرى، فيما أذكر أنه لم يصرح به في الشرح، لذلك أنا أحلتكم على المتن لأنه صرح به في المتن ولم يصرح به في الشرح، بل جاء بصيغة مظلمة في الشرح.

فأما الإلغاء فهو عبارة عن إبطال عملها في اللفظ، يعني لا نقول والله مثلا هنا محمد قائم ظننت لم تعمل في محمد وقائم لم تعمل في ألفاظهما، لكنها تعمل في محلهما، والله محمد في محل نصب مفعول به وقائم في محل نصب مفعول به، أو نقول والله جملة المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول به؟ لا لا، لغينا عملها تماما.

إذن ايش معنى لغينا عملها في اللفظ والمحل؟ في اللفظ واضح أنها لن تنصب المبتدأ على أنه مفعول به أول ولا الخبر على أنه مفعول به ثاني، لكن ما معنى إبطال عملها في المحل؟ أن جملة المبتدأ والخبر لم تنصب في محل نصب مفعول به، لا حتى المحل لا يوجد. فإذن لا في الألفاظ ولا في المحل، وهو يريد أن يفرق بين الإلغاء والتعليق الذي سيأتي. لماذا نص على هذه القضية؟ لأن التعليق ما سيأتي معنا هو إبطال العمل في اللفظ دون المحل. واما الإلغاء فهو إبطال العمل في اللفظ وفي المحل، خلاص كأنها ألغيت، لذلك سمي ايش؟ إلغاء، كأنك ألغيتها.

يقول ابن هشام: مثال توسطه بينهما كقولك زيدا ظننت عالما، هذه اعمل هنا، اعمل زيدان ظننت عالما، ويجوز ظننت عالما على الإلغاء والإهمال. قال الشاعر: «يا ابن اللؤم توعدني». الأراجيز أرجوزة جمع أرجوزة، يعني وتخوفني بالشر يعني بدها تعطيني فيها قصيدة يسمعها العرب، ابن أراجيز يا ابن اللؤم توعدني وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور. لاحظوا وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور، خلت وقعت بين في الأراجيز وايش؟ اللؤم. فاللؤم مبتدأ مؤخر، وفي الأراجيز الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره كائن خبر مقدم، وخلت هذه دخلت بينهما كأنها اعتراض كأنها جملة معترضة، فهذا شاهد على الإهمال. فاللؤم مبتدأ مؤخر وفي الأراجيز موضع رفع لأنه خبر مقدم، وألغيت خلت لتوسطها بينهما.

وهل الوجهين سواء أم الإعمال أرجح فيه مذهبان؟ هنا وضعها بصيغة الاستفهام وفي المتن جزم بأن هنا على التساوي الإهمال والإعمال على التساوي. جزم في المتن وكأنه في الشرح استدرك أو ظهر له رأي، الله أعلم ما الذي جعله في الشرح يتردد، في الشرح كأنه تردد أو أراد قد لا يكون تردد عفوا، ممكن هو أراد أن يبين أن هناك مذهبان، أراد أن يبين أن هناك مذهبان لذلك قال فيه مذهبان.

ومثال تأخرها عنهما كقولك: زيد عالم ظننت، بالإهمال وهو الأرجح بالاتفاق ما فيها تردد، ويجوز زيدا عالما ظننت بالإعمال المرجوح. قال الشاعر: القوم في أثري ظننت، فإن يكن ما قد ظننت فقد ظفرت وهابوا.

فإذا قال القوم في أثري ظننت، القوم مبتدأ وفي أثري متعلق بمحذوف خبر، واظننت إلغاء، فالقوم مبتدأ وفي أثره موضع رفع على أنه خبر، طبعا هو يقول في أثر موضع رفع على أنه خبر لكن هو يريد أن الجار والمجرور متعلق بتقدير كائن، لكن هو سريع يقول وقبل قليلا في المبتدأ والخبر فلم يقل إنه إذا جاء الخبر شبه جملة يكون متعلق بكائن، لكن يعني ما هو الطالب يشتغل عليه لماذا نقول والله متعلق بمحذوف ولم يقل ذلك؟ يريده، لكن لم يذكر اختصاره، وفي أثره أي موضع رفع على أنه خبره. وطبق الإلغاء لتأخرها عنهما.

قال ومتى تقدم الفعل على المبتدأ والخبر معا لم يجز الإهمال، خلاص الفعل جاء في الصدارة لم يجز الإهمال فلا تقل ظننت زيد قائم بالرفع، لا يجوز، خلافا لمن؟ للكوفيين. لأن الكوفيين يجوزون الإهمال حتى في حالة التصدير.

انتهينا من الإلغاء، سهل جدا ما في كثير كلام، نبغى الحكم الأخير وهو التعليق. ما هو التعليق؟ التعليق سمي تعليقا أيها الأحبة لأنه يشبه المرأة المعلقة، امرأة معلقة لا زوجها يحسن عيشتها ولا هي منسوخة ولا هو يطلقها يريحها، لذلك سمي ايش؟ تعليقا هذا الحكم. لماذا سمي تعليقا لأنه يشبه المرأة المعلقة؟

فقال كيف ذلك؟ قال التعليق انظروا ماذا قال في تعريفه؟ قال هو عبارة عن إبطال عملها، أن تبطل عمل هذه الأفعال، فهو عبارة عن إبطال عملها لفظا لا محلا. أيوا إذن هذا الفعل يبطل عمله في المبتدأ والخبر لفظا فلا ينصب المبتدأ والخبر على أنه مفعول به أول ومفعول به ثاني، لكنه يبقى يعمل في المحل، فلا هو أعتق المبتدأ والخبر ولا هو أيضا عمل فيهما عملا كاملا محترما، عمل جاء في حال وسط لم يعمل فيهما عملا كاملا ولا هو تركهما تماما لا، عمل في المحل ولم يعمل في الألفاظ.

طيب ما سبب التعليق؟ عرفنا سبب الإلغاء التوسط أو التأخير، صح؟ ما سبب التعليق؟ قال الاعتراض ما له صدر الكلام بينها وبين معموليها. يعني هناك كلمات لها صدر جملة تأتي معترضة بين الفعل أفعال القلوب وبين المبتدأ والخبر، تأتي بالمنتصف بينهما. إذا جاءت هذه الكلمات المعترضة التي لها صدر الكلام بين إحدى أخوات ظن ومعموليها المبتدأ والخبر، علقت عمل ظن وأخواتها.

علقت العمل ايش يعني علقت؟ يعني أبطلت عمل ظن وأخواتها في اللفظ وأبقت عملها في المحل. ايش هاي الكلمات المعترضة التي لها صدر الكلام التي تسبب التعليق؟ الآن عددها ابن هشام، قال المراد بما له صدر الكلام، عدوا واحد ما النافية، كقولك علمت ما زيد قائم. اه لاحظوا ما من الأدوات التي لها صدر الكلام، أين وقعت؟ وقعت بين علمت وبين زيد قائم، وقعت بالمنتصف لأن ما لها صدر تقول أنا لي صدر الكلام لا أقبل شيئا إلا البادي، فإذا وجد شيء عفوا لا أقبل شيئا يوجد قبلي، فإذا وجد شيء قبله أوقفه ولا أجعله يعمل.

فلما جاءت ما بين علمت وبين زيد قائم، علقت علمت عن العمل في لفظ زيد وقائم، فجاءت زيد مرفوع زيد، قائم مرفوع. لماذا؟ لأن ما أعترضت بين علمت وبين زيد قائم، فنقول علمت فعل وفاعل ما نافية، والمبتدأ وقخبر، لأن الفعل لا يقوى على العمل في لفظهما، لكن بقي العمل في المحل الفعلي.

فنقول وجملة المبتدأ والخبر سدت مسد مفعولي علمت، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي علمت. هكذا تحيي، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 65]. من قال هذه الآية؟ على لسان من؟ قوم إبراهيم. لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. كيف نعرب؟ علمت فعل فاعل، ما نافية، هؤلاء مبتدأ وينطقون جملة خبر، وهؤلاء ينطقون الجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي ايش؟ علم. هؤلاء أن تكون خبرا وليس مفعولا أولا وثانيا.

الأداة الثانية التي تعلق لا النافية. اثنين لا صدر الكلام، كقولك علمت لا زيد قائم ولا عمرو. نفس القضية فيها الألفاظ، لا نافية وزيد قائم سدت مسد مفعولي جملة في محل نصب سدت مسد مفعولي علمت.

ثالثا إن النافية، وذكرنا أن إن ممكن تأتي نافية في الدروس الماضية وتعمل أحيانا عمل ليس، إن النافية كقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 52]، وتظنون إن لبثتم إلا قليلا، يعني ما لبثتم إلا قليلا، فإن هذه ايش؟

نافية لا صدق الكلام: ﴿لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. جملة ﴿لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هي التي تسد مسد مفعولي «تظنون»، مع أننا نلاحظ أنه لم يأتِ عندنا مفعول وخبر؛ هنا لم يأتِ عند هذا الفعل (لبث) مفعول، بل جاءت الجملة: ﴿لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فنقول هذه الجملة في محل نصب سدت مسد مفعولين لـ«ظن».

لام الابتداء أيضًا مما له الصدارة في الكلام، فتقول: «علمت لزيدٌ قائمٌ»، لام الابتداء لها الصدارة، فإذا وقعت بين علم ومعموليها علقت عمل «علم» في معموليها؛ فتقول: «علمت لزيدٌ قائمٌ»، حيث اللام ابتداء، وزيد مبتدأ، وقائم خبر، وجملة «زيد قائم» في محل نصب سدت مسد مفعولي «علمت».

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102]. «علموا» فاعل، و«لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق»؛ «لمن» اسم موصول مبتدأ، وجملة «اشتراه ماله في الآخرة من خلاق» خبر الموصول، وهذه الجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي «علموا».

لكن على قضية تتعلق بلام الابتداء، درسناها في المحاضرة السابقة، عودوا أيها الأحبة إلى المواضع التي يجب فيها كسر «أنْ». آخر مبحث يقابلنا هو مواضع كسر «أنْ»، والموضع الرابع والأخير هو: أن تقع اللام بعدها كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 40].

الفعل «يعلم» معلق في الآية؛ فتقول: يا شيخ، لماذا عُلِّق؟ ما هو الفاصل بين «يعلم» وبين معموليها؟ أقول لك: الفاصل هو لام الابتداء. وتقول: أين نعمل ابتداءً؟ أقول: هي لام الابتداء التي أصبحت مزحلقة. لام الابتداء في باب «أن وأخواتها» محلها الطبيعي في المبتدأ، لكن إذا دخلت «أنْ» على المبتدأ تزحلقت من المبتدأ لتصبح في الخبر، وتبقى تعمل التعليق، فتبقى قوية على التعليق، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾.

لذلك قال مالك بن مالك في الألفية: «وَكَسَرُوا مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ عَلَّقَا ... بِاللَّامِ جَعَلُوا أَنَّهُ لَذِي تَقَى»

مصطلح التعليق هنا يعني أن الفعل «يعلم» معلق عن العمل فيما بعده، والسبب هو وجود لام الابتداء التي توسطت بين الفعل ومعموليه، ولكنها هنا زحلقت إلى الخبر. وانتبهوا؛ لام الابتداء هنا في المثال الذي ذكره (علمت لزيد قائم) كانت في الصدارة، أما في المثال السابق ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ فهي واقعة بين الاسم والخبر ولم تقع في الصدارة، لكنها زحلقت بسبب وجود «أنْ» في البداية، فإذا جاءت «أنْ» قبلها تزحلقت لام الابتداء إلى الخبر ولكنها تبقى قوية على التعليق.

مما له الصدارة أيضًا لام القسم، كقول الشاعر: «وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي ... إِنَّ الْمَنَايَا لَا تَطِيشُ سِهَامُهَا»

بيت رائع، لاحظوا: «علمت لتأتين منيتي»، «علمت» عُلِّق بسبب وجود لام القسم، لأن هذه اللام مقدر قبلها: «ولقد علمت والله لتأتين منيتي». فجملة «لتأتين منيتي» في محل نصب سدت مسد مفعولي «علمت»؛ لأنها معلقة بسبب وجود لام القسم.

الأخيرة هي الاستفهام. إذا ذكرنا أدوات النفي (ما، ولا، وإن) وذكرنا اللامين (لام الابتداء، ولام القسم)، والاستفهام هو الأداة الثالثة. أدوات الاستفهام لها الصدارة أيها الأحبة، لا تقبل أن يأتي شيء قبلها ويعمل فيما بعدها؛ فهي تملك الصدارة، كقولك: «علمت أزيدٌ قائمٌ»، حيث «زيد» مبتدأ و«قائم» خبر، وجملة «زيد قائم» في محل نصب سدت مسد مفعولي «علمت»، و«علمت» هنا لا تقوى على العمل بسبب وجود الاستفهام.

وكذلك إذا كان في الجملة اسم استفهام، سواء كان حرف استفهام أو اسم استفهام. وسواء كان اسم الاستفهام في صدر الجملة أو في فضلها؛ فالأول نحو قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيَّانَ مُسْتَقَرٌّ لَكُمْ﴾ [يونس: 51]، حيث «أيّان» اسم استفهام.

ويجب أن تعلموا أن الكلمات في اللغة العربية لها استخدامات كثيرة؛ فقد تأتي «أيّ» اسم موصول، أو اسم شرط، أو اسم استفهام، أو نكرة توصف بها. لذلك اهتم النحاة بتصنيف كتب تسمى «أحرف المعاني»، مثل كتاب المرادي، ومغني اللبيب لابن هشام؛ ليعرفوا استخدام الكلمة وشروط كونها اسم موصول، أو اسم استفهام، أو اسم شرط، أو نكرة، أو حالًا. هذا أمر مهم جدًا لطالب العلم، فبعد أن يخلص من قراءة الألفية، ينبغي له أن يذهب إلى تلك الكتب التي تعيد ترتيب الأفكار.

بعد أن تعلمت هذه الطشة من المعلومات، بدي أعيد أفكاري؛ فتذهب إلى هذه الكتب لترتب أفكارك. ما هي استخداماتها؟ إن كل أنواع هذه البيوت رتبتها تلك الكتب بشكل مهندس، وتزيدك أيضًا معلومات في طرق تعامل العرب بها.

إذا قال تبارك هذا أحد جزئي الجملة أو كان فضلة، فالأول الآن سيماثل اسم استفهام جاء أحد جزئي الجملة، يعني جاء عمدة في الجملة. مثال ذلك: ﴿لَتُعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عذابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: 72]. «أيُّنا»؛ أيُّ؟ الخبر المقدم، عرفت؟ لو أقول لذا يفضل عليك خبر مقدم في الحقيقة؛ لأنهم دائمًا انظر في الجواب ماذا سيقول ثم أعود إلى السؤال، فأعرف: أشد عذابًا وأبقى نحن. ويمكن يجوز للبعض أن تكون مبتدأ، ما عندي مشكلة. فأقول: «أيُّ» خبر مقدم مرفوع وعلامة رفعه الضمة؛ لأنه معرب، وليس مبنيًا، إذ دائمًا معربة إلا في أحوال معينة، وهو مضاف، وما بعده مضاف إليه. و«أشدُّ» مبتدأ مؤخر، فـ«أيُّ» خبر مقدم و«أشدُّ» مبتدأ مؤخر، و«عذابًا» تمييز، و«أبقى» معطوفة عليها.

وجملة «أيُّنا أشدُّ» سدت مسد مفعولي «لتعلمن». وما الذي جعل «تعلمن» معلقة هنا؟ وجود الاستفهام بعدها؛ أداة الاستفهام أو اسم الاستفهام «أيّ». فالاستفهام يعلق أفعال القلوب عن العمل، واضح؟ إذاً التركيز في القضية هنا على أفعال القلوب والتي منعها عن العمل وعلقها الاستفهام، والاستفهام اسم، وهو أحد ركني الجملة؛ جاء ركنًا في الجملة؛ خبر؛ لأن أركان الجملة الفعلية هي فعل وفاعل، والجملة الاسمية أركانها مبتدأ وخبر. فإذا جاء الاستفهام مبتدأ أو جاء الاستفهام خبرًا، فإنه جاء أحد ركني الجملة.

الآن المثال الثاني: أن يأتي اسم استفهام لكنه فضلة، وليس المراد بالفضلة هنا ما يستغنى عنه ولا نحتاج إليه، المراد بالفضلة ليس عمدة، أو كما يقول بعضهم ما ليس ركنًا في الإسناد، أو ما ليس عمدة؛ هذا مراد بالفضلة ولكنه مهم، بل قد لا تفرغ من دونه. والثاني «أيُّ» مدينة، اسم استفهام فضلة بهذا المعنى الذي ذكرناه، كقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].

«أيَّ» أيها الأحبة، هنا فائدة جميلة وهي تتبع الإعراب في هذا السياق. «وسيعلم» من أفعال القلوب، «الذين ظلموا» فاعل، ممتاز. «أيَّ منقلبٍ ينقلبون»؛ انظر الجواب لتعرف السؤال. لو قلت لك: «أي منقلب ينقلبون؟» أجب عن هذا السؤال، أعطني جوابًا. أنا قلت لك سؤالًا: «أي منقلب ستنقلب؟» فماذا تقول أنت؟ «خيرًا من منقلب»، ممتاز. أعطني جملة بالتفصيل، لا تحذف أشياء. ممتاز، ما إعراب «أيّ»؟ «سأنقلب منقلبًا خيرًا من منقلب»، «خير منقلب». أنت قل: «سأنقلب خير منقلب» أو «سأنقلب منقلبًا خيرًا». ما إعراب الجواب؟

سأنقلب منقلبًا خيرًا، وهذا المفهوم المطلق مبين للنوع، مثل: «ضربًا جميلاً»، «ضربتُ ضربًا أليمًا لبعض الأشخاص»، «ضربتُ ضربًا أليمًا وصرتُ سيرًا رشيدًا» إلى آخره؛ فهنا هذا مبين للنوع. عندما أقول: «انقلبتُ منقلبًا»، «منقلبًا» إيش هو؟ مفعول مطلق في الجواب. إذاً في السؤال، إذا كان السؤال عن المفعول المطلق، سيكون اسم الاستفهام مفعولًا مطلقًا. إذاً ستكون أداة الاستفهام إعرابها مفعولًا مطلقًا. فهنا: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾؛ «أيَّ» اسم استفهام معرب منصوب وعلامة نصبه الفتحة لأنه مفعول مطلق، و«منقلبٍ» مضاف إليه، والدليل الجواب.

وهنا إذا ظهر اسم الاستفهام مفعولًا مطلقًا، وهل مفعوله المطلق من أركان الجملة؟ لا، أركان الجملة كما قلنا إما فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، وهنا المفعول المطلق جاء باسم، فهو ليس من أركان الجملة قطعًا. فجاء فضلة؛ فهو يريد أن يبين لك تعدد الأشكال التي يمكن أن يأتي عليها اسم الاستفهام المعلق؛ يقول لك ممكن تأتي أداة الاستفهام المعلقة حرفًا، ويمكن تأتي أداة الاستفهام المعلقة اسمًا وهي من أركان الجملة، ويمكن أن تأتي اسمًا ولكن ليست من أركان الجملة، وكلها معلقة.

انظروا ماذا قال ابن هشام: «وأيَّ منقلبٍ المنصوب ينقلبون على المصدرية، مصدرين في محل المفعول المطلق»، أنه المفعول المطلق أحيانًا، هكذا يقول إنه مصدري، أن الأصل فيه أنه مصدر. فقوله «منصوب على المصدرية» اكتبها على أنه مفعول مطلق حتى تفهم شأن المصدرية؛ لأنه المفعول المطلق الأصل فيه أنه مصدر، «أي انقلاب ينقلبون»، هذا أصل الجملة.

ثم قال: «وعلق عن الجملة بأسرها معلقة، يعلم لماذا؟ قال لما فيها من اسم الاستفهام وهو أيّ»، وربما توهم بعض الطلاب انتصاب «أيَّ» بمفعول به لـ«يعلم»، يقول: «أيَّ» وسيعلم الذين... أي مفعول به لـ«يعلم». لا، تغرك هذه النصبة، هذا النصب في «أيَّ» ليس له مفعول به لـ«يعلم»، بل لأنه مفعول مطلق. عادةً ممكن يستغرب الطالب لماذا «أيَّ» هنا منصوبة؟ نقول عنه مفعول مطلق. لذلك يقول: «توهم بعض الطلبة يعلم»، وهو خطأ. لماذا خطأ؟ لأن الاستفهام له صدارة الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله؛ لأن وجوده صدارة الكلام، يمكن يقبل شيئًا قبله يعمل فيه؟ أبدًا، لأنه إذا عمل فيه ما قبله فإنه فقد صدارته، فلا يمكن أن يعمل فيه ما قبله، لكن يمكن يعمل فيما بعده، ما عنده مشكلة. أما شيء قبلي يعمل فيّ، لا، لأن لي صدارة الكلام.

قال: «وإنما سمي هذا الإهمال تعليقًا»، لأن العامل الآن سيفسر لك ما معنى التعليق ويوضح الكلام؛ «وإنما سمي هذا الإهمال تعليقًا لأن العامل في نحو قولك علمتُ ما زيدٌ قائمٌ عامل في المحل». إذا قلت لك: «علمتُ»، هي تعمل في محل جملة «ما زيدٌ قائمٌ»، لأن محلها هو أنها سدت مسد مفعولي «علمتُ». فأفعال القلوب عندما تُعلق هي تعمل في محل الجملة التي بعدها، في محل الجملة الواقعة بعدها، ولا تعمل في ألفاظها.

هو عامل لا يعمل في اللفظ، فشبه بالمرأة المعلقة التي لا هي مزوجة ولا هي مطلقة، وهي المعلقة التي أساء زوجها عشرتها. والدليل على أن هذه الأفعال والقلوب ما زالت تعمل في المحل؛ قالوا: والدليل على أن الفعل عامل في المحل أنه يجوز العطف على محل الجملة بالنصب.

كقول كثيّر العزائي الذي يحب شغلات الكثيب، يقول في قصيدته: وما كنتُ أدري قبل عزةَ ما البكاءُ ... ولا موجعاتِ القلبِ حتى تولتهُ

أين الشاهد؟ هنا "أدري"، أنت فعلاً أفعال القلوب. لو كان عاملاً لنصب مفعولين (الخبر)، لكن ما الذي علقه؟ وجود أداة الاستفهام. ما أداة الاستفهام؟ "ما البكاء؟". وإن كان الاستفهام ليس على حقيقته، وإنما أراد أن يبالغ في أنه قبل عزة ما كان يعرف شيئاً عن البكاء، فما هو البكاء؟

"ما البكاء؟" اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم، والبكاء مبتدأ مؤخر. وكالعادة جملة "ما البكاء" في محل نصب سددت مسد مفعولي "أدري".

ثم قال: "ولا موجعاتِ". هنا الشاهد: "ولا موجعاتِ القلب". "موجعاتي" لماذا مكسورة؟ "موجعات" جمع مؤنث سالم، ولأنها معطوفة بحرف العطف جاءت مكسورة. لماذا نصبت؟ قالوا: عطفا على محل جملة "ما البكاء" التي هي في محل نصب، لأنها سددت مسد مفعولين "أدري"، إذاً محلها النصب. فلما جاءت بعدها معطوفة عليها وهي "موجعات" جاءت منصوبة، منصوبة على ماذا؟ على محل جملة "ما البكاء" لأن محلها النصب.

وهذا دليل على بقاء عمل العامل وهو "أدري" في المحل، وهذا دليل على أن "أدري" ما زالت تعمل في محل جملة "ما البكاء"، لأنها لو كانت ملغاة تماماً لكانت جملة لا محل لها من الإعراب، فلم يجز حينئذ أن تنصب "موجعات". فلما نصب "موجعات" بالكسرة من جمهور الإنس، عرفنا أن هناك شيئاً عُطفت عليه "موجعات" منصوب، ما هو الشيء المنصوب الذي وقفت عليه "موجعات"؟ وهي جملة "ما البكاء".

كيف منصوبة وهو معلق؟ نقول: نعم، التعليق يبطل في اللفظ لكنه لا يبطل في المحل، هذا هو الشاهد الذي أراده؛ فعطف "موجعات" بالنصب على محل قوله "ما البكاء" الذي علق عن العمل فيه قوله "أدري". فـ "أدري" علقت عن العمل في اللفظ، ولكنها علقت للفظ ولم تعلق في المحل، وبالتالي جاز أن ينصب "ما البكاء" كاسم معطوف منصوب مثل "موجعات".

وهكذا أيها الأحبة نكون انتهينا من الكلام عن الجملة الاسمية وعن النواسخ التي تدخل عليها. وباذن الله نبدأ في الدرس القادم في الجملة الفعلية بأركانها: الفاعل مع ما يتعلق بالفاعل، وهكذا نحن نكون تجاوزنا أكثر من نصف الكتاب. أسأل الله أن يعيننا على إتمامه، والله ولي ذلك والقدر عليه، وعلى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.