بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح كتاب قطر الندى للإمام ابن هشام الأنصاري، رحمه الله تعالى عليه. وقد أهتنا تكلمنا في الدرس الماضي أيها الأحبة عن بعض المسائل التي تتعلق بباب إن وأخواتها، تكلمنا عن دخول ما الكافة على إن وأخواتها ودورها في إبطال عمل إن وأخواتها باستثناء ليت؛ فإنه يجوز إعمالها ويجوز إهمالها، وإن كان الأكثر هو الإعمال.
ثم بعد ذلك انتقلنا إلى تخفيف هذه الأحرف، وقلنا لعل؛ فليت لأنها مخففة لا يمكن تخفيفها، ولعل لم يسمع تخفيفها فاستثنيناها، وبقي عندنا أربعة: أن، وإن، لكن، وكأنه. فبدأنا بأن بالكسر لأنها أم الباب، فعرفنا أن أن تخفف بتخفيف الشدة، وبالتالي يذهب حرف منها، فإذا خففت جاز إعمالها وجاز إهمالها والأكثر الإهمال. ثم انتقلنا إلى لكنه، فقلنا لكن إذا خففت ماذا يحدث فيها؟ لا يوجد فيها إلا الإهمال.
واليوم سننتقل إلى الحرف الثالث وهو أن. وقفنا عنده وقلنا في الدرس الماضي أطلنا الحديث فلم نرد حتى لا يأخذ وقتاً كثيراً من الطالب. فاليوم نشرح في بيان تخفيف أن وتصبح أن. وفي الحقيقة أيها الأحبة، هذا مبحث ربما أشرنا إلى طرف منه عندما تكلمنا عن أن بالتجديد، قلنا طبعاً أن بالتجديد هي مصدرية، وأن الناصبة للفعل المضارع هي أيضاً مصدرية. فتذكر عندما تكلمنا عن أن الناصبة للفعل المضارع، وفي ذاك المبحث ابن هشام رحمه الله تعالى عليه وضع لنا تفريقاً؛ المهم أن نفرق فيه بين أن الناصبة للفعل المضارع وبين أن المخففة من أن.
وقال لنا في ذاك الموضع: إن إذا رأيت أن وكان قبلها علم، يعني فعل يدل على العلم، ففي هذه الحالة يجب أن تكون أن التي بعدها هي المخففة وليست الناصبة للفعل المضارع، وإن كانت مسبوقة بظن أو ما في معنى الظن فحينئذ يجوز الوجهان. وأما إذا لم تسبق أن بشيء من علم ولا بظن، تكون أن هي الناصبة للفعل المضارع. فأشرنا إلى شيء من هذا المبحث سابقاً، وأما اليوم فسنأصله من بدايته.
يقول ابن هشام رحمه الله في تأصيل أن المخففة من أن: «قالوا وأما المخففة من أن فتعمل». إذاً هذه القاعدة: أن ليست مثل إن؛ إن إذا خففت إلى أن يجوز إعمالها وإهمالها. تريد أن تحفظ كل حرف ماذا يحدث فيه إذا خفف؟ هذا أصل: تقول إن أن إذا خففت يجوز إعمالها وإهمالها، لكن إذا خففت "إن" تصبح "أن" يجب إعمالها، أما "لكن" إذا خففت تصبح مهملة. فكل حرف ماذا يحدث فيه؟ هذا هو المنطلق في فهم باب التخفيف، لذلك بدأ بها ابن هشام فقال: «وأما أن فتعمل».
إذا حفظنا أنه يجب أن تعمل، ماذا يحدث فيها؟ قال: «ويجب في غير الضرورة حذف اسمها، ويكون اسمها ضمير الشأن، وكون خبرها جملة مفصولة». وكون خبرها جملة مفصولة، ثم جاءت جملة معترضة، ثم بين بماذا مفصولة؟ مفصولة بقد أو تنفيس أو نفي أو لو؛ هذا ما يفصل به.
إذاً نبدأ الآن في الشرح أيها الأحبة. يقول ابن هشام رحمه الله: «وأما أن المفتوحة فإنها إذا خففت فأصبحت أن بقيت على ما كانت عليه من وجوب الإعمال». هذا هو المنطلق، إذاً أن إذا خففت فأصبحت أن يجب إعمالها. الآن بعد ذلك سيبدأ بذكر الشروط، قال: «لكن يجب في اسمها ثلاثة أمور». الآن بعد أن ذكر أن أن المخففة إذا أصبحت أن يجب إعمالها، سيذكر أموراً واجبة في اسمها، وسيذكر أموراً واجبة في خبرها؛ لأنها ما دامت عاملة فإلها اسم وخبر، لكن اسمها سيكون له شروط وضوابط، والخبر أيضاً له ضوابط وشروط.
فبدأ بضوابط اسمها، قال: «لكن يجب في اسمها ثلاثة أمور: أولاً أن يكون ضميراً لا ظاهراً». هذا هو الشرط الأول في اسمها؛ أن يكون ضميراً لا يأتي اسماً ظاهراً. ثانياً: «وأن يكون بمعنى الشأن». ابن هشام رحمه الله يرى أن الضمير الذي يأتي باسم أن المخففة هو ضمير الشأن، يعني ضمير يفسر بمعنى الشأن.
وإذا نعيد ابن هشام ماذا يقول؟ يقول الضمير الذي يأتي باسم أن المخففة نفسره بماذا؟ بالشأن. وما مرجع هذا الضمير؟ اذهبوا إلى السبورة، يقول ابن هشام أيها الأحبة موضحاً بشكل جيد على اللوح: «أن اسمها يكون ضمير الشأن». وطبعاً سيأتي الشرط الثالث وهو أن يكون ضمير الشأن المحذوف. فذكر ثلاثة شروط: أن يكون ضميراً، وأن يكون بالتحديد ضمير الشأن، وأن يكون محذوفاً. هذه ثلاثة شروط في اسم أن.
ضمير الشأن أيها الأحبة من المواضع الستة التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظاً ورتبة. تذكر عندما قلنا مراتب عود الضمير؛ قلنا الضمير إما أن يعود على متقدم لفظاً ورتبة وهذا هو الأصل، وإما أن يعود على متقدم لفظاً لكنه متأخر رتبة، أو العكس يعود على متقدم رتبة لكنه متأخر لفظاً، وقلنا جائزة. وقلنا هناك وجه رابع ممنوع، ولم يأتِ منه في اللغة العربية إلا ست صور فقط، والأصل فيه أنه ممنوع، وهو أن يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة.
هذا الوجه الرابع أن يعود الضمير إلى شيء خلفي، أن يعود إلى شيء أمامه لم يرد بعد لفظاً ورتبة. هذا شأن؛ فعود الضمير مثل "هو" إلى متأخر لفظاً ورتبة قلنا هذا ممنوع، ولم يبحوا به إلا في ست صور سماعاً عن العرب، من هذه الصور الست ضمير الشأن.
ضمير الشأن؛ ضمير الشأن أيها الأحبة هو ضمير نفسر معناه بأنه الشأن، وما تفسير معنى الشأن؟ تفسير معنى الشأن هو ما يقع بعده. والبعض يسميه أحياناً ضمير القصة، يقولون ضمير الشأن والقصة؛ إذا أردت أن تفسره بالمذكر فتقول ضمير الشأن، وإذا أردت أن تفسره بالمؤنث يقولون ضمير القصة.
أعطيك مثالاً عليه ابتداءً؛ أنا لا أريد إدخالك في «أن» الآن، قبل أن أدخل في «أن» مثلاً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. قل: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. طبعاً الآن هو ما في شيء وراها تعود عليه لفظاً ورتبة، ولا يوجد هناك شيء أيضاً محذوف يمكن نقدره في السياق.
أحياناً قد يعود الضمير على شيء سابق لكن غير مذكور، لكن له مفهوم من السياق. مثال أعطيك مثالاً: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]. هنا مرجع الضمير واضح، يتكلم عن ماذا؟ عن القرآن، وإن لم يكن هناك ذكر سابق للقرآن في السورة، لكن هناك ذكر في الذهن، سموها عهد ذهني؛ فالضمير هنا له مرجع سابق وإن كان مرجعه السابق لم يذكر لأنه مفهوم واضح.
لكن من هنا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لو قلت: ﴿قُلْ هُوَ﴾ ووقفت عند «هو»، حاول تعيده إلى شيء مذكور قبل ما فيه، هل هناك شيء يمكن تشير إليه غير مذكور في السياق؟ برضه صعب. فيقولون: أيوه، «هو» هنا بمعنى ضمير الشأن، فنفسرها بالشأن، ويجوز أن تقول القصة: الشأن والله أحد، أو الموضوع والله أحد. فهو إذاً «هو» هنا اسم ضمير الشأن، يعني ضمير نفسره بكلمة الشأن، ويجوز أن تفسره بكلمة القصة.
دعونا من كلمة القصة، دعونا نقدرها بالشأن. إذاً هنا «هو» ضمير الشأن مبتدأ، ما مرجعه؟ ما الذي يفسره؟ مرجعه الجملة التي تأتي بعده: «الله أحد». فهو مبتدأ أول، و«الله» مبتدأ ثاني، ولفظ الجلالة «أحد» خبر المبتدأ الثاني، وجملة «الله أحد» هي خبر المبتدأ الأول، ومرجع ضمير الشأن الذي يعود إليها هي الجملة الواقعة بعدها. فالشأن، ما هو الشأن؟ الله أحد، أنت فاهم؟ فالجملة «الله أحد» هي التي تفسر «هو»، هي التي بمعنى الشأن يفسرها ما بعدها. لذلك يقولون: «هو» أو «هي» أو ما شابه ذلك، ضمير الشأن من المواضع الستة التي يعود فيها الضمير على متأخر عنه لفظاً ورتبة.
إذاً ابن هشام رحمه الله يقول إن اسم «أن» المخففة يجب أن يكون ضميراً، وليس أي ضمير؛ لابد أن يكون ضميراً نفسره بمعنى الشأن. باختصار، لا يجوز أن يكون لهذا الضمير مرجع سابق، فلا يجوز عند ابن هشام أن يكون للضمير الذي سيأتي اسم «أن» المخففة وله مرجع سابق يعود إليه في الجملة، بل يجب تفسيره بمعنى الشأن.
طبعاً هذا رأي ابن هشام وطائفة في الحقيقة، لكن نستطيع أن نقول إن أكثر من ذلك، أن هناك من لا يوافقون ابن هشام ومن تبعه على هذه القضية، يقولون: بل يجوز أن يفسر ضمير «أن» بشيء سابق في الجملة، ولا يشترط إلزاماً أن يكون ضمير الشأن؛ يعني يجوز أن يجعل ضمير الشأن، ويجوز أن يجعل أي ضمير يعود على شيء سابق في الجملة. لكن ابن هشام وتبعه رأي طائفة سبقته من النحاة يرون أن «أن» المخففة لا يفسر ضميرها إلا بضمير الشأن، ويكون مرجع ما بعده هو الضمير، لأن ضمير الشأن مرجعه ما بعده كما ذكرنا لفظاً ورتبة.
إذاً نسير الآن على كلام ابن هشام؛ يجب أن يكون اسم «أن» المخففة ضميراً، وأن يكون بالتحديد ضمير الشأن، ضمير نفسره بالشأن مرجعه ما بعده، وأن يكون محذوفاً أيضاً، يعني حتى بعد كونه ضمير الشأن يكون محذوفاً وليس ظاهراً في السياق. إذاً هذه ثلاثة شروط في اسم «أن».
نذهب إلى شروط الخبر، ثم بعد ذلك نذكر أمثلة يتضح بها معنى الاسم والخبر. ما هي قواعد ابن هشام رحمه الله في شروط خبر «أن»؟ يقول ابن هشام رحمه الله: «ويجب في خبرها أن يكون جملة لا مفرداً». هذه القاعدة الثانية فيما يتعلق بالخبر؛ خبر «أن» المخففة لا يجوز أن يكون مفرداً، لابد أن يكون جملة.
نحن ذكرنا وتعلمنا سابقاً أنواع الخبر، فيقول لك هنا خبر «أن» المخففة لا يجوز أن يكون مفرداً، يجب أن يكون جملة. والآن ما هي أنواع الجمل عندنا؟ إما أن تكون جملة اسمية، وإما أن تكون جملة فعلية.
قال: إن كانت الجملة اسمية، يعني إذا كان خبر «أن» جملة اسمية، أو كان خبر «أن» جملة فعلية لكن فعلها جامد، أو فعلية فعلها متصرف، وهو دعاء؛ لم تحتج إلى فاصل يفصلها عن «أن». إذاً هو قرر لنا أن خبر «أن» يجب أن يكون جملة، ممتاز، خبر «أن» يجب أن يكون جملة ولا يجوز أن يكون مفرداً.
الآن أراد أن يفصل؛ إذا جاء جملة، فإما أن يأتي جملة اسمية وإما أن يأتي جملة فعلية. خبر «أن» إذا جاء جملة، إما أن يكون جملة اسمية وإما أن يكون جملة فعلية. إذا جاء الخبر جملة اسمية فلا نحتاج أيها الأحبة إلى فاصل يفصل بين «أن» المخففة وبين خبرها الجملة الاسمية؛ لأنكم الآن لاحظتم أن اسم «أن» سيكون دائماً محذوفاً، بالتالي «أن» من حيث النظر العيني، ماذا سيأتي بعدها في الجملة مباشرة؟ الجملة التي هي خبرها، فإذا كانت هذه الجملة التي هي خبر «أن» جملة اسمية، لا نحتاج إلى فاصل بين «أن» وبين هذه الجملة الاسمية.
الحالة الثانية أن تكون الجملة إذا كان خبراً جملة فعلية، فعندنا تفصيل: إن كان خبراً جملة فعلية فعلها جامد، ما معنى الفعل الجامد؟ راه درسناه في علم الصرف وكررنا أيضاً في دراسة القطر. الفعل الجامد والفعل الذي لا يتصرف، لا تستطيع أن تأتي منه بمضارع وأمر واسم فاعل واسم مفعول؛ لا يتصرف، لا يقبل التحول والتغير إلى الصيغ الأخرى، مثل سائر الأفعال، فأنت مثلاً «ضرب» تقول: ضرب، يضرب، اضرب، ضارب، مضروب، تستطيع أن تصرفه. الفعل الجامد لا يقبل، ومن أشهر الأفعال الجامدة التي مرت معنا سابقاً، من يتذكر؟ ليس أيضاً.
الأفعال الجامدة: عسى، الله، نعم، تبارك على خلافه، تبارك. فهناك بعض الأفعال الجامدة ستتعلمها مع الممارسة النحوية؛ نعمة وبئس، وهي أفعال ما يسمى المدح والذم، ونعمة وبئس وما شابهها أيضًا أفعال جامدة.
متى فهمنا؟ فقلنا إذا كان خبر «إن» جملة فعلية، فعندنا تفصيل. أما أن يكون جملة فعلية لكن الفعل المختصر فيها جامد، ففي هذه الحالة أيضًا لا نحتاج إلى فاصل بين «إن» وخبرها الجملة الفعلية التي فعلها جامد.
الحالة الثانية: أن يكون جملة فعلية فعلها متصرف لا على الأصل، يعني يقبل التغير، لكن جملة فعلية فعلها متصرف ولكن المراد به الدعاء في الجملة؛ إذا جاء خبر «إن» جملة فعلية فعلها متصرف لكن المراد به إنشاء الدعاء، أيضًا لا نحتاج إلى فاصل بين «إن» والجملة الفعلية.
الحالة الثالثة والأخيرة: أن يكون الخبر جملة فعلها متصرف ولم يرد به إنشاء الدعاء، بل المراد به الإخبار، ففي هذه الحالة نحتاج إلى فاصل بين «إن» والجملة الفعلية. وهذا هو الذي ذكره ابن هشام سابقًا حينما تكلم عن «إن» المخففة التي تأتي بعد علم. ألم يقل ابن هشام عندما قال في «إن» التي تنصب الفعل المضارع، وهو يفرق بين الناصبة والمخففة، ألم يقل: «إن إذا سبقت بعلم أو ما فيه علم فهذه المخففة ولا ينصب بعدها الفعل المضارع»؟
وقد قال ويجب الفصل، تذكروه عندما قال ويجب الفصل بين «إن» وبين الفعل بفواصل ذكرناها سابقًا، هو الآن سيعيد تلك الفكرة هنا. عودوا إلى ما تكلمنا عنه في «إن» الناصبة، والمقارنة بينها وبين «إن» المخففة، واذكروا ماذا قال هناك وانقلوه هنا أيضًا، واعلموا أنه يتكلم عن شيء واحد.
فإذا كانت الحالة الثالثة أن يكون الخبر جملة فعلية فعلها متصرف ولم يقصد به الدعاء وإنما المراد به الإخبار، في هذه يختار ابن هشام وجوب الفصل بين «إن» وبين هذه الجملة الفعلية. وما هي الفواصل؟ هو الآن لم يذكرها هنا، بل ذكرها في الصفحة التي تليها: «وإن تخفف إن فأسموها استكن، والخبر اجعل جملة من بعد إن، وإن يكن فعلًا ولم يكن دعا، ولم يكن تصريفه ممتنعًا، فالأحسن الفصل بقد أو نفي أو لولا، وقليل الذكر لو».
هذه ذكرها ابن مالك في الألفية، وابن هشام رحمه الله هنا فسرها بقوله: «فإن كان الفعل متصرفًا وكان غير دعاء يجب أن يفصل بين إن وهذه الجملة بواحد من قد أو حرف التنفيس أو حرف النفي أو لو». هذه الفواصل أربعة وذكرناها سابقًا: قد، لو، حرف نفي، أو حرف تنفيس. هذه الفواصل الأربعة التي تأتي فاصلة بين «إن» والجملة الفعلية الواقعة بعدها إذا كانت جملة فعلية فعلها متصرف ولم يرد به الدعاء.
الآن أقرأ كلام ابن هشام ونعلق على الأمثلة التي ذكرها، يقول ابن هشام: «ويجب في خبرها أن يكون جملة لا مفردة، فإن كانت الجملة اسمية، أو فعلية فعلها جامد، أو فعلية فعلها متصرف وهو دعاء -إن المراد منه إنشاء الدعاء- فلن إلى فاصل يفصلها من إن».
ثم بدأ يذكر أمثلة؛ مثال الاسمية قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10]. لاحظوا أن «إن» مخففة، وطبعًا كُسرت النون لالتقاء الساكنين؛ لأن «إن» الساكنة ستلتقي مع ال التعريف الساكنة، فحذفت النون منعًا لالتقاء الساكنين.
إعرابها: «إن» حرف مبني على السكون وحُرِّك بالكسر منعًا لالتقاء الساكنين لا محل له من الإعراب. أين اسم «إن»؟ محذوف وهو ضمير الشأن. وهنا فائدة ضعوها على الهامش: خطأ أن نقول ضمير الشأن مستتر؛ ابن هشام دقيق، المحذوف لم يقل مستتر. لماذا لا نجعله مستترًا مثل الفاعل؟ مثلاً: «زيدٌ ضربَ بكرةً»، ألا نقول الفاعل ضمير مستتر؟ لا، لأن الضمير المستتر لا يكون إلا ضمير رفع، والضمير هنا ليس ضمير رفع بل هو ضمير نصب، لأنه اسم «إن» المنصوبة.
فتقدير الكلام: «إنَّه الحمد لله رب العالمين». هذا طبعًا تقدير، وما في ضمير، لكن أنا أقدره لك بالهاء؛ لأن الهاء كما قلنا أيها الأحبة تأتي ضمير نصب وتأتي ضمير جر حين تكلمنا عن الضمائر. فنقول هنا: ضمير اسم أم ضمير محذوف؟ وأصل الجملة: «إنه الحمد لله». وبماذا نفسر الهاء؟ فسرها بـ «الشأن»، فمعنى «إنه الحمد لله رب العالمين» أي: الشأن والقصة الحمد لله رب العالمين.
ومرجع هذا الضمير المحذوف في «إن» هو الجملة الواقعة بعده، فهو يعود على متأخر لفظًا ورتبة، وهذه من الأحوال الستة التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظًا ورتبة. هذا هو اسم «إن».
أين خبر «إن»؟ «الحمدُ» مبتدأ، و«لله» جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره كائن خبر الحمد. فعندنا «الحمد» مبتدأ، والخبر هو متعلق بالله، و«رب العالمين» مضاف إليه مجرور بالياء. وجملة «الحمد لله» هذه جملة اسمية، لاحظوا هل احتجنا إلى فاصل بين «إن» و«الحمد لله»؟ لم نحتج إلى فاصل، مباشرة نقول: والجملة الاسمية «الحمد لله» في محل رفع خبر «إن» المخففة من الثقيلة. هكذا نعرب؛ تقديره: «إنه الحمد لله»، أي الأمر والشأن الحمد لله، فخففت «إن» وحُذف اسمها ووليت الجملة الاسمية بلا فاصل.
نذكر مثالًا على الحالة الثانية؛ أن يكون الخبر جملة فعلية جامدة، قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: 187]. «عسى» من الأفعال الجامدة وهي تعمل عمل «كان» وأخواتها بشروط نذكرها في الألفية إن شاء الله. ففي قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾، فإن اسمها ضمير الشأن، و«عسى» فعل جامد، ولها اسم وخبر.
ضمير مستتر، عسى ضمير مستتر تقديره هو اسم عسى، وأن يكون، عرفتم؟ نعم، مصدر وأول خبر لعسى ﴿لَتُؤْخَذَنَّ﴾، لكن لا أريدك الآن أن تدخل في تفاصيلها. وجملة «عسى أن يكون قد اقترب أجلهم» في محل رفع خبر «أن». هل احتجنا إلى فاصل بين «أن» وعسى؟ لم نحتج إلى فاصل؛ لأن عسى فعل جامد.
انظر الآية الثانية: ﴿لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، وإن ضمير الشأن محذوف، اسمها وليس «أين» اسمها؛ أي «ما» اسمها. ﴿لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، اسم موصول؛ ما الاسم الموصول التي جاءت بعد أداة الحصر؟ جاء مؤخر اسم ليس، ما الموصولية طبعاً. «وسعى» جملة صلة الموصول، والعائد محذوف، ويجوز حذف العائد المنصوب كما ذكرنا سابقاً. فاسم ليس «ما»، وخبر ليس «لِلْإِنسَانِ»، جاره ومجروره متعلق بمحذوف تقديره كائن، هو خبر ليس مقدم. جملة «ليس للإنسان إلا ما سعى» في محل رفع خبر «أن» المخففة من «إن»، ولم نحتج إلى فاصل بين «أن» وليس؛ لأن ليس فعل جامد. والتقدير: وانه عسى، وانه ليس.
الحالة الثالثة من الأحوال التي لا نحتاج فيها إلى فاصل، هي التي فعلها متصرف وهو دعاء؛ أي المراد منه إنشاء الدعاء وليس المراد منه الإخبار. قوله تعالى في إحدى القراءات: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. نحن في قراءة حفص عن عاصم ماذا نقول؟ ﴿وَالْخَامِسَةُ أَن غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾، هكذا نقرأها، لكن في إحدى القراءات يقرأون بتخفيف «أن»، فنقول: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَن غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. الآن «غضب» جملة فعلية وفعلها متصرف، لكن المراد من «غضب» هنا الدعاء عليها؛ المراد إنشاء الدعاء وليس الإخبار أن الله غضب عليها.
لاحظوا، ليس المراد ﴿وَالْخَامِسَةُ أَن غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ نخبر أن الله غضب على هذه المرأة، لا؛ لأن هذا لعان. فالمرأة لما تلاعن زوجها الذي قذفها بالزنا، تحلف باليمين الأول أنها لم تفعل، والثاني والرابع، وفي الخامس تحلف وتقول إنه ربنا يغضب عليّ إذا كان هو صادقاً وأنا كاذبة؛ في اليمين الخامس هي تدعو على نفسها، تقول تشهد بالله أني لم أزنِ وإن كنت كاذبة وهو صادق فغضب الله عليّ. إذاً هي تدعو على نفسها بالغضب، فهمتم لماذا هو في دعاء؟ لأنه ليس إخباراً أن الله غضب عليها، وإنما المراد أنها يجب في الخامسة أن تدعو بغضب الله عليها إن كانت كاذبة، وهو في الخامس الرجل يدعو بلعنة الله عليه إن كان كاذباً، فإذا غضب الله عليها، هذه جملة المراد منها إنشاء الدعاء وليس المراد منها الإخبار؛ فلذلك لم نحتج إلى فاصل بين «أن» وغضب، فإن الاسم ضمير الشأن محذوف، وجملة «غضب الله عليها» هذه الجملة الفعلية في محل رفع خبر «أن».
إذن في هذه الأحوال الثلاثة: إذا كانت جملة اسمية، أو جملة فعلية فعلها جامد، أو جملة فعلية فعلها متصرف والمراد منه إنشاء الدعاء وليس الإخبار، لا نحتاج إلى فاصل. متى نحتاج إلى فاصل أيها الأحبة؟ نحتاج إلى فاصل إذا كان خبر «أن» جملة فعلية فعلها متصرف والمراد منه الإخبار ليس الدعاء، وهو الأكثر في الحقيقة.
نحتاج إلى فاصل بين «أن» والجملة الفعلية، والفواصل أربعة: قد، حرف التنفيس، حرف نفي، لو بدأ بها. فإن كان الفعل متصرفاً وكان غير دعاء وجب أن يفصل منا بواحدة من أربعة، وهي أولاً «قد»، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾. لاحظ هنا المسبوقة بـ«نعلم»، هي في قراءتنا: ﴿وَنَعْلَمُ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، «أن» ضميرها أو اسمها ضمير الشأن المحذوف. «صدقتنا» جملة فعلية فعلها متصرف وليس المراد منه الدعاء، إذاً يجب الفصل على قواعد ابن هشام؛ لأن ابن مالك قال الأحسن الفصل ولم يوجب الفصل، فأقول ابن هشام تبع نحوياً بوجوب الفصل، وهناك رأي آخر يستحسن ولا يوجب.
فبماذا فصل بين «أن» والجملة الفعلية؟ فصل بـ«قد» في قوله: ﴿وَنَعْلَمُ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، وأيضاً ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا﴾، هذا أيضاً مثال الفصل بحرف التنفيس. وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ﴾، هذه مرت معنا، هذه الآية ذكرها ابن هشام حين تكلم عن الفارق بين «أن» المخففة و«أن» الناصبة للفعل المضارع. وقلنا: «أن سيكون»، لاحظ الفعل المضارع لم ينصب بـ«أن»، لماذا؟ لأن هذه «أن» المخففة، وكيف نعرف أنها المخففة وليست الناصبة؟ أنها مسبوقة بعلم، فإذا احترت فيها هل هي الناصبة أو المخففة، انظر ما قبلها؛ إذا كان «علم» فهذه قطعاً المخففة. لاحظ كيف فصل بين «أن» و«يكون منكم مرضى» بحرف التنفيس «السين» في ﴿سَيَكُونُ﴾، وجملة «سيكون منكم مرضى» هي خبر «أن» المخففة.
الفاصل الثالث حرف النفي: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾. لماذا لم يقل «ألا يرجعوا»؟ ليست الناصبة للفعل المضارع، لأنها مسبوقة بـ«يرونه»، وإن كانت الرؤية هنا تحتمل الرؤية البصرية حقيقة، ولكن احتمال قوي أن تحتمل الرؤية العلمية.
﴿أَفَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ﴾، قوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فإذا كانت «يرون» هنا المعنى، «يعلمون» أيضًا هنا إن سبقت بعلم، فلذلك لم تُنصب الفعل المضارع، فالفعل المضارع مرفوع. لكنه فعل مضارع مرفوع متصرف ليس دعائيًا، فوجب الفصل بين «أنَّ» المخففة وخبرها النافي. لاحظوا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾، إن جاءت «لا» تفصل بين «أنَّ» المخففة والجملة الفعلية «يرجع إليهم».
الفاصل الرابع له: «وإن لو استقاموا على الطريقة»، أهو اسم أم ضمير الشأن المحذوف؟ «وإن» الشأن لو استقاموا؛ «استقاموا» فعل ماضٍ، وجاء قبلها «لو» فاصلة بين «أنَّ» المخففة وبين الجملة الفعلية «استقاموا على الطريقة»، التي هي خبر «أنَّ».
أيها الأحبة، إن تكون «أنَّ» مسبوقة بعلم أو ما فيه معنى العلم، هذا يشترط إذا كان الفعل الواقع بعدها فعلًا مضارعًا. قد يشكل على الطالب بعض المواضع، مثل «وإن لو استقاموا»، ما قبل «أنَّ» هنا علم أو فعل فيه معنى العلم. هنا التنبيه أيها الأحبة؛ ابن هشام في ذاك الموضع حينما يتكلم أنه «أنَّ» المخففة تكون مسبوقة بعلم أو ما فيه معنى العلم، هو يتكلم عن «أنَّ» التي يأتي بعدها فعل مضارع؛ حتى لا تشتبه عليك مع «أنَّ» الناصبة للفعل المضارع. عندك «أنَّ» هذه ناصبة للفعل المضارع أم «أنَّ» المخففة؟ قال لك: انظر ما قبلها، إذا كان قبلها علم أو ما فيه معنى العلم تعتبرها مخففة، وإذا كان قبلها ظن أو ما فيه معنى الظن يجوز أن تعتبرها المخففة ويجوز أن تعتبرها الناصبة. قال: إذا كان قبلها لا يوجد علم ولا ظن إجباريًا فهي الناصبة للفعل المضارع.
فذاك التفصيل الذي قدمناه هو في «أنَّ» التي بعدها جمل وفعل مضارع، حتى تفرق بين «أنَّ» المخففة و«أنَّ» الناصبة للفعل المضارع. أما إذا لم يكن بعد «أنَّ» فعل مضارع، وكان خبر «أنَّ» المخففة فعلًا ماضيًا، في هذه الحالة أيها الأحبة لا يشترط أن تكون «أنَّ» مسبوقة بعلم ولا بظن. إذا كان خبر «أنَّ» المخففة فعلًا ماضيًا، جميل، ممكن يكون خبرها جملة اسمية، أو جملة فعلية فعلها جامد، أو جملة فعلية فعلها متصرف للدعاء. ليس دائمًا نحتاج قبل «أنَّ» المخففة فعل علم أو ما فيه معنى العلم، انتبهوا. وإنما ذاك الضابط الذي ذكره ابن هشام أنه «أنَّ» المخففة مسبوقة بعلم أو ما فيه معنى العلم أو مسبوقة بظن أو ما فيه معنى الظن، في الحالة الثانية يجوز أن تجعلها المخففة والناصبة؛ هذا فقط في حالة كون ما بعد «أنَّ» جملة فعلية فعلها مضارع، وأما في ما سوى ذلك من الأحوال، إذا كان خبر «أنَّ» جملة فعلية فعلها ليس مضارعًا، لا نلزم حتى نقول والله «أنَّ» المخففة أن تكون مسبوقة بعلم أو ما فيه معنى العلم أو ظن أو ما فيه معنى الظن. فتلك إذاً محصورة في ذاك الموضع فقط للتفريق بين المخففة التي بعدها فعل مضارع وبين «أنَّ» الناصبة للفعل المضارع.
ثم قال وربما جاء، بدأ يبين حالة استثنائية، يقول: إذا كان خبر «أنَّ» جملة فعلية فعلها متصرف ليس دعائيًا -كما قرر قبل قليل- يجب الفصل بـ«قد» أو حرف أو حرف النفي أو «لو»، ثم استثنى قال: وربما جاء في الشعر بغير فصل. على قاعدة ابن هشام يكون إتيانه بغير الفصل شاذًا، وعلى رأي ابن مالك لا يكون شذوذًا وإنما يكون خلاف الأولى فقط.
قال: وربما جاء في الشعر بغير فصل كقوله: «علموا وأن يؤملوا». لاحظوا هنا، لأنه جاء بعد فعل مضارع، حتى نجعلها «أنَّ» الناصبة، اشترطنا أن يكون قبلها علم؛ لاحظوا: «علموا أن يؤملوا»، بعد «أنَّ» ما الفعل؟ مضارع، إذاً قبل «أنَّ» فعل علم: «علموا أن يؤملوا»، يعني نعلم أنهم مأمول الناس ومقصد الناس والناس يلجأون إليهم. «علموا أن يؤملوا فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤل». «أنَّ» المخففة وبعدها اسمها محذوف وخبرها الجملة الفعلية «يؤملوا». دعونا ننظر فيها؛ الخبر جملة فعلية، ممتاز ليس اسميًا، الفعل متصرف، والمراد منه ليس إنشاء الدعاء. إذاً الأصل عند ابن هشام يجب الفصل، هل يوجد فاصل؟ لا يوجد، فقال هذا على خلاف القاعدة: «علموا أن يؤملوا»، لاحظوا عدم وجود الفاصل.
إذن هذه هي قواعد هذا الباب: اسم «أنَّ» المخففة ضمير الشأن محذوف، وخبرها جملة، ويجب الفاصل بين «أنَّ» وخبرها في حالة واحدة: إذا كان جملة فعلية فعلها متصرف لغير الدعاء.
انتهينا، أراد الآن أن يبين ما خرج عن هذه القاعدة، انظر ماذا قال: «وربما جاء اسم أن في ضرورة الشعر مصرحًا به غير ضمير شأنه». إذا ورد في أشعار عربية أيها الأحبة فصيحة الإتيان باسم «أنَّ» ظاهرًا، وليس ضمير الشأن. يعني جاء اسم «أنَّ» ظاهرًا، ليس مخفيًا محذوفًا بل جاء ظاهرًا، لكن عندما جاء ظاهرًا جاء في عند العرب في هذه الأبيات الشاذة ضميرًا، وعندما جاء ضميرًا ظاهرًا لم يكن تفسيره أيضًا ضمير الشأن، بل كان له مرجع يعود إليه ليس ضمير الشأن، كان له مرجع سابق؛ فلذلك جاء في ضرورة الشعر اسم «أنَّ» ضميرًا ظاهرًا ولم يُفسر، بل كان هو مرجعًا سابقًا يعود إليه.
يقول ابن هشام: هذه المواضع القليلة التي جاء فيها اسم «أنَّ» ضميرًا ظاهرًا، جاء خبرها في هذه الحالة مفردًا وجملة. يعني يجوز في هذه الحالة أن يأتي خبرها مفردًا وأن يأتي خبرها جملة. فانظر هنا، كل القاعدة اختل كل ما بناه سابقًا، اختل في بعض الأبيات الشعرية، لذلك حصره ابن هشام في ضرورة الشعر؛ يعني في ضرورة الشيء جاء اسم «أنَّ» ضميرًا ظاهرًا له مرجع سابق عليه ليس ضمير الشأن، وفي هذه الحالة عندما يكون ضميرًا ظاهرًا.
يجوز أن يأتي الخبر مفردًا، ويجوز أن يأتي جملة. قال: «وقد اجتمع في قوله: بأنك ربيع وغيث مريع، وإنك هناك تكون الثمار». والبيت الذي سبقه هذا البيت لجنوب بيت عجلان تمدح أخاها عمرو بكرمه وجوده وفضله على الناس.
فقالت في البيت السابق: لقد علم الضيف والفقراء، إذ أغبرت وهبت شمالا. يقصد: علم الضيف والفقراء وكل الناس وكل محتاج. «إذ أغبرت وهبت شمالا» كناية عن دخول الشتاء، هبت شمالها، وهي رياح الشتاء التي تأتي من الشمال، الشديدة الباردة القارصة. علموا هؤلاء الفقراء، إذا دخل الشتاء ماذا علموا؟ علموا بأنك ربيع وغيث مريع، وأنك هناك تكون الثمار. يا أخي، أنت الربيع الذي تجود عليهم بالخير كما يجود الربيع على هذه الأرض بالزهور. أنت لهؤلاء الفقراء والمحتاجين عندما يقصدونك جميل، بأنك ربيع.
لاحظ: «بأنك ربيع»، أين اسم «أن»؟ الكاف في «بأنك». وما مرجع الكاف؟ هل يفسر بضمير الشأن ولا يعود إلى أخيها المفهوم من القصيدة سابقًا؟ بل يعود إلى أخيها المفهوم من القصيدة سابقًا. فهنا اسم «أن» جاء ضميرًا ليس محذوفًا ومرجعه ليس الشأن، بل مرجعه إلى أخيها المفهوم من القصيدة سابقًا. وأين خبر «أن»؟ «ربيع»، جاء مفردًا. فلاحظوا كيف هنا اختلت جميع القواعد، لكن هذا يجوز كما قال ابن هشام في ضرورة الشعر.
«بأنك ربيع وغيث مريع، وأنت هناك تكون الثمال». وأنت، هذا أيضًا جاء اسمه ظاهرًا. «الثمال» بمعنى الملجأ. يعني أنت الربيع، وأنت الغيث، وأنت الملجأ لهؤلاء الفقراء والمحتاجين. وأنت هناك تكون في من؟ أين اسم «أنت»؟ أيضًا الكاف. وأين الخبر هنا؟ الجملة «تكون الثمال». وهناك اسم ظرف مكان، أو اسم مكان، قدره «هناك». وهو من متعلقات «تكون»، يعني: وأنت تكون الثمال هناك. وأصلها: وأنت تكون الثمال هناك، وطبعًا اسمها محذوف وجوبًا تقديره «أنت»، و«الثمال» هذا خبر «تكون»، وهناك من متعلقات «الثمال» فيما يظهر لي، أو يجوز أن تجعلها أيضًا من متعلقات «تكون»، لا يظهر لي إشكال. المهم، وتكون الثمال؛ هذه الجملة خبر لأي؟ خبر لـ«أنت». فهذا يقعد فيه ابن هشام لما جاء في ضرورة الشعر؛ أي في ضرورة الشعر تختل القواعد السابقة، وفي غير ضرورة الشعر يجب أن نجري على القواعد السابقة.
الآن نذهب أيها الأحبة إلى الحرف الذي يليه. قال: «وأما كان، الحرف الأخير أيها الأحبة الذي يخفف كان أصلاً، كأن خففت وأصبحت كان». قال: «وأما كان فتعمل». إذا خففت يجب إعمالها، هذا نحفظه: «إذا خففت يجب إعمالها». قال: «ويقل ذكر اسمها ويفصل الفعل منها أو قد...». بدأ بذكر قواعد «كان» المخففة. إذا خففت «كأن» وجب إعمالها، هذه قاعدة.
ولكن هل هناك فارق بين «كأن» و«أن»؟ نعم، هناك فرق في الشروط بينهما. «كأن» هل يذكر اسمها؟ لا، يجب أن يكون اسمها محذوفًا، مثل «أن»؛ «كان» اسمها يجب أن يكون محذوفًا. هل «كان» مثل «أن»؟ قال: «ذكر اسمها أكثر من ذكر اسم أن». ولكن في الحقيقة العبارة هذه قد توهم الطالب. العبارة هي: «إذا خففت كان، وجب إعمالها كما يجب إعمال أن، ولكن ذكر اسمها أكثر من اسم أن». هذه العبارة قد تشكل عليك، فأنا أريدك أن تعيد صياغة العبارة: «كان» إذا خففت أيها الأحبة تعمل، ويجوز أن يأتي اسمها ظاهرًا، ويجوز أن يأتي اسمها محذوفًا. لكن ما هو الأكثر؟ الأكثر هو الحذف.
لذلك قال في المتن: «ويقل ذكر اسمها». إذاً، «يقل ذكر» نفهم منها أن «كان» يجوز أن يأتي اسمها ظاهرًا ويجوز أن يأتي اسمها محذوفًا، والأكثر أن يكون محذوفًا. وإذا جاء اسمها ظاهرًا يجوز أن يكون ضميرًا ويجوز أن يكون اسمًا. إذاً هذا فرق مهم؛ «كان» إذا جاءت، لا يلزم أن يكون اسمها ضميرًا ظاهرًا، قد يكون اسمًا ظاهرًا، ما عندنا مشكلة. فعليك أن تفرق بين «أن» و«كان» في كل أمورك. «كان» يجوز أن يأتي اسمها ظاهرًا ومذكورًا، والأكثر أن يأتي محذوفًا. لذلك قالوا: «ولا يلزم أن يكون ضميرًا»، انظر ماذا قال في الشرح: «ولا يلزم أن يكون ضميرًا». هذا فيما يتعلق باسمها. إذا سألتك: ما التفصيل في اسم «أن»؟ تقول: يجوز أن يأتي محذوفًا، والأكثر الحذف، وإن جاء مذكورًا يجوز أن يكون ضميرًا ويجوز أن يكون اسمًا ظاهرًا. ممتاز.
ماذا عن الخبر؟ خبر «أن» قبل قليل كان شرطه ماذا؟ يجوز أن يكون خبرها جملة ويجوز أن يكون خبرها مفردًا، فهذا أيضًا فرض في الخبر؛ «كان» يجوز أن يأتي خبرها جملة ويجوز أن يأتي خبرها مفردًا. نأتي إلى الأمثلة. قال الشاعر: «ويومًا توافينا بوجه مقسم...». انظروا، هذا البيت فيه إشكال، هو بثلاث روايات: «كأن ضبية تعطو إلى أوراق السلام» عفوا، الرواية الثانية: «كأن ضبية بالنص تعطو إلى أوراق السلام»، والرواية الثالثة بالرفع: «كأن ضبيةٌ تعطو إلى السلام».
الآن هو يتكلم ويتغزل في محبوبته، يقول: «ويومًا توافينا»، وتأتي إلينا بوجه مقسم، والوجه المقسم هو الوجه الجميل الحسن، تقاسيم الجمال فيه، لذلك سمي مقسمًا. ثم قال: «كأن ضبية»، الآن يرسم لك صورة لهذه المحبوبة. قال: ويشبهها بأنها ظبية تمد عنقها لتأخذ وتأكل من شجر السلم المورق. «أوراق السلام» هذا من إضافة الصفة إلى موصوف، وإنما المراد السلم الذي أورق وظهرت أوراقه. يكون هنا: «ويومًا توافينا بوجه مقسم»، ويرسم لك صورة هذه المحبوبة وكأنه يرسم صورة لطيفة متكاملة وهي تمد عنقها لتقطف شيئًا من أوراق السلم. هو لم يشبه محبوبته بالظبية فقط، بل شبهها بالظبية.
في صورة معينة، لاحظ فهم كيف ينضم عند العرب كيف كانوا جبابرة في التصوير. هو لا يشبه محبوبته فلم يقل: "ومحبوبتي كأنها ضجي وسكن"، ولم يقل ذلك، بل يرسمها لك بصورة يريدك أن تتخيلها بهذه الصورة؛ يرسم لك محبوبته بأنها ظبية وفي أي تمد عنقها لتأخذ أوراق شجر السلم.
طبعاً، أن تتخيل هذا المنظر الذي يدل على اللطافة والليونة والهدوء والجمال في هذا المنظر الذي يرسم محبوبته، فهو لم يشبهها فقط بالظبية، بل بالظبية بصورة معينة مركبة يريدك أن تتخيلها. وهذا إن شاء الله باب التخيل مهم جداً في فهم أسلوب العرب في تخاطبهم.
لكن ما أريد أن أذهب إليه هو أن ننظر في ما يكون. مشكلتنا مشكلة مع هذا البيت الآن؛ فالبيت فيه ثلاث روايات أيها الأحبة. كأن ظبية تعطو إلى أوراق السلم. شجر السلم له أوراق، والغزال عادة ما تمد عنقه لتأخذ من هذا الورق، فإذا كانت ظبية، نبدأ برواية الكسر أيها الأحبة: «كأن ظبيةٍ».
على رواية الكسر، البيت ليس من شواهد تخفيف «كأن». وماذا ستكون «كأن» على رواية الكسر؟ الكاف حرف جر، و«أن» زائدة، وظبية اسم مجرور بالكاف. وهنا أيها الأحبة أريدك أن تسجل فائدة؛ تذكر حينما تكلمنا عن أنواع «أن»، قلنا هناك «أن» التفسيرية، وهناك «أن» الزائدة، وهناك «أن» المصدرية، وعن المصدرية قسمناها إلى المخففة وعن الناصبة للفعل المضارع.
ماذا ذكر ابن هشام؟ هناك مثال على «أن» الزائدة، ذكروا حالة واحدة وهي أن تقع بين القسم ولو، مثل: «أقسم أن لو كذا وكذا». أريدك أن تسجل هنا موضعاً ثانياً من مواضع زيادة «أن»، وهذا موضع ثاني نمر عليه في «قطر الندى»، وهي أن تزداد بين حرف الجر والاسم المجرور. وانظر أنت الآن كيف تبني علماً، تحصل وتجمع المعلومات المتناثرة؛ هذه مهارة أيها الحبيب، مهارة جمع المعلومات المتناثرة وربطها مع بعضها البعض. فهنا نقول إذاً بما أن هنا «أن» زائدة، إذاً هذا موضع آخر يمكن أن تزداد فيه «أن»، الموضع الأول بين القسم و«لو» هذا الذي ذكرناه سابقاً، وهنا موضع آخر تزداد فيه «أن» بين حرف الجر والاسم المجرور. جميل، إذاً هنا لا يوجد شاهد، و«كأن» حقيقة ليست «كأن» المخففة، وإنما هي كاف حرف جر و«أن» زائدة.
انتهينا من رواية الجر، نذهب إلى رواية النصب. «كأن ظبيةً» على رواية النصب أيها الأحبة، نعم على رواية النصب «كأن» هذه مخففة من «أن». طيب، «ظبيةً» ما إعرابها؟ اسم «كأن». قلنا إذا ظهر اسمها يجوز أن يكون اسماً ظاهراً ويجوز أن يكون ضميراً ظاهراً، ما عندنا مشكلة هنا، جاء اسمها ظاهراً، إذا اسم «كأن» المخفف منصوب، وعلامة نصبه الفتحة.
«تعطو إلى أوراق السلم» هذه نعت لظبية، ليست خبراً. هذه الجملة كلها هي نعت لظبية يصف الظبية بأنها ليست أي ظبية، بل الظبية التي تمد عنقها لتأخذ من أوراق شجر السلم. طيب، أين الخبر؟ خبر «كأن» محذوف تقديره «هذه المرأة». «كأن ظبيةً تعطو إلى أوراق السلم هذه المرأة». فـ«ظبية» اسم «كأن»، و«هذه المرأة» خبر «كأن».
لماذا؟ ما معنى «كأن» أيها الأحبة؟ تذكروا عندما تكلمنا عن معاني الأحرف، «كأن» تفيد التجميع أو الظن، وهنا المراد التشبيه قطعاً وليس المراد الظن. جميل، إذاً المراد التشبيه. أنا عندما أشبه ماذا أقول؟ دعونا من «كأن»، الأصل أقول: «كأن محمداً بدرٌ». وتذكروا أيها الأحبة وضعت لكم قاعدة في «كأن» المخففة؛ إذا جاءت للتشبيه يكون الاسم هو المشبه، وخبرها يكون هو المشبه به. هذه القاعدة في علم البلاغة: المشبه يكون اسم «كأن»، والمشبه به خبر «كأن». فأنا أقول: «كأن محمداً بدرٌ»، «كأن السماءُ بحرٌ». أعطونا مثالاً: «كأن زيداً أسدٌ»، تذكر المشبه ثم تأتي بالمشبه به. هذه القاعدة: بعد «كأن» يذكر المشبه ويكون هو اسمها، والمشبه به يكون هو خبرها.
دعونا نقيس على هذه الجملة وتأملوا أيها الأحبة. انظروا ماذا قال الشاعر: «كأن ظبيةً تعطو إلى أوراق السلم هذه المرأة». قلنا «ظبيةً» بالنصب اسم «كأن»، و«هذه المرأة» خبر «كأن». طيب، أين المشبه والمشبه به؟ معكوس! لأنه يريد أن يشبه المرأة بالظبية، ولكنه جعل اسم «كأن» هو المشبه به وهو «الظبية»، وجعل خبر «كأن» هو المشبه وهو «المرأة»، مع أن الأصل العكس، تقول: «كأن هذه المرأة ظبيةٌ».
إذاً هنا أيها الأحبة في هذا البيت عكس الشاعر؛ جعل المشبه به اسم «كأن» وجعل المشبه خبر «كأن». ففي الحقيقة ماذا فعل؟ هذا يسمى أيها الأحبة «عكس التشبيه»، أو «قلب التشبيه»، يسمى «التشبيه المقلوب». وفي الحقيقة هنا كيف نفهم البيت؟ نحن سنفهم البيت على القاعدة؛ أنه ما بعدها «كأن» هو المشبه وخبرها هو المشبه به، سنقول في هذا البيت «ظبية» هو المشبه، و«المرأة» هي المشبه به. كأنك شبهت الظبي بالمرأة، فصار معناها أنك تقول هذا الظبي يشبه المرأة، وليس أنك شبهت المرأة بالظبي.
عندما قلت: «كأن ظبيةً هذه المرأة»، أنت هنا تشبه الظبي بالمرأة، فجعلت المرأة مشبهاً به وهي الأصل، وجعلت الظبي مشبهاً. وهذا أيها الأحبة من جمال التشبيه؛ أن تجعل الفرع أصلاً، وتجعل الأصل فرعاً. لماذا؟ قالوا لي: بالغ في التشبيه. هذا يسمى قلب التشبيه، وفي الحقيقة الأصل أن يشبه المرأة بالظبي، لكنه عندما جاء بالبيت عكس القضية فشبه الظبي بالمرأة، فجعل المشبه به (المرأة) مشبهاً، وجاء إلى المشبه (الظبي) فجعله مشبهاً به، وذلك من المبالغة الشديدة في التشبيه. وانظروا إلى الجمال حينما تصبح المرأة هي التي يُشبه بها الظبي وليست العكس.
عندما تصبح نعم المرأة هي الأصل، هي التي يُشبه بها الظبي وليست هي المُشبهة بالظبي، هذا أيها الأحبة جمال؛ كأنها استحكمت في جمالها وفي طلعتها وفي حسنها حتى أصبحت أصلاً يقاس عليه غيرها ولا تقاس بغيرها.
وإن لو تأملت هذا ستجد فيه رونقًا، لفتة طيبة من الشاعر في قوة نظمه وفي قوة إتيانه بالمعنى حينما يعكس القضية. فهنا أيها الأحبة سيبقى الأمر ما بعد "كأن" الآن هو المشبه، وخبره هو المشبه به، لكن في الأصل نقول هنا حدث قلب في التشبيه، والمراد به المبالغة؛ حينما جعل المشبه به مشبهًا والعكس بالعكس، جميل.
هل هناك إمكانية لأن تكون "ظبيةً" منصوبة وتبقى هي المشبه به؟ ابن هشام رحمه الله ذكر وجهًا آخر يبقى فيه التشبيه على حقيقته لم يحدث فيه قلب. ابن هشام ذكر لرواية النصب تفسيرًا آخر؛ يمكن تكون "ظبيةً" منصوبة ويبقى التشبيه على حقيقته على أصله، أن المرأة هي المشبه والظبية هي المشبه به.
كيف يمكن أن نقدر هنا خبرًا وتبقى المرأة هي المشبه والظبي هي المشبه به؟ قال ابن هشام: «كأن مكانها ظبية»، قال هكذا نقدر "كأن مكانها ظبية". فيقول ابن هشام: مكان هنا ظرف، ظرف "كأن" متعلق بمحذوف خبر "كأن" مقدم، و"ظبية" اسم "كأن" مؤخر.
جميل، قال ابن هشام يمكن أن نقول: «كأن مكانها ظبية»، مكان ماذا طبعًا؟ الضمير في "مكانها" يعود على المرأة، الفتاة التي يصفها. نعود إلى أول البيت: «ويومًا توافينا بوجهٍ مقسمٍ * كأن مكان هذه المرأة ظبيا تعطو إلى وارق السلم».
الآن بدها تركيز، المعنى: كأن مكان هذه المرأة ظبيا. لاحظ: «كأن مكان هذه المرأة ظبيا»، إذاً فكان هنا لاحظ جعل المرأة -وهي المشبه- وجعل المشبه به بقي هو الظبي؛ لأنه يقول: «كأن مكان ظبيا»، كأن مكان ظبية. فكأنه يقول: إذا فأنت كأنك أزحت هذه المرأة من مكانها وأتيت في هذا المكان، وهذا يُفهم منه أن المرأة هي المشبه والظبي هي المشبه به.
حينما أقول: «كأن مكان هذه المرأة ظبية»، ركز المعنى، إذا المرأة هي المشبه فإنا شبهتها وألحقتها بالظبية فجعلت الظبية مكانها، كأنك تقول كأنك أزحت هذه المرأة ووضعت مكانها ظبية. إذاً المرأة هي المشبه والظبي هي المشبه به، لذلك قال: أزاحت المرأة ووضعت مكانها المشبه به.
كيف تقول مثلاً: «كأن مكان محمدٍ أسدٌ»؟ ما معنى «كأن مكان محمدٍ أسدٌ»؟ هنا أنت تشبه محمدًا بالأسد وأتيت بعبارة فيها عمق، أن كأنما هذا الموضع ليس محمدًا الذي فيه أسد. كيف تقول بلغتنا العامية؟ "هذا ليس محمدًا هو الذي فيه، هذا المكان فيه أسد"، كأنه هكذا يريد أن يقول: هذا الموقع ليس فيه فتاة أو محبوبتي، هذا الموقع فيه ظبية تعطو إلى وارق السلم. فهذا هنا بقي على حقيقته ولم يحدث فيه قلب، مع أن اسم "كأن" بقي "ظبية".
لكن لما الخبر "مكان" وهذا ظرف، والظرف لا يأتي اسمًا، بل يأتي خبرًا؛ لما قدرت الخبر بمكان وجعلته مقدمًا على "ظبية" في السياق، أتيت بالخبر ظرف مكان وجعلته مقدمًا على "ظبية" في السياق، جاز في هذه الحالة أن يكون اسم "كأن" هو المشبه به، وهذا طبعًا كله بالاستقراء. لما قدم جعل تقدير الخبر "مكانها"، وقدمه في الذكر على اسم "كأن" جاز في هذه الحالة أن يكون اسم "كأن" هو المشبه به لأنه جاء مؤخرًا في النظم والذكر، ففي هذه الحالة نعم يصلح أن يكون المشبه به هو خبر "كأن"، لكن كما قلنا حالة استثنائية فيها نوع تكلف، وأما الأصل فاسم "كأن" هو المشبه.
الرواية الثالثة والأخيرة للبيت، طبعًا أنا أفصل أيها الأحبة لأني لا أريد أن أمر على مثل هذه القضايا سريعة، كثير من الطلبة ربما يستشكل في عمره مثل هذه المسائل لأن الشارح لم يشرحها له. وذكر ابن هشام ثلاث روايات، أنت تحتاج أن تفهم وتحلل وتنظر ما المعاني المقصودة.
الرواية الثالثة أيها الأحبة هي رواية الضم: «كأنَّ ظبيةٌ تعطو إلى وارق السلم». على رواية الضمة عندنا مشكلة، ماذا يصبح؟ "ظبيةٌ" خبر "كأن" مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وأين اسمها؟ واسمها محذوف، يعود على ماذا؟ على المرأة، يعني التقدير: كأنها ظبية، الضمير يعود على المرأة، وهنا جاء على الأصل؛ جاء المشبه بعد "كأن" وهو المرأة، والمشبه به "ظبية" جاءت متأخرة خبر "كأن"، جاء إذا اسم "كأن" هو المشبه وخبر "كأن" جاء المشبه به، فهذه واضحة كأن الاسم محذوف فُهم ضميرًا.
إذا أيها الأحبة نعود إلى ابن هشام وننظر ماذا قال في هذا السياق؟ قال: «يُروى بنصب الظبية على أنها الاسم، والجملة بعدها صفة، والخبر محذوف، أي كأن ظبيةً عطت هذه المرأة»، "هذه" اسم الإشارة هو خبر كائن محذوف، والمرأة طبعًا بدل من اسم الإشارة، فيكون من عكس التشبيه، بينت لكم من السبورة كيف يكون من عكس التشبيه.
أو يمكن أن تُقدر هنا تقديرًا آخر للخبر، قال: «أو تُقدر: كأن مكانها ظبية»، مكان ظرف منصوب متعلق بمحذوف خبر "كأن" مقدم، وظبية اسم "كأن" مؤخر، هنا يكون -لاحظوا ماذا قال- على هذا التقدير كان مكان "الظبية" على حقيقة التشبيه، وبينت لكم لماذا على هذا التقدير يكون على حقيقة التشبيه.
هذه الرواية الأولى، الآن يفسر الرواية ثانية، قال: «ويُروى برفعها على حذف الاسم»، وهذه ما فيها مشكلة، أي: «كأنها ظبيةٌ»، أي كأن هذه المرأة ظبية، وهذه جاءت على حقيقة التشبيه أيضًا. والقراءة الثالثة بجر "ظبيةٍ" بالكسر، وهذا على أنها الكاف حرف جر و"إن" زائدة.
يقول بعد ذلك: «وإذا كان الخبر مفردًا أو جملة اسمية»، الآن قيد في الخبر، الآن سيتكلم عن تفصيل في خبر "كأن"، ماذا يقول فيه؟ «وإذا كان الخبر -أي خبر كأن المخففة- مفردًا أو جملة اسمية لم نحتج إلى فاصل». فالمفرد "ظبية" في البيت السابق على قراءة "كأنَّ ظبيةً" أو على قراءة الرفع، جاء الخبر "ظبية" مفردًا، هل احتجنا إلى فاصل بين كائن وظبية؟ لا، ما في أي فاصل. وفي رواية من رفع، طيب والجملة الاسمية كقوله: «كأن ثدياه حقان»، ويصف صدر محبوبته يقول.
«وصدر مشرق اللون كأن ثدياه حقاني». هذه الجملة الاسمية: «ثدياه» مبتدأ، و«حقاني» خبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر «كأن» المخففة. هنا جاء خبر «كأن» جملة اسمية، فلم نحتج أيضًا إلى فاصل بينك وبين الخبر.
متى نحتاج إلى فاصل؟ إذا كان خبر «كان» فعلًا، بغض النظر هل هو فعل ماضٍ أو مضارع، فإذا كان خبرها فعلًا وجب أن يُفصل منها. وإذا كان خبر «كأن» جملة فعلية يجب هنا أيضًا قضية الفاصل، فعادت قضية الفاصل أيضًا في «كأن»؛ مرت معنا في «إنَّ» وتوجد أيضًا في «كأنَّ».
متى توجد في «كأنَّ»؟ قيدها إذا كان خبر «كأنَّ» جملة فعلية يجب أن نفصل، وبماذا نفصل؟ هناك حرفان للفصل فقط هنا: «قد» أو «لم». في حالة النفي فيلم وفي حالة الإثبات «قد» أو «لم». فالأول كقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يوسف: 46]، في جو تونس «كأن لم تغن بالأمس»، يعني كأن اسم «كأن» محذوف، وهو الأكثر كما قلنا؛ الأكثر في اسم «كأنَّ» المخففة الحذف.
أنها لم تغن بالأمس، طبعًا أيها الأحبة اسم «كأنَّ» المخففة عندما يكون محذوفًا لا يشترط أن يُفصل بضمير الشأن، لا عادي يعود إلى شيء سابق، فهذه أيضًا من الفوارق؛ يعني اسم «كأنَّ» حتى عندما يكون محذوفًا لأنه فُسر بضمير الشأن يعود على شيء سابق، كأنها كأن الأرض لم تغن بالأمس. لاحظوا «كأن لم تغن»، لاحظوا الفاصل بين «كأن» وبين خبرها الجملة الفعلية بـ «لم». لماذا نحتاج إلى هذا الفاصل؟ لأن الخبر جاء جملة.
وعلى ذلك بقول الشاعر: «كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا... أنيسٌ ولم يُسمر بمكة سامرُ». «كأن لم يكن»، «لم يكن» جاء أيضًا فاصل «لم». والثاني الفصل بـ «قد»: «أزف الترحل غير أن ركابنا... لما تزل برحالنا وكان قد». أين الشاهد أيها الأحبة في هذا البيت؟ «أزف الترحل» يعني اقترب الترحل، غير أن ركابنا لما تزل برحالنا يعني لا تزال الإبل لم ترحل، لكن اقترب الرحيل، «وكان قد...».
أين نشاهد «كأن»؟ أين القضية؟ إن كان اسمها «كأنها»، والتقدير: كأنها هذه الركاب قد زالت. أين الخبر؟ نقول الخبر محذوف، وتقدير الجملة: «وكانها قد زالت»، حُذف «زالت» في آخر البيت حتى تصبح معه القافية والوزن، وأبقى «قد» الفاصل بينك وبين الخبر؛ لأن الجملة «وكأنها قد زالت». «زال» طبعًا هنا بمضارعها «يزول» وليست من أخوات «كان». لاحظوا «كأن قد زالت»، خبر «كأن» جاء جملة فعلية، فاحتجنا إلى فاصل وهو «قد»؛ لأن هنا يريد الإثبات فجاء الفاصل «قد»، ولما يكون يريد نفيًا يأتي بالفاصل بـ «لم»، إذن: «وكأن قد زالت».
طبعًا حدث الفعل. هذا البيت أيها الأحبة هو للنابغة الذبياني، وهذا من القصيدة المشهورة التي تُنسب إلى النابغة الذبياني في وصف المتجردة زوجة النعمان بن المنذر، وبسببها توعده النعمان بن المنذر. هذا جزء منها، هذا البيت الثاني في القصيدة التي وصف فيها -أو نُسبت إلى النابغة الذبياني- أنه وصف فيها المتجردة امرأة النعمان بن المنذر.
لماذا توعده؟ لأن هذه القصيدة أفحش فيها، كان فيها كلام فاحش في الحقيقة في وصف علاقته وتغزل وتشبيه فاضح من النابغة بالمتجردة زوجة النعمان بن المنذر، وإن كان في الحقيقة قيل إن النابغة تبرأ من هذه القصيدة وقال: قيلت على لساني ولم أقلها. وفي الحقيقة يمكن هذا؛ لأن النابغة الذبياني أيها الأحبة من يقرأ القصيدة ويقرأ معلقة النابغة ويقرأ غيرها من قصائد النابغة، لا يهبط إلى مثل هذا التشبيب أو الغزل الفاضح. فلذلك قيل إنها بسبب العلاقة الحميمة بين النعمان والنابغة -حاشية النعمان وشط بالنابغة- وركبت عليه قصيدة وقالت: قال فيك النابغة كذا وكذا، فالنعمان استشاط غضبًا؛ لأنه كيف تُقال هذه القصيدة في زوجتي؟ جميل، هذا إن شاء الله.
طيب الآن نذهب إلى قضية ثانية، كم نذهب من الوقت؟ ساعة وربع. نبدأ ننتقل إلى القضية التي تليها. انتهينا إذًا من تخفيف هذه الأحرف وعرفنا أحكامها في التخفيف وماذا يطرأ عليها، الآن سينتقل إلى بعض الأحكام التي تتعلق بهذا الباب أيضًا في باب «إنَّ» وأخواتها.
يقول ابن هشام في المتن: «ولا يتوسط خبرهن إلا ظرفًا أو مجرورًا نحو: إن في ذلك لعبرة». إن لدينا إكمالًا، حكم سريع لا أريد أن أطيل فيه كثيرًا لأنه سهل فهمه. والآن يقول: «لا يجوز في هذا الباب توسط الخبر بين العامل واسمه». من الفوارق بين باب «إنَّ» وأخواتها وبين باب «كان» وأخواتها: في باب «كان» وأخواتها يجوز أن يأتي الخبر بين «كان» وبين اسمها، التوسط في باب «كان» وأخواتها تجوز في الجميع على الراجح من كلام نحاةها. لكن في باب «إنَّ» وأخواتها لا يجوز أن يتوسط الخبر بين «إنَّ» وإحدى أخواتها وبين الاسم، التوسط ممنوع في «إنَّ» وأخواتها إلا في حالة: إذا كان الخبر ظرفًا أو جارًا ومجرورًا.
لماذا يجوز توسط الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا؟ قاعدة لديكم أصبحت واضحة: لأنهم يتوسعون في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسعون في غيرهما. هذه قاعدة احفظوها تتكرر جدًا: «يتوسع في الظرف أو في الجار والمجرور، لا يتوسع في غيرهما». فإذا جاء خبر «إنَّ» أو إحدى أخواتها ظرفًا أو جارًا ومجرورًا يجوز أن يتوسط بين «إنَّ» واسمها، أما ما سوى ذلك فلا يجوز له التوسط.
يقول: «لا يجوز في هذا الباب التوسط والخبر بين العامل -يعني بين إن وأخواتها- واسمه». وطبعًا إذا كان لا يجوز التوسط، فمن باب أولى لا يجوز أن يتقدم؛ فخبر «إنَّ» أيها الأحبة إذا كان لا يجوز توسطه بين «إنَّ» واسمها، فلا يجوز من باب أولى أن يتقدم. هل يجوز أن تقول: «قائمًا إن زيدًا»؟ لا يجوز. «نائمًا إن عمروًا»؟ لا يجوز. فلا يجوز التوسط ولا يجوز التقدم، لا يقال: «إن قائمًا زيدًا»، كما يقال: «كان قائمًا زيدٌ».
لاحظ المقارن؛ هو يقارن بين البابين. قال: «والفرق بينهما»، طب ما الفرق؟ لماذا في «كان» وأخواتها يجوز التوسط للخبر ويجوز أن يتقدم الخبر، بينما في «إنَّ» وأخواتها لا يجوز التوسط ولا التقدم؟ قال: لأن «كان» وأخواتها أفعال، والفعل هو الأصل في العوامل، صح؟ قلنا مما تكلمنا عن نظرية العامل، قلنا العامل الأصل فيه أن يكون فعلًا، فالفعل قوي في العمل.
معموله بعده أو قبله، ما عنده مشكلة يقوى على العمل. بينما إن وأخواتها هي عاملة، لكن أن يكون الحرف عاملاً هذا ضعيف؛ الحرف أن يكون من العوامل عامل ضعيف في الحقيقة، ليس في قوة الفعل. فلما كان الحرف ضعيفاً في العمل، اقتضى وطلب أن تكون المعمولات على ترتيبها الطبيعي الحقيقي، وألا يتلاعب فيها.
لماذا؟ لأن الحرف ضعيف في العمل ليس مثل الفعل. طلب الحرف أن تكون المعمولات على ترتيبها؛ الحرف يقول: اجعلوا الاسم بعدي والخبر تابعاً على الترتيب، لا أقوى على العمل في معمولاتي حين يتلاعب بها حين تقدم وتتوسط. أما الفعل يقول: أنا أستطيع أن أعمل في معمولاتي حتى لو تقدمت علي، حتى لو توسطت، لو تأخرت لا إشكال عندي. لذلك يقول: والفرق بينهما أن الأفعال أمكن في العمل من الحروف؛ كان وأخواتها أفعال، بينما إن وأخواتها حروف. فكانت الأفعال أقدر لأنها تتصرف في معمولها في اسمها وخبرها.
وما أحسن قول ابن عيينة يشكو تأخره! يقول: كأني من أخبار إن، ولم يجز له أحد في النحو أن يتقدم. يشبه تأخره في الحياة بوجوب تأخر خبر إن؛ كأنه من أخبار إن، ولم يجز له أحد في النحو أن يتقدمه. هذا بيت لطيف في قضية تأخر خبر إن.
قال: ويستثنى من ذلك إذا كان الخبر ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فإنه يجوز فيهما أن يتوسط فقط، ولا يجوز أن يتقدم. لاحظوا، إذا كان الخبر ظرفاً أو جاراً ومجروراً يجوز له التوسط ولا يجوز له التقدم، يعني حتى لو كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً ما يصير يتقدم على إن وأخواتها. فقط الذي نبيحه هنا لأنهم قد يتوسعون فيهما، أي في الظرف والجار والمجرور، ما لم يتوسعوا في غيرهما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المدثر: 30]. "لدينا" هذا ظرف متعلق بمحذوف خبر إن، و"أنكالا" مفعول به، و"جحيماً" معطوف عليها.
قال: واستغنى بتنبيهه عن امتناع التوسط في غير مسألة الظرف والجار والمجرور عن التنبيه عن امتناع التقدم. أين استغنى في المتن يا إخوان؟ قلت لا يجوز التوسط، ولم أحتج إلى أن أذكر أنه لا يجوز التقدم؛ لأنه إذا كان التوسط لا يجوز، فالتقدم من باب أولى، فلا حاجة إلى التنصيص عليه؛ لأن امتناع الأسهل يستلزم امتناع غيره، بخلاف العكس.
قال: ولا يلزم من ذكر تجويز توسطهم للظرف والجار والمجرور أن يكونوا يجيزون تقديمه؛ لأنه لا يلزم من تجويزهم في الأسهل تجويزهم في غيره. ماذا يريد أن يقول في هذا المقطع الثاني؟ قال: وحينما ذكرت جواز توسط الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، لا يعني هذا أنه يجوز أن يتقدم الخبر على إن وأخواته إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً. لماذا؟ لأن التجويز الأسهل لا يستلزم منه ولا يفهم منه تجويز الأصعب؛ هذه قاعدة عقلية. إذا أنا جوزت شيئاً سهلاً، لا يستلزم بالعقل أن يجوز الشيء الصعب، لكن إذا أنا جوزت الشيء الصعب، العقل يكون الأسهل من باب أولى. هكذا العقل يفكر. فهو يريد أن يقول: أنا ابتداءً حينما امتنعت توسط الخبر بين إن واسمها، عقلك سيقودك مباشرة إذا كان يمتنع الأسهل فمن باب أولى أن يمتنع الأصعب.
المسألة الثانية، يقول: وعندما نصصت على جواز توسط الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فإياك أن تفهم أنه يجوز تقدم الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً. لماذا؟ لأن تنصيصي على الأسهل، وهو توسط الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، لا يلزم منه تجويز الأصعب، وهو أن يجوز تقدم الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً. فهمتم أيها الأحبة ماذا يريد؟
ننتقل الآن إلى آخر مبحثين في هذا باعتبار إن وأخواتها. نبحث هذا حقيقة لم يستوعبه ابن هشام في البحث، ولكن ذكر منه رؤوس المسائل. قلت لكم في بداية كلامي عن إن وأخواتها أن هناك مواضع يجب فيها فتح إن، ومواضع يجب فيها الكسر، ومواضع يجوز فيها الوجهان: الفتح والكسر. هنا ابن هشام نص على المواضع التي يجب فيها الكسر، وأنا ذكرت لكم سابقاً الموضع الذي يجب فيه الفتح.
من يتذكر الموضع الذي يجب فيه الفتح؟ قلنا في كل موضع يجب أن يحل فيه مصدر. متى يجب أن نفتح؟ نقول: إن، ولا يجوز أن نقول: أن، ونفتح الهمزة لسد مسد المصدر. قلنا يجب أن تفتح إذا كان يجب أن يحل محلها المصدر هنا، وكيف نأتي بالمصدر؟ من خلال فتح "أن" حتى نأتي بمصدر مؤول. وهذا من خلال التطبيق ستفهمه أكثر وأكثر.
أنا أدري ما معنى وجوب أن يحل المصدر محلها؟ هذا من خلال التمرس والنظر في مواضع "أن" التي تأتي في محل فاعل، أو مفعول به، أو جار ومجرور، أو مفعول لأجله. هذه المواضع إذا جاءت فيها لابد أن تفتح. أنا لا أريد أن أقول إن هذه المواقع يجب أن يكون الفاعل فيها مصدراً، لا؛ المفعول به يجب أن يكون مصدراً؟ لا. لكن المراد أنه هذه المواضع إذا جاءت فيها "أن" يجب أن تفتح؛ لأنه يجب أن يسد مسدها المصدر.
حينما يقول: "أن" تفتح إذا كان تقدير هذا المصدر، إذا كان يجب أن نقدرها بالمصدر، مثلما مثلنا بالمواقع في محل الفاعل، وفي محل المفعول به، وفي محل نائب الفاعل، وفي محل الجر بعد حرف الجر. ما معنى أنه إذا وجب تقديرها بالمصدر؟ لا أريد بذلك أنه هذه المواضع لازم يأتي فيها مصدر؛ الفاعل يكون "زيد" و"خالد" و"بكر"، لكن المراد أن هذه المواضع الأصل فيها أنها ليست جملة ولا شبه جملة، الأصل فيها أنها مفرد. فالفاعل يصف بأنها مفرد، والمفعول به يصف بأنها مفرد، والاسم المجرور مفرد. فإذا جاء عندي "أن" واسمها وخبرها، لابد أن أأتي بمفرد محلها، وأقدرها بالمفرد. كيف سأقدرها بالمفرد؟
إني أحولها إلى مصدر والمصدر مفرد. كيف سأحولها إلى مصدر؟ من الذي يقبل أن يتحول إلى مصدر؟ «أنْ» أو «أنَّ» هي التي تقبل أن تتحول إلى مصدر؛ لأنها حرف مصدري، وعرضنا في الدرس الماضي كيف نحولها إلى مصدر. فهذا معنى قولي إنه نفتح إذا وجب تقدير هذا المصدر، أنه هذا الموضع موضع يأتي فيه مفرد، وكيف نأتي بالمفرد؟ ما في حل إلا أن نأتي بمصدر هنا، ونأتي بالمصدر من خلال «أنْ» المفتوحة.
أما التي يجب فيها كسر «أنَّ» فهي التي سينص عليها ابن هشام هنا بقوله: «وتكسر أنَّ في الابتداء». نحن؛ «إنا أنزلناه في ليلة القدر»، وبعد القسم نحو «حم؛ والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين»، والقول؛ أي وبعد القول: «قال إني عبد الله»، وقبل اللام: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. هنا أربعة مواضع ذكر فيها ابن هشام وجوب الكسر.
أعدها سريعا؛ مواضع الكسر تحفظها أخي الحبيب. الموضع الأول: أن تقع في ابتداء الجملة، إذا عندي ابتداء جملة سأبتدئ الآن جملة وأنشئها يجب الكسر، أقول: «إنَّ محمدا قائم»، لا يصير أن أبتدأ بجملة أقول: «أنَّ محمدا قائم»؛ فهذا خطأ. إذا كان ابتداء الجمل يأتي بماذا؟ بـ «أنَّ».
وهنا أريدك أن تذكر أيضا أحوالا تدخل في حكم ابتداء الجملة وإن لم تكن ابتداء حقيقيا؛ إذا كانت «أنَّ» تقع ابتداء الجملة، ومن هذه المواضع أيضا: إذا وقعت في مطلع جملة صلة الموصول، تعتبر ابتداء جملة أيضا، فليس المراد ابتداء الجملة فقط أن تبتدأ الكلام، بل أن تقع بعد صلة الموصول؛ لأنه صلة الموصول أيها الأحبة، عندي اسم موصول جاء الذي بعده يأتي جملة، لو أني قدرت أن تقدر بمصدر، فكأني جعلت صلة الموصول مفردا، وصلة الموصول تأتي جملة، فبعد الاسم الموصول تأتي «أنَّ». هذا الموضع الثاني الذي يذكره ابن هشام، اذكروه.
كذلك جملة الحال؛ إذا جاء الحال جملة وابتدأت هذه الجملة بـ «أنَّ»، فتقول: «زرت محمدا وإنه كسول»، أي وحاله أنه كسول، فتقول بالكسر: «زرت محمدا وإنه كسول». طيب، ممكن يقول: الطائرة؟ يا شيخ، الحالة الأصل فيها أنها مفرد، صحيح؟ نقول: صحيح، الأحاديث الأصل فيها أنه مفرد، لكن في الحقيقة مواضع الفتح والكسر مبدأها على السماع أكثر. ومع الوقت إن شاء الله ربما في الألفية أفصل لك المواضع التي تفتح فيها «أنَّ» وجوبا وما هو غير المسموح لأن فيها تفاصيل دقيقة، أنا لا أريدك أن تختلط عليك الأمور هنا، لذلك لم أفصل فيها كلاما طويلا؛ متى تفتح «أنَّ» وجوبا، ومتى يجوز الوجهان، ومتى تكسر، لكن ابق على الرؤوس العامة والخطوط العامة في قطر الندى.
إذن، الموضع الأول: أن تقع في ابتداء الجملة، أن تقع في مطلع جملة صلة الموصول، أن تقع في مطلع جملة الحال. هذه الثلاثة الأولى. ثم مثلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ بداية سورة القدر، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ بداية سورة الكوثر، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، هنا أيضا جاءت في الابتداء.
طيب يا شيخ، الاستفتاحية كأنها معدومة، كأنها في حكم المعدوم، فكانت «أنَّ» هنا وقعت في ابتداء الجملة حكما وإن لم يكن حقيقة، لكنها في الحكم كأنها في بداية الجملة. وكذلك نقول: «جاء الذي إنه قائم»، نفس «جاء محمد وإنه راكب»، نكسر «أنَّ».
الحالة الثانية: بعد القسم، كقوله تعالى: ﴿حم * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، لماذا؟ لأن جواب القسم يكون جملة، أقول: «والله إن محمدا قائم»، لأن جواب القسم جملة، لأن القسم عبارة عن جملتين: جملة القسم وجملة الجواب، فإذا كانت جملة الجواب مفتتحة بـ «أنَّ» فيجب الكسر، لا يجوز أن أقول «أنَّ».
الحالة الثالثة: أن تقع محكية بالقول، وهذا ذكرته في بداية كلامي عن «أنَّ» المفتوحة؛ إذا كان عندي مفعول به يأتي بالفتح إذا كان المفعول به لفعل، أما «أنَّ» في فعل واحد؛ المفعول به الذي يستحقه حتى يكون مفتوحا بل يأتي مكسورا هو أفعال القول: «قال»، «يقول»، «قل». هذه الأفعال إذا أخذت مفعولها، والمفعول به لفعل القول هو جملة مقول القول، فإنها تكون مبتدأة بـ «أنَّ» المكسورة، تقول: «قال إني عبد الله»، فإذا كان «قال» وما تصرف منها المفعول به لها وهو جملة مقول القول، إذا ابتدأ يكون مبتدأ بـ «أنَّ» المكسورة.
الحالة الرابعة والأخيرة: أن تقع اللام بعدها. ما معنى أن تقع اللام بعدها؟ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، ﴿اللَّهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فكسرت بعد «يعلم» و«يشهد»، وإن كانت قد فتحت بعد «علم» و«شهد» في قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. طيب، لما قال وذلك لوجود اللام في الأولين دون الآخرة. ما معنى هذا الموضع أيها الأحبة؟ أقول لكم هذه الموضة الآن ننتقل إلى الفقرة السابقة ثم أعود لهذا الموضع، انتقل للفقرة الأخيرة وأعود لهذا الموضع وسيظهر لكم معنا.
دعونا ننتقل إلى كلامي الأخير، يقول ابن هشام: «يجوز دخول اللام على ما تأخر من خبر أنَّ المكسورة أو اسمها أو ما توسط بينهما من معمول الخبر أو الفصل. ويجب مع المخففة إن أهملت ولم يظهر المعنى».
أختم بهذا المبحث، حتى نشرح إن شاء الله في الدرس القادم الكلام عن «إنَّ» النافية للجنس. الآن أيها الأحبة، هناك لام تسمى لام الابتداء، هذه أيها الأحبة لام يجوز ولا يجب دخولها، يجوز دخولها على المبتدأ، أقول: «لزيد قائم»، الآن زيد مبتدأ وقائم خبر، وهذه اللام تسمى لام الابتداء. هذه اللام لا يجب أن أدخلها، بل يجوز دخولها، سمع عن العرب أنها تدخل على المبتدأ وتسمى لام الابتداء كأنها تفيد شيئا من التوكيد، تفيد التوكيد للجملة الاسمية. اكتب: وتفيد التوكيد.
التوكيد: «إن محمداً قائماً»، وهذا توكيد لزيد قائم، توكيد.
جميل، الآن أيها الأحبة، إذا كانت هذه اللام الأصل تدخل على ماذا؟ على المبتدأ، طب هل هناك موضع آخر سمع فيه إدخال اللام هو المبتدأ؟ هذا ما سنبحثه الآن. يقول ابن هشام: «سُمِعَ دخول لام الابتداء في "إنَّ" المكسورة فقط، ولم يُسمع دخول لام الابتداء في "أنَّ" المفتوحة». لذلك ماذا قال ابن مالك في الألفية؟ «وبعد ذات الكسر تصحبه الخبر؛ لأنه ابتداء». يقول: سمع دخول لام الابتداء في "إنَّ" المكسورة فقط.
ما هي المواضع التي تدخل عليها لام الابتداء في "إنَّ"؟ الآن هي لام الابتداء، وضعها الأصلي أين تدخل أيها الأحبة؟ على المبتدأ، هذا أصل وضعها في اللغة العربية. طب هل هذا ما يحدث هنا؟ وهل العرب وضعتها في المبتدأ؟ الآن المبتدأ في "إنَّ" وأخواتها فماذا يصبح اسمه؟ "إنَّ" تنصب المبتدأ، فماذا سيتحول في باب "إنَّ" وأخواتها؟ هو اسم "إنَّ".
حينما أقول: "إنَّ زيداً قائماً"، "زيداً" هو اسم "إنَّ" صح؟ هو كان المبتدأ قبل دخول الناسخ، هو الآن اسم "إنَّ" بعد دخول الناسخ. "قائماً" هو الخبر، والخبر قبل دخول "إنَّ" أين كانت اللام؟ قبل دخول "إنَّ" هيني غطيت عليها، أي مكان يجوز إدخالها على زيد، فكانت الجملة "لَزيدٌ قائمٌ". بعد إدخال "إنَّ" العرب قالت لا يجوز إدخال لام الابتداء على اسم "إنَّ". لماذا؟ لا يجوز أن أقول: "إنَّ لَزيداً قائماً".
لماذا لا يجوز إدخال لام الابتداء على اسم "إنَّ" بالشروط التي سنذكرها؟ إذا وقع اسم "إنَّ" بعد "إنَّ" مباشرة، مثل: "إنَّ لَزيداً قائماً"، لا يجوز. لماذا أيها الأحبة؟ قالوا لأن "إنَّ" ماذا تفيد؟ التوكيد، ولا يجوز أن يتوالى مؤكدان وراء بعضهما البعض؛ "إنَّ" تفيد التوكيد ولام الابتداء تفيد التوكيد، فلا يجوز أن يتوالى المؤكدان وراء بعضهما.
قالوا طيب أين ندخلها؟ قالوا هناك مواضع نسمح فيها بإدخال اللام، يعني سنلعب في هذه اللعبة لن نجعلها موضعها الطبيعي أنها تدخل على المبتدأ، لكن هنا لصعوبة الإتيان بها في موضعها الطبيعي بسبب وجود مؤكد سابق نحتاج إلى التلاعب بها.
الموضع الأول: يجوز أن تأتي في الخبر، يعني بدل أن تكون في الاسم تصبح في الخبر، تقول: "إنَّ زيداً لَقائمٌ". وتفيد التوكيد، لكن دخلناها في الخبر. الموضع الثاني: يجوز أن تأتي في الاسم إذا تأخر عن الخبر، يعني إذا جاء الخبر قبل الاسم. طب يا شيخ، الباب هذا نحن قبل قليل قلنا لا يجوز أن يتوسط الخبر، قلنا لا، هو فيه استثناء. قلنا طب متى يجوز أن يتأخر الاسم ويتقدم الخبر فيها أو يتوسط الخبر؟ يجوز إذا كان الخبر ظرفاً أو جاراً ومجروراً، ما عندنا مشكلة، فأقول: "إنَّ في الدار لَزيداً". لاحظوا هنا دخلت اللام على اسم "إنَّ" المؤخر لأنه تأخر وجاء الخبر قبله، فبالتالي لم يتوالَ مؤكدان وراء بعضهما. أنتم عرفتم ما المشكلة؟ وأنت إذا فهمت المشكلة تفهم لماذا جوزوا؟ لأنه هنا الاسم بما أنه تأخر، دخول لام الابتداء عليه لن يسبب عندي مشكلة؛ لأن هناك فاصلاً بين المؤكدين، بين "إنَّ" واللام، خلاص انتهت المشكلة.
الموضع الثالث: إذا جاء معمول الخبر، انتبهوا بدها تفكير شوي، إذا جاء معمول الخبر بين الاسم والخبر، مثل: "إنَّ زيداً لَطعامَكَ آكلٌ". أين اسم "إنَّ"؟ اسم "إنَّ" زيدٌ. أين خبر "إنَّ"؟ آكلٌ. وطعامك؟ "طعامك" مفعول به لاسم الفاعل "آكل"، لكنها من هي معمول لـ"آكل"؟ "آكل" هي التي عملت النصب في "طعامك" ونصبته على أنه مفعول به، لكن تقدم هنا، جاء مقدماً على عامله. فلاحظ هنا معمول الخبر جاء متوسطاً بين الاسم وبين الخبر، يجوز أن ندخل لام الابتداء على معمول الخبر فتقول: "إنَّ زيداً لَطعامَكَ آكلٌ". فهذا الموضع الثالث؛ أن تدخل لام الابتداء على معمول الخبر الذي جاء متوسطاً. احفظ عبارة "متوسطاً" حتى تفهم ما معنى كلام ابن هشام: "إن إذا جاء متوسطاً بين الاسم والخبر".
الموضع الرابع والأخير: الذي تأتي فيه لام الابتداء إذا كان هناك ضمير فصل. هذا مصطلح جديد، إذا كان هناك ضمير فصل بين الاسم والخبر. ضمير الفصل أيها الأحبة ما هو؟ وهذا تسمية بصرية، والكوفيون يسمون ضمير العماد، اليوم تعلمتم ضمير الشأن واليوم تعلمنا ضمير الفصل، في معلومات جديدة انتبهوا عليها.
ضمير الفصل هو ضمير تأتي به العرب بين المبتدأ والخبر، أو بين اسم "كان" وخبر "كان"، أو بين اسم "إنَّ" وخبر "إنَّ"، هذه أشهر مواضعه. ما وظيفته؟ هذا الضمير أيها الأحبة لا يعود على شيء ولا محل له من الإعراب، نعم، هذا ضمير لا محل له من الإعراب. تقول مثلاً: "محمدٌ هو قائمٌ"، أصل الجملة "محمدٌ قائمٌ"، أقحمت ضميراً بين المبتدأ والخبر فقلت "محمدٌ هو قائمٌ"، طب ما إعراب محمد؟ مبتدأ، وقائم؟ الخبر، و"هو" ضمير مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
طب ما فائدته يا شيخ؟ التوكيد. ومن الذي يستشعر هذه المعاني هو من يهتم بعلم البلاغة، يستشعر معاني ضمير الفصل. وفي الحقيقة كثيراً ما سيشتبه عليك ضمير الفصل بالمبتدأ الثاني؛ لأنه أحياناً يكون الضمير مبتدأ ثانٍ والخبر بعده خبر ثانٍ، والجملة (هو مع الخبر الثاني) خبر الأول. لذلك ستجد في بعض الأحيان لما تذهب إلى إعراب المصحف، إعراب القرآن، بعض الآيات تجد المعربين يختلفون: هل الضمير هذا ضمير فصل أم مبتدأ ثانٍ؟ لأن الآية محتملة، مثل: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [البقرة: 119]، ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5].
الله أكبر، ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. الآن "أولئك" مبتدأ، و"المفلحون" خبر، و"هم" ضمير فصل لا محل له من الإعراب، فائدته التوكيد. فجملة "أولئك المفلحون" دخلت "هم" للتأكيد. طبعاً ضمير الفصل ليس هو فقط؛ أنت تستطيع أن تأتي بـ "هو" و"هي" و"هما" بحسب من تتكلم عنهم، عن مفرد أو مثنى أو جمع، عن مذكر أو مؤنث، تأتي بالضمير المناسب، لكنه في النهاية يسمى ضمير فصل لا محل له من الإعراب فائدته التوكيد.
الآن قد يأتي قائل يقول: "يا شيخ، لماذا لا أقول: أولئك هو مبتدأ، وثانٍ: المفلحون خبر للمبتدأ الثاني؟". نقول الأظهر والأقوى في هذا السياق هو أن تجعل "هم" ضمير فصل. لو كان هذا فقط على الهامش، لو كان بعدهم نكرة، مثل: "أولئك هم مفلحون"، في الحقيقة يمكن أن يقوى قولنا "هم" مبتدأ ثانٍ و"مفلحون" خبر ثانٍ، و"هم مفلحون" جملة خبر للمبتدأ الأول "أولئك". فتصبح "أولئك" المبتدأ الأول، و"هم" مبتدأ ثانٍ، و"مفلحون" خبر ثانٍ، و"هم مفلحون" خبر لأولئك. نعم، هنا يقوى ذلك، لكن إذا كان الخبر معرفة والمبتدأ معرفة وجيء بينهما بضمير، فالأقوى أن يجعل الضمير ضمير فصل. أما إذا كان المبتدأ معرفة والخبر نكرة، فالأكثر في اعتبار الضمير أن يعتبر مبتدأ ثانٍ. هذه قاعدة سجلوها.
ما فائدة ضمير الفصل كما قلنا؟ التوكيد، لا محل له من الإعراب فقط للتوكيد. الآن إذا عرفنا ما هو ضمير الفصل، ويسمى عند الكوفيين "ضمير العماد"، فإن الذي يهمنا أيها الأحبة إذا جاء بين اسم وخبر ضمير الفصل، يجوز إدخال لام الابتداء على ضمير الفصل، وهذا الذي جئنا من أجله.
الموضع الرابع للام الابتداء؛ قلنا: "زيد هو قائم"، يجوز اعتبار "هو" هنا ضمير فصل، وإن قلت البعض يعتبرها مبتدأ ثانٍ جديداً، لكن يجوز اعتبار "هو" منفصلاً بناء على أن أصل الجملة "أن زيدا قائم"، وإن أقحمت "هو" إقحاماً. ففي "أن زيدا هو قائم" يجوز أن أدخل لام الابتداء، فتصبح: "إن زيدا لهو قائم". أليس في سورة الحج يقول ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾؟ هذا مثال أقوى من مثالي، لأنه لاحظوا "الله" معرفة و"الغني" معرفة، فجاء الاسم معرفة والخبر معرفة، فإدخال الضمير بينهما يجعل "هو" ضمير فصل للتوكيد، توكيد "إن الله لهو الغني الحميد". ولاحظوا كيف دخلت اللام على "هو" وهو ضمير الفصل، "إن الله لهو الغني الحميد".
يقول ابن مالك في الألفية: وبعدَ "أنْ" ستصحبُ الخبرَا ... نمت إلى نحوٍ ولا يليدَا إلا ما قد نُفي ولا من الأفعالِ ما كـ "رضي"
في الحقيقة هناك قضية تتعلق بدخول لام الابتداء على الخبر إذا كان الخبر منفيًا، وإذا كان الخبر أيضًا فعلًا ثلاثيًا متصرفًا مثل "رضي"، الأصل عدم دخول اللام عليها إلا إذا دخلت قبله. لكن لا أريد أن أدخل في هذا، هذا ما في الألفية، أقصد دخول لام الابتداء بعد "أن" فيه موضع فيه استثناء.
يهمني أن تعرف الأصول الأربعة؛ أنه يجوز دخول لام الابتداء بعد "أن" في أربعة مواضع: خبر "أن" وهذا هو الأكثر، واسم "أن" إذا جاء مؤخرًا على معمول الخبر، وإذا توسط بين الاسم والخبر ضمير الفصل، وهذه المواضع الأربعة التي تدخل عليها لام الابتداء لتزيد الجملة تأكيدًا فوق تأكيد؛ لأن "أن" تأكيد، واللام تأكيد، وتخيلوا في "إن الله لهو الغني الحميد" كم تأكيد في الجملة؟ "إن" واللام وضمير الفصل. لتعرف الطالب أسلوب العرب في التأكيد.
هناك قاعدة جامعة، كنت أسميها "لام الابتداء"، حيث قلت يجوز دخول لام الابتداء على أربعة مواضع، لكن في الحقيقة اللام حينما تدخل على الخبر، أو على اسم "أن" المؤخر، أو على ضمير الفصل، أو على معمول الخبر المتوسط، يصبح لها اسم جديد. يقولون لا نريد أن نسميها لام الابتداء لأنها لم تقع في بداية الجملة، نسميها "اللام المزحلقة". لماذا مزحلقة؟ نحن في عرفنا العامي "مزحلق" يعني واحد زحلق، وهكذا افهموا هذه اللام؛ كان أصلها أن تأتي في المبتدأ، لكن لما جاءت "أن" في مطلع الجملة، زحلقت هذه اللام من مطلع الجملة إلى منتصفها. ولذلك تسمى هنا اللام المزحلقة.
احفظ هذا الاسم. وأعود الآن لأقرأ ما قال ابن هشام، يقول: "ويجوز دخول اللام بعد (أن) المكسورة على واحد من أربع"، اثنين متأخرتان واثنان متوسطتان، هذه طريقة ابن هشام في التقسيم. أما المتأخرتان فهما الخبر، مثل: "إن ربك لذو مغفرة"، والاسم يعني اسم "أن"، وطبعًا أنت تريد أن تحفظ متى يتأخر اسم "أن"، إذا كان الخبر ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، مثل: "إن في ذلك لعبرة". وأما المتوسطتان فهما معمول الخبر لأنه يتوسط بين اسم "أن" وخبر "أن"، مثل: "إن زيدا لطعامك آكل". والضمير المسمى عند البصريين "فصلاً" وعند الكوفيين "عمادًا"، نحو: "إن هذا لهو القصص"، و"وإنّا لنحن الصافون"، و"وإنّا لنحن المسبحون". لاحظوا ضمير الفصل كيف أتى، في "وإنا لنحن الصافون" أتى ضمير الفصل ضمير متكلم، بينما كان هو ضمير غائب، فأقول لكم: ضمير الفصل لا يلزم صيغة معينة، كل الضمائر تأتي ضمير فصل، وهي الضمائر المنفصلة المرفوعة.
ركز على هذه القضية، ضمير الفصل يكون ضميرًا منفصلاً مرفوعًا، ولا يجوز أن يكون ضميرًا منفصلاً منصوبًا مثل "إياي وإياك وإياكما وإياكم"، فلا تأتي. ضمائر الفصل هي ضمائر الرفع المنفصلة: أنا، ونحن، وأنتَ، وأنتِ، وهما، وهم، هنّ. ومتى تكون ضمائر فصل؟ كما قلنا، الأكثر إذا كان المبتدأ معرفة والخبر معرفة، لذلك لاحظوا: "إن هذا لهو القصص الحق"، الخبر معرفة، و"إنا لنحن الصافون"، الخبر معرفة.
ثم قال: وقد يكون دخول اللام واجبًا، متى يجب دخول اللام؟
أشرح كثيراً لأني شرحت الدرس الماضي. متى يجب دخول اللام أيها الأحبة؟ اللام المزحلقة وسميناها في الدرس الماضي لام الفارقة. متى يصبح هذا الاسم، سمى اللام الفارقة، هذه اللام أيها الأحبة؟ يصبح اسمها اللام الفارقة، هذه اللام المزحلقة التي هي أصلاً لام الابتداء، لام الابتداء التي هي الآن مزحلقة، تصبح تسمى لاماً فارقة.
متى أيها الأحبة ويصبح دخولها واجباً؟ لأن دخول اللام المزحلقة على خبر "إن" على اسم "إن" المؤخر في هذه المواد الأربعة جائز وليس واجباً بسبب التوكيد، لكن يصبح دخولها واجباً في قضية. قال: «وقد يكون دخول اللام واجباً». متى؟ إذا خففت "إن" وأُهملت. ذكرنا في الدرس الماضي أُهملت، يعني لم تعمل، ولم يظهر قصد الإثبات.
ماذا يعني لم يظهر قصد الإثبات؟ يعني لم تأتِ قرينة تبين لي أن "إن" هذه المخففة المهملة، وليست "إن" النافية؟ قلنا في الدرس الماضي هناك "إن" نافية، وهناك "إن" المخففة من "إنَّ". "إن" النافية حرف، وكذلك "إن" حرف من "إنَّ". الفرق بينهما أن "إن" المخففة من "إنَّ" هي لإثبات الجملة، بينما "إن" النافية هذه لنفي الجملة.
فقلنا إذا جاءت "إن" مخففة من "إنَّ" وأنت لم تختر إعمالها واخترت الإهمال وهو الأكثر، ففي هذه الحالة يجب دخول اللام في الخبر، يجب دخول اللام المزحلقة التي أصبحت الآن تسمى لاماً فارقة على الخبر. لماذا يجب إدخالها؟ لنفرق بينها، لأن هذه اللام تدل على أن "إن" التي في مطلع الجملة هي "إن" المخففة من "إنَّ" وليست "إن" النافية.
هل يجب دخول هذه اللام دائماً عند "إن" المخففة عند إهمالها؟ قال: «هناك حالة واحدة نستثنيها لا يجب فيها إدخال اللام مع أن "إن" خففت». ما هي؟ إذا ظهر القصد من السياق. وأنا مثلت لهذا في المجلس السابق؛ إذا ظهر القصد من السياق أن قصدك بـ "إن" هنا هي "إن" المخففة وأنك تريد الإثبات، إذا ظهر القصد من السياق أنها "إن" هنا المخففة وليست النافية، نقول خلاص ما في داعٍ لأن تأتي باللام المزحلقة التي هي الآن في هذا الموضع تسمى الفارقة؛ لا يجب الإتيان بها.
لكن إن لم يظهر وكان هناك لبس في المعنى، والله لتحيرنا لأنها بين النافية وبين "إن" المخففة، نقول يجب الإتيان باللام الفارقة. أو أنك تريحنا ابتداءً وتحمي "إنَّ"؛ إذا عملت "إنَّ" نصبت اسمها وأخذت خبرها ريحتنا، ما في حاجة، خلاص عرفنا مباشرة وهذه "إن" المخففة من "إنَّ". لكن المشكلة عندما تختار الإهمال وهو الأكثر في لسان العرب، ستلتبس بـ "إن" النافية، فنحتاج في هذه الحالة أن تدخل اللام الفارقة، اللام المزحلقة، على الخبر حتى نفرق بينها وبين "إن" النافية. نعلم كما قلنا يظهر القصد من السياق.
يقول ابن هشام: «وقد يكون دخول اللام واجباً، وذلك إذا خففت "إن" وأُهملت ولم يظهر قصد الإثبات»، يعني ما في قرينة تدل، كقولك: «إن زيداً لمنطلق». وإنما وجبت ها هنا، لاحظوا هذا قيد "وجبت"، أو توضيح فرقاً بينها وبين "إن" النافية، كالتي في قوله تعالى: ﴿إِنْ عِندَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَٰذَا﴾ [سبأ: 9].
لاحظوا ما معنى "إن" هنا؟ هنا معناها ليس عندكم من سلطان بهذا. لاحظوا، يعني لو أن حتى تفهموا ضرورة دخول اللام الفارقة؛ هنا "إن" ما الذي جعلنا نتأكد أن المراد منها النفي؟ عدم وجود اللام المزحلقة، وإلا أنت لو نظرت بادئ الأمر، "إن عندكم من سلطان بهذا" الجملة تحتمل الإثبات، أنه أنت عندكم سلطان بهذا، ومثلاً خبر محذوف أو الاسم محذوف، يكون الاسم محذوفاً تقديره مثلاً أنه عندكم من سلطان بهذا. هي تقبل النفي وتقبل الإثبات، لكن هنا ماذا جزمنا أنها للنافي؟ لأنه لا يوجد اللام الفارقة في الخبر، فلا نستطيع أن نقول والله هنا هذه "إن" تحتمل أن تكون "إن" المخففة من "إنَّ"، لا تحتمل، لماذا؟ لعدم وجود اللام الفارقة في الخبر.
يعني طب يا شيخ ليش ما نجعل هناك اسم "إن" مستتراً؟ "إن عندكم من سلطان بهذا"؛ قلنا لو جعلت اسم "إن" مستتراً، يجب أن حتى لو جعلته مستتراً يجب الإتيان باللام في الخبر، فتقول: "إن لا عندكم من سلطان بهذا"، تأتي باللام، لكن بما أنك لم تأتِ باللام هنا قلت "إن عندكم" مباشرة، هذا دليل على أن المراد بـ "إن" في الآية هي النافية. قال: «ولهذا سميت اللام الفارقة، لأنها فرقت بين النفي والإثبات، بين "إن" المخففة و"إن" النافية».
قال: «فإن اختل شرط من الثلاثة، كان دخول هذه اللام جائزاً»، يعني على الأصل، تعود لاماً مزحلقة. فإن اختل شرط من الثلاثة كان دخولها جائزاً لا واجباً، لعدم الالتباس. ما هي هذه الشروط الثلاث؟ يعني لو قلت لك هكذا سؤال أنا في الاختبار: هناك ثلاثة شروط لوجوب الإتيان باللام المزحلقة، ما هي هذه الشروط؟
تقول: إذا خففت "إن" وأُهملت، يعني لم تعمل ولم تظهر قرينة الإثبات، لم يظهر من المراد هل هي "إن" المخففة أم "إن" النافية؟ فيها إذا توفرت الشروط الثلاث يجب الإتيان باللام، إذا اختل شرط فلا يجب الإتيان. فإذا كانت مثلاً مشددة: "إنَّ زيداً قائم"، لا يجب الإتيان، يجوز ولا يجب، ولا تكون لاماً فارقة هنا، أصلاً تكون لاماً مزحلقة.
اختلال الشرط الثاني: "أو خففت وأُعملت"، نحو: "إن زيداً قائم"، هنا أُعملت "إن" المخففة، فإيضاً لا لبس عندنا. أو "خففت وأُعملت وظهر المعنى"، يعني ظهر أن المراد الإثبات، كقول الشاعر: «وإنَّ مالكاً كانت كراماً معادنُ». قلت في الدرس السابق إنه يفخر بقبيلته، يفخر ببني مالك، فيجب أن يكون قوله "وإن مالكاً كانت كراماً معادن" على الإثبات، وأن المقصد التأكيد أنه مالك معادنها كريمة. وأما إذا كان نفياً أصلاً، فكأن المعنى اختل، وهذا لا يتكلم به عاقل.
إذا عرفنا لام الابتداء كيف تدخل في "إنَّ" وأنها تصبح اللام المزحلقة وفي أربعة مواضع تدخل، وعرفنا متى يجب دخولها في حالة واحدة بثلاثة شروط، الآن سريعاً أعود للمسألة السابقة؛ في قولنا: "وتكسر إلا في الابتداء"، وعدكم أن نعود إليها، وقلت لكم دعوها، الآن نرجع إليها نختم بها. قال: الموضع الرابع التي تكسر فيه "إن" تقع اللام بعدها، اللام هنا يقصد بها اللام المزحلقة، هذا معنى اللام بعدها التي...
خلصناها الآن. إذا وقعت هناك لام مزحلقة بعد "أن"، فعندها يجب كسر "أن"، ولا يجوز أن نقول "أنَّ" المفتوحة. لماذا؟ لأن اللام المزحلقة قاعدة لا تأتي إلا بعد "أنَّ" المكسورة، ولا تأتي بعد "أنَّ" المفتوحة. فإذا وجدت اللام في الخبر، أو في اسم "أنَّ" المؤخر، أو في ضمير الفصل، أو في معمول الخبر، وجدت اللام مباشرة يجب الكسر.
كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [محمد: 29]. لاحظوا: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. لماذا كسرنا "أنَّ" هنا وجوبًا؟ لأن اللام المزحلقة وقعت في الخبر "لرسوله". ولو لم تقع اللام في الخبر لوجب الفتح؛ لأن "يعلم" تطلب مفعولًا به، والأصل في المفعول به أن يكون مفردًا. فلذلك لو لم تكن هنا اللام المزحلقة لوجب الفتح، ونقول: "والله يعلم أنَّك رسوله"، والمصدر المؤول من "أنك رسوله" هو في محل نصب مفعول به.
لكن هنا، لماذا لم نفتح مع أنَّ موضع مفعول به؟ لماذا لم نفتح؟ لأجل وجود اللام في الخبر، فوجب أن نقول: "والله يعلم أنَّك لرسوله" بالكسر، ونقول: جملة "أنَّك لرسوله" في محل نصب مفعول به.
مثال آخر: "والله يشهد أنَّ المنافقين لكاذبون". لاحظوا: "والله يشهد"، لو لم تكن هناك اللام المزحلقة في الخبر، ماذا كان موضع الجملة؟ "والله يشهد أنَّ المنافقين كاذبون"، وجملة "أنَّ المنافقين كاذبون" مفعول به لـ "يشهد". "والله يشهد كذب المنافقين"، هكذا تصبح الجملة. لكن لما وقعت اللام المزحلقة في خبر "أنَّ": "والله يشهد أنَّ المنافقين لكاذبون"، وجب كسر "أنَّ".
يقولون هذه الجملة: "إنَّ المنافقين لكاذبون" هي جملة جواب قسم مفهوم من الفعل "يشهد"، هكذا يعربونها؛ لأن "يشهد" والقول فيها معنى التوكيد والقسم، فجملة "إنَّ المنافقين لكاذبون" هي جملة جواب قسم مفهوم من الفعل "يشهد".
إذن هو يشهد، فكسرت بعد "يعلم" و"يشهد"، وإن كانت قد فتحت بعد "علم" و"شهد في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187]، جاءت على الأصل هنا على الفتح؛ لأنه الأصل هنا محل مفعول به، ولعدم وجود اللام المزحلقة. كذلك ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18]، نفس الفعل "شهد"، هناك جاء مكسورًا بعد مفتوح، والسبب وجود اللام المزحلقة.
متى وجدت اللام المزحلقة وجب كسر "أنَّ"، ومتى انتفت اللام المزحلقة عادت إلى الأصل وجوب الفتح. قالوا: وذلك لوجود اللام في الأولين دون الآخرين.
إذن هذه مواضع أربعة لكسر "أنَّ" في الابتداء، مفهوم اللام المزحلقة وكيف جاءت وما قصتها. وهكذا ينتهي الكلام عن "إنَّ وأخواتها". في الدرس القادم: "لا النافية للجنس" إن شاء الله. وهذا نهاية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل