دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 33 - النكرة في سياق النفي + ( لا ) العاملة عمل ( إنَّ )

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهدا لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قطر الندى للإمام ابن هشام الأنصاري، رحمه الله تعالى عليه. يوم نشرع بإذن الله في مبحث جديد من مباحث هذا الكتاب وهو مبحث لا النافية للجنس، وهذا المبحث في الحقيقة له ارتباط بما انتهينا منه في المحاضرة السابقة، المبحث الذي انتهينا منه هو مبحث إن وأخواتها.

فنقول أيها الأحبة، كما نحن الآن ما زلنا ندرس النواسخ التي تدخل على الجملة الاسمية، فقلنا النواسخ إما كان وأخواتها والحق بها كانا وأخواتها وما، وإما إن وأخواتها، وإن وأخواتها يلحق بها مبحث لا النافية للجنس، وإما إن وأخواتها. النواسخ التي تدخل على الجملة الاسمية تتحدث لها أحكام جديدة دائما، تستحضر هي ثلاثة: كان وأخواتها ولها ملحقات، وإن وأخواتها ولها ملحقات، وظن وأخواتها ولها ملحقات.

نحن انتهينا من كان وأخواتها وملحقاتها، وانتهينا من إن وأخواتها، واليوم ندرس ما يلحق بإن وأخواتها وهو باب لا النافية للجنس. وسنتعلم إن شاء الله أن التسمية الأدق لها أن نقول: لا العاملة عمل إن، هذه هي التسمية الأدق من قولنا لا النافية للجنس.

لماذا التسمية الأدق؟ هنا أيها الأحبة سأذهب إلى السبورة لأضع قاعدة أنطلق من خلالها في فهم فكرة لا النافية للجنس أو لا العاملة عمل إن. أيها الأحبة، ذكرنا سابقا وتعلمنا كثيرا في علم النحو وفي أصول الفقه أن النكرة في سياق النفي تدل على ماذا؟ النكرة في سياق النفي تدل على العموم.

من القواعد المتأصلة عندنا، والتي درسنا حينما تكلمنا عن مسوغات القصر عندما تكلمنا عن مسوغات الابتداء، لو قلنا إذا جاء المبتدأ نكرة في سياق النهي؛ لأنه يفيد حينئذ على العموم. المهم من القواعد قاعدة مهمة وهي أن النكرة في سياق النفي تدل على العموم.

لماذا النكرة في سياق النفي تدل على العموم؟ قالوا اكتبوا هذا؛ لأن النفي المتسلط على النكرة يستغرق جميع أفرادها. عندما نقول مثلا: ﴿لَيْسَ رَجُلٌ فِي الدَّارِ﴾، الآن "رجل" نكرة في سياق نفي بأداة "ليس". النفي المتسلط على النكرة أيها الأحبة يستغرق جميع أفراد النكرة الموجودة في الخارج، فحينما أقول: ليس رجل في الدار، أي ليس هناك فرد من أفراد الرجال موجود في هذه الدار أو كائن في هذه الدار؛ هذا معنى أن النكرة في سياق النفي تدل على العموم.

أريدك أن تفهم هذه القضية جدا؛ فهي مهمة في النحو وفي أصول الفقه وفي الاستدلال وفي فهم الكتاب والسنة. النكرة إذا وردت في سياق النفي الذي يتسلط على جميع أفرادها، فلذلك تصبح النكرة تدل على العموم. من هذه الزاوية، لأن لا النافية المتسلط عليها والواقعة على هذه النكرة استغرقت جميع الأفراد، تصبح النكرة صيغة من صيغ العموم.

هذا هو المعنى الظاهر الراجح، هذا هو المعنى الظاهر الراجح الأصلي، لكن يبقى هناك احتمال مرجوح، وهو أن المراد من تسلط النفي على النكرة ليس نفي العموم، ليس نفي جميع أفراد النكرة، بل المراد من تسلط النفي على النكرة نفي الوحدة، أي نفي الواحد وإرادة إثبات الاثنين أو الثلاثة فصاعدا.

أعيد الكلام: كون النفي المتسلط على النكرة يجعل النكرة صيغة من صيغ العموم؛ لأن النفي المتسلط على النكرة يستغرق جميع أفراد النكرة، هذا هو المعنى الظاهر. عبارة "الظاهر" عبارة أصولية، هذا هو الظاهر الراجح المتبادر إلى الذهن، المعنى الحقيقي. لكن يبقى هناك احتمال مرجوح، ليس الظاهر والمعنى الراجح، يبقى هناك احتمال مرجوح أن يكون النفي المتسلط على النكرة ليس مراده استغراق النفي جميع أفراد النكرة، وإنما مراده ماذا؟ نفي الواحد وإرادة إثبات الاثنين أو الثلاثة فصاعدا.

كيف ذلك؟ حينما أقول نفس المثال السابق: ليس رجل في الدار بل رجلان. ما رأيكم بهذه الجملة: ليس رجل في الدار بل رجلان؟ في هذا الحال، النفي المتسلط على كلمة "رجل"، هل أريد به استغراق جميع أفراد النكرة؟ هل هذا هو المعنى المراد في هذه الجملة؟ أو المراد بها ما يسميه النحويون نفي الوحدة وإثبات الاثنين أو الثلاثة فصاعدا؟ ممكن تقول: بل رجلان، بل ثلاثة، بل أربعة، بل خمسة، بل مائة، بل رجال كما تشاء.

المراد في هذه الحالة أيها الأحبة ليس استغراق جميع أفراد النكرة بالنفي، بل المراد في هذه الحالة نفي واحد فقط وإثبات الاثنين فالثلاثة فصاعدا. لكن كون النفي يتسلط على النكرة ويراد بذلك نفي الواحد وإرادة إثبات الاثنين أو الثلاثة فصاعدا، هذا معنى مرجوح مجازي، لا يعدل إليه إلا في حالة وجود قرينة. ما هي القرينة في هذه الجملة؟ العطف؛ حينما قال: بل رجلان أو ثلاثة أو خمسة، عرفت أن المراد بنفي النكرة هنا ليس نفي جميع الأفراد، وإنما مراد نفي ماذا؟ الواحد.

وفي هذه الحالة النكرة التي جاءت في سياق النفي ليست من صيغ العموم. إذن كون النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، هذا هو الظاهر والراجح والحقيقة. لكن هل هو واجب دائما؟ لا، نقول يمكن أن تأتي النكرة في سياق نفي ولا يراد بها العموم؟ تقول نعم، متى؟ إذا أريد بتسلط النفي على النكرة نفي الواحد وإرادة إثبات الاثنين أو الثلاثة فصاعدا، فهنا لا تكون النكرة في سياق النفي من صيغ العموم.

بل المراد بها حينئذ: ليس رجل في الدار، أي ليس رجل واحد في الدار، هذا المراد؛ أن فيه رجلا بل رجلان أو ثلاثة رجال أو أربعة. إذا النكرة في سياق النفي تدل على العموم، هذا هو الأصل؛ لأن الأصل والحقيقة والظاهر أن النفي المتسلط على النكرة يستغرق جميع أفرادها، ليس رجل في الدار. لكن كما قلنا، هذا هو المعنى الظاهر والراجح، وهو الذي يجب أن نحمل النصوص عليه في حالة عدم وجود قرينة؛ لأنه هو المعنى الحقيقي الذي يجب أن نحمل النص عليه.

الذي نسمعه في حالة عدم وجود قليلة. لكن يمكن أن يأتي النفي ويتسلط على النكرة، ولا يراد به نفي العموم وإنما يراد به نفي واحد، وإن كان هذا المعنى مرجوحًا ولكنه ممكن. ولكن لا نعدل إلى هذا المعنى الموجود إلا في حالة وجود قرينة تدل على ذلك، كقولنا: ليس رجل في الدار بل رجلان.

«بل رجلان» هذه قليلة دلتني على أن النفي متسلط على النكرة هنا لم يرد به نفي عموم أفراد النكرة وإنما أريد به نفي الواحد. إذاً الأصل أن نذكره في سياق هذا، فهذا يدل على العموم، وهذا هو المعنى الظاهر الراجح الحقيقي، ويبقى هناك احتمال مرجوح أن المراد نفي الوحدة لوحده، لا يُهدى إليه إلا بقرينة. أصلنا هذه القضية، لكن يقول أهل العلم هناك حالة يكون النفي فيها للنكرة نصًا في العموم، أي قطعًا في العموم، ولا يرد الاحتمال المرجوح احتمال إرادتنا نفي الوحدة لوحدها.

الآن ننتقل إلى هذا الاستثناء. النكرة كونها في سياق النفي تدل على العموم، هذا هو الظاهر ويبقى احتمال مرجوح أن المراد نفي الوحدة، لا يُعدل إليه إلا بقرينة. لكن هناك حالة أيها الأحبة، إذا جاءت فيها النكرة في سياق النفي نقول النكرة هنا قطعًا النفي متسلط على جميع أفرادها، ولا يوجد أبدًا ولا يمكن احتمال وجود الاحتمال المرجوح وهو إرادة نفي الوحدة.

هناك حالة إذا تسلط النفي فيها على النكرة يكون المراد نفي جميع الأفراد، أي استغراق جميع أفراد النكرة، ولا يرد الاحتمال المرجوح بإرادة نفي الواحد. فالآن حينما أقول: ليس رجل في الدار أيها الأحبة، نقول هذه ظاهرة في إرادة نفي جميع الأفراد، وتبقى هذه الجملة احتمالًا لمعنى مرجوح وهو إرادة نفي الوحدة لوحده. انتبهوا عندما أقول: ليس رجل في الدار، ما المراد هنا بالنفي؟ المراد نفي جميع أفراد الرجل ولأنه هذا هو المعنى الظاهر الراجح الحقيقي، على هذا أحمل النص. ولكن هل هناك احتمالية للمعنى المرجوح؟ نعم تبقى احتمالية معنى مرجوح وهي إرادة نفي الواحد وإرادة إثبات الاثنين والثلاثة، لكن لا أحمل عليها النص ما دام لم تأتِ قرينة.

لكن هناك حالة يتسلط فيها النفي على النكرة ويكون المراد قطعًا نصًا، هذه إمارة الأصوليين إن شاء الله في الدرس القادم من قواعد الأصول؛ اتفاق بين النص والظاهر والمجمل. النص المراد به النص قطعه، والظاهر الاحتمال الراجح مع وجود احتمال آخر مرجوح، هذا هو الفرق بين النص والظاهر عند الأصولية. فهناك حالة تكون النكرة في سياق النفي وتسلط النفي على جميع أفراد النكرة، أريد به العموم قطعًا، ولا مجال للمعنى المرجوح لا مجال نفكر فيه، لا يمكن أن يأتي.

ما هي هذه الحالة؟ يقولون: هذه الحالة إذا جاءت النكرة التي في سياق النفي مجرورة بمن، حرف زائد يدخل على النكرات المنفية للتنصيص على العموم. ما هي الحالة التي إذا وقعت فيها النكرة في سياق النفي تكون قطعًا نصًا وجهًا واحدًا المراد بها العموم فقط، ولا يجوز إرادة نفي الوحدة فيها؟ قالوا: إذا جاءت النكرة التي في سياق النفي مجرورة بمن، حرف جر زائد.

ما الفرق بين حرف الجر الزائد والأصلي؟ حرف الجر الزائد ليس له متعلق، والكلمة المجرورة به نقول إن هذه الكلمة لها محل من الإعراب وكسرت بسبب حرف الجر الزائد. إذا جاءت النكرة في سياق النفي مجرورة بمن، حرف الجر الزائد، في هذه الحالة تكون هذه النكرة المراد بها قطعًا نفي جميع الأفراد، ولا يوجد احتمال إرادة نفي الواحد وإرادة إثبات الاثنين أو الثلاثة. هذه «من» حرف جر زائد يدخل على المنكرات المنفية للتنصيص على العموم.

متى تكون «من» حرف جر زائد؟ يقول ابن مالك في الألفية: «وزيد للنفي فشبه ... شبهه فجر نكرة كمال باغ من مفر»

يقول ابن مالك تكون «من» حرف جر زائد إذا دخلت على النكرات المنفية، لماذا؟ فائدتها التنصيص على العموم، بدلالة أن هذه الجملة نص قطع في العموم ولا يوجد احتمال مرجوح أن المراد نفي الوحدة. نذكر مثالًا على ذلك حينما أقول أيها الأحبة: ليس في الدار من رجل. لا يوجد هنا الخبر مقدم، في الدار النكرة وهي كلمة رجل المنفية جاءت مجرورة بمن، حرف جر زائد. هذه بمجرد أن دخلت على النكرة المنفية جعلت النكرة هنا قطعًا المراد بالنفي جميع أفرادها، ولا يوجد احتمال آخر أن يراد نفي الواحد.

فهذه من أعلى صيغ العموم عند الأصولية، لأنها نص قطع في العموم ولا تحتمل احتمال نفي الواحد. ففي هذه الجملة «ليس في الدار من رجل»، لو أن المتكلم زاد فقال: «ليس في الدار من رجل بل رجلان»، نقول له الجملة خاطئة؛ لا يجوز إذا جاءت النكرة المنفية مجرورة بمن الزائدة، هذه نص إرادة العموم، فلا يجوز بعدها أن تأتي بإثبات اثنين أو ثلاثة وتقول والله أردت بنفي النكرة هنا نفي واحد. هذه الصيغة عند العرب أتت للتنصيص والقطع على أن المراد نفي العموم، فلا يجوز أن تجعلها وتأتي باحتمال آخر.

بينما لو كانت من دونهن، مثل: «ليس في الدار رجل»، وهذا يجوز فيها أن تكون: «ليس في الدار رجل بل رجلان»، وتكون «بل رجلان» هي القرينة التي صرفت من العموم إلى إرادة نفي واحد. فهمنا الفرق بين المسألتين؟ إذاً هذه الحالة ينبغي ضبطها؛ النكرة التي جاءت في سياق النفي مجرورة بمن، حرف الجر الزائد، هذه نص في العموم ولا يجوز طرح معنى آخر معها أو إرادة معنى مرجوح.

إذا عرفنا هذه المسألة المهمة، أن النكرة المجرورة بمن الزائدة في سياق النفي تدل على التنصيص على العموم، وهي نص في العموم.

الآن ماذا يقول النحاة؟ يقولون إن النكرة التي في زيادة النفي المجرورة بـ «من» حرف الجر الزائد هناك حالتان؛ حالة يكون فيها حرف الجر الزائد مذكوراً في الجملة ومنصوصاً عليه، وهي الحالة الأصلية مثل ما مر معنا قبل قليل: «ليس في الدار من رجل». الحالة الأولى إذا كان «من» حرف الجر الزائد الداخل على النكرة المنفية منصوصاً ظاهراً في الجملة.

الحالة الثانية هناك حالة يكون فيها «من» حرف الجر الزائد هذا التفسير لمن ليس مذكوراً، لكنه مضمن في السياق قبل النكرة، وهذه الحالة هي التي نريدها الآن. الحالة الأولى أن يكون فيها «من» حرف الجر الزائد ظاهراً، وهذا مثلنا له: «ليس في الدار من رجل». أما الحالة الثانية فهي حالة تكون فيها «من» حرف الجر الزائد التي قبل النكرة ليست مذكورة، ولكنها مضمنة في السياق. أنا أضمنها في السياق، وأستشعر وجودها وأقدر وجودها، فقط عملية تضمين وتقدير وجود في السياق مع أنه لم ينص عليه.

وأين سمع عن العرب هذا؟ سمع عن «لا» النافية للجنس التي سنبدأ بدراستها اليوم إن شاء الله. قالوا: قولك «لا رجل في الدار»، هذه لا تسمى إذا قلت «لا رجلاً في الدار» وجعلت «لا» تعمل عمل «إنّ». أما إذا جاء بعدها نكرة -أيها الأحبة- تكون هذه النكرة نصاً في العموم قطعاً. لماذا؟ أقول: «لا» التي تعمل عمل «إنّ» إذا عملت عملها، فالنكرة الواقعة بعدها نص في العموم.

قالوا: لأن «لا» التي تعمل عمل «إنّ» يضمن تضميناً بينها وبين اسمها «من» حرف الجر الزائد الذي يدخل على النكرات المنفية، يضمن تضميناً بينها وبين اسمها ليدل على قطعية العموم. «لا رجل في الدار» ما معناها؟ «لا من رجل في الدار». طبعاً في الإعراب لا يُضرب، هذا فقط تضمين ذهني؛ الإعراب ليس له علاقة به ولا يلتفت إليها، وإنما هو تضمين ذهني، وإياك أن تتكلم فيه في الإعراب، وإنما هو تضمين ذهني.

نقول: «لا رجل في الدار» أصل الجملة وتضمينها هو: «لا من رجل في الدار». فلذلك النكرة الواقعة بعد «لا» تكون نصاً في العموم، والنفي المتسلط على هذه النكرة قطعاً يريد نفي جميع أفراد هذه النكرة. النفي المتسلط على الاسم الواقع بعد «لا» في «لا رجل في الدار» أريد به قطعاً استغراق جميع أفراد هذه النكرة بالنفي، لذلك سميت «لا» هذه التي تعمل عمل «إنّ» بالنافية للجنس؛ لأنها تنفي الجنس، تنفي كل الجنس.

طبعاً المراد ليس نفي وجود جنس الرجال، لا تنفي وجود جنس الرجال، بل تنفي الجنس بحد ذاته. فهي عبارة فيها نوع تجوز، «لا» النافية لوجود الجنس، أي النافية لوجود الجنس، وهذا ضغط على الهامش علقوا عليه. «لا رجل في الدار»، هذه ما سميت «لا» النافية للجنس، لماذا؟ «لا» التي تعمل عمل «إنّ»، هذا هو السؤال المهم الذي ننطلق منه: لماذا «لا» التي تعمل عمل «إنّ» تسمى «لا» النافية للجنس؟

تقول: لأن هذه «لا» التي تعمل عمل «إنّ»، ما تتسلط عليه أو الاسم الواقع بعدها الذي تسلطت عليه، تنفي وجوده في الكلية، تنفي وجود جميع أفراد هذا الجنس، فلذلك نقول إن هذه نفي الجنس. حينما نقول «لا رجل في الدار»، هنا عملت في هذه النكرة، تسلطت على هذه النكرة، ماذا أريد بها؟ أريد بها نفي وجود جنس الرجال ولا واحد. فلذلك سميت «لا» النافية للجنس لأنها لا تفيد إلا معنى واحداً، وهو أنها تفيد نفي جنس النكرة أو نفي وجود جنس النكرة الواقعة بعدها، باختصار تنفي وجود جميع أفراد النكرة الواقعة بعدها، لذلك سميت «لا» النافية للجنس، وهي قطعية في هذا النفي، وهي قطعية في إرادة نفي جميع الأفراد، لا المعنى المرجوح وهو إرادة نفي الواحد؛ لأننا نضمن بين «لا» التي تعمل عمل «إنّ» وبين اسمها «من» حرف الجر الزائد الذي يدخل على النكرات المنفية لينصص ويقطع العموم.

إذا فهمنا هذه الحالة التي أريدها، حيث يكون «من» حرف الجر الزائد ليس مذكوراً لكنه مضمن في السياق، وفي هذه الحالة في حالة «لا» العاملة عمل «إنّ» إذا جاء بعدها نكرة فإننا نضمن تضميناً بينها وبين اسمها «من» حرف الجر الزائد. وسميت هذه النافية للجنس لأن المعنى الذي تفيده هو نفي جميع أفراد الجنس الواقع بعدها.

لكن في الحقيقة أيها الأحبة، أنا أذهب مع ابن مالك نوعاً ما في أن تسمية هذه بـ «لا» النافية للجنس فيها نوع من الإبهام وفيه إشكال، وتسميتها الأخرى أفضل. لماذا تسمية «لا» التي تعمل عمل «إنّ» أفضل من تسميتها «لا» النافية للجنس؟ من فهم الكلام السابق يمكن أن يعطيني جواباً. دعونا نفكر لماذا تسميتها «لا» التي تعمل عمل «إنّ» أولى من تسميتها «لا» النافية للجنس؟

ماذا يمكن أن ينتقد على تسميتها «لا» النافية للجنس؟ قد يُفرز من غير عمليات. أحسنت، «لا» قد تنفي الجنس أيضاً لكن من دون أن تكون عاملة عمل «إنّ»، وهذا مرَّ بنا قبل قليل. عندما تذكرون «لا» التي أخذناها في الدرس الماضي التي تعمل عمل «ليس»؛ فترك اسماً وتنصب خبراً، أخذناها عندما تكلمنا عن الملحقات من أخوات «ليس». الآن حين أقول: «لا رجل في الدار»، ما إعراب هذه الجملة؟ بعض العرب يقول لها: هذه مهملة لا تعمل، «لا» نافية مهملة، «رجل» مبتدأ، و«في الدار» متعلق بمحذوف خبر. وبعض العرب -كما في الدرس الماضي- يحمل «لا» عمل كان وأخواتها بالشروط التي ذكرناها، فيقول: «لا» عاملة عمل «ليس»، «رجل» اسم «لا» مرفوع، و«في الدار» متعلق بخبر «لا» منصوب. إذاً هذه «لا»...

لا تعمل عمل "إن"؛ ولكن لا رجل في الدار، هلا هنا تنفي بها؟ يعني النكرة هنا الواقعة في سياق النفي، ما المراد بها؟ أليس المراد أيضًا نفي جميع الأفراد والمراد نفي الجنس؟ نعم، هنا أيضًا "لا رجل في الدار"، المراد النكرة هنا من صيغ العموم. النكرة هنا من العموم لأن النفي الذي تسلط عليها نفى جميع أفراد هذه النكرة، إذاً هنا في الجنس، نفى وجود جنس الرجال في الدار.

إذاً هذه لا تعمل عمل "إن" وأيضًا تأتي لنفي الجنس. لكن ما الفرق فقط بين "لا رجل في الدار" و"لا رجل في الدار" التي سنتكلم عنها اليوم؟ ما الفرق بين "لا" التي تعمل عمل "إن" وبين "لا" التي لا تعمل عمل "إن" من حيث نفي الجنس؟ هناك فرق. ما الفرق بين "لا" التي تعمل عمل "إن" في نفي الجنس، وبين "لا" التي لا تعمل عمل "إن"؟

الوحدة، أحسنت. "لا" التي لا تعمل عمل "إن" يمكن أن تأتي وتريد نفي الواحد، فلا رجل في الدار يجوز أن أقول: لا رجل في الدار بل رجلان أو بالرجال. فلا التي لا تعمل عمل "إن"، "لا" المهملة أو التي تعمل عمل "ليس"، هذه يجوز أن تنفي الجنس وهذا هو الاحتمال الظاهر والحقيقي، وهناك احتمال مرجوح فيها أن المراد بها نفي الواحد وإرادة إثبات الاثنين أو الثلاثة؛ ففي "لا رجل في الدار" يجوز أن أقول: لا رجل في الدار بل رجلان، وتكون هنا فريدة دلت على أنه ليس المراد من النفي هنا نفي الجنس وإنما المراد نفي واحد.

بينما "لا" التي تعمل عمل "إن" هي قطعًا نص في نفي الجنس، ولا يوجد الاحتمال المرجوح وهو إرادة نفي الواحد. فأيهما أقوى في العموم: "لا رجل في الدار" أم "لا رجل في الدار"؟ "لا" التي تعمل عمل "إن" في الدار أقوى في العموم أصوليًا؛ لأن هذه قطعًا للعموم ولا يوجد فيها احتمال آخر، وهذه ظاهر في العموم ولكن يوجد احتمال مرجوح لا نذهب إليه إلا بخارج.

لذلك إن شاء الله في الدرس القادم قواعد الأصول، حينما نتكلم عن النص والظاهر، سأذكر أن هذه الصيغة ظاهر وهذه الصيغة نص، وهذه من أمثلة الفروق بين النص والظاهر الأصولية. لذلك قلت: تسمية "لا" العاملة عمل "إن" بـ "لا النافية للجنس" قد يشكل عليها أن كون "لا" النافية للجنس هذا ليس مختصًا بها، بل حتى "لا" التي تعمل عمل "ليس" أو "لا" المهملة تقوى على نفي الجنس، ولكن الفرق بينهما أنه "لا" التي لا تعمل عمل "إن" في نفي الجنس يكون مع احتمال إرادة نفي الواحد، أما "لا" التي تعمل عمل "إن" فنفيها للجنس قاطع.

ولكن أعيد: هل يمكن أن يصبح نفيها للجنس قاطعًا، يعني هي ما فيها ظاهر؟ هل ممكن "لا" التي لا تعمل عمل "إن" أجعل نفيها للجنس قاطعًا؟ كيف؟ أحسنت، مزيد منه، وهي الحالة الأولى؛ لو قلت: "لا في الدار من رجل". "لا" هنا مهملة، لا يجوز أن تجعلها تعمل عمل "ليس"، وتذكروا شروط "لا" العاملة عمل "ليس" في الدرس الماضي: تقدم الاسم وتأخر الخبر، وهنا الاسم تأخر.

ذكرنا في المحاضرة قبل السابقة أن "لا" حتى تعمل عمل "ليس" لازم يأتي الاسم ثم يأتي الخبر بعده، وهنا أنا قدمت الخبر فهذه لا تعمل عمل "ليس"، إذًا هي مهملة، "لا" في الدار خبر مقدم، و"من رجل"؛ "من" حرف جر زائد، رجل مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على "رجل" منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. دائمًا أي حرف جر زائد هكذا يعرب الاسم الذي بعده، تعتبر الحرف غير موجود، تنظر إعراب الكلمة من دون حرف الجر: "في الدار رجل"، رجل مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

تعلمنا أيها الأحبة موضعًا جديدًا من مواضع تقدير الحركة. تعلمنا أن الحركة يمكن أن تقدر للتعذر، ويمكن تقدر للثقل عن الواو والياء، ويمكن تقدر لاشتغال المحل بحركة المناسبة (ياء المتكلم)، وفي موضوع رابع درسناه تقدر للحكاية إذا كان اسم العلم مركبًا، مثل "شعب قرنان" و"تأبط شراً" من العلم المركب تركيبًا إسناديًا، الحركة تقدر عند الإعراب منع من ظهورها الحكاية. وهذا موضع خامس بتقدير الحركة: إذا كان الاسم مجرورًا بحرف جر زائد، نعربه أنه هذا الحرف ليس موجودًا، ثم بعد ذلك نقول: مبتدأ مرفوع (أو ما كان بحسب موقعه الإعرابي) منعه من ظهور الحركة عليه اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

فراحتوا، كيف نحن أثناء التعلم أيها الأحبة تنضج عندنا الأفكار؟ قضية التقدير تلاحظ الآن أنت تعلمت خمسة مواضع التقدير، لكن أثناء عملية التعلم عليك أن ترتبها في النهاية، دائمًا رتب الأفكار التي تأخذها، وكلما تأخذ معلومة زائدة تتعلق بمعلومة قديمة خذها ووضحها بقربها. فمثلاً ابن هشام ذكر في مطلع كتابه مواضع التقدير للحركة، لكنه ذكر المناسبة فقط، أنت في أثناء تعلمك عرفت أن هناك تقديرًا للحكاية، وهناك تقدير بسبب حركة حرف الجر الزائد، فانقل هذين الموضعين إلى ذاك المكان الذي تكلم فيه ابن هشام عن تقدير الحركة الإعرابية، فأنمي وأغذي المعلومة؛ هكذا يفعل طالب العلم مع المعلومات الجديدة.

إذا نعود إلى ما نحن فيه، "لا" يمكن أن تقع بعد "لا" التي لا تعمل عمل "إن"، وتكون نصًا في العموم، يمكن تقع نكرة بعد "لا" التي لا تعمل عمل "إن" وتكون نصًا في نفي الجنس، مثل: "لا في الدار من رجل". الآن "لا في الدار من رجل"؛ "لا" في الدار خبر مقدم، و"من رجل" مبتدأ مؤخر، وهنا "رجل" قطعًا المراد بها نفي الجنس، والمراد من تسلط النفي عليها نفي جنس الرجال بسبب دخول "من" حرف الجر الزائدة التي تدخل على النكرة المنفية لإفادة التنصيص على العموم.

فباختصار ليست "لا" النافية التي تعمل عمل "إن" هي فقط التي تقوى على نفي الجنس، بل غيرها من أنواع "لا" أيضًا تقوى على نفي الجنس ظاهرًا أو نصًا. لذلك والله أعلم، تسمية "لا" التي تعمل عمل "إن" بهذا الاسم أولى من تسميتها "لا النافية للجنس".

الجنس، حتى لا يتوهم الطالب أن نفي الجنس يختص بالنكرات المنفية بـ«لا» التي تعمل عمل «إن»، بل «لا» التي لا تعمل عملها يمكن أن تنفي الجنس، فهمتم؟ وهذا رأي ابن مالك في تعليقه على كلام ابن الحاجب رحمه الله؛ سماها «لا» التي تعمل عمل «إن»؛ أقوى، والله تعالى أعلم.

إذاً، كل هذه المقدمة حتى نفهم «لا» التي تعمل عمل «إن»، ونعرف بذورها الفكرية كيف هي. إذاً عندنا الآن الحديث، سأدخل مباشرة في «لا» التي تعمل عمل «إن». ما معنى «لا» تعمل عمل «إن»؟ ما عمل «إن»؟ يعني هذه لا تدخل على الجملة الاسمية تنصب الاسم وترفع الخبر، هذا معنى أنها تعمل عمل «إن»؛ أي تنصب الاسم وترفع الخبر.

دعوني أقرأ ماذا قال ابن هشام، ثم بعد ذلك نعلق. بسم الله، يقول ابن هشام في هذا الباب: «ومثل «لا» النافية للجنس أي في عملها، لكن عملها خاص بالنكرات المتصلة بها؛ نحو: لا صاحب علمٍ ممقوتٌ، ولا عشرين درهماً عندي، وإن كان اسمها غير مضاف ولا شبهه، بني على الفتح في نحو: لا رجلَ ولا رجالَ، وعليه أو على الفتح أو على الكسر في نحو: لا مسلماتٍ ولا مسلماتٍ».

وهنا منونة، عندكم صحيحة «مسلماتٍ»؟ هل عندكم منونتان و«مسلمات»؟ لا، مكسورة فقط؟ مكسورة. أنا عندي منونة، وبالحقيقة الجمهور على عدم جواز التنوين في هذه الحالة، وهناك رأي لبعض النحاة يجوز التنوين، لكن الجمهور لا يجوز التنوين في «مسلمات» حتى ولو كنت تريد المقابلة، سأعلق على ذلك إن شاء الله، وعلى الياء في نحو «لا رجلين».

هذا كلامه، ونبدأ التفصيل في الشرح. يقول ابن هشام: «إن «لا» تجري مجرى «إن» في نصب الاسم ورفع الخبر». إذن هناك نوع من أنواع «لا» تعمل عمل «إن». هناك أيها الأحبة «لا» نافية مهملة، وهناك «لا» تعمل عمل «ليس»، وهناك «لا» تعمل عمل «إن»، وأضيف النوع الرابع: «لا» الزائدة.

ما هي «لا» الزائدة؟ «لا» الزائدة لا تفيد النهي، وإنما فقط تأتي للتوكيد. أين ذكرنا مثالاً على «لا» الزائدة؟ من يتذكر سابقاً؟ ذكرنا مثالاً على «لا» الزائدة: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾. قلنا إن التي تنصب الفعل المضارع متى يجب إظهارها؟ إذا وقعت بين الواو واللام. وقلنا هذه قد تكون ظاهرة للنفي، مثل: ﴿لَا يَكُونُ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ويمكن أن يراد بها ليس، إنما هي زائدة للتوكيد.

فإذاً هناك «لا» زائدة لمجرد التوكيد ولا تفيد نفياً، وهناك «لا» نافية مهملة يعني لا تعمل، وهناك «لا» تعمل عمل «ليس»، وهناك «لا» تعمل عمل «إن». فإذا أراد الطالب أن يرتب المعلومة عنده بهذا النمط، حتى ينظر في الكلام العربي فيجد أحياناً هكذا وهكذا وهكذا، يقول إذاً عندي أربعة أنواع لـ«لا» لا تعارض، لا إشكال، لا تداخل، كل شيء نوع.

متى تعمل «لا» عمل «إن»؟ لها ثلاثة شروط؛ أحدها أن تكون نافية للجنس، أي أن يراد بها نفي الجنس. هذا الشرط الأول، إذا قصد بها نفي الجنس. فبالتالي أيها الأحبة، «لا رجلَ في الدار»؛ الآن المتكلم هنا له دور في الاختيار، إذا أراد المتكلم التنصيص والقطع على إرادة نفي الجنس يختار أن يقول: «لا رجلَ في الدار». أما إذا لم يرد المتكلم التنصيص والقطع بنفي الجنس، وإنما أراد أن ينفي الجنس على الظاهر وليس على القطع، فقال: «لا رجلٌ في الدار»، فالمتكلم له الاختيار.

اللاحظ هنا، الطالب يقول: طيب يا شيخ، متى الإنسان وهو المتكلم يقول «لا رجلٌ في الدار» فيعمل «لا» عمل «ليس»، ومتى يقول «لا رجلَ في الدار»؟ نقول هذا يعود إليك أيها المتكلم؛ إن قصدت التنصيص والقطع بنفي الجنس هنا يجب عليك إذا أردت أن تقول: «لا رجلَ في الدار». وإذا لا تريد التنصيص على نفي الجنس وإنما أردت نفي الجنس من دون أن تجعل هذا النفي على سبيل القطع، وإنما تجعله ظاهراً فقط، فتقول: «لا رجلٌ في الدار».

فالأمر يعود إلى من؟ إذا أراد المتكلم وقصد نفي الجنس على سبيل التنصيص، فحينئذٍ نقول يجب أن تقول: «لا رجلَ في الدار». أما إذا قلت: «لا رجلٌ في الدار»، ثم تقول والله هذا التنصيص والقطع على نفي الجنس، نقول الجملة هذه لا تفيد التنصيص، وإنما تفيد نفي الجنس على سبيل الظهور والرجحان وليس على سبيل التنصيص. واضحة الفكرة أيها الأحبة؟ فالأمر يعود إلى المتكلم هو الذي سيختار. فنقول للمتكلم: هل أردت التنصيص على نفي الجنس؟ قال نعم أريد هذا، نقول يجب أن تقول: «لا رجلَ». إذا قلت: «لا رجلٌ»، ذهب التنصيص. لذلك لكي تكون نافية للجنس، وهنا في الحقيقة أرى أنه ينبغي أن يُزال في هذا الشرط "أن تكون نافية على سبيل التنصيص"، لأن «لا رجلٌ في الدار» أيضاً هي نافية للجنس، فليكن الشرط: أن تكون نافية للجنس، سواء على سبيل التنصيص أو على سبيل الرجحان.

الشرط الثاني أن يكون معمولاها نكرتين، وهذا شرط يشابه شرط «لا» التي تعمل عمل «ليس»؛ ذكرنا أن اسمها يكون نكرة وخبرها يكون نكرة، وكذلك «لا» النافية التي تعمل عمل «إن» اسمها نكرة وخبرها نكرة، فهذا شرط مشترك بينهم.

الشرط الثالث أن يكون الاسم مقدماً والخبر مؤخراً، وهذا أيضاً شرط لـ«لا» التي تعمل عمل «ليس». إذاً يا شيخ، «لا» التي تعمل عمل «ليس» تشبه في شروطها «لا» التي تعمل عمل «إن»، فما الفرق بينهما إذاً؟ الشرط الأول لـ«لا» التي تعمل عمل «ليس» هو إرادة نفي الجنس وليست قطعاً، فيجوز في «لا» التي تعمل عمل «ليس» أن أقول: «جاء رجلٌ في الدار» ليريد المعنى المرجوح وهو إرادة نفيه لوحده، بينما «لا» التي تعمل عمل «إن» هي نص قطع في إرادة نفي الجنس، فلا يجوز فيها أن أقول: «لا رجلٌ في الدار بل رجلان»، هذا الفرق.

وأما من حيث الشروط، فالشرط الثاني والثالث يشتركان بين «لا» التي تعمل عمل «ليس» و«لا» التي تعمل عمل «إنَّ». إلى ماذا يقول؟ سيبيّن ابن هشام ماذا يحدث إذا انخرمت هذه الشروط.

فيقول: إن انخرم الشرط الأول بأن تكون «لا» النافية أصلاً كانت «لا» الناهية، فـ«لا» الناهية تدخل على الفعل المضارع وتجزمه، نحو: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فهذه أصلاً ليس لها علاقة بالنفي بتاتاً، وإنما هي ناهية أو زائدة. والزائدة التي ذكرتها قبل قليل لا تفيد النفي وإنما تفيد التوكيد، وهي قطعا لا تعمل شيئاً.

كقولك: «ما منعك إلا أن تسجد»، أي: «ما منعك أن تسجد». وكما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]، وقارنها بقوله في سورة ص: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [ص: 76]. هناك في سورة الأعراف «لا» ليست للنفي وإنما هي زائدة لتأكيد النفي، وفي سورة ص جاءت من دون بتوكيد، فالمراد: «ما منعك من السجود»، وليس المراد: «ما منعك من عدم السجود»، لأن المعنى لا يستقيم. فهذه «لا» زائدة، ومثلها أيضاً ما ذكره الأخ: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، فهذا مثال أيضاً على «لا» زائدة.

الحالة الثالثة هي أن ينخرم الشرط الأول، بأن تكون ناهية أو زائدة أو نافية للوحدة التي تعمل عمل «ليس». وهنا تنبيه: لا يريد ابن هشام أن «لا» التي تعمل عمل «ليس» دائماً لنفي الوحدة، بل يقول إذا كانت ناهية اختصت بالفعل وجزمته، وإذا كانت زائدة لم تعمل شيئاً، وإذا كانت نافية للوحدة -يعني نافية الواحد وإرادة إثبات الاثنين أو الثلاثة- عملت عمل «ليس».

إنه يريد أن يقول: إذا كان المراد بنفي الوحدة، فلا يجوز لك أن تختار «لا» النافية التي تعمل عمل «إنَّ»، بل يجب أن تختار «لا» التي تعمل عمل «ليس»؛ لأنها هي التي تقدر على أن يكون معناها نفي الوحدة، الاثنين والثلاثة. وإن كان الأصل والظاهر في «لا» التي تعمل عمل «ليس» أيضاً هو نفي الجنس، إلا أن «لا» التي تعمل عمل «ليس» هي التي تقدر على نفي الوحدة. أما «لا» التي تعمل عمل «إنَّ» فلا تقدر على نفي الوحدة، بل هي دائماً لنفي الجنس.

لذلك يقول: إذا كانت نافية للوحدة عملت عمل «ليس». وأريد أن أضع تعليقاً هنا: «لا» التي تعمل عمل «ليس» ليست دائماً لنفي الوحدة كما يتوهم من ظاهر كلام ابن هشام، ولكنها تستطيع أن تنفي الوحدة وتستطيع أن تنفي الجنس، والأصل فيها أنها تنفي الجنس، ولكن يمكن أن تنفي الوحدة ونحتاج في هذه الوحدة إلى قرينة، كقولك: «لا رجل في الدار بل رجلان». ففي هذا المثال يستحيل أن تكون هذه «لا» التي تعمل عمل «ليس»، فإما أن تقول: «لا» مهملة، وإما أن تقول: «لا» هنا التي تعمل عمل «ليس» هو «رجل» اسم «لا»، و«في الدار» هو خبر «لا» أو متعلق بالخبر.

إذن، إذا انخرم أحد الشرطين الأخيرين -وما هما الشرطان الأخيران؟ أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وأن يكون الاسم مقدماً والخبر مؤخراً- إذا انخرم أحدهما لن تعمل «لا» أبداً، لا عمل «إنَّ» ولا عمل «ليس»؛ لأن الشرطين الأخيرين يشترطان في «لا» التي تعمل عمل «ليس» وفي «لا» التي تعمل عمل «إنَّ». فإذا انخرم الشرطان الأخيران، تكون هذه «لا» نافية مهملة، أي تنفي لكنها لا تعمل.

ووجب تكرارها أيضاً إذا انخرم أحد الشرطين الأخيرين. مثال الأول: «لا زيد في الدار»، هنا انخرم الشرط لأن الاسم جاء معرفة، فـ«لا» هنا لا تصلح أن تكون عاملة عمل «إنَّ» ولا عاملة عمل «ليس»، فتكون مهملة، ونقول: «لا زيدٌ في الدار»، ويجب في هذه الحالة الإهمال وتكرار «لا»، فتقول: «لا زيدٌ في الدار ولا عمر».

وكذلك إذا انخرم الشرط الثاني، إذا جاء الخبر والمبتدأ مؤخراً، فلا يجوز أن تعمل عمل «إنَّ» ولا تعمل عمل «ليس»، فقالوا: يجب التكرار. كقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غُولٌ * وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: 47-48]، هنا «لا» مهملة لأن الخبر تقدم على المبتدأ، ويجب التكرار. فابن هشام يقول: لا يجوز أن تأتي بهذا الأسلوب، أن تأتي بـ«لا» نافية ثم تأتي بالخبر مقدماً والمبتدأ مؤخراً إلا وأنت تريد التكرار.

التكرار، فهنا ما يصير تقف، لا فيها غول وتنتهي الجملة وتذهب إلى معنى جديد. لا بد أن تكرري النفي، لا فيها: ﴿قَوْلًا لَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. لاحظوا تكررت «لا».

فابن هشام يقول: إذا جاءت «لا» النافية في البداية، وجاء الاسم بعدها معرفة، أو جاء الاسم مؤخراً والخبر مقدماً، فلا يجوز استخدام هذا الأسلوب إلا في حالة إرادة المتكلم لتكرار النفي. فلا تقل: «لا زيدٌ في الدار» وأنت لا تريد أن تأتي بتكرار «لا». إذا قلت: «لا زيدٌ في الدار»، إذاً أنت تريد أن تكرر «لا» مرة أخرى، هذا الذي أفهمه. تريد أن تقول: «ولا عمر ولا بكر»، تريد أن تقول نفياً آخر. أما أن تقول: «لا زيدٌ في الدار» وأنت لا تريد أن تكرر النفي مرة أخرى، ما يصير.

عرفتم ما الذي يحدد بناء العلامة؟ السماع عند العرب. وابن هشام يقول هكذا سمع هذا العرب. إذا جاءتنا وجاء بعدها معرفة ولم يأتِ نكرة هنا، يجب تكرارنا، هكذا العرب تفعل. فلا تقول العرب: «لا زيدٌ في الدار» وتسكت، لا، تكرر. يكون المتكلم بهذه الصيغة أراد أن يأتي بـ «لا» مرة أخرى ويكررها. ولا يجوز أن تأتي بـ «لا» ويأتي الخبر مقدماً والمبتدأ مؤخراً وأنت لا تريد التكرار، لا بد أن تكون تريد التكرار وتأتي بـ «لا» مرة أخرى تنفي بها شيئاً آخر، فتقول: ﴿قَوْلًا لَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. هكذا سمع عن العرب، إذاً وجب التكرار. عرفتم؟

إيش معنى وجب التكرار؟ الآن بعدها إن ذكرنا هذه الأمور سنذهب ونتعرف على اسم «لا» النافية للجنس، صوره وأحواله.

أيها الأحبة، اسم «لا» التي تعمل عملاً لها ثلاثة أحوال: إما أن يكون مفرداً، وإما أن يكون مضافاً، وإما أن يكون شبيهاً بالمضاف. المفرد هنا ليس هو المفرد الذي يقابل المثنى والجمع، المفرد هنا يقابله المضاف والشبيه بالمضاف. وأنا نبهت كثيراً في الآجرومية وفي قطر الندى؛ كلمة «مفرد» يختلف مدلولها في العلم باختلاف الباب الذي ترد فيه. فعندما نتكلم في باب المفرد والمثنى والجمع، المفرد هناك يقابله المثنى والجمع؛ فرجل مفرد، ورجلان مثنى، ورجال جمع. أما المفرد في باب «لا» التي تعمل عمل «إن»، ليس مقابلاً له المثنى والجمع. الذي يقابل المفرد هنا المضاف والشبيه بالمضاف، فالمفرد هنا في باب «لا» التي تعمل عمل «إن» يدخل فيه المثنى والجمع، كله يسمى مفرداً هنا لأن المفرد ما نقابله المضاف والشبيه بالمضاف.

إذاً اسم «لا» التي تعمل عمل «إن» إما أن يكون مفرداً، وإذا كان مفرداً إما أن يكون واحداً أو جمع تكسير. الواحدة هي المفرد بالمعنى المقابل للمثنى والجمع، يعني المفرد بالمعنى المقابل للمثنى والجمع. إذاً اسم «لا» التي تعمل عمل «إن» إما أن يكون مفرداً، فإذا كان واحداً أو جمع تكسير فإنه يبنى على ماذا؟ إذا كان واحداً يدل على واحد أو جمع تكسير مثل رجل ورجال، فإن «لا» التي تعمل عمل «إن» فيها قضية غريبة. هي تعمل عمل «إن»، المفروض أن تعمل: تنصب الاسم وترفع الخبر، هذا المفروض. لكن في الحقيقة هناك تفصيل: إذا كان اسم «لا» التي تعمل عمل «إن» مفرداً، فإنه -أيها الأحبة- يكون مبنياً في محل نصب. خلاص، نحفظ: إذا كانت «لا» تعمل عمل «إن» فهي تنصب الاسم وترفع الخبر، لكن إذا جاء اسمها مفرداً فإنه لا يكون منصوباً مباشرة، بل يكون مبنياً في محل نصب.

جميل، مبنياً على ماذا؟ نقول حركة البناء ستختلف باختلاف طبيعة هذا المفرد. إذا كان المفرد واحداً أو جمع تكسير يبنى على الفتح، تقول: «لا رجلَ في الدار»، «لا رجالَ في الدار». «رجلَ» أو «رجالَ» اسم «لا» النافية للجنس، اسمها مبني على الفتح في محل نصب. احفظ هذا اليوم.

وإذا كان هذا المفرد جمع مؤنث سالماً، فإنه يبنى على الكسر أو الفتح، يجوز هذا ويجوز هذا. مثال ذلك: «لا مسلماتِ في الدار»، ويجوز أن تقول: «لا مسلماتَ في الدار». «مسلماتِ» أو «مسلماتَ»، إعرابها: اسم «لا» النافية للجنس مبني. إذا كسرت النطق فهو مبني على الكسر في محل نصب، وإذا فتحت تقول: مبني على الفتح في محل نصب. يجوز هذا ويجوز هذا. من قال بالكسر هو يريد أن يكون «مسلمات» في محل نصب، ونصب المؤنث السالم حركته الكسرة، صح؟ كيف؟ الآن المؤنث السالم عندما ينصب ينصب بالكسرة، فبما أنه «مسلمات» هنا مبنية في محل نصب، فإنه يجعلها مبنية على الكسر لأنه في محل نصب، فيقول الذي يناسب محلها أن يبنيها بالكسر. وهناك من يقول: بما أن هنا مبنية وليست أصلاً منصوبة مباشرة، نقول ابنها على الفتح مثلها مثل جمع التكسير والمفرد، خلص يعني نجعلها مثلهم. فهذا جائز وهذا جائز.

طيب هل يجوز التنوين هنا؟ هل يجوز أن أقول: «لا مسلماتٍ»؟ أيها الأحبة، التنوين الذي يدخل على جمع المؤنث السالم هو تنوين مقابلة، وليس تنوين تمكين. والتنوين الذي يمتنع دخوله على المبنيات هو تنوين التمكين. وتنوين جمع المؤنث السالم ليس تنوين التمكين وإنما هو تنوين مقابلة، بدليل أنه يجوز أن يدخل هذا التنوين على المؤنث السالم الممنوع من الصرف. إذاً المؤنث ليس تنوين تمكين بل تنوين مقابلة، يدخل على جمع المؤنث السالم الممنوع من الصرف.

هل يجوز أن يدخل تنوين المقابلة على جمع المؤنث السالم المبني؟ أهوناً في خلاف. الجمهور يقول لا يجوز ذلك، فيقولون لا يجوز أن تقول: «لا مسلماتٍ في الدار». بعض النحاة يجوز ذلك، يقولون هذا تنوين مقابلة كما يجوز إدخاله على جمع المؤنث السالم الممنوع من الصرف. قالوا على جمع المؤنث السالم حينما يكون مبنياً فهو لا يدل على تمكن الاسم أصلاً، هو يدل فقط على مقابلة النون في جمع المذكر السالم، فيجوزون دخوله على جمع المؤنث السالم حينما يكون مبنياً. لكن دعونا مع الجمهور، الجمهور يمنع ذلك، خلص نحن نبيح تنوين المقابلة في الممنوع من الصرف، بكفي.

طيب إذا كان هذا المفرد جمع مذكر سالم أو مثنى، فإنه يبنى على ماذا؟ يبنى على الياء، لماذا؟ لأن هذه الأسماء حينما تنصب تنصب بالياء. فإذاً هنا سنقعد قاعدة المفرد يبنى...

على ما ينصب به؛ هذه هي القاعدة النهائية التي استخلصناها؛ لأنه المفرد الواحد، والجمع المذكر السالم لما يوصف، وصف بأيش؟ الحالة الطبيعية؟ بالفتحة. صح؟ جمع المذكر السالم لما ينصب بأيش؟ بالياء. إذا بالتالي خلونا نضع قاعدة تعيننا على ضبط الموضوع: أما المفرد الواقع اسم "لا" النافية للجنس، فيبنى على ما ينصب به. فبشوف أنا الكلمة هذه على ماذا تنصب؟ لما كانت منصوبة ما ينصب، يبنى على ما ينصب به؛ ما ينصب بالكسرة يبنى على الكسرة، وما ينصب بالفتحة يبنى على الفتحة.

لكن جمع المؤنث السالم قلنا لا يجوز، ووجهه يجوز أن تبنيه على الكسرة بناءً على أنه ينصب بالكسرة، وجوز كثير من النحاة أن يبنى على الفتح قياسًا على المفرد وجمع التكسير. فهمتم القاعدة إذا؟ إذا جاء اسم "لا" التي تعمل عمل "إن" مفردًا، والمفرد هنا مقابله المضاف، فإن هذا المفرد يكون منصوبًا مباشرة بل يكون مبنيًا على ما ينصب به في محل نصب.

فلا رجل في الدار؛ "رجل" مبني على الفتح في محل نصب. ولا مسلمين في الدار؛ "مسلمين" اسم "لا" التي تعمل عمل "إن" مبني على الياء في محل نصب. ولا مسلمين في الدار مثنى، صح؟ اسم "لا" التي تعمل عمل "إن" مبني على الياء في محل نصب. فإذاً اسم "لا" التي تعمل عمل "إن" المفرد يبنى على ما ينصب به في محل نصب، حفظنا الإعراب هذا، ينبغي أن يحفظ، هذا الأصل الذي ينطلق منه.

الحالة الثانية أيها الأحبة، الحالة الثانية أن يكون اسم "لا" التي تعمل عمل "إن" مضافًا. أيش يعني مضافًا؟ يعني أن يكون مضافًا ومضافًا إليه. صعبة؟ أن يكون مضافًا ومضافًا إليه؛ أقول: لا طالبَ علمٍ في الدار، لا صاحبَ دابةٍ في المسجد. فهنا اسم "لا" التي تعمل عمل "إن" لم يأتِ مفردًا، جاء مركبًا مضافًا مضافًا إليه.

كيف يكون الإعراب في هذه الحالة؟ في هذه الحالة على الأصل؛ نقول: "طالب" اسم "لا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة، "علم" مضاف إليه. فكيف نعرب؟ لا طالبَ علمٍ في الدار؛ "طالب" اسم "لا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره وهو مضاف، "علم" مضاف إليه، "وفي الدار" شبه الجملة المتعلقة بمحذوف تقديره كائن هو خبر "لا". لا صاحبَ دابةٍ؛ "صاحب" اسم "لا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة وهو مضاف، "دابة" مضاف إليه، "وفي المسجد" الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر له. بهذه الطريقة إذا كان اسم "لا" مضافًا ومضافًا إليه يكون معربًا على الأصول؛ كأنك حطيت "إن"؛ "إن طالبَ علمٍ في الدار".

إذا كان شبيهًا بالمضاف، ما هو الشبيه بالمضاف أيها الأحبة؟ الشبيه بالمضاف هو لفظ اتصل به لفظ من تمام معناه. يقولون: لفظ اتصل به شيء من تمام المعنى، لكن الشيء هنا هو نبض. فهنا إذا نقول لفظ اتصل به لفظ من تمام معناه لكنه ليس مضافًا إليه؛ يأتي عندنا لفظ يتصل به لفظ آخر، هذا اللفظ الآخر يكون من تمام معنى اللفظ الأول، بحيث لا يكتمل معنى اللفظ الأول حتى يأتي معه اللفظ الثاني، لكن علاقة اللفظ الثاني باللفظ الأول ليست علاقة المضاف والمضاف إليه؛ لأنه لو كانت علاقة المضاف بالمضاف إليه لكانت كأنها أشخاص من القسم الماضي، لكن هناك صورة يكون فيها لفظ يتصل به لفظ، وهذا اللفظ الثاني هو من تمام معنى اللفظ الأول.

أمثلة ذلك أيها الأحبة باختصار سريع، إذا كان اسم "لا" من المشتقات مع معمولاتها؛ مثال ذلك: لا طالعًا جبلًا في الدار، لا قبيحًا وجهُه في الدار، لا أفضلَ من زيدٍ في الدار. هذه أمثلة سريعة. الآن لاحظوا: لا طالعًا جبلًا في الدار؛ "طالعًا" مشتق من اسم الفاعل، ممتاز، "جبلًا" إعرابها مفعول به لاسم الفاعل. فكلمة "جبلًا" اتصلت بـ "طالع" وهي من تمام معناه. لو قلت لك: لا طالعًا في الدار، بتقول لي طالع ايش؟ قال جبل طالع في السما؟ وين طالع؟ حددت لي إلى أين؟ فلما أقول "طالعًا جبلًا"، اللفظة الثانية وهي "جبلًا" من تمام معنى اللفظ الأول، فاللفظ الأول لا يُفهم إلا من خلال اللفظ الثاني، وعلاقتهما مع بعضهما ليست علاقة مضاف ومضاف إليه، لا بل علاقة عامل ومعمول، و"جبلًا" مفعول به لاسم الفاعل.

اسم الفهم واضح أيها الأحبة؟ طيب، لا قبيحًا وجهُه؛ "قبيحًا" أي نوع من المشتقات؟ مشبه، صفة مشبهة على وزن فعيل، و"وجهُه" إعرابها فاعل للصفة المشبهة. نحن سندرس إن شاء الله بعد الكلام عن الإعراب ما يعمل عمل الفعل، سنتكلم عن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل وما المعمولات التي يأخذها، وسنتكلم عن الصفة المشبهة تعمل عمل الفعل، واسم المفعول يعمل عمل الفعل، وصيغة المبالغة، وإفعل التفضيل. فهذه المشتقات هي التي يدرك أنها تقوى على العمل عمل الأفعال ولها معمولات لكن بشروط وضوابط تدرس في موضعها. "فوجهه" فاعل للصفة المشبهة، ممتاز؟ ولو قلت: لا قبيحًا في الدار؛ "قبيحًا" هنا لم يتم معناها، قبيح من أين؟ قبيح الخلق؟ قبيح المنظر؟ قبيح السيارة؟ قبيح ايش بالضبط؟ بدك تحدد، فتقول: لا قبيحًا وجهُه؛ فوجهه هذا اللفظ اتصل بـ "قبيح" وهي من تمام معناه، لذلك سمي هذا كله شبيهًا بالمضاف.

كذلك: لا أفضلَ من زيدٍ في الدار؛ "أفضل" إفعل تفضيل، "من زيد" الجار والمجرور متعلق بـ "أفضل" وبه تم معناها. لا أفضل في الدار وتسقط، فما ينفع، لا أفضل من مين؟ لا أفضل من كذا، لا أفضل من زيد، لا أفضل من عامر، لا أفضل من خالد، ما بينت لي المعنى، ما زال هناك إبهام في معنى أفضل، فمن زيد هذه اللفظة من تمام معنى إفعل التفضيل. جيد أيها الأحبة؟ فالمشتقات مع معمولاتها هي شبيه بالمضاف، أيضًا مما يظهر بالشبيه بالمضاف.

التمييز مع مميزه، وهذا الذي مثل به ابن هشام في المتن حين قال: «لا رجلاً بالدار»، رجلاً إعرابها تمييز، وأين المميز؟ عشرين، صح؟ هذا هو المميز.

الآن لو قلت لك تخيل قلت لك: «لا عشرين في الدار»، أنت راح تقول عشرين إيش؟ عشرين ناجح، عشرين بقرة، عشرين إبل، عشرين رجل، عشرين قلم؛ ما زالت مبهمة، تحتاج إلى التمييز حتى يوضح ويفك الإبهام الذي فيها. فحينما قلنا: «لا عشرين رجلاً»، فهمت أن المراد بالعشرين عشرين رجل. فرجلاً التمييز مع المميز، وعلاقتهما مع بعض لفظ اتصل بلفظ من تمام معناه، وليست علاقة المضاف والمضاف إليه، فيسمى شبيهاً بالمضاف.

المثال الثالث والأخير الذي أذكره هو الأعداد المعطوفة. الأعداد المعطوفة مثلاً حينما نقول -أيها الأحبة- لو قلت مثلاً: «لا ثلاثة وثلاثين في الدار»، وسميت هذا ليس عدداً، اعتبرني سميت شخصاً اسمه "ثلاثة وثلاثين"، حبيت أسمي شخص "ثلاثة وثلاثين خمسة وثلاثين". هنا أيها الأحبة الأعداد المعطوفة؛ لأن الأعداد المعطوفة نفس الشيء، إذا قلت لها ثلاثة وثلاثين وقصدت العدد، هنا أيضاً تحتاج إلى تمييز، مثل ثلاثة وثلاثين إيش؟ بقرة، نعجة، فهي أصلاً تعود إلى باب التمييز.

لكن هنا الأعداد المعطوفة، لو أنك سميت شخصاً "ثلاثة وثلاثين"، في هذه الحالة أيضاً نقول هذه الحالة من أحوال الشبيه بالمضاف، تقول: «لا ثلاثة وثلاثين في الدار»، ثلاثة وثلاثين هذا عدد معطوف. فالأعداد المعطوفة أيضاً المعطوف مع المعطوف عليه يكمل معنى المعطوف عليه وهو من تمام معناه، والمعطوف من كمال معنى المعطوف عليه، وليست علاقتهما علاقة المضاف والمضاف إليه، فايضاً يأخذ حكم الشبيه بالمضاف.

في هذه الأحوال الثلاث (التمييز مع مميزه، والأعداد المعطوفة) نسمي هذه الأمور كلها تسمى الشبيه بالمضاف. فإذا وقعت اسم "لا" التي تعمل عمل "إنّ" تكون معربة، لا تكون مبنية، تكون معربة. فلاحظوا كيف قلنا: «لا طالعاً جبلاً في الدار»، طالعاً إعرابها اسم منصوب وعلامة نصبه الفتحة. «لا قبيحاً وجهه في الدار»، قبيحاً اسم "لا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة. «لا أفضلَ من زيتٍ في الدار»، أفضلَ وعلامة نصبه الفتحة.

طيب يا شيخ ليش ما نونناه؟ «لا أفضلَ من زيت الفردوس»، والنوع من الصرف يعني ما تدخل عليه، تقول: «لا أفضلَ شخصٍ إلا رجلاً»، تقولي ليس منصوباً، لا هو منصوب. طيب هذه لماذا لم تنون؟ «لا طالعاً» نونتها، «لا قبيحاً» نونتها، «لا أفضلَ» لماذا لا تنونها؟ أليست لأنها ممنوعة من الصرف وهي معربة؟ جميل.

طيب «لا عشرين رجلاً»، عشرين إعرابها: مبني على الياء في محل نصب اسم "لا". عشرين هنا ليست مبنية لأن اتصل بها شيء من تمام معناها، هي ملحقة بجمع المذكر السالم، لكن لما اتصل بها شيء من تمام معناها والتمييز قلنا عشرين، تكون اسم "لا" منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.

«لا ثلاثة وثلاثين»، ثلاثة اسم "لا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والواو عطف، وثلاثين اسم معطوف منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه معطوف على المنصوب، وثلاثين تكون اسم معطوف منصوب وعلامة نصبه الياء لأنها ملحقة بجمع المذكر السالم.

إذاً اسم "لا" إما أن يكون مفرداً -وعرفنا ما معنى مفرد؟- فيبنى على ما ينصب به في محل نصب، وإما أن يكون مضافاً فيكون معرباً، وإما أن يكون شبيهاً بالمضاف فيكون أيضاً معرباً. وعرفنا ما معنى أنه شبيه بالمضاف؛ لفظ اتصل به لفظ من تمام معناه، ليست علاقتهما علاقة مضاف ومضاف إليه، لذلك سمي شبيهاً بالمضاف، لأنه يشبه المضاف في وجود علاقة بين لفظين، لكن الشبيه بالمضاف هناك علاقة بين لفظين، بل حتى يمكن بين أكثر من ثلاثة من لفظين في ترابط، لكن ليس الترابط على الإضافة.

نعود إذا لابن هشام، ننظر ماذا يقول ابن هشام رحمه الله لما بدأ الفصل: «وإذا استوفت الشروط -إذا كانت "لا" مستوفية شروط عملها- فعملنا، قال: فلا يخلو اسمها إما أن يكون مضافاً، أو شبيهاً به -يعني شبيهاً بالمضاف- أو مفرداً». ممتاز. «فإن كان مضافاً أو شبيهاً به، ظهر النصب فيه»، يعني يكون معرباً منصوباً. ويظهر النصب في المضاف لقولك: «لا صاحبَ علمٍ ممقوتٌ»، «ولا صاحبَ جودٍ مذمومٌ». اسم "لا" هنا مضاف ومضاف إليه، فإنه يعرب منصوباً وعلامة نصبه الفتحة وهو مضاف وما بعده مضاف إليه.

أما الشبيه بالمضاف فما اتصل به شيء، وأنا قلت ما اتصل به لفظ، المقصود هنا لفظ اتصل به لفظ من تمام معناه. أما المضاف فما اتصل به مضاف إليه. وعند المتأخرين نحتاج إلى شيء من التنصيص حتى يتضح المراد، فما اتصل به شيء، أي لفظ اتصل به لفظاً من تمام معناه؛ إما مرفوعاً به مثلاً: «لا قبيحاً فعله»، فعله مرفوعة بقبيح، لأنه مرفوع بالصفة المشبهة "قبيح". أو منصوباً به، يعني قد يكون اللفظ الآخر منصوباً باللفظ الأول الذي اتصل به، مثال ذلك: «لا طالعاً جبلاً حاضراً»، فجبلاً منصوبة لأنها مفعول به لاسم الفاعل. طيب، قد يكون مجروراً، هذا اللفظ الآخر قد يكون مجروراً بخافض يتعلق باللفظ، مثل: «لا خيراً من زيدٍ».

انتهينا إذا من المضاف والشبيه بالمضاف.

الحقيقة في القلب شيء من هذه الآخرة. من إعرابها هكذا الذي يظهر لي أنها "لا خيرَ من زيد"؛ لأنها أفعال، صحيح هي خير لكن يمكن ذلك لأن "خير" أصلها "أخيار"، صحيح؟ هي "أخير" ولكن كثر عند العرب حذف الهمزة منها، "خير" و"شر" أصلها من صيغ التفضيل. لكن قد تستخدم استخداماً قياسياً للتفضيل، لكنها هنا صيغ التفضيل. هي لا "أخير" من زيد عندنا، لكن يظهر لي أنها مؤمنة، يمكن ذلك بناءً على أنها اختلفت الصيغة بعد إسقاط الهمزة، ليست على صيغة أفعل التفضيل، ولكن تحتاج إلى مراجعة. فعلاً هل هذا متفق عليه؟ أم يجوز، أو الأصل فيها أن تكون "لا خيرَ من زيد" بناءً على أنها أفعل تفضيل؟ هذا يحتاج إلى مراجعة.

الحالة الثانية أو الثالثة أن يكون اسم "لا" مفرداً. إذا أراد أن يبين ما معنى المفرد؟ فقال: أي غير مضاف ولا شبيه به. قال: فإنه يبنى على ما ينصب به. ما الشيء الذي كان ينصب به؟ نُرميه ثم يكون في محل نصب. فإنه يبنى على ما ينصب به لو كان مفرداً، فإن كان مفرداً أو جمع تكسير بني على الفتح لأنه ينصب بالفتح، ونحن نقول: "لا رجلَ ولا رجالَ". وإن كان مثنى أو جمع مذكر سالم فإنه يبنى على الياء كما ينصب بالياء، تقول: "لا رجلينِ ولا عندي". وإن كان جمع مؤنث سالم بني على الكسر، وقد يبنى على الفتح؛ جوز ابن هشام الأمرين، قد يبنى على الفتح. نحن نقول: "لا مسلماتِ" -ليس عندكم بالتنوين- "لا مسلماتِ" ولا "مسلماتٌ".

النسخة التي بين يديه قال: "لا مسلماتٍ ولا مسلماتٌ"، فكسرها، وقلنا هذا جائز على رأي طائفة من النحاة، والجمهور لا يجوز أن تقول "لمسلماتٍ" بالتنوين، وإن كان تنوين مقابلة وجوزه البعض. وعنده هذه النسخة يعلق هذا التعليق أن تنوين "مسلمات" على خلاف رأي الجمهور، والجمهور لا يجوز التنوين، بل يقول: "لا مسلماتِ" أولى من "مسلماتٍ".

وقد روي بالوجهين قول الشاعر: لا سابغاتٍ ولا جأوى باسلةٍ ... تقي المنون لدى استيفاء آجالِ

بقيت مليئة بالحكمة أيها الأحبة. "سابغات" هي الدروع السابغة التي تملأ وتغطي الجسم، و"جأوى" هي الجيش، تقي المنون لدى استيفاء آجاله. يعني الدرع لو لبست درعاً حصيناً وجاء جيش ينصرك ويحميك، وقد قضى الله عز وجل عليك أنك ستموت، هل تقي هذه الموت؟ لا تقي الموت؛ لا الدروع السابغة ولا الجيوش الباسلة تقي الإنسان الموت إذا استوفى أجله. هذا البيت: "لا سابغاتٍ ولا جأوى باسلةٍ"، وإذا سمع فيه التنوين "لا سابغاتٍ" فهذا على خلاف رأي الجمهور. الحقيقة هذه النسخ صعبة أن أعتمدها في الروايات التي بين أيدينا رغم النساخ المحققين الجدد، لكن أقول إذا سُمِع فهو جائز لكن على خلاف رأي الجمهور. وفي الشعر يتجاوز فيه ويتسامح فيه ما لا يتسامح فيه غيره، حتى على رأي الجمهور يمكن يجوزون التنوين هنا للضرورة الشعرية، فالضرورة الشعرية بابها واسع.

إذا عرفنا أيها الأحبة أحكام اسم "لا" التي تعمل عمل "إنّ"، الآن سيتكلم عن مسألة شهيرة في "لا" التي تعمل عمل "إنّ" وهي مسألة تكرارها. بسم الله. أيها الأحبة، متى يجب تكرارها؟ مرت معنا قبل قليل. يجب تكرارها إذا اختل أحد الشرطين: إذا كان الاسم الواقع بعد "لا" معرفة، هنا يجب تكرار "لا"، مثل: "لا زيدٌ في الدار ولا عمرٌ". وإذا تقدم الخبر على الاسم أيضاً قلنا يجب تكرارها.

إذا استوفت "لا" شروطها لجنس النفي، وكان الاسم والخبر نكرة، وجاء الاسم مقدماً على الخبر، هل يجوز تكرار "لا"؟ نعم يجوز. الحالة التي ذُكر فيها وجوب التكرار إذا اختلت الشروط، إذا استوفت "لا" شروطها يجوز التكرار ولا يجب. إذا اختار المتكلم التكرار وقرر "لا" في هذه الحالة أيها الأحبة، يجوز إعمالها عمل "إنّ" ويجوز إهمالها. اكتبوا عندكم: إذا استوفت "لا" شروط عملها، يجوز تكرارها ولا يجب. فإذا اختار المتكلم أن يكررها، يجوز إعمالها عمل "إنّ" ويجوز إهمالها، والمراد بإهمالها ألا تعمل عمل "إنّ".

استجب إلى السبورة أيها الأحبة، كم الوقت؟ الساعة سبعة وعشرين. الآن سريعاً أيها الأحبة، كنا قلنا إذا اكتملت شروط عمل "لا"، يجوز تكرار "لا" ويجوز عدم تكراره، يعني أنت مخير؛ فإن كررتها جاز إعمالها وجاز إهمالها، وإن لم تكررها وجب الإعمال قولاً واحداً.

الآن سنتكلم عن حالة التكرار أيها الأحبة إذا قررت "لا" المستوفية لشروطها. إذا كررتها عندي كم احتمال عقلي في اسم "لا"؟ عندي أربعة احتمالات عقلية. الاحتمال الأول أن يكون "لا" الأولى بعدها مفرد و"لا" الثانية بعدها مفرد. الاحتمال الثاني أن تكون "لا" الأولى التي استوفت شروط عملها اسمها مضافاً أو شبيهاً بالمضاف.

ولا ثاني اسمها مفرد، الحالة الثالثة أن تقول: لا الأولى اسمها مضاف أو شبيه بالمضاف ولا ثاني بعدها مضاف أو شبيه بالمضاف، والحال الرابع والأخير ماذا بقي عندنا من أحوال عقلية؟ مفروض أن يكون لا بعد مفرد، ولا ثاني بعدها مضاف أو شبيه بالمضاف. هذه أربع احتمالات عقلية، صح؟ نعم.

الآن أنا اخترت التكرار، إذا اخترت تكرار «لا» التي تعمل عمل «إن»، الآن الاحتمالات الموجودة التي ممكن نسمعها في اللغة العربية أن يكون «لا» التي تعمل عمل «إن» بعد اسم مفرد، ولا الثانية بعدها اسم مفرد. الحالة الثانية تكون «لا» الأولى بعدها مضاف، والثانية بعدها مفرد. الحالة الثالثة «لا» الأولى بعدها مضاف، والثانية بعده مضاف. الحالة الرابعة الأولى بعدها مفرد، والثانية بعدها مضاف. هذه الأحوال.

ممتاز؟ ابن هشام لأنه لا يريد أن يوسع الكتابة كثيرًا، والقضية الأولى هي الأشهر. تكلم عن حالة واحدة من حالات تكرار «لا»، وهي الحالة الأولى: إذا تكررت «لا» وكان الأول مفردًا، يعني إذا كان بعد «لا» الأولى مفرد وبعد «لا» الثانية مفرد، ما الأوجه الإعرابية المحتملة عندنا الآن؟ هذا واجب عليك، لا أريد أن أطيل كثيرًا لكن ربما أشير بشرط أن تنطق الحالة الثانية والثالثة والرابعة وتبحث عنها: ما هي الأوجه الإعرابية المحتملة؟

اليوم سندرس فقط الحالة الأولى التي نص عليها ابن هشام، ويمكن أشير إشارة إلى الأحوال الأخرى إشارة سريعة، لكن هذا واجب عليك أنت أن تبحث عنها من حيث أصول العربية، وأما أنا فسأقتصد على ما ذكره ابن هشام. هناك أربعة احتمالات عقلية يمكن أن تسمع من العرب، وابن هشام تكلم عن الحالة الأولى فقط لأنها لحال الأشخاص إذا كان بعد «لا» الأولى مفرد وبعد «لا» الثانية مفرد، وهو المثال المشهور: «لا حول ولا قوة إلا بالله».

لاحظوا هنا، «لا» بعدها مفرد وتكررت، والثانية ما بعدها أيضًا مفرد، ما الأوجه الإعرابية المحتملة في هذه الحالة: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؟ طبعًا قبل ذلك أريد أن تعرف أين الخبر، لأن هذا النوع أيها الأحبة كثير. باختصار أيها الأحبة، إذا تكررت «لا»، وحتى لو لم تتكرر، يكثر حذف خبر «لا» النافية للجنس التي تعمل عمل «إن»، سواء تكررت أو لم تتكرر.

والأكثر متى؟ إذا جاءت «لا» النافية وبعدها اسم وخبر ثم جاءت «إلا»، فهذا كثيرًا ما يحذف فيه خبر «لا» النافية للجنس. فما هو خبر «لا» النافية للجنس؟ يقول ابن مالك: «إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر». نص عليها ابن مالك في آخر كلامه عن «لا» النافية للجنس على جواز إسقاط الخبر، ولماذا نص عليه؟ لأنه كثير أيها الأحبة.

إسقاط خبر «لا» النافية للجنس وتقديره كثير جدًا، ويكثر أكثر وأكثر متى؟ إذا كان هناك «لا» واسم أو خبرها ثم بعد ذلك جاءت «إلا»، فهذا يكثر فيه أكثر وأكثر إسقاط خبر «لا» النافية للجنس. لكن متى لا يسقط خبر «لا» النافية للجنس؟ يجب أن يكون معلومًا من السياق. وجاز في هذا الباب إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر، هكذا قال ابن مالك. يعني هو صحيح يكثر في هذا الباب إسقاط خبر «لا» النافية للجنس، لكن القاعدة العامة هي أنه متى ما سقط يجب أن يكون هناك دليل يدل عليه ويفهم من السياق، صح؟ إذا لم يكن هناك دليل لا يجوز إسقاطه.

الآن قبل أن أدخل في «لا حول ولا قوة إلا بالله»، أشهر قضية في نفي خبر «لا» النافية للجنس، وهي قضية أصيلة في حياة المسلمين، هي كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله». «إله» إيش نوعها؟ جنس. ممتاز. تمام، إيش نوع «إله»؟ مفرد. إذا إيش إعراب «إله»؟ «لا» مبنية على الفتح لأنها تعمل عمل «إن»، وفي محل نصب. ممتاز، أين الخبر؟ الخبر هنا فيه مشكلة بين الفرق الإسلامية، تصوروا القضية هذه، قضية أمة.

الخبر في «لا» قضيته عظمى، ما هو خبر «لا» النافية للجنس هنا؟ أهل السنة والجماعة ماذا يقدرونه وفهموا الحق؟ «لا إله بحق إلا الله»، يقولون «بحق»؛ هذا الجار والمجرور هو المحذوف المراد وهو خبر «لا» النافية للجنس: «لا إله بحق إلا الله». هل يمكن أن نقدره؟ «والله»، الله أيها الأحبة، يجوز فيها النصب ويجوز الرفع؛ النصب على أنه مستثنى منصوب، ويجوز الرفع على أنه بدل من موضع «لا» مع اسمها. لا أريد أن أقحمك الآن فيها، لكن يجوز النصب ويجوز الرفع، النصب على أنه المستثنى منصوب، وسندخل في باب الاستثناء إن شاء الله، والرفع على أنه بدل من موضع «لا» مع اسمها، ويمكن تحقيقه لكن يهمنا أن تعلم أن الخبر هنا محذوف، تقديره: «بحق».

«لا إله بحق»، ثم بعد ذلك تقوم بعد نفي جنس الآلهة بـ«بحق» إثبات وجود إله واحد، وهو «إلا الله»، صح؟ هو فقط إله واحد. انظروا أيها الأحبة، هنا «إلا» لم تنقض النفي، لأن عندنا عادة إذا دخلت «إلا» فإنها تنقض النفي، لكن هي لم تنقض النفي ابتداءً. متى تنقض؟ لو قلت: «لا رجل إلا في الدار»، رجل هنا ما يسكت؛ لأن «إلا» هنا جاءت فاصلة بين المبتدأ والخبر، «في الدار» خبر، و«رجل» مبتدأ، فـ«رجل» مبتدأ و«في الدار» خبر، و«إلا» جاءت بالمنتصف بين المبتدأ والخبر.

هذه هي «إلا» التي تبطل النفي ابتداءً ويدل على أنه جملة إثباتية، صح؟ «لا رجل إلا في الدار»، ما معنى هذا الكلام؟ لا يصير أن تحكي «لا رجل إلا في الدار» فقط، لماذا؟ لأنك هنا لا تريد تنفي الرجال، أنت تريد أن تقول رجل إلا في الدار، فهنا يجب أن تقول «لا رجل إلا في الدار» وتقول «رجل في الدار»، يعني تريد إثبات وجود رجال الدار. لو قلت لك: «لا رجل في الدار إلا في الدار»، إيش معنى «لا رجل إلا في الدار»؟ هل أنت تريد تنفي جنس الرجال؟ كل الرجال؟ أنت تريد أن تقول إنه ما في رجل إلا في الدار، فأنت في الحقيقة لا تريد تنفي دخول «إلا» بين المبتدأ والخبر. أبقوا لهذا دائمًا، نكرره. تذكرون حينما تكلمنا عن «فاء» السلفية و«واو» المائية حتى يصح الفعل المضارع الذي يبقى مسبوقًا بنفي؟ وشرط هذا النفي أن لا يكون نفيًا صريحًا لم يُبطل، كيف يبطل النفي؟ قلنا من صور إبطال النفي أن تأتي «إلا» بعده مثل هذه الصورة، لكن متى تبطل «إلا»؟ إذا...

إلا بين المبتدأ والخبر. إذا جاءت "إلا" بين المبتدأ والخبر، فهي القضية التي تحتاج إلى تأمل. حين أقول: «لا رجل إلا في الدار»، أنا في الحقيقة لا أريد نفي جنس الرجال، ليس المراد من الجملة النفي.

بالعكس، المراد منها إثبات قضية؛ وهي أن الرجال أريد حصرهم في الدار، ولا يوجد لهم شيء في الخارج. فالمراد من الجملة حصر وإثبات وجود الرجال في الدار فقط وليس في غيرها. فجملة «لا رجل إلا في الدار» انتقض النفي، والمراد منها الإثبات، ولكن ليس مطلق الإثبات، بل إثبات مع حصر. هذا يسمى أسلوب حصر في اللغة العربية؛ أني حصرت الرجال في الدار. لو قلت لك: «رجل في الدار»، ما فهمت الحصر، لكن لو قلت لك: «لا رجل إلا في الدار»، فهنا حصر؛ أنه حصرت أن الرجال موجودون في الدار وليسوا خارج المنزل.

فهذه الجملة هنا لا تعمل عمل «لا» النافية للجنس، وهذا نص عليه يا سيدي الحمصي، قال: «والحق أنه يجب أن يشترط شرط رابع في "لا" التي تعمل عمل "إن"، وهو ألا يبطل النفي بتوسط "إلا" بين الاسم والخبر». هذا شرط رابع حتى تعمل «لا» عمل «إن»، ألا تتوسط أداة الحصر «إلا» بين الاسم والخبر. إذا توسطت «إلا» بين الاسم والخبر بطل عملها وأصبح معنى الجملة الإثبات، فـ«لا رجل إلا في الدار» لا يجوز أن تكون «لا» فيها عاملة، ويجب إهمالها، فأقول: «رجل إلا في الدار». وسبب إهمالها أيضًا أن النفي هنا انتقض، وأصبحت تدل على الإثبات.

لكن في مثال «لا إله إلا الله»، هل انتقض النفي؟ لا؛ لأن «إلا» لم تأتِ بعد الخبر، وليست بين المبتدأ والخبر. «إلا» هنا جاءت بعد الخبر لأن الخبر قبل «إلا» محذوف، انتبهوا عليها أيها الأحبة؛ قضايا مهمة في الاستدلال والفهم للنصوص. هنا لماذا لم يبطل عمل «لا» في «لا إله إلا الله»؟ بينما في «لا رجل إلا في الدار» أبطلنا عملها بسبب انتقاض النفي بوقوعه بين الاسم والخبر. بينما هنا «لا إله إلا الله» لم يبطل عمل «لا» وبقيت عاملة؛ لأن النفي لم ينتقض. متى ينتقض النفي؟ إذا وقعت «إلا» بين الاسم والخبر، وهنا «إلا» وقعت بعد الاسم والخبر.

فإذا لم ينتقض النفي فهو باقٍ: «لا إله بحق». ثم بعد ذلك أنا استثنيت استثناءً بعد أن نفيت، فقلت: «إلا الله»، فاستثنيت وأخرجت شيئًا واحدًا، فتقول: نفيت وجود هذه بحق، ثم استثنيت وأخرجت إلهًا واحدًا وهو الله سبحانه، فهو الوحيد الحق. فالنفي باقٍ ولن ينقض، بخلاف «لا رجل إلا في الدار» التي انتقض فيها ذلك.

أين الخبر في «لا إله إلا الله»؟ الخبر محذوف تقديره «بحق». بعض أهل البدع يقدرون: «لا إله موجود إلا الله»، وهذا خطأ. أنت تقول: «لا إله موجود»، وأصلًا علميًا هذا خطأ؛ لأن كلمة إله معناها معبود. حينما أقول: «لا إله معبود»، أليس هذا صحيحًا؟ فالنصارى عندهم إله، وكل الديانات عندها آلهة، فتقول: «لا إله موجود»، وما هو في مئة ألف إله موجودة عبر التاريخ، والحق منها واحد لكن كلها تسمى آلهة، لأنها معبودة، والإله بمعنى المعبود.

فقولك: «لا إله موجود إلا الله» خطأ؛ لأن هناك آلهة موجودة وإن كانت كاذبة، لكن في النهاية يصدق عليها أنها آلهة بمعنى أنها معبودة فعبدها الناس. فتقدير «لا إله موجود» خطأ، بينما التقدير الصحيح: «لا إله بحق». هكذا صحيح؛ «لا إله» ليس معناه غير موجود، بل معناه لا معبود بحق، أي لا يستحق العبادة، ثم تستثني من جنس الآلهة إلهًا واحدًا، فتقول: «إلا الله». أنت نفيت جنس الآلهة المعبودة بحق، ولم تنفِ جنس وجودها، وإنما نفيت استحقاقها، واستثنيت بعد ذلك استثناءً واحدًا، فتقول: «إلا الله» فهو الوحيد من المعبود بالحق.

هذا فقط مرور سريع حتى لا أطيل عليكم في مدة الدرس، نعود إلى هذه القضية التي بين يديك: «لا حول ولا قوة إلا بالله». فحينما نقول: «لا حول»، أين خبرها؟ دعونا الآن ندخل في الإعراب. الآن «لا حول ولا قوة»، قلت لكم أيها الأحبة إذا كانت «لا» مستوفية لشروطها، إذا تكررت جاز إعمالها وجاز إهمالها. نعيد القاعدة السابقة: «لا» إذا استوفت شروط عملها يجوز تكرارها، فإذا اخترت التكرار فأنت مخير بين إعمالها وإهمالها.

إذا اخترنا الإعمال، فماذا ستعمل؟ ستبني الاسم الذي بعدها لأنه مفرد، ستبنيه على الفتح في محل نصب. إذا اخترنا الإعمال سنبدأ الآن بالوجه الأول: إذا اختار المتكلم إعمالها، فإن «حول» ستكون مبنية على الفتح في محل نصب. وإذا أعملت «لا» الأولى، فلك في «لا» الثانية ثلاثة أوجه.

الوجه الأول: وجه الإعمال، أي تعمل «لا» الثانية عمل «إن»، فيكون الاسم بعدها مبنيًا على الفتح في محل نصب، فتقول: «لا حول ولا قوة»، وهذه مشهورة عندنا. و«قوة» أيضًا إذا عملت «لا» الثانية، يكون إعرابها: اسم «لا» مبني على الفتح في محل نصب.

ثم نعود فنقول: «حول» خبر محذوف تقديره: «لا حول كامل» أو «لا حول معتبر». ربما نقول هذا معتبر؛ لأنه هناك حول لدى البشر، فنقول: «لا حول كامل ولا قوة كاملة»، أو «معتبر» كما تشاء من المعاني بالله سبحانه وتعالى، لأن الناس عندها حول وقوة لكنها ضعيفة فقيرة إلى الله سبحانه وتعالى. فيكون «كامل» خبر «لا» الأولى، و«كاملة» خبر «لا» الثانية، و«لا قوة كاملة» عطف جمل على جمل.

عطفنا، ثم أضفنا «لا» قوة كاملة على «لا» حول كاملة. الوجه الثاني الذي يجوز في «لا» الثانية: يجوز إهمالها ورفع الاسم بعدها؛ يجوز إهمالها، وأريد به هنا ألا تعمل عمل «إنَّ». إذا لم أجعلها عاملة عمل «إنَّ»، فإن الاسم الذي بعدها سيرتفع. ممتاز، هذه الحاجة الأولى، وممكن ينصرف في الحالة الأخيرة، لكن إذا أهملت يجوز إهمالها ورفع الاسم.

طيب، إذاً هذا الوجه الثاني، أن أقول: «لا حول ولا قوة»، رفعت الاسم فقلت: «ولا قوةً» هنا بالتنوين؟ هنا أعيد التنويه، لأن هنا «لا» لا تعمل عمل «إنَّ»، وبالتالي الاسم الذي بعدها سيعود إليه التنوين. لماذا قلت «لا قوةً»؟ لأنني لم أنوه، لأنها مبنية على الفتح، لكن هنا أنا لم أعمل «لا» عمل «إنَّ»، أهملتها ولم أعملها عمل «إنَّ»، فرفعتها فتقول: «لا حول ولا قوةَ إلا بالله».

ما إعراب «قوة» في حالة الرفع؟ عندنا أيها الأحبة ثلاثة أوجه إعرابية؛ هذه قصة، ترى هي القضية، لذلك هذا المبعث أنا أحبه لأنه رياضة عقل، فيه نوع شغل ذهني: ما هي الوجوه المحتملة؟ ما الأوجه المحتملة برأيك؟

الاحتمال الأول أن تكون «قوة» مبتدأ والخبر محذوف، تقديره «كاملة»، تقول مبتدأ، ليست اسم «لا»، بل مبتدأ خبرها محذوف، وتكون هي مع الخبر المحذوف معطوفة على الجملة السابقة «لا حول كاملة»، فيكون عطف جملة على جملة، لكن الجملة الثانية مبتدأ وخبر، صح؟ محتمل.

هل هناك احتمال ثاني؟ نعم، هناك احتمال أن تكون «لا» تعمل عمل «ليس». الذين كتبوا الإهمال هنا قصدوا أن «لا» لا تعمل عمل «إنَّ» فقط، فيحتمل أن تكون عاملة عمل «ليس»، فتكون «قوة» اسم «ليس» والخبر محذوف تقديره «كاملاً»، وجملة «لا قوة كاملة» معطوفة على «لا حول كاملة».

الاحتمال الثالث، وهو احتمال صعب شوي، وركزوا فيه ولا أريد أن أطيل فيه الكلام لأنه عليه مؤاخذات كثيرة، الاحتمال الثالث أن تكون «قوة» معطوفة على محل «لا» مع اسمها؛ لأن سيبويه يقول: محل «لا» مع اسمها مبتدأ، والمبتدأ مرفوع. هذا الرئيس يقول: «لا» مع اسمها، هذا التركيب في محل رفع مبتدأ، والمبتدأ ما حكمه؟ مرفوع، فنقول: «قوة» معطوفة على محل «لا» زائد اسمها.

كيف جاء هذا القول؟ كيف يعني «لا» مع اسمها في محل رفع مبتدأ؟ لا أريدك أن تعرف الآن هذه القضية، فعليها مؤاخذات كثيرة ومناظرات كثيرة وكثير من المحيي لها، لكن لأنك ستجد هذا الرأي، أنا أذكره وسيذكر به هشام، فإنا مضطر أن أذكر أنه «قوة» تكون معطوفة على محل «لا» زائد اسمها؛ «لا» مع اسمها هذا كلياته في محل رفع مبتدأ، فتكون «قوة» مرفوعة عطفا على محل «لا» مع اسمها المرفوع بالابتداء. فهمتم القضية هذه؟

إذاً يجوز في «لا» الثانية الإهمال، وإذا أهملتها ورفعت الاسم بعدها، يجوز في هذا الاسم ثلاثة أوجه إعرابية: الأول: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، ويكون عطف جملة على جملة. الثاني: أن يكون «قوة» اسم «لا» التي تعمل عمل «ليس» بتوفر الشروط والخبر محذوف، ويكون أيضاً عطف جملة على جملة. الثالث: يجوز أن تكون «قوة» معطوفة مفردات، أي حالة عطف مفردات، تكون «قوة» معطوفة على محل «لا» مع اسمها، الذي هو في محل رفع، فـ«قوة» معطوفة على هذا المحل، ويكون من قبيل عطف المفردات.

الاحتمال الأول: مبتدأ وخبر محذوف (عطف جمل). الاحتمال الثاني: اسم «لا» التي تعمل عمل «ليس» والخبر محذوف (عطف جمل). الاحتمال الثالث: أن تكون «قوة» معطوفة على محل «لا» مع اسمها (عطف مفردات).

طيب، الحالة الثالثة، يجوز إهمال «لا» ونصب الاسم بعدها. إذاً الحالة الثالثة بقوة أن «لا» تُهمل، لا تعمل عمل «إنَّ»، لكن لا تختار فيها الرفع، صار فيها النصب؛ أقول: «ولا قوةً»، أهملت «لا» ونصبته. طيب، ما هي أوجه النصب أيها الأحبة؟ النصب وجه واحد، الحمد لله مريح، نقول: «قوةً» معطوفة على محل «لا»، لا محل اسم «لا»، لأن «حول» مبنية على الفتح في محل نصب، فنقول: «قوة» معطوفة على محل اسمها. واضح أيها الأحبة؟ إذاً قضية وتحتاج إلى ذهن وسرعة بديهة.

إذاً الحالة الأولى: إذا اختار المتكلم إعمال «لا» الأولى، فخياركم أن تختار إعمال «لا» الأولى؛ «لا حولَ»، ثم «لا» الثانية يدخل فيها ثلاثة أوجه: الوجه الأول أن تعمل عمل «إنَّ»، فما بعدها يكون في محل نصب وله خبر، والجملة معطوفة على الجملة السابقة (عطف جمل).

وإذا كان هناك إهمال ورفع الاسم بعدها، فأقول: «ولا قوةَ»، إذا رفعت الاسم عندي ثلاثة احتمالات: أن يكون الاسم هذا مبتدأ والخبر محذوف، وتكون هذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى؛ أو أن يكون «قوة» اسم «لا» التي تعمل عمل «ليس» والخبر محذوف، وتكون عطف جملة على جملة؛ أو أن تكون «قوة» معطوفة على محل «لا» مع اسمها، وعند سيبويه «لا» مع اسمها في محل رفع. إذاً ثلاثة أوجه في حالة رفع الاسم بعد «لا» الثانية.

أما الوجه الثالث، وهو إهمال «لا» الثانية ونصب الاسم بعدها، فأقول: «ولا قوةً»، فهنا «قوة» تكون معطوفة عطف مفردات، ولا محل لاسم «لا» الأولى. جميل؟ عد إلى البيت وحاول أن تقسمها هذا التقسيم: إذا بنيت الأولى على الفتح في الثالثة، ثلاثة أوجه، ثم بين كل وجه ما احتمالاته بناءً على ما ذكرت لكم على السبورة.

الآن الحالة الثانية: إذا أهمل المتكلم «لا» الأولى. هي مستوفية للشروط لكنه اختار إهمالها. إذا أهمل «لا» الأولى، فماذا تصبح؟ تصبح «لا» حواء، لأنه خلاص لم يعملها عمل «إنَّ»، بالتالي تعود مرفوعة. إذا أهمل المتكلم «لا» الأولى، بمعنى أنه رفع الاسم الذي بعدها، فقال: «لا حولُ». حاولوا أنتم كل شبابها، «حول» إما أن تكون مبتدأ مرفوعاً...

والخبر محذوف، وإما أن تكون بسرعة وإما أن تكون حوله. ليش إذا أهملنا الآية الأولى لم نعملها عمل «إن»؟ فسيرتفع الاسم بعدها، لا حول.

إما أن تعرض مبتدأ مرفوع والخبر محذوف، وإما أن تكون اسم «لا» العاملة عمل «ليس»؛ لأن المبتدأ مرفوع واسم «لا» ليس مرفوع. فيحتمل هذا، إذا تحول، يجوز أن تكون مبتدأ، ويجوز أن تقول اسم «لا» العاملة عمل «ليس».

المهم، إذا أهملت الأولى ورفعت الاسم بعدها على أنه مبتدأ، أو على أنه اسم «لا» العاملة عمل «ليس»، كم وجهاً إعرابياً يجوز في «لا» الثانية؟ نقول هناك وجهان إعرابيان: الوجه الأول الفتح، والوجه الثاني الرفع. الفتح يعني أعمل الثانية عمل «إن»، فيجوز إذا رفعت الأولى أن أعمل الثانية عمل «إن» لأنه لا علاقة لها بالأولى؛ فيجوز أن أقول: «لا حولَ ولا قوةَ»، أبني الاسم بعدها على محل نصب بناء على أن الثانية هي التي تعمل عمل «إن»، فأقول: «لا حولَ ولا قوةَ»؛ «قوة» مبني على الفتح في محل نصب خبره محذوف، و«قوة» كاملة معطوفة على الجملة الأولى «لا حولَ» كاملة، فمعطوفة عطف جمل.

ويجوز في «لا» الثانية الرفع، ماذا هذا الرفع؟ يعني أن أهملها وأرفع الاسم بعدها، صح أن أهملها والاسم الذي بعدها يكون مرفوعاً؛ هذا أقصد بالرفع، إذا أهملت فقلت: «لا حولَ ولا قوةُ إلا بالله»، رفعت الاسم بعد «لا» الثانية أيضاً، فهنا أصبحت «لا» الأولى مهملة و«لا» الثانية أيضاً مهملة.

طيب ما تخريج الرفع أيها الأحبة؟ يلا نفكر، هي عملية ذهنية مهمة للطالب؛ ينظر ما الاحتمالات؟ إذا قلت: «لا حولَ ولا قوةُ»، رفعت الثاني، فما وجه الإعراب؟ الحالة الأولى أن تكون «قوة» مبتدأ والخبر محذوف، وتكون «قوة» وخبرها المحذوف معطوفة على «لا حول» كاملة، يعني «لا حول» كاملة و«لا قوة» كاملة، فيكون عطف جمل. الاحتمال الثاني أن تكون «قوة» اسم «ليس» مرفوع وعلامة رفعه الضمة والخبر محذوف، وتقول: «لا حولَ» كاملة و«لا قوة» كاملة عطف جمل.

هل يمكن هنا الاحتمال الثالث أن تكون «قوة» معطوفة على محل «لا» مع اسمها؟ لا، لهذا نعدم هذا الوجه؛ لأنه لا نقول هنا لم نعملها، قبل قليل كنت أعملها عمل «إن»، فكان إلى اسمها محل عند سيبويه محل رفع على الابتداء، هنا «لا» مهملة لا تعمل عمل «إن»، فأريد بالإهمال أنها لا تعمل عمل «إن»، فبالتالي لا يجوز أن أقول «قوة» مرفوعة محلها مع اسمها؛ لأنه لا هنا لم ترتبط مع اسمها.

واضح أيها الأحبة؟ انتهينا. نعم، ما في وجه، «لا حولَ ولا قوةُ»، حقيقة هذا الوجه غفلت عنه، يمكن هذا الوجه نقول: «لا حولَ» كاملة و«لا قوةُ»، صح؟ هذا الوجه هو الوجه الثالث، نقول: «قوة» معطوفة على «حول» مباشرة، فنقول: «لا حولَ ولا قوةُ إلا بالله»، فتكون «قوة» معطوفة على «حول»، ممتاز، والخبر واحد، فتكون من قبيل عطف المفردات.

فهناك ثلاثة أوجه هنا: إما مبتدأ «قوة» وخبرها محذوف، أو «قوة» التي تعمل عمل «ليس» وخبرها محذوف، وهذان الوجهان يجعلان عطف جمل. والوجه الثالث أن تكون «قوة» وحدها معطوفة على «حول» فيكون عطف مفردات. ممتاز، ما في مشكلة كونها طبعاً هذه أهملت وهذه أعملت؛ إذا أعملت عمل «إن»، «قوة» هذا الوجه الأول، فهنا خلص عطف جمل «لا قوة» كاملة معطوفة على «لا حول» كاملة فقط وجه واحد.

طبعاً هي القضية متعبة لأنه في أوجه متداخلة دخلت، لكن ما أريد أن أبينه هو الظاهرة العامة؛ أني إذا أعملت، اخترت إعمال «لا» الأولى، الثانية أو في الاسم الواقع بعد «لا» الثانية، ثلاثة احتمالات: أن يُبنى، أن يُنصب، أن يُرفع. إذا أهملت «لا» الأولى ولم نعملها عمل «إن»، فالاسم الواقع بعد «لا» الثانية هناك احتمالان: فتح ورفع، ولا يوجد النصب. لماذا لا يمكن أن أقول «ولا قوةَ»؟ لماذا لا يوجد النصب؟ لأنه في الحالة السابقة لما نصبنا كان معطوفاً على التي تعمل عمل «إن» ومحل «لا» النصب، أما هنا لو نصبنا، على ماذا ننصب؟ لا يوجد هنا «لا» تعمل عمل «إن» حتى يُنصب على محلها.

كم ذهب من الوقت؟ باقي خمس دقائق. طيب أيها الأحبة، هذه هي الأوجه المحتملة وعرضناها، وإذا لماذا لا يجوز النصب؟ عرفنا لماذا لا يجوز النصب؛ لأنه الأولى لم تعمل، فلا يوجد لها اسم له محل حتى يُنصب الاسم الواقع بعد «لا» الثانية على محل اسم «لا» الأولى.

طيب، أعود إلى مجلسي سريعاً فأقرأ ما قاله ابن هشام. قال ابن هشام: «ولك في نحو لا حول ولا قوة فتح الأول، وفي الثاني الفتح والنصب والرفع كالصفة في نحو لا رجل ظريف، ورفعه فيمتنع النصب وإن لم تتكرر لا أو فصلت الصفة وكانت غير مفردة امتنعت فتحه». طبعاً الطالب يقول هذا كلام من اللغة العربية كلها تتكلم، إيش ابن هشام؟ لكن التفصيل واضح، أنت تقرر التفصيل وتوضيح المعلومة تجد أن الكلام سهل لكنه مختصر.

يقول ابن هشام: إذا تكررت «لا» مع النكرة جاز في النكرة الأولى الفتح والرفع، هي الحالة التي تكلمت عنها. ترى هو ما يسمى كل ما بينته أنه الاحتمالات العقلية أربعة في تكرار «لا»: أن يكون الأول مفرد والثاني مفرد، الأول مفرد والثاني مضاف، الأول مضاف والثاني مفرد، الأول مضاف والثاني مضاف شبه بالمضاف. فاعلموا أن ابن هشام يتكلم عن الحالة الأولى؛ الأول مفرد والثاني مفرد، هذه الحالة التي يتكلم عنها ابن هشام، فيقول: إذا تكررت «لا» مع النكرة جاز في النكرة الأولى -يعني في «لا» الأولى مع الاسم الواقع بعدها- جاز الفتح، فتكون هنا الفتح على الإعمال، هكذا نقول، والرفع الرفع على الإهمال؛ فلذلك لو قلت أنت مخير بين إعمالها عمل «إن» وبين ألا تعملها عمل «إن». قال: فإن فتحت -يعني إن اخترت إعمالها عمل «إن»- فلك في الثانية...

الأوجه، انتبه على الكاميرا. فلك في الثانية ثلاثة أوجه: الفتح، وعرفنا أوجهه. النصر بيتكلم عن الثاني هنا، النصر والرفع، وإن رفعت الأولى، إذا رفعت الأولى -أهملتها- فرفعت الاسم الواقع بعد "لا" الأولى فلك في وجهان: الرفع والفتح كما بينا على السبورة، ويمتنع النصب؛ لأنه كما قلنا لا يوجد محل لاسم "لا" الأولى حتى.

فتحصل أنه يجوز فتح الاسمين، ورفعهما، وفتح الأول ورفع الثاني، وعكسه وهو رفع الأول والفتح الثاني، وفتح الأول ونصب الثانية؛ فهذه خمسة أوجه في مجموع التركيب. طبعًا الطالب هنا يضيع، لكن خلص أنت رتبها كما ذكرناها على السبورة تتضح.

لكن لكثرة الاحتمالات، الطالب طيب قال: «فإن لم تتكرر "لا" مع النكرة الثانية لم يجز في الأولى الرفع، ولا في الثانية الفتح». ويشهد أن يقول ابن هشام هنا -أيها الأحبة- إذا كان لا يوجد تكرار، إذا كانت -لاحظوا يوجد عطف ولا يوجد تكرار- لم تكررنا مع النكرة الثانية، فكانت الجملة: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله».

فما الذي يجوز؟ إذا كانت "لا حول ولا قوة" ما الذي يجوز؟ قال: «فإن لم تتكرر "لا" مع النكرة الثانية لم يجز في الأولى الرفع»، يعني ماذا؟ يجب الإعمال، صح؟ لأنه قلنا متى يجوز إعمال الأولى وإهمالها؟ يجوز إعمالها وإهمالها إذا تكررت "لا". إذا لم تتكرر "لا" وجب الإعمال في حالة توفر الشروط، لذلك قال: «فإن لم تتكرر "لا" لم يجز في الأولى الرفع»، يعني ماذا؟ يعني يجب الفتح.

لماذا يجب الفتح؟ لأنه يجب الإعمال لعدم تكرر "لا". ولا في الثانية الفتح، ربما هذا المذهب مبحث قد يكون معناه أفصل هذه والمسألة التي تليها إن شاء الله في الدرس القادم، وندخل في "إن" وأخواتها؛ لأن الكلام السريع أحيانًا يضيع المعلومة والفائدة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.