دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 31 - تكملة إنَّ و أخواتها

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهدا لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

اللهم إنا نسألك علما نافعا ورزقا واسعا وعملا متقبلا طيبا صالحا يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك أن ترزقنا همة لطلب العلم، اللهم إنا نسألك أن ترزقنا التوفيق لطلب العلم، وأن ترزقنا القبول لما نقدمه تعلما وتعليما.

فإن الهمم أيها الأحبة تتقاصر مع مرور الأوقات والأزمان، وطالب العلم كلما شعر أن الكتاب وأن الدروس تتطاول عليه، وأن هناك جدا وتعبا، يبدأ شيء من الفتور يتسرب إلى داخله وإلى نفسه، ويبدأ الشيطان يحدثه بالانشغال بالدنيا والانقطاع عما هو فيه من الخير. وهذا في الحقيقة مدخل على طالب العلم أن يغلقه على نفسه.

كثير من طلبة العلم يظن أن العلم ينال براحة الأجساد، وأن العلم هو فقط عبارة عن مجلس ومجلسين أو ساعة وساعتين، ولا يعلم أن العلم بمكابدة الليل والنهار، ولا يعلم أن العلم يحتاج إلى تعب وسهر وتحقيق واعتزال للناس، والانشغال والانكباب على الكتب، والاغتراف من ذاك المعين العذب الذي تركه لنا علماؤنا الأفاضل رحمة الله تعالى عليهم.

وهذا سيقتضي من طالب العلم أن يترك شيئا من الشهوات التي يحبها، هي شهوات قد لا تكون محرمة، بل من الشهوات المباحة؛ شهوة الجلوس مع الناس والاختلاط بالمخلوقين، شهوة الجلوس أمام وسائل التواصل، شهوة مضيعة الأوقات والذهاب في الرحلات وحضور السهرات والحفلات. هذا طالب العلم ينبغي أن يكون بمعزل عنه.

إذا أراد أن يكون له شأن، إذا أراد أن يسطر وأن يكون له بصمة في هذه الأمة أو بصمة في العلم، بغض النظر ما حجم هذه البصمة، لكن أن يكون مصلحا داعية محبا للعلم وللغرف منه، لأن يفهمه ويعرف أصوله ومداخله؛ هذا لا يمكن أن تناله أخي الكريم بساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين. عليك أن تصبر وأن تجد، وهذا في جميع العلوم في الحقيقة، هذه قاعدة في جميع العلوم. من أراد التميز وصناعة شيء وأن يكون له بصمة قبل أن يغادر هذه الحياة، لا بد وأن يتعب.

«وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام». هذه قاعدة في كل زمان، في كل العلوم؛ في علم العربية، في علوم الشريعة، في علوم الفيزياء، في علوم الهندسة. لا ينال المجد ولا ينال التميز إنسان كسول خمول نائم محب للدنيا والدعة. لذلك على طالب العلم أن يجدد الهمة.

وتجديد الهمة أيها الأحبة يكون من خلال أولا: تجديد النية لله سبحانه وتعالى، وأن يعلم الطالب أن ما هو فيه طريق موصل إلى جنات النعيم. فقوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». في الحقيقة أولى ما يحمل عليه هذا الحديث هو العلم الشرعي وكل ما يوصل إليه. العلم الشرعي وكل ما يوصل إليه، هذا هو المراد من هذا الحديث، وإن كانت لفظة العلم البعض يحملها على العموم، ولكن فيما يظهر والله أعلم أن هذا العموم مخصص بسياقه، وأن المراد العلم الشرعي وكل ما يوصل إليه من العلوم العربية وما شابه ذلك.

فعندما يتذكر الطالب الأجر العظيم الذي ينتظره عند الله سبحانه وتعالى، يحتسب الخطوات ويحتسب التعب ويحتسب النصب ويحتسب السهر، لأنه يعلم أنه ما هو فيه موصل إلى الفردوس، موصل للقرب من الله سبحانه وتعالى وإلى الشرف العظيم في الدنيا والآخرة.

ثم على طالب العلم أن يكثر من قراءتها في كتب السلف، حتى يدرك أن ما بذله إنما هو نزر يسير مما بذله الأقدمون، الذين كانوا يقطعون البحار والفيافي والقفار، يخوضون اللجج ويعاركون الحياة، يخرج أحدهم من بيته على فرس أو على دابة كليلة لا يدري هل يكتب له أن يرى أهله مرة أخرى أو لا، هجروا ديارهم وأوطانهم وأهليهم من أجل طلب العلم وتسجيل الفوائد وتعليقها، كانت همتهم عالية ضامخة، فبذلوا والله سبحانه وتعالى أكرمهم.

عندما تقرأ تجد العجب العجاب في المحافظة على الأوقات، تقول ما هذا! ولكن في الحقيقة هي صدق العزائم. صدق العزائم أوصلهم إلى ما هم فيه من المجد والسؤدد والتصنيف والدعاء لهم والبركة. تركوا مصنفات علمية جبارة، بخلاف ما نقرأه عند كثير من المعاصرين، تجد كتابة ركيكة تدل على أن صاحبها لم يتعب في جمع المعلومة، وإنما هو على قشورها ولم يدخل في لبها وصلبها، فلا يحسن الكتابة نظما ولا كتابة ولا تصنيفا.

فتدرك الفرق ما بين ما بذله الأولون وما بذله الآخرون في الكدح في طلب العلم والإخلاص والجد، وتفضيل العلم وحب العلم وتقديمه على جميع الشهوات والأهواء التي يرغب بها الإنسان ويميل إليها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فقراءة كتب السلف وكتب سير أعلام النبلاء والطبقات والمذاهب، وما سطره حتى المتأخرون عن المتقدمين مثل ما ذكرنا من صفحات من صبر وقيمة الزمن عند العلماء وصفحات من صبر العلماء وغير ذلك مما كتب في سير الأولين، عندما تقرأ تشتعل همتك يا طالب، وتتعلم وتدرك أن ما أبذله عندما أبذل في اليوم ثلاث أربع ساعات في طلب العلم أنا لم أبذل شيئا.

الأقدمون يبذل الرجل 18 ساعة أو 19 ساعة بشكل متواصل، عندما نقول 17 ساعة أو 19 ساعة نحن لا نتكلم عن يوم هكذا عرضي في حياتهم، مرة مرور الكرام يلا هذا اليوم متفرغ الشيخ للقراءة، نتكلم عن برنامج يومي يستمر سنوات يكون فيه على 15 ساعة و16 ساعة إلى آخر هذا الأمر، وينتج ويثمر ويكابد الليل والنهار. نحن لا نريد هذا السقف بهذا النمط، يعني الأكثر لا يقاوم ولا يستطيع أن يبذل هذا النمط، لكن نريد الأربعة والخمسة. نحن نريد الأربعة والخمسة كحد أدنى لطالب العلم حتى ينجز مع الوقت. أما طالب علم لا يعطي في اليوم ساعة للعلم فهذا كرب، هذا ليس بطالب علم، ولا تمر عليه سنوات لا يكاد يحفظ متنا أو يختم كتابا.

فلذلك أيها الأحبة، البعض يقول دورات مكثفة والأمور متزاحمة سريعة، نقول نعم، الدورات المكثفة حتى تنجز يا طالب العلم حتى تشعر أنك تتقدم مع الوقت. أما طالب علم يجلس في الأجرومية خمس سنوات وأربع سنوات وهو يسأل عن الأجرومية ويحوم حولها، ونظم الورقات ولمعة الاعتقاد ونخبة الفكر، هذا لا يصلح. ينبغي لطالب العلم أن ينجز في حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، في حفظ المتون، في قراءة المصنفات العلمية؛ هناك مصنفات تنتظرك، متى تصل إليها إذا كان خمس سنوات في الأجرومية ونظم الورقات وتحوم حولها وتسأل ثم تعود إلى خطة جديدة عند شيخ آخر؟ هذا لا يصلح.

على طالب العلم أن ينجز سريعًا، وبالسرعة المتزنة، سرعة مبنية على فهم ووعي؛ حتى يستطيع أن يستغل هذا العمر ويحصد منه ما يمكن حصده. فنسأل الله أن يعيننا على رفع الهمم، وأن يصرف عنا شواغل الحياة الدنيا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلنا أيها الأحبة إلى باب "إن وأخواتها"، وعرفنا ماذا تعمل في الجملة الاسمية؟ هي القسم الثاني من النواسخ التي تدخل على الجملة الاسمية، على جملة المبتدأ والخبر، تنسخ الحكم القديم وتحدث حكمًا جديدًا. وعمل "إن وأخواتها" بعكس "كان وأخواتها"؛ فهي تنصب الاسم وترفع الخبر. وهي ستة: إن، وأن، وكأن، ولكن، وليت، ولعل. وعرفنا معانيها، وعرفنا أنها كلها حروف، لا يوجد فيها أسماء ولا أفعال.

في درس اليوم أيها الأحبة، بعد أن عرفنا معاني هذه الحروف في الدرس الماضي، وعرفنا ما هو العمل الذي تعمله، وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، نبدأ في أحكام هذا الباب. المسألة الأولى التي ذكرها هي قضية اقتران هذه الأدوات الست بـ "ما" الكافة التي تقوم بإبطال عملها. هذه الأدوات الست أيها الأحبة سمع في اللغة العربية وعند العرب إدخال "ما"، ونوعها "ما" الحرفية الكافة، التي تقوم بكف هذه الأحرف عن العمل، لذلك سميت كافة؛ لأنها تقوم بكف هذه الأحرف عن العمل، فتصبح لا عمل لها فيما بعدها، وتصبح تدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية.

ما هي "ما" الكافة وما دخولها وما عملها في هذه الأحرف؟ يقول ابن هشام رحمه الله في المتن: «إن لم تقترن بهن ما الحرفية». الآن الطالب يقول: إذاً يا شيخ، هذه العبارة في المتن لا بد أنها مرتبطة بعبارة سابقة لها قرأناها في الدرس الماضي. فنعود إلى نهاية الدرس الماضي، ماذا قال ابن هشام في نهاية المتن؟ قال: «فينصبن المبتدأ اسماً لهن، ويرفعن الخبر خبراً لهن، إن لم تقترن بهن ما الحرفية».

عرفتم؟ "إن لم تقترن بهن ما الحرفية" متصلة بالكلام السابق. وفي الحقيقة أيها الأحبة، عندما نقول المتن هو متن متكامل مع بعضه مطبوع وحده، ولكن هذه التقسيمات والتجزئات للمتن جزأه ابن هشام من أجل الشرح فقط، أما هو مطبوع متناً واحداً مستقلاً كاملاً، فانتبهوا على هذه القضية؛ هو لم يجزئه ابتداءً، بل وضع المتن كاملاً، ثم بعد أن بدأ في شرحه جزأه هذه التجزئة.

قال: «إن لم تقترن بهن ما الحرفية»، وفي الحقيقة أنا أريدك أن تقيد، ليس فقط الحرفية، بل تقول: "ما الحرفية الكافة". وسأعلق على ابن هشام؛ هناك نوع من التعليق على ابن هشام في اقتصاره على الحرفية، والصحيح أنه كان ينبغي أن يقيد أكثر فيقول: "ما الحرفية الكافة"؛ لأن "إن وأخواتها" قد يليها "ما" حرفية لكنها ليست كافية، قد يليها "ما" المصدرية، و"ما" المصدرية حرف أيضًا على الصحيح. فعبارة "إن لم تقترن بهن ما الحرفية" قد يشكل عليها حينما تقترن بها "ما" المصدرية؛ لأن "ما" المصدرية هي أيضًا حرف، فلا تبطل، و"ما" المصدرية لا تبطل عمل "إن وأخواتها"، فينبغي أن نقيد: "إن لم تقترن بهن ما الحرفية الكافة"، أو البعض يقول "ما الحرفية الزائدة"، قلت الزائدة أو الكافة ما عندنا مشكلة، أما أن تقول فقط "ما الحرفية"، فهذا قد يُنتقد بأن هذه الأحرف قد يتصل بها "ما" المصدرية، وهي أيضًا حرفية لكنها ليست كافية.

فانتبهوا على هذه القضية، "إن لم تقترن بهن ما الحرفية"، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: 163]. قال: «إلا ليت فيجوز الأمران»، أي يجوز الإعمال والإهمال؛ لأنه كما قلت لكم هذا متصل بالمتن السابق، هذه الأحرف يقول ابن هشام: "ينصبن المبتدأ اسماً لهن ويرفعن الخبر خبراً لهن، إن لم تقترن بهن ما الحرفية"، ثم استثنى حرفًا واحدًا قال: «إلا ليت فيجوز الأمران»، أي يجوز إبقاء العمل برفع الاسم وبنصب الاسم ورفع الخبر، ويجوز الإهمال، وسيتضح هذا من خلال الشرح إن شاء الله.

يقول ابن هشام في الشرح: «إنما تنصب هذه الأدوات الأسماء وترفع الأخبار بشرط»، إذاً "إن وأخواتها" حتى تنصب الاسم وترفع الخبر هناك شرط، ما هو هذا الشرط؟ ابن هشام قال: «بشرط ألا تقترن بهن ما الحرفية الكافة»، ونقيد هنا أيضًا "ما الحرفية الكافة"، فإن اقترنت بهن بطل عملهن. هذه القضية الأولى؛ إذاً إذا اتصلت "ما" الحرفية بـ "إن" تصبح "إنما"، وإذا اتصلت بـ "أن" تصبح "أنما"، وإذا اتصلت بـ "لكن" تصبح "لكنما"، وإذا اتصلت بـ "كأن" تصبح "كأنما"، وإذا اتصلت بـ "ليت" تصبح "ليتما"، وإذا اتصلت بـ "لعل" تصبح "لعلما".

وعلى ذلك، إذا دخلت "ما" الكافة على هذه الأدوات تصبح هذه الأدوات غير عاملة. وهذه هي القضية الأولى، وانظروا ماذا قال بعد ذلك: «وصح دخولهن على الجملة الفعلية». قبل إدخال "ما" الكافة كانت "إن وأخواتها" مختصة بالجملة الاسمية، كانت لا تدخل إلا على مبتدأ وخبر، ولكن عندما دخلت عليها "ما" الكافة تصبح "إن وأخواتها" تصلح للدخول على الجملة الفعلية، فتقول: "إنما ضرب زيد بكر"، لاحظوا ما بعد "إنما" جملة فعلية، ويجوز أن تأتي جملة اسمية: "إنما زيدٌ قائمٌ". هو يريد أن يقول إن هذه الأدوات إذا دخلت عليها "ما" يزول اختصاصها بالجملة الاسمية، فيمكن أن يأتي بعدها جملة فعلية ويمكن أن يأتي بعدها جملة اسمية، بخلاف ما لو تجردت من "ما" الكافة فإنها تكون مختصة بالجملة الاسمية، هذا الذي يريد أن يقوله، لذلك قالوا: "وصح دخولهن على الجملة الفعلية"، طبعًا سنستثني "ليت" من هذا الكلام في النهاية إن شاء الله.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: 106]. هذه الآية جمعت "ما" الكافة في "إن" و"أن"؛ "إنما يوحي"، لاحظوا بعد "إنما" جملة فعلية "يوحي"، "إنما يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد"، "أنما" ثم قال: "إلهكم" بالرفع ولم ينصبها "إلهًا"، "إله" مبتدأ، و"إله" الثانية هي الخبر، فأصبحت عادت إلى جملة من مبتدأ وخبر. طبعًا للفائدة ستتعلمون في علم البلاغة أن "إنما" و"أنما" من أدوات الحصر؛ يعني "إن" إذا دخلت عليها "ما" فأصبحت "إنما"، و"أن" إذا دخلت عليها "ما" فأصبحت "أنما" تصبح أداة من أدوات الحصر، فإنما محمدٌ قائمٌ، هذا حصر، أسلوب من أساليب الحصر في اللغة العربية، ولكن هذا ندرسه إن شاء الله في علم البلاغة.

إنما حاصرة باتفاق، إنما كما قالوا ألحق الزمخشري إنما؛ الزمخشري هو الذي جعلها أيضًا حاصرة مثل إنما، ففيها خلاف في إفادتها الحصر.

وقال تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 143]. لاحظ كيف «كأنما»؛ كأن دخلت عليها ما، فزال اختصاص كأن بالجملة الاسمية وأصبحت تدخل على الجملة الفعلية: «كأنما يساقون»، جاء بعدها جملة فعلية.

انتبهوا في هذا المثال الثالث، قال الشاعر: فوالله ما فارقتكم قاليًا لكم ... ولكنما يقضى فسوف يكون هذا البيت الذي أورده القاضي في أماليه، انظروا ما موطن الشاهد فيه: «ولكنما يقضى فسوف يكون». ابن هشام يقول: لكن دخلت عليها ما الكافة، فقال: ولكنما، ثم جاء الفعل يقضى. لكن في الحقيقة هذا فيه أظن سهو من ابن هشام، وما هنا ليست ما الكافة، وإنما ما هنا هي ما الموصولية، اسم موصول معناه "الذي": ولكن الذي يقضى فسوف يكون.

جيد أيها الأحبة، الشيخ محمد محي الدين في الحاشية نظرت في تعليقه، وهو نفس الشيء أيضًا؛ وهم ابن هشام في هذه القضية، مع أن الأشموني تابع ابن هشام، فالأشموني في شرحه على الألفية تابع ابن هشام في هذا الوهم. ويصحح الشيخ محي الدين وكثير من أهل العلم أن هذا المثال فيه وهم من ابن هشام: «ولكنما يقضى فسوف يكون»؛ فما هنا في الحقيقة أيها الأحبة -والله أعلم- أنها اسم موصول بمعنى الذي.

فتكون «ما» اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم لكن، و«يقضى» هذه صلة الموصول، هذا الفعل مع نائب الفاعل صلة موصول. وأين خبر لكن؟ «فسوف يكون». هناك فاء أيها الأحبة تدخل في خبر الأسماء الموصولة، هذه ما أريد أن أشير إليها كثيرًا الآن، لكن ستلاحظون أنه كثيرًا ما تدخل في خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ -أو اسم إن أو اسم كان- ما موصولة أو أسماء موصولة بشكل عام، ليس فقط «ما».

كثيرًا ما تدخل الفاء على الخبر، لماذا؟ مع أنه الأصل عدم دخول الفاء على الخبر، هي مشكلة. الفاء أين تدخل عادة؟ الفاء الرابطة في أسلوب الشرط. دخول الفاء الرابطة في خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ اسم موصول؛ ما سببه؟ أن الأسماء الموصولة كما قلت لكم أحيانًا تفيد معنى العموم.

الأسماء الموصولة أحيانًا تدل على العموم، طبعًا عند الأصوليين دائمًا، لكن هناك نقاش حقيقة، ليس عند الأصوليين كلهم؛ هناك نقاش طويل: هل الأسماء الموصولة من صيغ العموم أو لا؟ لأن الاسم الموصول الأصل فيه أنه كما ذكرنا سابقًا يدل على معين من خلال جملة الصلة، لأنه من المعارف، والمعارف هي ما تدل على معين. فجعل الأصوليون للأسماء الموصولة من صيغ العموم وأنها تدل على العموم، والبعض استشكلوا ذلك.

ولكن قلنا في الحقيقة لا، أحيانًا فعلاً نجد أسماء موصولة لا تدل على معين وإنما تدل على عموم. فهناك إذاً هذه المسألة، الأسماء الموصولة على نوعين: أسماء موصولة تدل على معين، وهناك أسماء موصولة تدل على العموم، والأسماء الموصولة التي تدل على العموم هي التي ينبغي إدراجها عند الأصوليين من صيغ العموم، أما الأسماء الموصولة التي تدل على معين، مثل: «جاء الذي ضربني أمس»، هذه لا يستحيل أن تكون تدل على العموم.

وهذا ما أراه تفصيلًا في هذه المسألة: أن الأسماء الموصولة على نوعين؛ أسماء موصولة تدل على معين إذا كان الاسم الموصول يدل على شخص معين. هذه القاعدة ضعوها على الهامش عندكم، أحب أن تكتبوها: إذا كان الاسم الموصول يدل على معين، ووقع مبتدأ أو اسم إن أو اسم كان، بغض النظر، المهم إذا كان اسم الموصول يدل على معين ووقع مبتدأ أو اسم إن أو اسم كان، فإن خبره لا يقترن بالفاء.

لنأخذ مثالًا على هذه الحالة الأولى: «الذي ضرب محمدًا بكرٌ». «الذي» اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، «ضرب محمدًا» ضرب فعل ماضٍ، وهو ضمير مستتر يعود على ضرب هو الفاعل، ومحمدًا مفعول به، «بكرٌ» خبر للذي. فالذي مبتدأ، و«ضرب محمدًا» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، و«بكرٌ» هو الخبر.

فأنا أعرف أن هناك رجلًا ضرب محمدًا، لكن من هو؟ عينته بالخبر، قلت إيش؟ «بكرٌ». فالذي هنا مبتدأ وبكرٌ هو الخبر، وبكرٌ هنا لا تدخل عليها الفاء، لا تقول: «الذي ضرب محمدًا فبكرٌ»، لا يصلح؛ لأن الذي التي وقعت مبتدأ تدل على معين؛ لأن الصلة تدل على شيء معهود، أن السامع يعرف الآن أن هناك ضربًا وقع على محمد وأن هناك رجلًا ضرب محمدًا، لكن ما اسمه بالضبط؟ فأنت تقول: «الذي ضرب محمدًا بكرٌ». فالذي هنا تدل على معين وإن كان ما زال تعيينه فيه شيء من الإبهام، لكنه شيء معين، هناك رجل معين ضرب محمدًا، والسامع يطلب أن تبين اسمه، فأنت قلت: «الذي ضرب محمدًا بكرٌ»، فبكرٌ خبر للمبتدأ «الذي» ولا يدخل عليها الفاء لأن «الذي» تدل على معين.

لكن الحالة الثانية أن يكون اسم الموصول لا يدل على معين، أن يدل على العموم، وهذا هو الاسم الموصول الذي يعتبره الأصوليون من صيغ العموم. لأن الاسم الموصول كما قلت لكم في الظاهر أنه يأتي على صورتين؛ إذا كان الاسم الموصول يدل على عموم ولا يدل على معين، في هذه الحالة ووقع هذا الاسم الموصول الذي يدل على العموم مبتدأ أو اسم إن أو اسم كان، في كثير من الأحيان -وليس واجبًا- يقترن خبر هذا الاسم الموصول بالفاء.

قالوا لماذا؟ قالوا: تشبيهًا للاسم الموصول الذي يدل على العموم بأسماء الشرط التي تدل على العموم. شبهوا الاسم الموصول الذي يدل على العموم في هذه الحالة بماذا؟ باسم الشرط الذي يدل على العموم، بل أنت لو لاحظت هذه الجمل التي يكون فيها اسم الموصول يدل على العموم وقع مبتدأ، تشتبه عليك أحيانًا.

بأسلوب جمل الشرط، تكاد تنظر وتقول: والله هذه الجملة تحتمل أن تكون شرطية وتحتمل أن تكون موصولية. فانظر مثلاً، لو قلت: "ما يقضى فسوف يكون"، انظر وتأمل في هذه الجملة؛ ألا تحتمل في بادئ النظر أن تكون "ما" هنا شرطية: "ما يقضى فسوف يكون"؟ فلو نظرت قلت: والله يا شيخ ممكن تكون شرطية، لكن ما الذي يمنع أنها شرطية هنا؟

قضية أخرى، لو قلت لك: "ما يقضى فسوف يكون"، وأنت لو نظرت قلت في بادئ النظر قد تتوهم أنه أسلوب شرط؛ "ما يقضى فسوف يكون"، لكن لا، هذه ليست شرطية بل هي موصولية، والدليل واضح من الناحية الإعرابية. لو كانت "ما" جازمة، كيف ستجزم؟ انتبه، لو كانت "ما" جازمة لكان الفعل "يقضَ" فعلاً مضارعاً مجزوماً وعلامة جزمه حذف حرف العلة، لكن أنا قلت: "ما يقضى"، أثبتت الألف في "يقضى"، فهذه قرينة واضحة أن "ما" هنا ليست شرطية وإنما هي موصولية.

لكن انظر في بادئ النظر، قبل أن تحرر الإعراب وتتأمل فيه، تكاد تشتبه عليك "ما" الموصولية التي تدل على العموم بـ "ما" الشرطية، وتجد الأسلوب واحداً. فلما اشتبهت وتشابهت، كثيراً ما تدخل الفاء على خبر "ما" الموصولية أو إحدى أخواتها؛ بغض النظر عن الأمر، فالمسألة تتعلق وليس فقط بـ "ما" الموصولية، بل حتى "ما" الموصولية، والذي، والتي، وكل اسم موصول جاء ليدل على الإبهام والعموم ولم يأتِ ليدل على معين. إذا وقع هذا الاسم الموصول في موقع المبتدأ أو اسم "إن" أو اسم "كان"، فخبره كثيراً ما يقترن بالفاء.

لماذا؟ تشبيهاً للاسم الموصول الذي يدل على العموم بأسماء الشرط، فكما أن أسماء الشرط كثيراً ما يقترن خبرها بالفاء بالضوابط التي ذكرناها، شبهوا الأسماء الموصولة بها في هذه القضية. وهذه فائدة على الهامش تتأمل فيها: أن فعلاً كثيراً ما نجد أسماء موصولة مبتدأً والفاء موجودة في خبرها، وأنت لو تأملت أمثلة في القرآن وفي السنة وفي كلام العرب تجد ذلك بكثرة. والسبب أن الاسم الموصول الذي يدل على العموم يشبه أسماء الشرط، فلما شبهوه بأسماء الشرط جعلوا الفاء تدخل على الخبر.

وهذا مثال معنا: "ما يقضى"؛ "ما" الآن اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم "لكن"، و"يقضى" هذه جملة صلة الموصول. "فسوف يكون"؛ لاحظ الفاء، من أين دخلت هذه الفاء وما عندنا أصلاً أسلوب شرط هنا؟ نقول: "سوف" الفاء رابطة، "سوف" ربطت الخبر بالمبتدأ وإن كان غير لازم، فهي غير لازمة، فلو قال: "ما يقضى سوف يكون" لكان جائزاً، لكنه دخلت تشبيهاً فقط لما الموصولية بـ "ما" الشرطية.

"سوف" حرف تنفيس، و"يكون" فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و"يكون" هنا تام بمعنى يحصل، أيها الأحباء، بمعنى يحصل وليست "يكون" الناقصة، وتأخذ فاعلاً وهو "هو". والجملة "فسوف يكون" في محل رفع خبر "لكن". فإذاً "ما" الموصولة هي اسم "لكن"، وجملة "سوف يكون" هي الخبر، و"لكن" هنا عاملة أخذت اسماً وخبراً، وهذا مثال على "لكن" التي دخلت عليها "ما" الكافة، وهو مرجوح كما ذكر ذلك كثير من أهل العلم، فهذا مثال ناقشناه مع ابن هشام.

المثال الآخر قال: "أعد نظراً يا عبد قيس لعلما أضاءت لك النار الحمار المقيدة". لاحظوا أن "ما" دخلت على "لعل"، ونعم هذه كافة دخلت على "لعل"، لاحظ كيف زال اختصاص "لعل" بالجملة الاسمية ودخلت على جملة فعلية: "لعلما أضاءت لك النار الحمار المقيدة". ثم استثنى أداة من هذه الأدوات الست وهي "ليت"، فماذا قال ابن هشام؟ قال: «ويستثنى منها ليت».

فما وضع "ليت" إذا دخلت عليها "ما"؟ قال: «فإنها تكون باقية مع ما على اختصاصها بالجملة الاسمية، فلا يقال ليتما قام زيد»، فلذلك أبقوا عملها وأجازوا فيها الإهمال حملاً على أخواتها. إذن أيها الأحبة، "ليت" هي الوحيدة التي إذا دخلت عليها "ما" الكافة يجوز إعمالها ويجوز إهمالها.

لماذا هي الوحيدة التي يجوز بقاء عملها بخلاف سائر أخواتها؟ علل ذلك ابن هشام بشكل واضح؛ لأنها الوحيدة التي إذا دخلت عليها "ما" تبقى مختصة بالجملة الاسمية، ولا يجوز أن يأتي بعدها جملة فعلية. قالوا: لأن "ليت" هي الوحيدة التي إذا دخلت عليها "ما" لا تزيل اختصاصها، بل تبقى مختصة بالجملة الاسمية، ولا يجوز بعد "ليت" أن تأتي جملة فعلية، بخلاف سائر أخواتها؛ فإذا دخلت عليها "ما" الكافة يبطل اختصاصها بالجملة الاسمية ويجوز أن يأتي بعدها جملة فعلية. لذلك قال ابن هشام: لا يجوز أن تقول "ليتما قام زيد"، لأن "ليت" تبقى مختصة بالجملة الاسمية سواء دخلت عليها "ما" أو لم تدخل، لذلك جاز إعمالها لبقاء اختصاصها بالجملة الاسمية.

ولماذا جاز إهمالها؟ إذا كانت مختصة بالجملة الاسمية، لماذا تهملونها أحياناً؟ قال: حملاً لها على أخواتها. فكأنها بمنزلتين؛ قالوا: إذا نظرنا إلى أخواتها نهملها، وإذا نظرنا إلى اختصاصها بالجملة الاسمية نعملها. وقد روي بالوجهين، بالإعمال والإهمال، قول الشاعر النابغة الذبياني في معلقته المشهورة: «قالت: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا إلى حماماتنا أو نصفه فقدي». والرواية الثانية بالنصب في الحالتين: «ألا ليتما هذا الحمامَ لنا إلى حماماتنا أو نصفه فقدي».

طبعاً هذا جزء من معلقته المشهورة التي يخاطب فيها النعمان بن المنذر ويطلب منه السماح والمعذرة؛ فالنابغة الذبياني كان على علاقة وثيقة بالنعمان بن المنذر، وكان النعمان ملكاً من ملوك العرب، والنابغة من أصدقائه ومقربيه. لكن، وشيء من الحواشي، شيت بطانة الملك للنعمان بن المنذر بأن النابغة الذبياني يتغزل بامرأتك المتجردة وكتب فيها شعراً مقذعاً. وفي الحقيقة، الشعر الذي ينسب إلى النابغة في "المتجردة" امرأة النعمان بن المنذر، من قرأه يجد فعلاً أنه شعر فيه تشبيب وتغزيل فادح. ولسوف يأتي منه بيت معنا بعد قليل: «أزفت ترحل غير أن ركابنا...»، ففيه تغزل قبيح. لما سمع النعمان بن المنذر بأن النابغة قد تغزل بامرأته المتجردة تغزلاً فادحاً، غضب وتوعد النابغة، والنابغة لم يكن عند النعمان في ذاك الوقت.

فسمع بما حدث وبما وشى به بطانة الملك للملك بأن النابغة قال في امرأتك كذا وكذا، وعرف أن الملك يتوعده، فكتب معلقته المشهورة: يا دار مية بالعلياء فالسندِ ... أقوت وطال عليها سالف الأمدِ وقفت فيها أصيلاً أسائلها ... عيت جواباً وما بالربع من أحدِ إلا الأواري لأياً ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلدي... إلى آخر ما قال.

لكن هنا هذا مقطع من القصيدة، الآن هو يخاطب النعمان بن المنذر، يقول له: احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد ثمدِ يحفه جانبان يضيق وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمدِ قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حماماتنا أو نصفه فقدِ.

البيت الذي معنا يقول فيه للنعمان بن المنذر: ما نسب إلي من هذه الأبيات في التغزل بامرأتك كذب، وأنا لم أقل هذه الأبيات المتجردة، فأطلب منك أيها النعمان أن تحكم حكماً دقيقاً صائباً ولا تستعجل في إطلاق الأحكام، وأطلب منك أن تحكم حكماً دقيقاً يشبه حكم فتاة الحي.

من فتاة الحي؟ زرقاء اليمامة. هو يريد أن يقول: كن كزرقاء اليمامة. زرقاء اليمامة هي المرأة المشهورة عند العرب التي كانت تبصر الأشياء من مسافة بعيدة جداً، يقولون من حدة نظرها كانت تبصر الأشياء من مسافة ثلاثة أيام، شيء على بعد ثلاثة أيام! لنقاء نظرها وشدته وحدته تبصر الشيء من بعد ثلاثة أيام، تخيل بعد ثلاثة أيام كم المسافة! جيد، فهذا دليل على دقة العين وصفائها ونقائها.

فهو يقول له: يا أيها النعمان احكم كحكم فتاة الحي، إذ نظرت إلى حمام شراع وارد ثمدِ. يقول زرقاء اليمامة: يا أيها النعمان نظرت إلى حمام شراع يريد أن ينزل إلى ثمد، إلى حوض ماء ليشرب، وهذا حوض الماء يوجد بين جانبي جبل يحفه جانبان يضيق. يعني احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد ثمد، وارد إلى ماء، وهذا الماء يحفه جانبان يضيق، وهي تتبعه بنظرها مثل الزجاجة صفاءً، مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد، يعني عين تماماً لم يصبها أي آفة وأي مرض.

قالت: «ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حماماتنا أو نصفه فقد». عدت زرقاء اليمامة الحمام الذي جاء وارداً لهذا الماء من أول نظرة. يقولون كان عندها حمامة واحدة في بيتها، وكانت تحب أن يكتمل عدد الحمامات إلى مئة، فنظر إلى هذا الحمام نظرة واحدة من عدة النظرات، نظر إلى حمام شراع وارد إلى مستنقع ماء يقع بين جبلين، فمن أول نظرة نظرت فيه وعدت الحمام فوجدته تسعة وتسعين بنظرة واحدة.

فقالت لما نظرت وعدت الحمام وجدته تسعة وتسعين: «ألا ليتما هذا الحمام لنا». تمنت أن يكون هذا الحمام لها حتى يكتمل عدد حماماتها إلى مئة؛ هي عندها واحدة ورأت تسعة وتسعين حمامة، فقالت: «ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا»، يعني أليت هذا الحمام إلى الحمامة التي عندي، «أو نصفه فقد»، فإن لم يحصل ذلك أو نصفه، على الأقل نصف الـ تسعة وتسعين منيح مقبول، «أو نصفه فقد»، أنا أقبل بنصف هذا الحمام.

قال: «فحسبوه فألفوه كما حسبت»، تسعة وتسعين لم تنقص ولم تزد. قيل طبعاً هذه رواية تاريخ، كيف ذهب أهل حيها إلى الحمام فعدوه، ذهب جماعة إلى المزرعة فعدوا الحمام الذي نزل فوجدوه تسعة وتسعين كما حسبت هي من أول نظرة، تسعة وتسعين لم تنقص ولم تزد، فكملت مئة فيها حمامتها، وأسرعت حسبة في ذلك العدد.

فهذا البيت هو من ضمن مقطوعة كاملة يصف فيها النابغة الذبياني حدة نظر ودقة نظر زرقاء اليمامة، ويطلب من النعمان بن المنذر أن يكون مثلها في حدة النظر وألا يستعجل الحكم عليه، هذه هي القصة.

«ألا ليتما هذا الحمام لنا»؛ هذا البيت على السبورة حتى تفهموا قصة هذا البيت من الناحية الإعرابية الآن. قال: «ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حماماتنا أو نصفه فقد». وهذا موضع الشاهد: «ليتما هذا الحمام لنا إلى حماماتنا أو نصفه فقد».

الآن، إذا قلت الحمام سأقول نصفه، وإذا قلت الحمامة سأقول نصفه، انتبهوا لأن التشكيل هنا فيه نوع إبهام. إذن إذا قلت: «ألا ليتما هذا الحمامُ» بضم الحمام، سأقول: «أو نصفُه» بضم الفاء، وإذا قلت: «ألا ليتما هذا الحمامةَ» بفتح الحمام، سأقول: «أو نصفَه» بفتح الفاء، فإذا فتحت تفتح هناك.

دعونا ننظر في الإعراب؛ «ليت» حرف تمني مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، و«ما» كافة. إذا دخلت عليها «ما» الكافة يجوز إعمالها ويجوز إهمالها، أليس كذلك؟ نذهب إلى الإعمال، ما هو الأكثر فيها؟ الإعمال أو الإهمال؟ الأكثر الإعمال، وسينص ابن هشام على أن الأكثر الإعمال.

إذا أعملت «ليت» إذن هي ستأخذ اسماً تنصبه، وتأخذ خبراً ترفعه. أين اسم «ليت» في حالة الإعمال؟ «ليت ما هذا الحمام لنا»، اسم الإشارة «هذا» مبني على السكون الذي على الألف في محل نصب اسم «ليت».

والحمام إعرابها بدل، لأنه إذا وقع الاسم المعرف بعد اسم الإشارة يكون إعرابه بدلاً أو عطف بيان كما يجوزه البعض. فالحمام إذاً بدل، وبما أن «هذا» في محل نصب، فالبدل يتبع المبدل منه، فتكون «الحمامَ» منصوبة. وأين خبر «ليت»؟ «لنا»، الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره كائن هو خبر «ليت».

أما «أو نصفه»، فـ«نصف» معطوفة على «هذا»، ولأننا اخترنا الإعمال و«هذا» منصوب، فإن «نصفه» ستكون منصوبة ومفتوحة الفاء. مشكلتها أنها مبنية فلا يظهر عليها الإعراب، لكن ظهر في البدل وفي المعطوف على «هذا».

أما على قراءة الرفع التي نهمل فيها «ليت»، فإذا أهملنا «ليت» ستصبح «هذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وبالتالي «الحمام» بدل من المبتدأ.

بدلاً من المبتدأ ستكون إيش الحمام؟ مرفوعة بالضمة. هذا الحمام، ولنا الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر للمبتدأ؛ هذا الحمام لنا. ونصفه بأنها معطوفة على هذا ستكون إيش؟ ستكون مرفوعة، لأن المعطوف على المرفوع مرفوع.

وعرفتم لماذا؟ حتى بني هاشم، حتى المحقق هنا شكل الحمام بتشكيلتين وشكل نصفه بتشكيلتين. لماذا فعل ذلك؟ حتى يبين لك أنه يجوز الإعمال ويجوز الإهمال.

نعود إذاً إلى ابن هشام؛ إذاً بين لنا ابن هشام أن ليت يجوز إعمالها ويجوز إهمالها بخلاف أخواتها، وعرفنا ذلك وذكر هذا البيت. وقوله "ما الحرفية"، الآن أنه أراد أن يبين معنى قوله في المقدمة "ما الحرفية"، أو في المتن حينما قال "ما الحرفية"، قال: احترازاً عن "ما" الاسمية.

يعني حينما قلت في المتن: "إن لم تقترن بهن ما الحرفية"، قال: لماذا عبرت بـ "ما الحرفية"؟ يريد أن يبين لماذا عبر في المتن عن "ما" وقيدها بأنها الحرفية، قال: احترازاً عن "ما" الاسمية. يعني إذا جاءت "ما" الاسمية بعد "إن" وأخواتها، "ما" الاسمية لا تكف "إن" وأخواتها عن العمل.

ما "ما" الاسمية؟ اللي هي الاسم الموصول؛ يقصد بـ "ما" الاسمية "ما" حينما تكون اسماً موصولاً. قال: وفي الحقيقة لا أريد أحصرها في الاسم الموصول، لأنه "ما" الاسمية قد تكون أوسع من ذلك في الحقيقة؛ هناك أيضاً "ما" نكرة موصوفة وهناك "ما" نكرة تامة، فلا أريد أن أحصرها عفواً في الاسم الموصول، لكن أشهر أمثلتها الاسم الموصول.

المهم أني قيدت بالحرفية احترازاً عن "ما" الاسمية؛ فإن "ما" التي تأتي بعد "إن" وأخواتها إذا كانت اسماً، اسم موصول أو ما شابه ذلك، فإنها لا تبطل عمل "إن" وأخواتها. وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: 72]. تأملوا هذا المثال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾.

يقول ابن هشام: "ما" هنا اسم موصول بمعنى الذي، في موضع نصب بـ "إن"، فالتقدير في الآية: "إن الذي صنعوا كيد ساحر". دعونا نسير مع ابن هشام: "ما" اسم موصول بمعنى الذي، هو اسم "إن"، "صنعوا" صلة الموصول، وأين العائد على "ما"؟ محذوف، أي: صنعوه، ويجوز حذف العائد المنصوب كما ذكرنا سابقاً، إذاً: "إنما صنعوه"، و"كيد" إعرابها خبر "إن". فـ "ما" اسم "إن" و"كيد" خبر "إن"، وهنا "إن" عملت لأن "ما" التي بعدها ليست "ما" الكافة بل هي "ما" الموصولية.

هل هناك احتمال آخر لـ "ما" هنا؟ في الحقيقة هناك احتمال آخر، وهو أن تكون "ما" هنا "ما" المصدرية، ويجوز هذا؛ يجوز أن نجعل "ما" هنا "ما" المصدرية. وما "ما" المصدرية؟ هي التي تسبك مع ما بعدها وينتج عندي مصدر مؤول. فإذا جعلت "ما" المصدرية، إيش سيصبح تقدير الآية؟ "إن صنعهم كيد ساحر"، فتقول: "ما" حرف مصدري، و"صنعوا" فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والمصدر المؤول من "ما" مع "صنعوا" وهو "صنع" في محل نصب اسم "إن"، و"كيد" خبر "إن".

بالتالي أيها الأحبة، لاحظنا أن هنا "ما" يمكن أن تكون مصدرية، وإذا كانت مصدرية، ما نوعها من الكلام؟ هل هي اسم ولا فعل ولا حرف؟ هي حرف. فإذاً هذا سينقض كلام ابن هشام أنه قال: "ما الحرفية احترازاً عن ما الاسمية"، نقول: لا يكفي يا ابن هشام، لأنه هناك "ما" حرفية أيضاً يجوز أن تأتي بعد "إن" ولا تبطل عملها مثل "ما" الاسمية.

ما هي "ما" الحرفية التي تأتي بعد "إن" ولا تبطل عملها؟ هي "ما" الحرفية المصدرية؛ فينبغي إذاً أن تقيد، ليس يعني لا يكفي أن تقول "ما الحرفية"؛ لأنه حتى قولك "ما الحرفية" يدخل فيها "ما" المصدرية، ويجب عليك أن تخرجها أيضاً؛ لأن "ما" المصدرية قد تأتي بعد "إن" وأخواتها ولا تبطل عملها. فالصحيح إذاً هناك نوع نظر في عبارة ابن هشام، والتقييد الصحيح أن يقال: "ما الحرفية الكافة" أو "ما الحرفية الزائدة" كما ذكر بعضهم. أما أن تقول "ما الحرفية" وتسكت، فهذا مدخول بأن هناك "ما" حرفية تأتي بعد "إن" وأخواتها ولا تبطل عملها، وهي "ما" الحرفية المصدرية.

انتهينا إذاً من هذه المسألة الأولى، مسألة دخول "ما" على "إن" وأخواتها وعرفنا الأحكام، ننتقل إلى مبحث جديد في باب "إن" وأخواتها، وهو مبحث تخفيف "إن" وأخواتها.

الآن أيها الأحبة، "إن" وأخواتها كم أداة؟ ستة. هناك أداتان لا يمكن تخفيفهما؛ أولاً ما المراد بالتخفيف؟ التخفيف المراد به أن الحرف الأخير نخفف الشدة، نزيل الشدة ويبقى الحرف ساكناً. الشدة هي عبارة عن حرفين مضغمين، إذا خففت، ما معنى التخفيف؟ أن أزيل الشدة، بالتالي أنا فعلياً أزلت حرفاً، فخففت من بنية الكلمة.

لاحظوا أنتم: "إن"، "أن"، "لكن"، "كأن"، "ليت"، "لعل". لاحظوا أن كل هذه الأحرف مشددة الآخر إلا واحداً، ما هو؟ "ليت"، "ليت" ليس مشدد الآخر، فبالتالي "ليت" لا يمكن فيه تخفيف لأنه هو أصلاً مخفف، هو بالوضع الطبيعي مخفف ما فيه شدة. إذًا بقي عندنا خمسة مشددات: "إن"، "أن"، "لكن"، "كأن"، "لعل".

قلنا ما هو التخفيف؟ التخفيف أن تحذف الشدة، وبحذف الشدة أنت تحذف معها حرفاً، لأن الشدة تدل على إدغام حرف في حرف، فهي تدل على حرفين: حرف أول ساكن وحرف ثانٍ متحرك تم إدغامهما. فعندما أنت تسقط الشدة من الأخير، أنت تزيل حرفاً، فبالتالي تخفف من بنية الكلمة. فـ "أن" كم حرف؟ ثلاثة مع الشدة، والشدة تدل على حرفين مضغمين، حينما أخففها فتصبح "أن" أصبحت على حرفين من خلال إزالة الشدة، فبذهاب الشدة يذهب حرف.

"إن" حين أخففها ماذا تصبح؟ "إنْ". "لكن" تصبح "لَكِنْ". "كأن" تصبح "كَأَنْ". أما "لعل" فلا يوجد فيها تخفيف، "لعل" دائماً مشددة، فإذًا "ليت" و"لعل" لن تدخلا معنا في هذا المبحث، مبحث التخفيف؛ لأن "ليت" هي أصل المخففة ابتداءً فلا يخفف المخفف، و"لعل" هي ثقيلة لكن لم يسمع تخفيفها. فبقي إذاً أربع أدوات سنتكلم عن تخفيفها: "إن"، "أن"، "لكن"، "وكأن".

كيف تخفف؟ وما أحكامها بعد تخفيفها؟ التخفيف هو حذف الشدة عن الحرف الأخير، وبحذف الشدة يذهب حرف من بنية الكلمة فتصبح الكلمة أخف، لذلك سمي تخفيفاً. بدأ رحمه الله بـ "إن" لأن "إن" هي أم الباب في "إن" وأخواتها.

إن لأنها هي الأكثر أحكاماً في كان وأخواتها، وعلى ذلك فقس. إذاً كيف تخفف «إن»؟ قال: «كأن المكسورة مخففة».

عدنا لمشاكل ابن هشام في المتن، ماذا يقول في المتن؟ «كأن المكسورة مخففة». دائماً إذا شعرت أن هناك شيئاً في العبارة، اربطها بما قبلها في المتن السابق؛ فهو يريد أن يربط هذا المتن بالمتن السابق.

ما نهاية المتن السابق؟ قال: «إن لم تقترن بهن ما الحرفية نحو إنما الله إله واحد إلا ليت فيجوز الأمران. كأن المكسورة مخففة». أي أن «ليت» يجوز فيها الأمران، وهو الإعمال والإهمال. وكأن المكسورة مخففة؛ ومثلها في ذلك «إن» المكسورة الهمزة التي حينما تأتي مخففة فتصبح «إن»، فيجوز الإعمال والإهمال.

فكما أن «ليت» إذا دخلت عليها «ما» الكافة يجوز إعمالها وإهمالها، فكذلك «إن» المكسورة الهمزة، وأراد أن يحترز بكلمة المكسورة عن «أن» المفتوحة الهمزة. إذا جاءت مخففة، أي أصبحت «إن» بإزالة الشدة، فإذا تحولت «إن» إلى «إن» خففت بحذف الشدة يجوز الإعمال والإهمال.

فهذا نوع من الاختصار في المتون؛ شبه «إن» بـ «ليت» في جواز الإعمال والإهمال اختصاراً، وإلا لو فصل لكانت تلك مسألة وهذه مسألة جديدة، وربما كان أوضح للطالب، لكن المتقدمين والعلماء الأفذاذ يختصرون ولا يكثرون الكلام في المتون، ويعتمدون على ذهن الطالب الذي سيلقط ما بين الأسطر.

الآن أيها الأحبة، «إن» تخفف بحذف الشدة فتصبح «إن»، وبالتالي إذا أصبحت «إن» عليك أيها الطالب أن تفتح عينيك جيداً؛ لأن لفظ «إن» في اللغة العربية له أنواع عديدة: هناك «إن» الشرطية، وهناك «إن» التي ذكرت في الدرس الماضي وتأتي نافية، ألم أقل لكم إن ابن هشام اقتصر على «ما» و«لا» و«لات» ولم يذكر «إن»، بينما ذكرها ابن مالك؟ كذلك «إن» في اللغة العربية تأتي حرف نفي، ولها أيضاً يمكن أن تعمل عمل المشبهة بليس، ترفع اسماً وتنصب خبراً على خلاف ذلك. فإذاً عندي «إن» الشرطية، وعندي «إن» النافية، وعندي «إن» المخففة من «إن».

فبالتالي حينما أجد «إن» في السياق أحتاج أن أركز وأهدأ حتى أتأمل: أي نوع من هذه الأنواع هي؟ فانتبهوا على هذه القضية.

أيها الأحبة، «إن» إذا خففت فأصبحت «إن»، هنا سيحدث حكم جديد وهو أنه يجوز إعمالها وإهمالها، ألم يقسها على «ليت» التي وردت معنا قبل قليل؟ فإذا خففت «إن» فأصبحت «إن» يجوز إعمالها وإهمالها، والأكثر فيها الإهمال.

لقد قلنا قبل قليل إن الأكثر في «ليت» إذا دخلت عليها «ما» الكافة هو الإعمال، و«إن» بعكسها كما سيذكر ابن هشام؛ «إن» إذا خففت فأصبحت «إن» يجوز إعمالها وإهمالها والأكثر الإهمال. لماذا يجوز الإعمال والإهمال؟

يقول النحاة: لأن «إن» المخففة إذا خففت زال اختصاصها بالجملة الاسمية، فيمكن أن يأتي بعدها جملة فعلية. سامحوني، اليوم سنحتاج إلى شيء من التعليل النحوي حتى نفهم بعض القضايا. لماذا «إن» إذا خففت فأصبحت «إن» جاز إعمالها وإهمالها؟ لأن زال اختصاصها بالجملة الاسمية.

الآن أيها الأحبة، دعونا نركز في مسائل من مسائل التعليل النحوي، استيقظوا وانتبهوا، فالكلام دقيق الآن. قلنا إن «إن» إذا خففت فأصبحت «إن» يجوز إعمالها وإهمالها؛ والسبب هو لزول اختصاصها بالجملة الاسمية.

وقبل قليل، هذا التعليل وهو زوال الاختصاص بالجملة الاسمية، كان سبباً في «إن وأخواتها» عند دخول «ما» الكافة في وجوب الإهمال، وليس فقط جواز الإهمال. لاحظوا الوجوب؛ «إن وأخواتها» إذا دخلت عليها «ما» الكافة يجب إهمالها لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية. ولماذا استثنينا «ليت» فقلنا يجوز إعمالها وإهمالها؟ هي الوحيدة منهم لأنها تبقى مختصة بالجملة الاسمية.

استعضرو هذا التعليل: «إن وأخواتها» إذا دخلت عليها «ما» الكافة يجب إهمالها لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية وأصبحت تدخل على الجملة الفعلية، وقلنا «ليت» هي الوحيدة التي يجوز إعمالها وإهمالها لبقاء اختصاصها بالجملة الاسمية.

نأتي إلى هذا التعليل نفسه الآن؛ «إن» إذا خففت فأصبحت «إن» زال اختصاصها بالجملة الاسمية وأصبحت تدخل على الجملة الفعلية والاسمية على كلتيهما، فمقتضى التعليل السابق أنه يجب إهمال «إن»، أليس هذا مقتضى القياس؟ أنتم لماذا جعلتم «إن» التي تدخل عليها «ما» مهملة وجوباً لزوال اختصاصها؟ إذاً «إن» المخففة إذا أصبحت «إن» لكون زال اختصاصها يجب أن تكون مهملة، أليس هذا القياس العقلي؟

لماذا جوزتم الإعمال والإهمال في حالة «إن» المخففة ولم تجوزوا الإعمال والإهمال في حالة «إن» التي تدخل عليها «ما» الكافة وأوجبتم الإهمال هناك؟ ما الفرق بين الصورتين؟ عرفتم موضع الإشكال؟

«إن» إذا دخلت عليها «ما» الكافة يجب إهمالها، والعلة هي لزوال اختصاصها. و«إن» نفسها إذا خففت إلى «إن» يجوز إعمالها وإهمالها، والعلة هي زوال اختصاصها. لماذا هناك أوجبت الإهمال وعللت بزوال الاختصاص، وهنا جوزت الإعمال والإهمال وعللت بزوال الاختصاص؟ العلة واحدة.

قالوا: «إن» إذا دخلت عليها «ما» الكافة زال اختصاصها بسبب عامل أجنبي خارجي دخل عليها وهو «ما». طبعاً هذه تفلسفة نحوية، لكنني أعطيك الفلسفة حتى تتعود على هذا النمط من التعليل. «إن» إذا دخلت عليها «ما» زال اختصاصها بالجملة الاسمية، وزوال الاختصاص كان بسبب دخول عامل خارجي وهو «ما». بينما «إن» حينما تخفف إلى «إن» يزول اختصاصها بالجملة الاسمية أيضاً، لكن زوال الاختصاص لم يكن بسبب عامل خارجي، بل بسبب شيء طرأ على نفس الكلمة وهو التخفيف.

أعيد: «إن» إذا دخلت عليها «ما» الكافة زال اختصاصها، لكن زوال الاختصاص سببه دخول عامل خارجي وهو «ما»، بينما «إن» حينما تخفف إلى «إن» يزول اختصاصها أيضاً، لكن زوال الاختصاص كان بذات الكلمة من خلال تخفيفها وليس بعامل خارجي، وزوال الاختصاص بسببها، وهذا تكملة التعليل؛ فزوال الاختصاص بعامل خارجي أقوى وأشد تأثيراً من زوال الاختصاص من خلال نفس الكلمة.

زوال الاختصاص الذي سببه عامل خارجي أقوى تأثيرًا من زوال الاختصاص الذي ينتج عن تخفيف نفس الكلمة، فبالتالي حينما تدخل عليها "ما" زوال اختصاصها أقوى من حينما تخفف إلى "إن". فلذلك قلنا إن إذا دخلت عليها "ما" يجب إهمالها لشدة زوال اختصاصها، بينما إذا خففت إلى "إن" يجوز إعمالها وإهمالها؛ لأن ذهاب الاختصاص ليس بتلك القوة، لأن التغيير أو التأثير طرأ على بنية الكلمة فقط.

الآن سأناقش قضية أخرى تتعلق بالاختصاص، فهناك مشكلة مع ابن هشام في هذه النظرة. هو عندما تسمع ابن هشام يقول مثلاً في "إن" إذا دخلت عليها "ما" الكافة: «لماذا يجب إهمالها؟ لزوال الاختصاص»، وفي "إن" إذا خففت إلى "إن" يقول: «لماذا يجوز استعمالها وإهمالها ولم يعد إعمالها واجبًا؟ لزوال الاختصاص».

عندما تسمع «لزوال الاختصاص»، ماذا تفهم من هذا؟ كأنه يشير، أو كأني أفهم من عبارة ابن هشام، وأشم منها أنه يريد أن يقول إن "إن وأخواتها" سبب عملها -أصلاً النصب في الاسم والرفع في الخبر- هو الاختصاص. هذا ما أفهمه؛ أنك تقول إن سبب عمل "إن وأخواتها" بنصب الاسم ورفع الخبر ابتداءً هو الاختصاص، فإذا زال الاختصاص وجب الإهمال.

هذا ظاهر عبارة ابن هشام؛ أن سبب عمل "إن وأخواتها" في الجملة الاسمية نصب الاسم ورفع الخبر هو الاختصاص، فبالتالي نلاحظ أنه كلما زال الاختصاص يقول ابن هشام: «بطل العمل وأهملت»، أو «جاز الإعمال والإهمال» بحسب قوة زوال الاختصاص. وفي الحقيقة هذا الكلام فيه نظر؛ فهل "إن وأخواتها" فعلاً سبب عملها في الجملة الاسمية هو الاختصاص؟ وما المراد بالاختصاص؟

المراد بالاختصاص هذا سيرجعنا إلى قضية ذكرتها سابقًا لكم أيها الأحبة عندما تكلمنا عن الحرف في اللغة العربية. قلنا الحرف متى يكون عاملًا؟ القاعدة العامة عندهم -والأصل طبعًا القاعدة الأصل فيها استثناءات- هي أن الحرف الذي يعمل هو الحرف المختص. فالحرف الذي يختص بالأسماء يعمل، والحرف المختص بالأفعال يعمل، والحرف المشترك في الدخول على الأسماء والأفعال لا يعمل. هذه القاعدة التي ذكرناها في بداية دراستنا لـ "القطر"؛ فالحرف المشترك الأصل فيه ألا يعمل، فإن وُجد حرف مشترك عَمِل على خلاف الأصل، والحرف المختص الأصل فيه أنه يعمل.

لكن قيدنا هناك تقييدًا أيها الأحبة، تذكروا ما هو؟ الطالب الذي يذكر يكون جيدًا. قلنا الحرف المختص بالأسماء الأصل فيه أن يعمل، لكن ماذا يعمل؟ الجر. الحرف المختص بالأسماء يعمل، لكن العمل الذي يجب أن يعمله هو الجر، وهو الشيء المختص بالأسماء. والحرف المختص بالأفعال يعمل، لكن العمل الذي يجب عليه أن يعمله ما هو؟ الجزم. لذلك لما كانت مختصة بالفعل المضارع عملت الجزم، وحروف الجر لما كانت مختصة بالأسماء عملت الجر.

لو أردت أن أسير مع ابن هشام على طريقته في التعليل هنا، حيث يقول إن "إن وأخواتها" إنما عملت في الأسماء في الجملة الاسمية لأنها مختصة بالأسماء ولا تدخل على الجملة الفعلية؛ سأقول لابن هشام: إن "إن وأخواتها" أنت تقول سبب عملها في الجملة الاسمية الاختصاص بالأسماء ولا تدخل على الأفعال، فينبغي على تعليلك أن يكون عمل "إن وأخواتها" في الجملة الاسمية هو الجر؛ لأن الحرف المختص بالأسماء العمل الذي يجب أن يعمله في الأسماء هو الجر ليس النصب والرفع.

بينما الملحوظ هنا أن "إن وأخواتها" عندما عملت في الجملة الاسمية لم تعمل الجر كما كان ينبغي أن يكون لو صح تعليله، وإنما عملت في الاسم النصب وفي الخبر الرفع. فمع أنها مختصة بالأسماء ولكنها لم تعمل العمل الذي تعمله الحروف المختصة بالأسماء وهو الجر، بل عملت النصب في الاسم والرفع في الخبر. فهذا يدل على أن تعليل ابن هشام بأن عمل "إن وأخواتها" في الجملة الاسمية سببه الاختصاص هو تعليل مدخول وعليه انتقاد.

ما السبب إذًا في عمل "إن وأخواتها"؟ الآن أنت ستقول لي: ما السبب في عمل "إن وأخواتها"؟ علل لي أيها المدرس، ما السبب في عمل "إن وأخواتها" في الجملة الاسمية؟ نقول، وهو من عندي في النهاية كما ذكر كثير من النحاة، سبب عمل "إن وأخواتها" في الجملة الاسمية وأنها كانت عاملة هو أنها أشبهت الفعل.

أشبهت الفعل في ماذا؟ "إن وأخواتها" تعمل بنصب الاسم ورفع الخبر لأنها تشبه الفعل، فما الذي شابهت فيه الفعل حتى عملت؟ شابهت الفعل أولًا شبهًا لفظيًا؛ من أن هذه الكلمات على ثلاثة أحرف فصاعدًا. "إن" من ثلاثة أحرف، والنون المشددة على حرفين، انتبهوا، "إن" أربعة أحرف. "لعل" أربعة أحرف، "كأن" أربعة أحرف، "ليت" ثلاثة أحرف. فهذه الأحرف تشبه الأفعال في أنها من ثلاثة أحرف أو أربعة أحرف، والفعل في اللغة العربية -من درس الصرف معنا- إما ثلاثة أحرف أو أربعة أحرف. فهذه شابهت الفعل في أنها من ثلاثة أحرف أو أربعة أحرف، وهذا شبه لفظي.

ثانيًا: أشبهت الفعل في أنها تدل على معانٍ، وهذا الشبه المعنوي. "إن" و"أن" تدلان على معنى، وهذا الشبه المعنوي لها. "إن" و"أن" تدلان على معنى الفعل "أكد" أو "أؤكد"، و"لكن" تدل على معنى فعل "أستدرك"، و"ليت" تدل على معنى "أتمنى"، و"لعل" تدل على معنى "أرجو". فهي أيضًا فيها شبه من حيث دلالتها على المعاني، ففيها إذاً شبه لفظي بالأفعال، وفيها شبه معنوي بالأفعال. فقالوا: فنعملها إذاً كما تعمل الأفعال؛ فعملت النصب وعملت الرفع كما أن الفعل يقوى على عمل الرفع وعمل النصب. فهذه العلة الحقيقية في عمل "إن وأخواتها" وليس الاختصاص الذي يذكره ابن هشام كثيرًا، لأنه لو كان الاختصاص لـوجب أن يكون العمل هو الجر؛ لأن التعليل بالاختصاص يقتضي أن الحرف المختص إذا قلت سبب عمله هو الاختصاص يجب أن يكون العمل هو الجر وليس الرفع والنصب. فهذه كلها مناقشات مع ابن هشام -رحمه الله- فيما ذكر.

أعود الآن إلى ما ذكره ابن هشام هنا بعد هذه الرحلة، يقول ابن هشام: «كـ "إن" المكسورة مخففة»، معنى هذا أنه كما يجوز الإعمال والإهمال في "ليتما" كذلك يجوز في "إن" المكسورة إذا خففت. تقول: «إن زيدٌ لمنطلقٌ»، هنا أعملها ولا أهملها؟

إن زيدًا لمنطلق، أهملها، جميل. إن زيدًا منطلق، عملها. فهل في فرق بين المثالين يا مشايخ؟ لاحظوا العبارة: «إن زيد لمنطلق»، والثانية «إن زيدًا منطلق»، في فرق، صح؟ إيش؟ اللام زحلقة.

الطالب يقول: يا شيخ لماذا في المثال الأول حينما أهملها قال: «إن زيد لمنطلق»، بينما في المثال الثاني لما أعملها قال: «إن زيدًا منطلق» من دون اللام؟ ما هذه اللام؟ اللام هذه الموجودة في الخبر في حالة الإهمال، الآن المثال الأول: «إن زيد لمنطلق» مهملة؛ زيد مبتدأ، ومنطلق -بسم الله- خبر. ما هذه اللام الموجودة في الخبر «لمنطلق»؟ هذه اللام الموجودة في الخبر أيها الأحبة تسمى هنا في هذا الموضع اللام الفارقة.

اللام الفارقة وهي في أصلها لام الابتداء، لكن لا أريد أن أقحم حالي في هذا الباب الآن، لا بد أن أشرح. هناك لام -خلاص لا أريد أقحمك- هذه اللام الفارقة أصلها لام ابتداء ومزحلقة، هذه سأبينها إن شاء الله في ختام كلامي عن «إن وأخواتها» حينما أتكلم عن اللام المزحلقة، لكن احفظها الآن: هذه اللام لام فارقة. وهذه اللام الفارقة يجب إدخالها على خبر «إن» المخففة في حالة الإهمال، طبعًا هو لم يعد خبر «إن»، هو أصبح خبر مبتدأ.

باختصار؛ إذا خففت «إن» إلى «إنْ» وأهملت «إنْ» ولم أعملها، يجب إدخال اللام الفارقة على الخبر. أذهب إلى السبورة. أيها الأحبة، إذا خففتها إلى «إنْ» قلنا يجوز إعمالها ويجوز إهمالها، جميل؟ إذا أهملت ولم أعمل، يجب دخول اللام الفارقة على الخبر. أقول: «إنْ زيدٌ لمنطلق». «إنْ» مخففة من «إنَّ» مبني على السكون لا محل له من الإعراب مهملة ليست تعمل، زيد مبتدأ، اللام مزحلقة حرف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، منطلق خبر المبتدأ. هذه تسمى لام إيش؟ فارقة.

جميل، وتسمى مزحلقة، لكن خليها فارقة الآن، في هذا الموضع فقط تسمى فارقة. عندما ندرسها إن شاء الله في نهاية الكتاب سنعرف أن أصلها هي المزحلقة، لكن هنا لماذا تسمى فارقة؟ ولماذا يجب دخولها؟ قلنا أيها الأحبة إن في اللغة العربية لها ثلاث احتمالات: تأتي شرطية، وتأتي «إنْ» نافية، وتأتي «إنْ» مخففة.

حينما تخفف «إن» في «إنْ زيد لمنطلق» ستشتبه «إنْ» هنا بين أمرين؛ «إن» الشرطية مستحيل أن تترد هنا، لكن هنا ستشتبه «إنْ» حين تخفيفها بـ«إنْ» النافية. ستصبح تحتمل في السياق أن تكون نافية وأن تكون «إنْ» المخففة. ستسمع مباشرة الجملة هكذا «إنْ» بالتخفيف، فحينما تنظر إلى «إنْ» مخففة ستشتبه عليك: هل هذه «إنْ» المخففة من «إنَّ» ولا هذه «إنْ» النافية التي ليس لها علاقة؟

أيها الأحبة، إذا أنا عملت «إنْ» المخففة فقلت: «إنْ زيدًا منطلق» لن تشتبه عليك، لأنه «إنْ» النافية لا تنصب ما بعدها، الذي ينصب الاسم الواقع بعده هو «إنْ» المخففة من «إنَّ». فإذا كانت «إنْ زيدًا»، زيدًا إيش اللي نصبها؟ هنا أدركت أنه «إنْ» هذه مخففة من «إنَّ». لكن أين المشكلة في حالة الإهمال؟ في حالة الإهمال إذا أهملت «إنْ» ولم تعملها بعد تخفيفها، ستشتبه هذه المخففة بـ«إنْ» النافية: «فإنْ زيدٌ منطلق».

لو لم أضع اللام الفارقة، لو لم أضعها، قلت: «إنْ زيدٌ منطلق»، هنا يحتمل أن يكون معناها «إنْ» النفي، ومعنى كلامي ليس زيد منطلق، ويحتمل أن يكون المعنى أنك تريد أن تثبت أن زيد منطلق، والمعنى سيختلف تمامًا. إذا قلت «إنْ» مخففة من «إنَّ» فأنت تثبت المعنى، وإذا قلت «إنْ» النافية أنت تنفي الجملة. فلو قلت: «إنْ زيد منطلق» من دون اللام الفارقة، ستشتبك «إنْ» النافية بـ«إنْ» المخففة من «إنَّ».

فالعرب دائمًا ترفع اللبس، وهذه قاعدة مضطردة؛ قالوا: كيف نرفع اللبس هنا؟ قالوا: بإضافة لام في الخبر وجوبًا تسمى اللام الفارقة، تدخل في خبر «إنْ» المخففة من «إنَّ» في حالة الإهمال. لماذا سميت فارقة؟ لأنها تفرق بين «إنْ» المخففة من «إنَّ» وبين «إنْ» النافية. ويجب دخولها إذا خففت «إنْ» بشرط أني إذا خففتها لا أعملها، أما إذا عملت «إنْ» في حالة التخفيف فلا أحتاج إليها، لأن نصب الاسم الواقع بعدها يكفي دليلًا على أن هذه «إنْ» المخففة. فإذًا إذا أهملت أقول: «إنْ زيدٌ لمنطلق»، وإذا عملت أقول: «إنْ زيدًا منطلق» ولا أحتاج إلى اللام الفارقة.

طيب يا شيخ، هل ورد في اللغة العربية حذف اللام الفارقة والاستغناء عنها بعد «إنْ» المهملة؟ قلنا الأصل وجوب إدخال اللام على الخبر، لكن أحفظ الآن أنني أستثني: يجوز الاستغناء عن اللام الفارقة في الخبر إذا كان في السياق قرينة واضحة تدل على أن «إنْ» هنا هي المخففة من «إنَّ» ولا يجوز أن تكون «إنْ» النافية.

مثال ذلك سيذكره ابن هشام في النهاية، لكن لو قدمته ما عندي مشكلة: أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن

لاحظوا البيت، أنا أعلق على هذا البيت: «أنا ابن أباة الضيم من آل مالك»، هو الآن يفتخر بنسبه، يفتخر أنه من الذين لا يقبلون الظلم من آل مالك. لاحظوا المعنى كيف سيؤثر؛ «وإنْ مالك كانت كرام المعادن». هذا آخر بيت في باب «إن وأخواتها» قبل «لا» النافية للجنس. الآن «وإنْ مالك»؛ «إنْ» هذه شرطية مستحيل، هل يصلح أن تكون هنا نافية من حيث المعنى؟ لا أريد النظر للناحية الإعرابية فقط، هو يقول إنه يفتخر بنسبه، فلو جعلت «إنْ» هنا نافية ماذا سيصبح معنى الجملة؟ «ليست مالك قبيلة مالك من كرام المعادن». يعني أنت في الشطر الأول تفتخر بنسبك إلى قبيلتك، وفي الشطر الثاني تشتم القبيلة! لو جعلت «إنْ» النافية هنا في الشطر الثاني فهو يشتم قبيلته.

نافية، يعني ليست مالك من كرام معادن العرب. وهل يعقل هذا في الشاعر؟ ويفتخر أنه من أباة الضيم من آل مالك، فلا كيف بعد ذلك يقول ليست مالك كرام المعادن؟ إذاً المعنى هنا يأبى أن تكون «إن» نافية.

بالتالي إذاً ما بقي عندنا احتمال؛ قطعاً هنا «إن» أيها الأحبة: «إن» المخففة من «إن»، ولكنها عملت ولا أهملت؟ أهملت؛ «مالك» مبتدأ، و«كرام المعادن» الجملة خبر. ولم نحتج لوضع اللام الفارقة مع أن «إن» هنا أهملت، لماذا؟ الأصل وجوب إدخال اللام الفارقة على خبر «إن» المهملة، ولكننا لم نحتج إليها لأن المعنى واضح أن «إن» ليست نافية، فلا نحتاج للتفريق. وإنما نحتاج اللام الفارقة إذا كان المعنى محتملاً، مثل الجملة التي ذكرتها على السبورة: «إن زيداً لمنطلق»؛ إذا ما عملت، تحتمل أن تكون «إن» زيد منطلق نافية، وتحتمل أن تكون المخففة، فأنت المعنى الذي تريده ينبغي أن توضحه من خلال اللام الفارقة.

لكن في الحقيقة هنا ربما أنا ذكرت أن «إن» تأتي في اللغة: الشرطية، والنافية، والمخففة، ولكن هناك «إن» زائدة. هناك «إن» عفواً تذكرته الآن وأنا أتذكر، هناك «إن» الزائدة وقد مرت معنا في الدرس الماضي حينما قلنا إن من شروط إعمال «ما» النافية عمل «ليس» أن لا يأتي بعدها «إن» الزائدة؛ إعمال «ليس»، إعمال «ما» دون «إن». ذكرنا في الدرس الماضي أن من شروط إعمال «ما» النافية عمل «ليس» أن لا يأتي بعدها «إن» الزائدة في السياق، فهذه أضيفوها عندكم، تذكرتها أن هناك «إن» أيضاً زائدة في اللغة العربية. فأصبح عندنا: «إن» الشرطية، و«إن» النافية، و«إن» المخففة من «إن»، و«إن» الزائدة. والطالب عندما تكون عنده الأمور مهندسة مرتبة، يعرف أنواع «إن»، يرتب الأمور حتى يحسن التفريق بين هذه الأدوات حينما ترد عنده في الكلام.

إذاً كل هذا جرنا إليه اللام في «إن زيد لمنطلق». بينما في الحالة الثانية لما أعملها قال: «إن زيداً منطلق»، لم يحتج إلى اللام لأن نصب اسم «إن»، يعني لما جاءت «زيداً» منصوبة ابتداءً على الإعمال، كان فيه دلالة واضحة على أن «إن» هنا هي المخففة وليست نوعاً آخر. ثم قال: والراجح الإهمال، عكس «ليت». لاحظوا ماذا قال: «عكس ليت». فماذا نفهم من قوله «عكس ليت»؟ أن «ليت» عندما دخلت عليها «ما» كفّ الأكثر فيها الإعمال، ومن هنا استنبطنا.

الآن مثل قضية تخفيف «إن» مع إهمالها، هنا ركزوا في الآيتين لأنه هناك شيء، أريدك أن تكتبها على جنب، لأنه هو الذي بين أيديكم، الكتابة على قراءة حفص عن عاصم، والموضع الشاهد ليس على قراءة حفص عن عاصم، بل على قراءة أخرى. قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4]. هو الآن يريد أن يمثل على ماذا؟ «إن» المخففة من «إن» في حالة الإهمال، ثم سيذكر أمثلة على حالة الإهمال.

قال: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، الآن على قراءة حفص عن عاصم الآية هكذا في سورة الطارق، «إن» هنا «إن» النافية أصلاً، و«لما» هذه أين؟ قلنا «لما» في اللغة العربية ثلاثة أنواع: «لما» الرابطة، و«لما» الجازمة النافية، و«لما» الإثباتية. «لما» الإثباتية قلنا هي التي بمعنى «إلا»، التي تثبت ما بعدها، و«لما» هنا هي «لما» الإثباتية، و«إن» في البداية هي «إن» النافية؛ يعني: «إن كل نفس لما عليها حافظ». وهذا أسلوب حصر في اللغة العربية، كيف تقول: «لا رجل إلا محمد»؟ فهذا أسلوب حصر، وكذلك هنا قد تكون أسلوب حصر، الأداة ليس لها فيه، أو «ما» النافية، أو قد تكون «إن» النافية، لا مشكلة، فإن «كل نفس» هنا بمعنى «لا» النافية أو بمعنى «ليس» كما تشاء، تقول: ليس كل نفس أو ما كل نفس إلا عليها حافظ.

على قراءتنا إذاً لا دليل في الآية عليها، نحن نريد دليلاً وشاهداً على «إن» المخففة. هناك قراءة أخرى هي التي أرادها ابن هشام هنا، قراءة بتخفيف «لما»، وأتت هذه القراءة «لما»؛ ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، وكذلك في الآية التي تليها: ﴿وَإِن كُلٍّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [الطارق: 9]. جميع لدينا محضرون على قراءتنا، «لما» هنا بمعنى «إلا»، فإن في بداية الجملة نافية، يعني: «إن كل إلا جميع لدينا محضرون»، لكن على القراءة التي يريدها ابن هشام بتخفيف «لما».

دعونا إذاً إلى موطن الشاهد على هذه القراءة الثانية: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾؛ هي «لما» مش «لَمَّا»، بالتالي ما عادت هنا بمعنى «إلا»، أصبحت الجملة: «إن كل نفس لما عليها حافظ». قالوا: كيف توجيه الآية الآن؟ توجيه القراءات القرآنية علم قائم، ما معنى الآية؟ قالوا: «إن» هنا ما عادت نافية، أصبحت هذه «إن» المخففة من «إن»، فـ«كل» مبتدأ، و«نفس» مضاف إليه، و«لما» هذه اللام هي اللام الفارقة لأن هنا «إن» أُهملت، فهذه اللام جاءت لتدل على أن «إن» هي المخففة وليست النافية، و«ما» التي بعدها تصبح زائدة على قراءة التخفيف، و«عليها حافظ»؛ «عليها» خبر مقدم، و«حافظ» مبتدأ مؤخر، وجملة «عليها حافظ» في محل رفع خبر «كل».

هكذا نعربها؛ «عليها» خبر مقدم، «حافظ» مبتدأ مؤخر، وجملة «عليها حافظ» في محل رفع خبر المبتدأ الأول «كل». فعرفنا اللام الفارقة، و«ما» الزائدة، و«عليها حافظ» خبر «كل». هنا لاحظ كيف على هذه القراءة أُهملت «إن»، لم تعمل، وهذا هو الأكثر أنها لا تعمل، ودخلت اللام الفارقة.

الآية الثانية نفس الشيء: ﴿وَإِن كُلٍّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. «كل» مبتدأ، واللام فارقة، و«ما» هنا البعض جوّز أن تكون اسماً موصولاً، ولكن لكي تضطرد معك الأمور، قل «ما» زائدة، و«جميع» مبتدأ، و«محضرون» خبر، و«لدينا» الظرف متعلق بـ«محضرون» مقدم.

فتقدير الآية: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا لَمُحْضَرُونَ﴾. فـ«محضرون» مبتدأ، و«جميع» -عفواً- مبتدأ، و«محضرون» خبر، و«لدينا» متعلقة بالخبر «محضرون»، وجملة «جميع محضرون لدينا» هذه الجملة في محل رفع خبر «كل» بنفس الطريقة السابقة. وإن كان هناك أوجه أخرى، كما قلت هناك من يعد «ما» موصولية ويسلك إعراباً آخر.

الآن هاتان الآيتان مثل بهما ابن هشام لإهمال «إن» حين تخفيفها أو «إن» المخففة. أقول: مثل بهما ابن هشام لإيش قلنا؟ لـ«إن» المخففة في أي حالة؟ في حالة الإهمال. هكذا تكتب، لأنه الآية الثالثة لا، وضعها آخر. والدليل أنه وضعها آخر أنه فصل؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا لَمُحْضَرُونَ﴾.

الآن يريد أن يمثل على «إن» المخففة في حالة الإعمال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: 114]. لا، هي قراءة حفص عن عاصم، ليست قراءتنا في هذه الآية بسورة هود. قراءتنا في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾.

الآن قراءتنا أيها الأحبة في الحقيقة مشكلة من حيث الإعراب. القراءة المشهورة، قراءتنا، هي ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾؛ حيث إن «لما» هنا معناها أنه ليس «إن» كلا «لما» نافية، انتبهوا. في قراءتنا، لأن الآية ليست مكتوبة على قراءتنا، اكتبوها على قراءة حفص عن عاصم؛ القراءة التي نقرأ بها: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾.

«كلا» اسم «إن»، وهذه مشددة، «كلا» اسم «إن». و«لما»، هناك خلاف طويل على قراءتنا في مدلول «لما»، وذكر النسفي في تفسيره أن «لما» هنا فعل من «لم الشيء» بمعنى جمعه، يعني ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ جَمِيعاً﴾. والبعض يقول «لما» هنا مصدر، لم يقل النسفي إنها فعل، أعيد؛ «لما» قال هنا النسفي إنها مصدر، «لما يلم لما» يعني جمع الشيء، فـ«لما» هنا مصدر لما، ولماذا لم تنون إذا كانت مصدراً؟ أصلها أن تنون، قال تخفيفاً، وحقيقة فيها إشكاليات كثيرة، لا أريد إقحام الطالب فيها الآن من حيث الإعراب.

لكن أنا أريد القراءة التي تهمنا، والتي هي موطن شاهد ابن هشام، والتي قال فيها ابن هشام: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾، قرأ الحرميان وأبو بكر بالتخفيف والإعمال. واقرأوها كلها مع قول ابن هشام: «قرأ الحرميان». من الحرميان؟ من القارئان الحرميان؟ نافع المدني وابن كثير المكي، لذلك يسمونهم الحرميان؛ لأنه نافع من سكان المدينة أو مدني، وابن كثير مكي، فهذا معنى الحرميان؛ إذاً نافع وابن كثير المكي مع أبو بكر، قرأوا هؤلاء الثلاثة بماذا؟ بالتخفيف والإعمال.

أظن هنا الآية فيها مشكلة من حيث الكتابة النصية؛ لأنه قراءتنا: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾. والقراءة الثانية بتخفيف «إن» و«لما»، يعني ﴿إِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾. ولم يذكر النسفي قراءة ثالثة فيها، فتحتاج الكتابة هنا مراجعة المحقق؛ لأن هذه القراءة الثالثة هنا لم أجدها. يعني هو بتخفيف «إن» و«كل»، ويعني أيضاً ليست «كلا» مكتوبة هنا. فهذه، ما موضع هذه القراءة؟ يحتاج إلى إعادة النظر أيها الأحبة في كتابة هذه الآية هنا؛ لأنها هي الآية على قراءتنا حفص أو رواية حفص عن عاصم: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾.

والقراءة الثانية، قراءة الحرميين وأبي بكر، كيف جاءت؟ جاءت هكذا، اكتبوها، هي هذا موطن الشاهد: قراءة الحرميين وأبي بكر هي التي يريدها ابن هشام شاهداً، اكتبوها عندكم: ﴿إِنْ كُلٌّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾.

الآن «إن» هنا أيها الأحبة مخففة من «إن»، جميل؟ «كلا» هنا لماذا جاءت منصوبة؟ لأن «إن» هنا أعملت. فهذا موطن الشاهد أنه جاز الإعمال، لذلك قال ابن هشام: «بالتخفيف والإعمال»، هنا أعملت على قراءة الحرميين، «كلا» اسم «إن» المخففة من «إن». واللام هذه لام ماذا؟ اللام الفارقة، وما زائدة. «ليوفينهم»، إيش يا شيخ؟ في لام ثانية طلعت هنا؟ هذه لام القسم. يعني ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾، فهذه لام القسم. فهنا في أسلوب قسم أيها الأحبة، هناك جملة قسم محذوفة وهذه جملة جواب القسم، والدليل على جملة القسم المحذوفة لام القسم.

وجملة القسم بجزئيها المحذوفة والمذكور هي في محل رفع خبر «إن» المخففة. أنا أريدك أن تتعود الإعراب، ما في مشكلة، نأخذ وقتاً، لكن يعرف الطالب الإعراب أفضل من أن نسير والطالب لا يتمرس على إعراب خاصة مثل هذه الآيات المشكلة عليه. اللام فارقة، وما زائدة، واللام الثانية لام القسم «ليوفينهم»، هذا جواب قسم، طيب أين القسم؟ محذوف، التقدير: والله ليوفينهم، والله قسمي. والله قسمي، قسمي مبتدأ مؤخر، والله خبر مقدم، هذه جملة القسم محذوفة كلياتها، إيش الدليل عليها؟ لام القسم المذكورة في الجواب «ليوفينهم». فإذًا نقول جملة القسم، ما ذكر منها وما حذف، كل جملة القسم في محل رفع خبر «إن» المخففة من «إن»، واسم «إن» المخففة من «إن» هي «كلا».

هذه هي القراءة التي يريدها ابن هشام، لذلك قال: «وقرأ الحرميان وأبو بكر بالتخفيف». التخفيف في ماذا؟ يقصد بالتخفيف التخفيف في «إن» و«لما». التخفيف؛ لأن قراءتنا قراءة حفص ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾ بالتشديد في «إن» وفي «لما»، وقراءة الحرميين وأبي بكر بالتخفيف في «إن» وفي «لما»، فأصبحت «إن» مخففة من «إن» و«لما» أصبحت مخففة إلى «لما»، فالتخفيف مراده في بداية الجملة وفي منتصفها، والإعمال ﴿إِنْ كُلٌّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾. وأما ما كتب هنا فلم أجد عند النسفي؛ فالنسفي يهتم بذكر القراءات في الآية، لم يذكر إلا قراءة أو رواية حفص عن عاصم، وهي رواية الأكثر، وقراءة الحرميين وأبي بكر. وأما ما كتب هنا أظن يحتاج إلى نظر.

كم ذهب من المحاضرة؟ طيب، سريعاً أذهب إلى المسألة الثانية. إذا عرفنا أحكام «إن»، «إن» أيها الأحبة إذا خففت إلى «إنْ» يجوز إعمالها وإهمالها، والأكثر الإهمال، إذا أهملت يجب إدخال اللام على الخبر للتفريق بين «إنْ» المخففة و«إنَّ» النافية، أما إذا أعملت فلا يجب إدخال اللام على الخبر، انتهت القضية.

نذهب إلى الثاني الذي يخفف، الحرف الثاني، قال: «لكن»، قال: «فأما لكن مخففة على الحالية فتهمل». أيوة، «لكن» أيها الأحبة ريحنا فيها، «لكن» إذا خففت فأصبحت «لكنْ» تهمل، لا يعود لها عمل. قال: «وذلك لزوال اختصاصها»، لاحظوا هنا كأنه دمج الشرح مع المتن، ما أعاد الشرح المتن مرة أخرى في الشرح، قال: «وذلك» مباشرة في الشرح، كأنه يعلل عبارة المتن مباشرة، قال: «وذلك لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية»، أنا قلت لكم إن نظرية «إن» وأخواتها كلها قائمة.

عنده على قضية الاختصاص، فقال: لماذا أهملت؟ لزوال اختصاصها. أنت تقول يا شيخ إن هناك نظرًا في عبارة ابن هشام، لماذا أهملت؟ أنت تقول بما أنه إن وأخواتها ليس سبب إعمالها الاختصاص، أليس هكذا نقول؟ ليس سبب هذا الاختصاص.

عندما تخفف لماذا تهمل؟ نقول هكذا سمع عن العرب، أنا ما أحتاج أقول هكذا سمع عن العرب؛ سمع فيه، لكن إذا خففت الإهمال. وقد تجد تعاليلاً نحوية دقيقة، لكن أقول هكذا سمع، أنا لا أحتاج أن أبين أكثر من السماع العربي.

قال: ولكن ابن هشام يرى قضية الاختصاص هي موطن البحث، قال: وذلك لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية. إذاً، لكن إذا خففت إلى «لكنْ» تصبح «لكنْ» تدخل على الجملة الاسمية وعلى الجملة الفعلية، وبالتالي أيها الأحبة تهمل دائماً، لا تعمل أبداً.

قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 58]. لاحظ «لكنْ كانوا»، جاء بعد «لكنْ كانوا» و«كانوا هم الظالمين»، خلص هنا «لكنْ» مهملة لا تعمل، وإن كانت تفيد الاستدراك.

وقال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 163]. لاحظ «لكنَّ الراسخين»، الراسخون إعرابها مبتدأ، «يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك» الجملة الفعلية التي جاءت بعد ذلك هي خبر المبتدأ. لاحظ لو كانت عاملة لكانت «الراسخين»، لكنها هذا دليل على أنها لم تعمل.

قال: لماذا مثل بالآيتين؟ أراد أن يدلك على أنه «لكنْ» المخففة المهملة تدخل على جملة فعلية ومثل لها بالآية الأولى، وتدخل على جملة اسمية فمثل لها بالآية الثانية، فهذا دليل على زوال اختصاصها.

والآن الثالث مما يخفف: «أنْ» إذا خففت تصبح «أنْ»، ولكن «أنْ» إذا خففت فأصبحت «أنْ» يجب إعمالها. قال ابن هشام: «وأما أنْ التي هي مخففة من أنْ فتعمل وجوبًا، ويجب في غير الضرورة حذف اسمها ضمير الشأن، وكون خبرها جملة مفصولة إن بدأت بفعل متصرف غير دعاء بقد أو تنفيس أو نفي أو لو».

وهذا سيأخذ منا وقتًا في الشرح في بيان متى، أو شروط وضوابط «أنْ» المخففة حينما تعمل، هناك شروط وضوابط، لا أريد أن أسلقها سلقًا، ولا أريد أن أطيل الدرس أكثر من ذلك على المستمع، فندعها للدرس القادم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.