بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهدا لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا متقبلا صالحا.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري، رحمه الله تعالى عليه. وقد وقف بنا المسير أيها الأحبة في باب "ما النافية وأخواتها" التي تلتحق بـ "ليس"، إذ نحن الآن في نهاية باب "كان وأخواتها"، وهذا باب ملحق بباب "كان وأخواتها"، وفي الحقيقة هو فصل مستقل يلحق إلحاقا بباب "كان وأخواتها".
في آخر دروسنا، ربما في الثلاث أو الأربع دروس الأخيرة، تكلمنا عن "كان وأخواتها" وعرفنا أنها ترفع الاسم وتنصب الخبر، وعرفنا متى تكون ناقصة ومتى تكون تامة. وعرفنا أن أم الباب هي "كان"، لماذا هي أم الباب؟ لأنها تختص عن سائر أخواتها بأحكام خاصة بها لا توجد في باقي أخواتها. بعد أن بينا كل هذه الأحكام، اليوم سنختم بالكلام عن "ما وأخواتها".
"ما" أيضا لها أخوات، أخواتها التي تلتحق بـ "ليس" في أنها تدل على النفي وتعمل عمل "ليس"، ترفع الاسم وتنصب الخبر، لكن بشروط سنذكرها إن شاء الله تباعا. "ما" أيها الأحبة المراد بها هنا "ما النافية"، ما أداة النفي التي تدخل على الجمل الاسمية. "ما النافية" التي تدخل على الجملة الاسمية وأخواتها هي "لا" و"لات"، أخواتها "لا" و"لات". فسنتكلم عن "ما النافية" التي تدخل على الجملة الاسمية، و"لا" النافية التي تدخل على الجملة الاسمية، وسنتكلم عن "لات" أيضا، فهي أيضا حرف نفي تدخل على الجملة الاسمية. هناك أخت رابعة وهي "أن" النافية، إذ تأتي "أن" في اللغة العربية أداة نفي، لكن ابن هشام لم يتكلم عنها، وقد ذكرها ابن مالك في الألفية، لذلك لن نتكلم عنها نحن تبعا لابن هشام، وإنما سنختصر في الحديث على "ما" و"لا" و"لات". ولكن اعلم من باب الفائدة أن هناك "أن" نافية أيضا تعمل عمل "ما" في أنها ترفع اسما وتنصب خبرا. وهذه إن شاء الله إن كان في العمر بقية ندرسها في الألفية.
نبدأ إذا بما قال ابن هشام، رحمه الله تعالى عليه: "وما النافية عند الحجازيين كليس؛ إن تقدم الاسم ولم يسبق بأن ولا بمعمول الخبر إلا ظرفا أو جارا ومجرورا، ولا اقترن الخبر بأن، نحو: ما هذا بشرا".
إذن أيها الأحبة، نبدأ بالكلام عن أولى هذه الحروف وهي "ما". قال ابن هشام: "ما كليس"، يعني "ما" تعمل عمل "ليس". "ما" النافية، أيها الأحبة، ذكرنا سابقا أن مدلولها مدلول "ليس" في نفي الحال؛ "ما" النافية مدلولة مدلول "ليس" في أنها تنفي الحال، كما أن "ليس" تنفي الحال أيضا، ليس الماضي ولا المستقبل وإنما تنفي الحال.
لكن "ما" النافية حتى تعمل عمل "ليس"؛ إذا أردت أن تعبر بهذا أيضا، ليس عندي مشكلة، ترفع اسما وتنصب خبرا، لها شروط. أولا، قبل أن ندخل في هذه الشروط، نقعد قاعدة أن الذين يعملون "ما" عمل "كان وأخواتها" في رفع الاسم ونصب الخبر هم الحجازيون، وأما قبيلة بني تميم فإنهم لا يعملون "ما" عمل "ليس" أبدا. الذين يعملون "ما" النافية عمل "ليس" برفع الاسم ونصب الخبر بالشروط التي ستأتي هم الحجازيون، وأما التميميون فإنهم لا يعملون "ما" عمل "ليس" أبدا، يقولون: "ما" حرف نفي مهمل لا يعمل.
وفي الحقيقة الأصل هو قول التميميين. لماذا؟ أريد من طالب العلم أن يفكر: لماذا الأصل؟ إن "ما" النافية لا تعمل ليس لأنها حرف، إن أخواتها حروف تعمل، لكن لماذا الأصل في "ما" أنها لا تعمل؟ هذه ربما تكلمت عنها حين تكلمت عن الحروف؛ لأن القاعدة والأصل العام في الحرف المشترك الذي يدخل على الأسماء ويدخل على الأفعال أنه لا يعمل. مثل "ما" النافية قد تدخل على الأسماء: "ما قائمٌ"، وقد تدخل على الأفعال: "ما يضربُ محمدا"، كما مر معنا بـ "ما زال"، "ما فتئ"، "ما برح". إذن "ما" النافية تدخل على الأسماء وتدخل على الأفعال، فالأصل فيها أنها لا تعمل لأنها حرف مشترك.
لكن الحجازيين يعملونها، وقد جاء القرآن الكريم على لغة الحجازيين بإعمال "ما" النافية عمل "ليس" في موضعين. الموضع الأول في سورة يوسف: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31]، لاحظوا كيف "بشرا" منصوبة على أنها خبر "ما". وفي قوله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [الأحزاب: 4]، هذا الموضع الثاني الذي هو صريح في موافقة القرآن لمذهب الحجازيين في إعمال "ما" النافية. إذن الأصل في "ما" أنها لا تعمل كما قلنا لأنها حرف مشترك، ولكن جاء القرآن بإعمالها وهي لغة حجازية، وبالتالي نثبت أن القرآن قطعا هو الفصيح، فنقول: عملت على خلاف القاعدة. وكما درسنا سابقا ونكرر دائما، أغلب القواعد نؤصلها هي قواعد أغلبية لها استثناءات.
الذين يعملون "ما" عمل "ليس" هم الحجازيون ليس التميميون. والحجازيون حتى يعملوا "ما" عمل "ليس" في الرفع والنصب عندهم شروط، نبدأ بتعدادها شرطا شرطا، نسير مع ابن هشام. يقول ابن هشام في الشرح: "اعلم أنهم أجروا ثلاثة حروف من حروف النفي مجرى ليس حقيقة، وهي كما قلنا ليست ثلاثة حروف هي أربعة، لكن هو اقتصر على ثلاثة حروف. اعلم أنهم أجروا ثلاثة حروف من حروف النفي مجرى ليس في رفع الاسم ونصب الخبر، وهي: ما، ولا، ولات، ولكل منها كلام يخصها".
سأبدأ بشرح كل واحدة من هذه الأدوات الثلاث، ما هي شروط إعمالها وكيف تعمل؟ قال: "والكلام الآن فيما إعمالها عمل ليس"، قال: "وهي لغة الحجازيين". إذن هذه قاعدة ننطلق منها، أنها لغة الحجازيين وهي اللغة القويمة وبها جاء التنزيل. إذن ابن هشام يرجح لغة الحجازيين على لغة التميميين، لذلك هي اللغة القويمة، أي الأقوى في اللغة والأفصح، والدليل على هذا الإفصاح قال: "وبها جاء التنزيل". هذا هو الدليل أن القرآن يأتي على اللغة الأفصح عند العرب في الاستعمال. قال الله تعالى: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا * مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾.
هذان الموضعان هما فقط في القرآن الكريم استعملت فيهما "ما" النافية، أو أعملت "ما" النافية عمل ليس بشكل صريح. هناك مواضع تحتمل، لكن هذان الموضعان استعملت فيهما "ما" النافية وأعملت عمل ليس بشكل صريح؛ لأن الفتحة ظاهرة على «بشرٍ» والكسرة طبعاً في «وهنَّ أمهاتهم».
الطالب المبتدئ الذي لا يضبط أساسيات النحو يقول: «ما أمهاتهم»، يا شيخ! أمهاتهم مجرورة. ماذا تقول له؟ هذا جمع مؤنث سالم، وجمع المؤنث السالم ينصب بالكسرة؛ هذا جمع مؤنث سالم منصوب بالكسرة، هذا سابقاً تأصيل لا أحتاج إلى تكراره.
ثم قال: «ولا إعمالها عندهم ثلاثة شروط». ما هي الشروط؟ أولاً: أن يتقدم اسمها على خبرها. جميل، هذا هو الشرط الأول. إذاً "ما" النافية أيها الأحبة حتى تعمل عمل ليس، لا يجوز أن يتقدم خبرها على اسمها، بل يجب أن يكون الاسم أولاً ثم يأتي بعد ذلك الخبر.
لماذا أيها الأحبة؟ لأن "ما" النافية ما لها عمل ليس فرع، ليس أصلاً، الأصول هي "كان وأخواتها" و"ما وأخواتها". "ما" ولا "لا" ما لها عمل ليس برفع الاسم ونصب الخبر، هذا فرع. والفرع في الحقيقة لا يقبل من التسامحات والتوسعات ما يقبل الأصل. فـ "كان وأخواتها" متجذرة في رفع الاسم ونصب الخبر، متجذرة قوية تقبل التوسعات بتقديم الخبر وتأخير الاسم، تقبل هذه التوسعات حتى تقدم كما ذكرنا، تقبل تقدم الخبر على كل "كان" مع اسمها؛ لأنها متجذرة في العمل فهي قوية فيه.
أما "ما" و"لا" فضعيفة، ليست متجذرة في العمل، ولأنها ضعيفة يلزمونها الأصول، يقولون: "ما ضعيفة وإنما ألحقناها إلحاقاً بليس"، فلا نتوسع فيها كما كنا نتوسع في "كان وأخواتها". فلا يجوز في "ما" حتى تعمل عمل ليس أن يتقدم الخبر ويتأخر الاسم، بل يجب أن يكون الاسم في البداية ثم يأتي بعده الخبر. إذاً هذا الشرط الأول: أن يتقدم الاسم على خبرها.
يعني الطالب لما يقرأ: «أن يتقدم اسمها على خبرها»، قد يقول: يا شيخ، الوضع الطبيعي أن الاسم قبل الخبر. نقول: نعم، هو يريد أن يقول لك لا يجوز في "ما" أن تؤخر الاسم عن الخبر بل يجب التقديم، فهنا "أن يتقدم" أي يجب أن يتقدم اسمها على خبرها حتى تعمل.
الشرط الثاني قال: «وألا تقترن بإن الزائدة ولا خبرها بإلا». الشرط الثاني الذي ذكره ابن هشام هو أن لا تأتي بعد "ما" النافية "إن" الزائدة. أيها الأحبة، سُمح في لسان العرب بعد "ما" النافية زيادة "إن"، يقولون: «ما إن محمد قائم»، لاحظوا «ما إن محمد قائم»، طبعاً هذا ليس كثيراً؛ لذلك استغربت تقول: «ما إن محمد قائم»، هذا وارد في لسان العرب، لكن هذه "إن" الموجودة بعد "ما" ما نوعها؟ نقول: هذه "إن" الزائدة أُتي بها للتوكيد.
إذا قلت: «ما إن محمد قائم»، هنا لا يجوز أن أعمل "ما" عمل ليس؛ لأن "ما" لا تقوى على العمل لوجود "إن" الزائدة بعدها. فإذاً الشرط الثاني حتى تعمل "ما" عمل ليس ألا يُسمع بعدها "إن" الزائدة.
الشرط الثالث من شروط "ما" النافية هو «ألا يبطل نفيها». كيف يبطل النفي في "ما" النافية؟ هذه ذكرناها سابقاً عندما تكلمنا أن شرط فاء السببية أو واو المعية حتى ينصب الفعل المضارع بعدها أن يكون النفي محضاً، أي ألا يبطل النفي.
ذكرنا أن هناك صورتين لإبطال النفي؛ إحداهما أن يأتي بعد النفي "إلا" التي تفيد الحصر، فإذا دخلت بعد النفي فإنها تبطل مفهوم النفي ويصبح معنى الجملة الإثبات. مثال ذلك قال تعالى: ﴿مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144]. محمد مبتدأ، ورسول خبر، قالوا لم تعمل "ما" لأن النفي بُطل بإدخال "إلا". كيف بطل النفي؟ بإدخال "إلا" الحاصرة، فبطل النفي حينما دخلت وأصبح معنى الجملة الإثبات مع الأصل، فالجملة تثبت أن محمداً رسول لكن استخدمت أسلوب الحصر. طبعاً هذا الحصر نسبي وليس حصراً حقيقياً. المهم أن "ما" لنا في إبطال نفيها بإدخال "إلا"، فصارت الجملة في النهاية محصلتها الإثبات وليس النفي، فإذا بطل النفي بإدخال "إلا" لا تعمل "ما" عمل ليس، ويصبح عندي محمد مبتدأ ورسول خبر.
لذلك قال: «وألا يقترن خبرها بإلا». الشرط الثالث ألا يدخل على النفي "إلا" أيها الأحبة. "أعمال ليس عملت ما دون إن مع باقي النفي وترتيب ذكر"، هكذا قال ابن مالك في شطر واحد جمع لنا شروط إعمال "ما"، وهذا يدل على أهمية الحفظ أيها الأحبة. العلم لا يؤتى إلا بالحفظ، فاحفظ؛ فكل حافظ إمام.
العلم لا ينال فقط أن تقرأ كتاباً مثل "قطر الندى" وتدرسه محققاً من دون أن تحفظ ألفية في فن النحو، أو أصول الفقه، أو الفقه، أو الاعتقاد، أو الصرف، أو البلاغة. لابد أن تحفظ، تختار كتاباً موسعاً جيداً في الفن وتحفظ هذا الكتاب. لماذا؟ لأنكم أيها الإخوة لاحظتم أننا ما زلنا قريبين من منتصف الكتاب، والشروط التي ذكرناها والضوابط من نواصب المضارع إلى جوازم المضارع إلى المبتدأ والخبر إلى "كان وأخواتها"؛ المسائل كبيرة، فكيف تحصل وتضبط لطالب العلم؟ إنما تضبط من خلال الحفظ، فيحفظ الطالب أصلاً في الفن، هذا الأصل يساعد الطالب على التذكر مهما ابتعد عن المادة العلمية أو انشغل أو طرأ له عارض. أما الطالب الذي يكتفي بضبط الدرس، ثم بعد شهرين تنتهي الدورة، فماذا سيفعل؟ سيجد أنه قلّ أن يعود كثيراً لـ "قطر الندى" ويراجع كل الضوابط، أما الطالب الذي يحفظ ابن مالك ويحفظ الشروط والضوابط من خلالها، فربما في ساعة واحدة بين المغرب...
يراجع الألفية، يتذكر جميع الضوابط والشروط، جيد؟ فالحفظ مهم أيها الأحبة في ضبط العلوم. جملته: قال ابن هشام، وابن مالك عندهم ثلاثة شروط؛ أولاً: أن يتقدم الاسم على خبرها. ثانياً: ألا تقترن بـ (إنَّ) الزائدة ولا خبرها بـ (أل) الزائدة، هذا الشرط الثاني. الشرط الثالث: وألا يقترن خبرها بالتاء، مثل: «ما محمدٌ إلا رسولٌ»، فلهذا أُهملت في قولهم في المثل: «ما مسيءٌ من اعتب».
الآن لاحظوا: «ما مسيءٌ من اعتب»، لماذا هنا؟ أين الخبر وأين الاسم؟ أولاً: أين الخبر وأين المبتدأ؟ المبتدأ في هذه الجملة هو الاسم الموصول «ما»، وهو بمعنى مبتدأ مؤخر، و«من اعتب» هذه الجملة بصفة الموصول، و«من اعتب» هو الخبر المقدم، وهو «مسيءٌ».
جميل، في هذه الجملة نلاحظ أن الخبر جاء متقدماً والمبتدأ جاء متأخراً، وبالتالي اختل شرط إعمال «ما» عمل «ليس»، فلا تعمل. لو عُمِلت لكانت بالجملة: «ما أسأتُ»، لكن لما جاءت «ما مسيءٌ» عرفنا أن «ما» هنا لن تعمل. والدليل على أن «ما» الموصولة هي المبتدأ أنها معرفة، و«مسيءٌ» نكرة، وجميل، المبتدأ هو الذي يكون معرفة وليس الخبر، وليس الذي جاء عندنا في جملة وهناك فيها معرفة؛ الذي يكون مبتدأ هو المعرفة، والنكرة نجعلها هي الخبر. فالذي يدل على أن «مسيءٌ» هي الخبر أنها نكرة، و«ما» الموصولة معرفة فهي التي تكون مبتدأة في هذه الجملة. لذلك قال: فلهذا أُهملت في المثل «ما مسيءٌ من اعتب» لتقدم الخبر.
وفي قول الشاعر: ما إن أنتم ذهبٌ ولا صريفٌ ... ولكن أنتم الخزفُ ويشتم بهؤلاء القوم، يقول لهم: بني غدانة، أنتم لستم ذهباً ولا صريفاً، أي لستم فضة، ولكن أنتم ماذا؟ أنتم الخزف، وهو يشتمهم ويذمهم ويهجوهم. الآن: «ما إن أنتم ذهبٌ». «أنتم» مبتدأ، و«ذهبٌ» خبر. طيب، لماذا لم تُنصب «ذهبٌ»؟ لماذا لم يقل: «ما أنتم ذهباً» فيجعل «ذهب» خبر «ما» النافية؟ نقول بسبب زيادة «إنْ» بعد «ما». «إنْ» هنا زائدة لا تعمل عمل «إنَّ»، وإنما هي للتوكيد. طبعاً الشاعر لما أتى بها هنا هو يريد معنى بلاغياً، هو يريد أن يؤكد الهجاء، هو يريد أن يؤكد أيهما أقوى: أن تقول «ما أنتم ذهبٌ ولا صريفٌ» أم «ما إن أنتم ذهبون»؟ هذه أقوى، يعني أن الشاعر من كل قلبه هجا هذه القبيلة، فجاء لتأكيد الذم والهجاء.
فالوجود في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرْنَا إِلَّا وَاحِدَةً﴾، في كلا الآيتين، لماذا لم تعملها؟ كم طرق عليها الاسم وتنصيب الخبر؟ بسبب إبطال النفي بـ «إنْ».
ثم قال: وبنو تميم لا يعملون «ما» شيئاً ولو استوفى الشروط الثلاثة، بل وتميم إذاً لا يعملون «ما» أبداً عمل «ليس»، يقولون: ما زيدٌ قائمٌ، فقط، فيقولون: «ما زيدٌ قائمٌ»، ويقرؤون الآيات القرآنية التي سبقت بالرفع في الخبر، مثل: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا﴾ و﴿وَمَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، هكذا في هذه الآية. لكن طبعاً القراءة بلغة بني تميم قراءة شاذة، ليست من القراءات المتواترة، وإنما هي بالقراءات الشاذة قراءة بني تميم.
الآن بقيت قضية واحدة أشار إليها ابن هشام في المتن ولم يشر إليها في الشرح، وإن استغربت لماذا لم يشر إليها في الشرح؛ فإما أنه اقتصر على المبدأ فقط، وإما أنه ربما انتقل إلى تدوير ما بعدها ونسي أن يعلق عليها. وهي ملحوظة متعلقة بالشرط الأول. الشرط الأول قلنا ما هو أيها الأحبة حتى تعمل «ما» عمل «ليس»؟ ما هو الشرط الأول؟ الشرط الأول أن يتقدم الاسم ويتأخر الخبر. قلنا إذا تقدم الخبر وتأخر الاسم بطل العمل، أليس كذلك؟
لكن الآن أيها الأحبة هناك قضية تجوز في «ما» النافية أشار إليها ابن هشام، اقرأ المتن مرة أخرى، ابن هشام ماذا يقول في المتن؟ يقول: «ما النافية عند الحجازيين تعمل، إن تقدم الاسم... والشرط الثاني: وألا يسبق الاسم بـ (إنْ) ولا بمعمول الخبر إلا ظرفاً أو جاراً ومجروراً». هذه القضية، ما معنى قوله: «إلا ظرفاً أو جاراً ومجروراً»؟
الآن أيها الأحبة، لو كانت هذه الجملة: «ما أنتَ معنيًّا»، أنا التي أريد أن أعمل «ما» عمل «ليس»، فتقول: «ما أنتَ معنيًّا». «ما» النافية، «أنتَ» ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم «ما»، «معنيًّا» خبر «ما» منصوب وعلامة نصبه الفتحة. والجار والمجرور (بالياء) متعلق بماذا؟ بـ «معنيًّا»، إذ هو من معمولات «معنيًّا». «ما أنتَ معنيًّا» يعني: أنت لست معنيًّا.
الآن الشرط الأول، وربما يجب التقدم والنقص، لو أن «معنيًّا» تقدمت وأنت تأخرت ماذا سيحدث في «ما»؟ لن تعمل. لكن لو أنني قدمت معمول الخبر، ركز العبارة: لو أنني قدمت معمول الخبر -والخبر لازم يتأخر- لكن لو أنني لعبت بمعمول الخبر؛ اللعب صار بمعمول الخبر، لو أني قدمت معمول الخبر على الاسم، فقلت: «ما معنيًّا أنتَ؟»، هل يجوز هذا أم لا يجوز؟ هذه الصورة أيها الأحبة يجوزها الحجازيون، يجوزون أن تعمل «ما» عمل «ليس» وتنصب الخبر مع تقدم معمول الخبر على الاسم، يقولون هذه الصورة لا مشكلة فيها. لكن هناك شرط: أن يكون معمول الخبر الذي تقدم على الاسم إما جاراً ومجروراً أو ظرفاً (ظرف زمان أو ظرف مكان).
حتى نبيح تقدم معمول الخبر على الاسم، يشترط أن يكون هذا المعمول إما جاراً ومجروراً أو ظرفاً. مثل: «ما محمدٌ جالسٌ فوقَ السطحِ»، «فوقَ» ظرف مكان، وهو معمول للخبر «جالسٌ»، لأنه هو الذي رتبها على الظرفية.
الضعف هنا متعلق بجائزة جالساً هي التي نصبتها على الخلفية المكانية. هل يجوز أن أقول: «ما فوق السطح محمدٌ جالساً» وأخفي "ما" النافية عاملة؟ إيش رأيكم؟ يجوز ولا لا يجوز؟ يجوز. لماذا؟ أنا هنا ماذا فعلت؟ معمول الخبر وهو ظرف المكان قدمته على الاسم، فمسكته "فوق" قبل "محمد"، فأصبحت: «ما فوق السطح محمدٌ جالساً».
هل يجوز؟ يجوز إذا الحجازيون يجوزون تقديم معمول الخبر إذا كان هذا المعمول ظرفاً أو جاراً ومجروراً. خذوا هذه الصورة: «ما بكرٌ محمدٌ ضارباً». بكر هنا مفعول به لاسم الفاعل "ضارب"، إذاً هو من معمولات "ضارب". هل يجوز أن آتي بمعمول الخبر في هذه الحالة، وهو كلمة "بكر"، وأقدمها على الاسم فأقول: «ما بكرٌ محمدٌ ضارباً»؟ لا يجوز؛ لأن معمول الخبر في هذه الصورة ليس ظرفاً ولا جاراً ومجروراً.
إذا كان معمول الخبر ليس ظرفاً ولا جاراً ومجروراً، أيضاً لا يجوز تقديمه على الاسم، كما لا يجوز تقديم الخبر أصلاً على الاسم. أما إذا كان معمول الخبر ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فيتوسعون ويبيحون تقدمه على الاسم. لماذا أيها الأحبة؟ لماذا الظرف أو الجار والمجرور إذا كان هو المعمول يجوز تقديمه، وإذا كان معمول الخبر سوى ذلك لا يجوز تقديمه؟
لقد تذكرتها سابقاً لكم وذكرها هي من يتذكرها؛ قال ابن هشام سابقاً إن العرب يتوسعون في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسعون في غيره. هذه قاعدة مسبقة، إذا رأينا هذه القاعدة حينما علق ابن هشام على قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَّا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ ليس مصروفاً عنه؛ فقالوا: يجوز تقدم "يوم" عليها، واستدلوا بهذه الآية، قالوا: تقدم "يوماً" وهي من معمولات الخبر مصروف، فتقدم المعمول يؤذن بتقدم العامل. هكذا قلنا.
رد عليهم ابن هشام؛ تقدم المعمول ليس دائماً يؤذن بتقدم العامل، بل إذا كان المعمول ظرفاً أو جاراً ومجروراً فإنهم يتسامحون ويتوسعون في ما لا يتوسعون في غيره فقط، هذا هو الموضوع، فتقدمهما لا يؤذن بتقدم معمولهما. وهذا أيضاً يرد هنا؛ يقول القائل: يا شيخ، أنت قلت لا تجوز تقدم "معنياً" كلها، أليس تقدم المعمول يؤذن بتقدم العامل؟ نقول: هذه القاعدة لا تطبق في حالة كون المعمول ظرفاً أو جاراً ومجروراً؛ لأن الظرف أو الجار والمجرور يتوسعون في تقديمهما وتأخيرهما والتلاعب بهما ما لا يتوسعون في غيرها من المعمولات، فتقدمهما لا يدل ولا يؤذن بتقدم العامل فيها. هذا كلام سليم أفهمه وأعلم تعديلاته.
المهم أن تكون القاعدة النهائية: معمول الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً يجوز تقدمه مع بقاء عمل "ما"، أما إذا كان معمول الخبر ما سوى الظرف والجار والمجرور فلا يجوز تقدمه مع بقاء عمل "ما". وهذا معنى كلام ابن هشام في "الموضح" الذي لم يتطرق إليه بالشرح ولعله غفل عن سعاده شرحه مرة أخرى.
انتقل الآن إلى الأداة الثانية في المحاضرة، ما شاء الله. يقول ابن هشام رحمه الله: "وكذا لا النافية في الشعر بشرط تنكير معموليها". نعم: تعزى فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا
الحرف الثاني مما يعمل عمل ليس، يرفع الاسم وينصب الخبر، هي "لا" النافية أيها الأحبة. ولأنها أيضاً أصلها حرف، نقول حقها لا تعمل في الأصل؛ لأنها حرف مشترك يدخل على الأسماء ويدخل على الأفعال، لكن بما أنه سُمع عن العرب عملها، فنقف مع لسان العرب ونعتبره استثناءً من القاعدة العامة.
يقول الشاعر: «تعزى فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا». ما الدليل في هذا البيت على إعمال "لا" عمل ليس؟ "شيءٌ" مرفوعة، فهي اسم لها، و"باقياً" منصوبة، ما الذي نصبها؟ قالوا: لا يوجد شيء يمكن أن ينصبها إلا "لا" النافية عملت عمل ليس، فـ "باقياً" الخبر. كذلك في الشطر الثاني: «ولا وزر مما قضى الله واقيا»؛ "وزرٌ" اسم "لا" مرفوع بالضمة، و"واقياً" خبر "لا" منصوب بالفتحة. انتهى الأمر.
لكن هل "لا" النافية تعمل بشروط مثل "ما" ولا تعمل من دون شروط؟ لا، هناك شروط لإعمال "لا". انظروا ماذا قال ابن هشام في "أوضح المسالك" عن "لا" النافية؛ قال: "ولإعمالها عندهم خمسة شروط". إذاً "لا" فيها شرط زائد، لها خمسة شروط ليس فقط ثلاثة.
ما هي شروطنا؟ قال أولاً: أن يتقدم اسمها، وهذا مثلها مثل "ما" النافية حتى تعمل عمل ليس لا بد أن يأتي في البداية الاسم ثم بعد ذلك الخبر، ولا يجوز تقدم الخبر على الاسم، لابد أن يأتي الاسم في البداية ثم الخبر.
الثاني: ألا يقترن خبرها بـ "إلا"، يعني ألا يُقَلّ نفيها. كيف يُقَلّ النفي؟ إذا جاء بعد "لا" أداة الحصر "إلا"، مثل: «لا رجل إلا بكر»، أو مثلاً: «لا وزر إلا فلان». وفي هذه الحالة لا تعمل "لا"؛ لأن نفيها تم إبطاله بـ "إلا".
الثالث: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين. هذا شرط، فلا يجوز أن أقول بعد "لا" النافية: «لا محمدٌ قائماً»، خطأ؛ لأنه لكي تعمل "لا" عمل ليس لابد أن يكون الاسم نكرة والخبر نكرة. قد تقول: يا شيخ، هو لا يجوز الابتداء بالنكرة، قد يكون الاسم نكرة، فنقول: أحسنت، هنا الاسم وقع نكرة في سياق النفي، والنكرة كما ذكرنا في سياق النفي فهذا مما يجوز الابتداء بالنكرات. يقول لي: «لا رجلٌ قائماً»، طب يا شيخ، أنتم قلتم في فلسفة المبتدأ والخبر إنه لا يجوز الإخبار عن مبتدأ حتى يكون هذا الاسم المخبر عنه معلوماً.
إذا كان نكرة لن يكون معلوماً. فنقول لكن تتذكر أننا قلنا إن النكرة كيف تصبح معلومة؟ النكرة تصبح معلومة أو في حكم المعلومة إذا عُمم أو خُص، وقلنا صور عمومها تقع في سياق نفي أو استفهام. كون النكرة وقعت في سياق نفي واضح، مثل: «لا رجلَ قائماً».
يكون اسمه وخبرها نكرتين. الشرط الرابع والأخير، انظروا إلى شرط مهم: وأن يكون ذلك في الشعر لا في النثر. هذا شرط يدل على أن عمل «لا» ليس كعمل «ليس»، إذ لا يرد إلا في الشعر، ولم يُسمع عن العرب في النثر، يُسمع في الشعر ولا يُسمع في النثر.
طبعاً هذا الشرط الرابع في الحقيقة مختلف فيه؛ البعض جوّز عملها في الشعر وفي النثر، والبعض يخص عملها بالشعر فقط كما فعل ابن هشام -رحمة الله تعالى عليه- وأنا لا أتبع ابن هشام فأقول، إذاً هذا الشرط الرابع أن يكون ذلك بالشعر لا في النثر.
طيب يا شيخ، هناك شرط ذكره في «ما» ولم يشترطه في «لا»، ما هو؟ شوفوا، أن يتقدم الاسم، هذا مشترك بين «ما» و«لا». ألا يقترن الخبر بـ«إلا»، هذا مشترك بينهما. لكن الشرط الثالث في «ما»؛ أي: ألا تأتي بعد «ما» الزائدة. لماذا لم يُشترط هنا في «لا» أن لا يأتي بعد «أن» زائدة؟ لأن «أن» الزائدة لا تأتي بعد «لا» النافية.
الآن بدأ يبين يقول: فلا يجوز إعمالها بنحو «لا أفضلَ منك أحدٌ»، لماذا لا يجوز إعمالها؟ أنا -عفواً تعبيري الأسلم- أقول لماذا لا يجوز الإعمال؟ هنا تأخر الاسم وهو «أحد»، وتقدم الخبر وهو «أفضلُ منك». الجملة أصلها: «لا أحدَ أفضلُ منك». لو أنه قال: «لا أحدَ أفضلُ منك» لأصبنا «أفضلَ» على أنها خبر «لا». لكن لما أخّر الاسم وقدّم الخبر فقال: «لا أفضلَ منك أحدٌ»، اضطررنا -أيها الأحبة- أن نلغي عملها. لذلك قال: لا يجوز إعمالها. هي جملة صحيحة -انتبه، الجملة صحيحة- لكن لا يجوز إعمال «لا»؛ فيجب الرفع: «أفضلُ» خبر مقدم، و«أحدٌ» مبتدأ مؤخر.
ثم قال: «ولا في نحو لا أحدٌ إلا أفضلُ منه». لماذا هنا لا يجوز إعمالها؟ لأن نفيها تم إبطاله بـ«إلا». الجملة صحيحة لكن لا نعمل «لا»، فنقول: «أحدٌ» مبتدأ، و«أفضلُ» خبر، و«إلا» أداة حصر، و«لا» نافية مهملة. نافية مهملة لا تعمل.
ولا في نحو: «لا زيدٌ قائمٌ ولا عمروٌ». لماذا لا يجوز إعمالها؟ لأن المبتدأ هنا جاء معرفة، وهو «زيد»، وشرط الإعمال أن يكون اسمها وخبرها نكرتين.
ولهذا غلط المتنبي في قوله: إذا الجودُ لم يرزقْ خلاصاً من الأذى ... فلحمدٌ مكسوباً ولا المالُ باقياً جميلُ
«فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقياً». ما المشكلة في المتنبي؟ أين أخطأ المتنبي؟ الاسم جاء معرفة، أي أن المبتدأ جاء معرفة؛ «الحمد» معرف بأداة التعريف. فالمتنبي عرّف المبتدأ، ومع ذلك أعمل «لا» عمل «ليس»، فرفع الاسم ونصب الخبر: «فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقياً». فهذا الذي أخطأ فيه.
لكن في الحقيقة يصعب تخطئة المتنبي في هذه القضية؛ لأن هذا الشرط، وهو أن يكون الاسم نكرة والخبر نكرة، هذا الشرط أيضاً ليس متفقاً عليه تماماً وإن كان الأكثر عليه، لكن ليس متفقاً عليه تماماً. تبالغ في الشرح أيها الأحبة، فقد جوّز أن يكون اسم «لا» النافية معرفة، فبالتالي هناك طائفة من النحاة تجوز إعمال «لا» عمل «ليس» ولو كان الاسم معرفة، فتخطئة المتنبي أظن أنها تحتاج إلى نظر. تختلف المتنبي، تحتاج إلى نظر، أن تكون المتنبي نحى هذا المنحى، وإن كان الأكثر على هذا الشرط.
قال: «وقد صرحت بالشرطين الأخيرين، ووكلت معرفة الأولين إلى القياس على ما». أين هي؟ وبعد ماذا يتكلم؟ «وقد صرحت بالشرطين الأخيرين، ووكلت معرفة الأولين إلى القياس على ما في المتن». أنا في المتن صرح بالشرطين الثالث والرابع، ووكل معرفة الشرطين الأولين للقياس.
لاحظوا عبارة «وكذا»؛ ابن هشام دقيق أيها الأحبة، لا توجد كلمة في متنه -أو في أغلب المتن- إلا ولها دلالة يريدها. قال: «وكذا لا». لاحظوا كيف قاس «لا» بـ«ما»؛ «وكذا لا» أي لا تشبه «ما» في عملها بالشروط، لكنه صرح بالشرطين الأخيرين لأنهما لا يوجدان في «ما»، ويوجدان في «لا» فقط.
«ووكلت معرفة الأولين إلى القياس على ما». لأن «ما» أقوى من «لا»، ولهذا تعمل في النثر، بخلاف «لا» التي لا تعمل إلا في الشعر. هو يبين لماذا اختصت بشرطين لا يوجدان في «ما»؟ لماذا اختصت بأنها تعمل في الشعر فقط ولا تعمل في النثر بخلاف «ما»؟ لأن «ما» أقوى من «لا»، لذلك تعمل في النثر والشعر، وأما «لا» أضعف فلا تعمل إلا في الشعر.
قال: «وقد اشترطت في ما أن لا يتقدم خبرها ولا يقترن بـإلا». أشعر هنا -يعني أنا أفهم ماذا يريد في الكلام والتعليل- لكن أشعر كأن هناك إشكالية في ترتيب النص. «وقد صرحت بالشرطين الأخيرين، ووكلت معرفة الأولين إلى القياس على ما»؛ لأن «ما» أقوى من «لا» ولهذا تعمل في النثر، موضع هذا التعليل هل تجدونه سليماً؟ لا نشعر به.
جميل، لكن لماذا ذكر هذا التعليل في هذا الموضع؟ الإشكال في «صرحت بالشرطين الأخيرين ووكلت معرفة الأولين إلى القياس على ما لأن ما أقوى من لا ولهذا تعمل في النثر». أنا أريدها هكذا، لمحت شيئاً؛ هو يريد أن يقول لماذا وكّلت معرفة الأولين إلى القياس على «ما»؟ يعني لماذا جعلت «ما» أصلاً؟ فهمتم الإشارة؟ ماذا يقول؟ «ووكلت معرفة الشرطين الأولين بالقياس على ما»، لماذا جعلت «ما» أصلاً لا فرعاً تقاس عليه؟ قال: لأن «ما» أقوى، لهذا جعلت «ما» أصلاً وجعلت «لا» فرعاً. طيب ما الدليل على أن «ما» أقوى من «لا»؟ أنها تقوى على العمل في النثر والشعر، لا «لا» التي لا تقوى إلا على العمل في الشعر كما ذكرت سابقاً. هذا الذي يريد أن يقول، وهذا مناسب للتعليم هنا فتكون واضحة.
ثم قال: «وقد اشترطت في ما أن لا يتقدم خبرها ولا يقترن بإلا»، هذا تكميلاً لكلامه؛ يعني «ووكلت معرفة الأولين إلى القياس».
لأن ما أقوى ملة، فلهذا جعلتها أصلاً تقاس عليه. ولهذا ودليل قوتها أنها تعمل في النثر والشعر في أيديك إليهما. وقد اشترطت في «لا» ألا يتقدم خبرها ولا يقترن بالفاعل، فعليك أن تشترط هذين الشرطين في «لا» وهو الفرع، فإذا كان الأصل -وهو الأقوى- يشترط هذين الشرطين، فالفرع من باب أولى أن يشترط فيه هذين الشرطين.
فورد سؤال: طب إن أنت اشترطتها فيما، ولو تشترطها في «لا»؟ قال: أما اشتراط ألا يقترن الاسم بإذن زائدة فلا حاجة له هنا؛ لأن اسم «لا» لا يقترن به. عرفت كأنه هناك سائل: طب أنت هناك اشترطت ألا يأتي بعد «ما» زائدة ومنافي ما اشترطها؟ فإذا أنت لم تقس قياساً كاملاً، نقول لا، أنا لماذا لم أذكر هذا الشرط في الشرح ولم أقف قياساً كاملاً؟ لأن «لا» لا ترد أصلاً بعد «ما»، فلا حاجة إلى اشتراط هذا الأمر.
ننتقل إلى الثالثة: «لات»؛ يقول ابن هشام: «لات» تعمل عمل «ليس»، لكن في الحين، ولا يجمع بين جزئيها، والغالب حذف المرفوع، نحو ﴿وَلَا تَحِينَ مِنَاصٍ﴾ [ص: 3]. أيها الأحبة، من الأحرف التي تعمل عمل «ليس» هي «لات»، وهذه في الحقيقة هي «لا» النافية دخلت عليها تاء التأنيث الساكنة. دخلت على ثلاثة أحرف، وسُمِع دخولها على «لا» النافية، فتقول «لات»؛ تاء التأنيث هذه تاء تأنيث متحركة ليست ساكنة، ولو كانت ساكنة كان عندنا مشكلة.
ما المشكلة التي ستنتج لو كانت تاء التأنيث هذه ساكنة؟ المشكلة تتعلق بعلامة الفعل الماضي؛ فالفعل الماضي ما علامة دخول تاء التأنيث الساكنة عليه؟ لو أن تاء التأنيث الساكنة تدخل على الحرف لما أصبحت تاء التأنيث الساكنة علامة على الفعل الماضي، لأن العلامة أن تكون مختصة بالكلمة لا توجد في غيرها. فلو كان تاء التأنيث الساكنة تدخل على شيء سوى الفعل الماضي لما أصبحت علامة للفعل الماضي؛ شرط العلامة أن توجد في الكلمة ولا توجد في غيرها، فحينما نقول تاء التأنيث الساكنة علامة الفعل الماضي، إذاً لا يجوز أن تأتي في أي كلمة عربية إلا بالفعل الماضي. ولذلك قيدوا الفعل الماضي بما دخلت عليه تاء التأنيث الساكنة.
أما تاء التأنيث المتحركة فلا تختص بالأفعال بل تدخل على الحروف، والدليل أنها تدخل على ثلاثة حروف، وهي: «لا» النافية، ثم العاطفة (ثم)، وتدخل على حرف الجر (رب)، فتقول: «لات»، «ثم»، «ربت». وسُمِع في هذه الأحرف الثلاث دخول تاء التأنيث المتحركة. وأيضاً تاء التأنيث المتحركة أيها الأحبة تدخل على الأسماء، مثل: «امرأة قائمة»، وتدخل على الفعل المضارع في مطلعه، مثل: «هند تضرب»، فهذه تاء تأنيث الفاعل. فتاء التأنيث المتحركة الحمد لله تأتي في الأفعال، وتأتي في الفعل المضارع، وتأتي في الأسماء، وتأتي في الحروف، أما تاء التأنيث الساكنة هي التي تختص بالفعل الماضي.
إذاً، «لات»، «ثم»، «ربت»؛ لماذا تدخل عليها تاء التأنيث؟ ما الفائدة؟ يقولون فائدتها مجرد تأنيث اللفظ أو المبالغة، إما للمبالغة في النفي أو في العطف أو في الجر، أو لتأنيث لفظ الكلمة وليس مدلولها؛ لأن في النهاية هذه الأحرف لا تدل على معنى في نفسها حتى يؤنث، وإنما جاءت لتأنيث اللفظ كما يقولون، أو للمبالغة في النفي أو العطف أو الجر بحسب الحرف التي تدخل عليه.
«لات» زائدة عرفنا أنها «لا» النافية دخلت عليها التاء، فما شرط إعمالها؟ يقولون لك أيها الأحبة: شرط إعمالها أن يكون اسمها لفظ «الحين» وأن يكون خبرها لفظ «الحين»؛ أن يكون اسمها لفظ «الحين» وكلمة «حين»، وخبرها أيضاً كلمة «حين». ثم نحذف أحد الجزئين، إما أن نحذف الاسم وإما أن نحذف الخبر، والأكثر أن يحذف الاسم ويبقى الخبر.
قال: وشرط إعمالها أن يكون اسمها وخبرها لفظ «الحين»، والشرط الثاني أن يحذف أحد الجزئين والغالب أن يكون المحذوف اسمها لقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا لَا حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]. ما معنى هذه الآية؟ «لا حين» هذا اسم «لات» محذوف، طبعاً في الآية ما ذكر، و«مناص» هي خبر «لات» منصوب وعلامة نصبه الفتحة، يعني ليس الوقت وقت مناص، انتهى كل شيء، والتقدير والله أعلم: «أن ليس الحين حين مناص».
وقد يحذف الخبر ويبقى الاسم، يمكن ذلك العكس، كقراءة بعضهم «ولا تحيد»، في الآية هناك من قرأ «ولا تحيد مناص»، وهذا مهم في توجيه القراءات القرآنية؛ ما توجيه قراءة «ولا تحيد»؟ نقول في الحالة الأولى: في «ولا تحيد» حُذف الاسم، وفي «ولا تحين» حُذف الخبر، وكلاهما جائز وإن كان الأكثر حذف الاسم.
انتهينا أيها الأحبة، هكذا من كان وأخواتها والملحق بها وهي «ما»، و«لا»، و«لات». كم ذهب من الوقت! إذاً معنا وقت لنشرع الآن أيها الأحبة في الناسخ الثاني، المجموعة الثانية من النواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر. المجموعة الأولى كانت «كان» وأخواتها، ويلحق بها عمل «كان» وأخواته؛ أن يرفع المبتدأ ويصبح هذا المبتدأ اسماً لها، وينصب الخبر ويصبح الخبر خبراً لها.
المجموعة الثانية وهي مجموعة «إن» وأخواتها، هذه المجموعة تعمل عكس عمل «كان» وأخواتها؛ فتقوم بنصب المبتدأ على أنه اسم لها، وتقوم برفع الخبر على أنه خبر لها، فعندي اسم «إن» وخبر «إن»، اسم «إن» منصوب وخبر «إن» مرفوع. هذا من حيث العمل. الفائدة الثانية في هذه المجموعة أن هذه المجموعة كلها من قبيل الحروف، كلها حروف: «إن»، «أن»، «كأن»، «لكن»، «ليت»، «لعل»، وهناك ملحق بهذا الباب كما أنه في باب «كان» وأخواتها عندنا «كاد» وأخواتها، فهناك ملحق بباب «إن» وأخواتها وهو «لعل» و«لا» النافية للجنس كما سندرسها إن شاء الله؛ فهذه المجموعة كلها من قبيل الحروف، لا يوجد فيها أفعال ولا أسماء.
قال ابن هشام: «الناسخ الثاني: إن وأخواتها؛ إن للتأكيد، ولكن للاستدراك، وكأن للتشبيه أو للظن، وليس للتمني، ولعل للإشفاق أو التعليل، فينصبن المبتدأ اسماً لهن ويرفعن الخبر خبراً لهن. الثاني من نواسخ المبتدأ والخبر: ما ينصب الاسم ويرفع الخبر، وهو ستة أحرف: إن، وأن، وأنّ، ولكن، وكأن، وليت»... وسيذكر معها.
الآن المعاني جيد أن تعرفها، لكن توظيف هذه المعاني أكثر وأكثر يكون في علم البلاغة أيها الأحبة. ونحن نشير إلى هذه المعاني السريعة، أما "إن وأَن" بالتجديد. ما معناه؟ لماذا يؤتى في اللغة العربية بأن الجملة "محمد قائم"، لماذا أدخلت "إنّ"؟ "إنّ محمداً قائم". ماذا استفدنا من "إنّ"؟ تذكرت "إنّ محمداً قائم"؛ استفدنا التوكيد.
لذلك أيها الأحبة، سندرس في علم البلاغة أن "إنّ" و"أنّ" لا يؤتى بهما في الجملة الاسمية إلا إذا كان السامع شاكاً في مدلول الجملة الاسمية، أو متردداً في مدلولها، أو منكراً لها. متى يؤتى بهما؟ إذا كان السامع شاكاً في مدلول الجملة، متردداً في مدلولها، أو منكراً لها، أو الحالة الثالثة أن يكون مقراً بها لكنني أنزله منزلة المنكر لها لقرينة ظهرت من حاله.
إذاً متى نأتي بـ "إنّ" في اللغة العربية؟ إذا كان السامع شاكاً في مدلول الخبر، أو منكراً له، أو مقراً به لكن تصرفاته وأعماله كأنه بمنزلة المنكر. أما إذا كنت تعطي إنساناً جاهلاً معلومة ابتدائية فلا يجوز الإتيان بـ "إنّ" و"أنّ". إذا كنت تعطي إنساناً جاهلاً ليس عنده أي شيء، هو ليس متردداً ولا منكراً، هو إنسان جاهل بسيط ليس عنده أي معلومة، أنت تعطيه معلومة؛ فلو قلت له "إنّ محمداً قائم" وهو ليس عنده هذه المعلومة أصلاً، فكيف يتردد بها أو ينكرها؟
التردد يكون عادة بعد أن يصلك شيء من الخبر، كأن يكون وصل لك "طراطيش" الموضوع، فتردد أو شككت أو أنكرت. أما الإنسان الجاهل ابتداءً، فليس عنده أصلاً المعلومة، فأنت تخبره بها وتفيده بهذه المعلومة، فلا تقل له "إنّ محمداً قائم"، لا تعطيه "إنّ" و"أنّ"، بل تقول له "محمد قائم". فالجاهل الذي ليس عنده تردد ولا إنكار يُعطى المعلومة مباشرة من دون توكيد.
متى استخدم "إنّ"؟ أقول "إنّ محمداً قائم" إذا كان متردداً أو منكراً، أو مقراً لكنه ينزل منزلة المنكر. مثلاً رجل تخاطب كافراً ينكر وجود أو يقر بصحة الإسلام، فماذا تقول له؟ «إنّ الإسلام دين الحق». لماذا قلت "إنّ الإسلام دين الحق"؟ لأنني أخاطب شخصاً منكراً لهذه المعلومة، هو سمع بها مسبقاً لكنه منكر لها، فأنت تؤكد له.
وأعطيكم مثالاً على الحالة الثالثة: أخاطب رجلاً مقراً لكن تصرفاته تنزله منزلة المنكر، مثل حال كثير من الشباب والفتيات المسلمات في المعاصي والفجور والإقبال على الدنيا والانهماك عليها، ولا نزكي أنفسنا، نسأل الله أن يخلصنا وأن يحسن ختامنا على خير. حال الإنسان العاصي المدمن على الفجور، هل هذا الرجل المسلم المدمن على المعاصي منكر بالموت؟ عندما تأتي له تقول له "إنك ستموت" وهو يعلم ذلك، هو مسلم ويعلم أنه سيموت، وأن هناك يوماً للقيامة، وأنه سيقف بين يدي الله.
هو مقر بهذه المعلومة أن الموت حق وأن القيامة حق، لكن هل تصرفاته وإدمانه على الفجور والمعاصي يجعله كأنه منكر لهذه المعلومة؟ إدمانه في الحقيقة ينزله منزلة المنكر لهذه المعلومة وإن كان في الواقع مقراً بها. لذلك في الوعظ أنت تقول للناس "إنّ الموت حق" و"إنّ القيامة قائمة"، لماذا تشدد لهم وهم يعلمون ذلك؟ هنا أؤكد وأستخدم التوكيد لأن حال الناس في الانغماس في الدنيا والإقبال عليها ينزلهم منزلة المنكرين لحقيقة الموت ولحقيقة يوم القيامة، وإن لم يكونوا منكرين في الواقع.
لذلك قلت لكم إن "إنّ" و"أنّ" تستخدم إذا كان السامع متردداً في المعلومة، تريد أن تؤكد له، أو منكراً لها تماماً، أو مقراً لكن تصرفاته تنزله منزلة المنكر. اذهبوا إلى بداية سورة يس واقرأوا قصة الأنبياء الثلاثة مع قومهم، ولاحظوا كيف جاءت "إنّ" فيها، ولاحظوا كيف جاءت "أنّ" بعد إنكار القوم لرسالتهم ونبوتهم، قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 16]. وسنفصل في هذا أكثر إن شاء الله.
هذا معنى التوكيد بـ "إنّ" و"أنّ". لكن أيها الأحبة، ما الفرق بين "إنّ" و"أنّ"؟ يقول الطالب: يا شيخ متى أستخدم "إنّ" ومتى أستخدم "أنّ"؟ أولاً أيها الأحبة، بسم الله، مر معكم حروف المصدر، تذكرون حروف المصدر؟ كررتها كثيراً، وهي: أنْ، ولنْ، وكأنْ، ولعلّ، وليت، ولعلّ. "أنْ" بفتح الهمزة من حروف المصدر، ومن مميزات حروف المصدر أنها تتصل بما بعدها وينتج عنها مصدر مؤول.
بما أن "أنَّ" بفتح الهمزة من حروف المصدر، وحرف المصدر هو الذي يتصل بما بعده وينتج مصدراً مؤولاً، فـ "أنَّ" زائدة على اسمها وخبرها في تقدير المفرد. فـ "أنَّ" لها اسم وخبر، تدمج مع ما بعدها وتنتج مصدراً مؤولاً. القاعدة العامة هي: كل موضع جاءت فيه "إنَّ" بكسر الهمزة، فإنه يجب كسرها، وكل موضع جاءت فيه "أنَّ" بفتح الهمزة، فإنه يجب فتحها وكان يجب أن يحل محلها المصدر.
أنا هنا لا أريد أن أقحم الطالب في تفصيلات كثيرة، نقول هذا مجمل قبل أن ندخل في التفاصيل. هناك أحوال يجب فيها فتح "أنَّ"، وهناك أحوال يجب فيها كسر "إنَّ"، وهناك أحوال يجوز فيها الوجهان. الإمام هشام رحمه الله في "قطر الندى" لم يتطرق إلى هذا الموضوع، الذي تطرق إليه هو ابن مالك في "الألفية"، والقسم المطول هو الذي يتطرق إلى هذه المواضع، إن شاء الله ندرس في الألفية بالتفصيل المواضع التي يجب فيها الفتح، والمواضع التي يجب فيها الكسر، والمواضع التي يجوز فيها الوجهان.
لكن هنا فقط مدخل سريع حتى يكون لدى الطالب إشارة للقاعدة العامة: متى يجب فتح "أنَّ"؟ في كل موضع جاءت فيه "أنَّ" واسمها وخبرها وكان يجب أن يحل محل هذا التركيب المصدر، يجب في هذه الحالة الفتح؛ لأن هذا الموضع يجب أن يكون فيه مصدر، و"أنَّ" هي التي تنتج المصدر في هذا الموضع.
مع اسمها مع قبائل الفتح حتى أستطيع أن ننتج المصدر. مثال ذلك، أن أعطيكم على فكرة إذا أنتم حفظتم الآن القاعدة؛ الموضع الذي يجب الفتح إذا كان هذا الموضع يجب أن يحل فيه المصدر، ولا يجوز أن تأتي فيه إلا "أن".
أما "إن" -بكسر الهمزة- مع اسمها مع خبرها، فهذه الجملة أيها الأحبة ليست في تقدير المفرد؛ لماذا؟ لأن "إن" بكسرها ليست حرفاً مصدرياً، بل هي حرف مشبه بالفعل، بالتالي لن تندمج "إن" مع اسمها مع خبرها فينتج عندي مصدر مؤول، بل تبقى الجملة جملة. أما "أن" بفتح الهمزة مع قولها، فهي في تقدير المفرد. هذا ينبغي عليه إدراكه، إدراك مواضع "إن" مع اسمها وخبرها، والمواضع التي تأتي فيها "أن" مع اسمها وتقديرها بالمفرد؛ لماذا؟ لأن "أن" حرف مصدري، وأما "إن" فليست من الحروف المصدرية، فبالتالي الجملة بعدها تبقى جملة.
الآن أريد أن أعلم الفائدة على الهامش وكيفية الاهتمام بالمصدر المؤول بعد الفعل. هناك طريقة معينة يذكرها من درس معنا في المنطق، سيدرك هذه الطريقة مباشرة. الآن مثلاً: "أن محمداً قائم"، طبعاً "أن" يستحيل أن تأتي في وسط الكلام، لأنها دائماً تأتي أثناء القراءة ولا تأتي في بداية الجمل، أما إذا جاءت في بداية جملة فتأتي "إن". "إن محمداً قائم". ما هو المصدر المؤول؟ كيف ننتجه؟ نقول احفظوا الخطوات.
إنتاج المصدر المؤول من "أن" مع اسمها وخبرها يكون بالذهاب إلى الخبر؛ إن كان الخبر مشتقاً نأتي بمصدر هذا المشتق ونضيف إليه الاسم. "إن محمداً قائم"، الخبر هنا مشتق وليس اسماً جامداً؛ لأن "قائم" من المشتقات، فإذا كان الخبر مشتقاً نأتي بمصدره، ما مصدر "قائم"؟ قيام. ممتاز، القيام، ثم أضيف إلى هذا المصدر الاسم: قيام محمد. فالمصدر المؤول الناتج من "أن محمداً قائم" هو قيام محمد.
حينما أقول: "تذكرت أن محمداً قائم"، ما هي الجملة التي أصلها كما قلنا "محمد قائم" في تقدير المفرد؟ فالمصدر هو "قيام محمد"، وهو في محل نصب مفعول به؛ لأن الفعل "تذكر" يتعدى إلى مفعول به. فأقول: "تذكرت أن محمداً قائم"، "تذكرت" فعل وفاعله، "أن" حرف مصدري، "محمداً" اسم "أن" منصوب، "قائماً" خبر "أن" منصوب، والمصدر المؤول الناتج وهو "قيام محمد" في محل نصب مفعول به للفعل "تذكرت".
إذا كان خبر "أن" اسماً جامداً، مثل: "إن محمداً أسد"، ها هنا خبر "أن" جاء اسماً جامداً ليس مشتقاً، وليس له مصدر. إذاً كيف سأنتج المصدر المؤول؟ في حالة كون الخبر جامداً، نأتي بمصدر "كان" وهو "الكون". نأتي بمصدر "كان" وهو "الكون"، ثم نضيف إليه الاسم، فنقول: "كون محمد أسداً". نأتي باسم "أن" فنجعله مضافاً إليه في "الكون"، ونأتي بخبر "أن" فنجعله منصوباً؛ لأن "الكون" هو مصدر "كان"، و"كان" لا ترفع الخبر وإنما تنصب الخبر.
لاحظوا كيف الانتقال؛ إذا كان الإتيان بالمصدر المؤول في حالة الخبر جامد أيها الأحبة، نأتي بـ "الكون" مصدر "كان"، ثم نأتي باسم "أن" مضافاً إليه. فإذا قيل لك: ما هو المصدر المؤول الناتج من "أن محمداً أسد"؟ هو "كون محمد أسداً". محمد هنا في الإعراب تسمى مضافاً إليه، و"أسداً" هي خبر "الكون". لذا أقول: "كون محمد أسداً"، محمد هي اسم "الكون" من حيث المعنى، ولكنها من الناحية الإعرابية مضاف إليه، تماماً كما يسمى "الفاعل بالمعنى"؛ فالمصدر أحياناً يجر فاعله فهو فاعل لكنه من الناحية الإعرابية مضاف إليه.
وإذا كان الخبر شبه جملة، نعامل معاملة الخبر الجامد، فنأتي بـ "الكون" مضافاً للمصدر، ثم نأتي بشبه الجملة على أنها خبر للكون أو متعلقة به. "إن محمداً في المدرسة"، المصدر المؤول هو: "تذكرت كون محمد في المدرسة". فإذا كان الخبر جامداً أو شبه جملة، نأتي بالكون، وأما إذا كان الخبر مشتقاً فإننا نأتي بالمصدر مباشرة ثم نضعه في البداية ونأتي بالاسم مضافاً إليه.
الآن سنشير إلى أشهر المواضع التي تأتي فيها "أن" المفتوحة؛ تقول "أن سد الفساد بالمصدر". أشهر المواضع تأتي في محل رفع فاعل أو نائب فاعل. باختصار، إذا جاءت "أن" أو "إن" وبعدها اسم وخبر، أيهما تختار "أن"؟ نختار "أن"؛ لأن الفاعل لا يكون جملة، الأصل في الفاعل أنه مفرد. فإذا كان عندنا "أن" مع اسمها وخبرها وهي فاعل الفعل، نقول يجب أن تكون "أن"؛ لأن الفاعل لا يكون جملة، والفاعل المفرد هو الذي يمكن تأويله بالمصدر، أما "إن" فجملتها تبقى جملة، فلا يمكن أن يكون الفاعل جملة. فإذا جاءت "أن" فالنقير فاعل.
يجب أن تأتي بـ «أنْ» أو نائب الفاعل، نفس القضية، أعطيك مثالاً يعجبني: «أنك قائم». يعجبني أنك قائم؛ يعجب فيها المضارع من الوقاية والياء، أو «أنك قائم»، ماذا يعني؟ يعني يعجبني قيامك. هل يجوز «يعجبني أنك قائم»؟ لأنني هنا أبحث عن الفاعل، والفاعل هو فهم هذه الجملة، الفاعل هذه الجملة: «أنك قائم». فلو أني قلت إن يصبح الفاعل جملة، والفاعل لا يأتي جملة.
أيها الأحبة، من المواضع أيضاً المفعول به لغير القول. الآن إذا كان عندي فعل، انتبهوا، أنا عندي فعل: «قال»، مثل: «قال محمد»، ثم بعد ذلك ستأتي بمقولة القول بعد «قال»، تبدأ بـ «أنْ» بالكسر: «قال محمدٌ إنَّ السماء جميلة». فالفعل «قال» إذا أتيت بالشيء المقول: «قال محمد»، فتبدأ بـ «أنَّ» ونقول: القول فيما جملة ما أقول للخبر جملة مقول القول في محل نصب المفعول به المفروض به.
أما إذا كان المفعول به من الأفعال التي تطلب مفعولاً به ما سوى أفعال القول، إذا ظلم مفعولاً به وكان هذا المفعول به إما مخيراً من «أنْ» أو «إنَّ»، نختار «أنْ» وجوباً إذا كان المفعول به بغير فعل القول؛ فإني هذا المفروض به يجب أن يقوم بفتح «أنْ» وليس بكسرها. أما إذا كان المفعول به بفعل القول، فهنا يجب أن يكون بـ «إنَّ» بالكسر.
المفعول به في الحقيقة يجوز أن يأتي جملة ويجوز أن يأتي مفرداً، صح؟ لكن بدليل أنه قال: «قال»، ماذا تقول فيه؟ ماذا تريد أن تقول؟ فالمفروض أن يأتي جملة، لأن الأصل به أنه مفرد. فليست القضية دائماً أن هذا موضع يجب فيه المفرد ولا يمكن إيجاب الجملة، لكن ما هو الأصل في الأصل؟
من المواضع أيضاً بعد حرف الجر. إذا جاء عندي حرف جر أيها الأحبة، مثل: «على»، وبعدها «أنْ» أو «إنَّ» واسم وخبر، ماذا أختار؟ «أنْ» ولا «إنَّ»؟ ما رأيكم؟ عندي حرف جر بعده، أنا سأعطيك تغييراً، نحن أولاً بعده اسم وخبر، أقول «أنْ» ولا «إنَّ»؟ «إنَّ» وجوباً؛ لماذا؟ لأن حرف الجر بدون اسم، لو قلت بعد حرف الجر: «إنَّ محمداً قائم»، فمعناه أن حرف الجر يحتاج أن يجر الاسم، و«إنَّ» من علامات الأسماء.
أيهما ينتج اسماً مفرداً؟ «أنْ» ولا «إنَّ»؟ هي التي تنتج المصدر المعمول، فلذلك بعد حروف الجر إذا جاء «أنْ» أو «إنَّ» فيجب الإتيان بـ «أنْ»، لأن حرف الجر لا يوجد معه جمل، بل يوجد معه مفرد، بينما «إنَّ» في تقدير جملة. طبعاً هناك مواضيع كثيرة أيها الأحبة؛ في حالة المفعول لأجله، في حالة المفعول معه، في حالة المسمى. هناك مواضع لا تفتح فيها «أنْ»، وهناك مواضع تكتب فيها «إنَّ» وجوباً في بدء الجملة وما شابه ذلك.
باختصار هناك مواضع كثيرة، الآن تأتي عن «إنَّ»، لكن لا أريد أن أطيل كثيراً في هذه الأبواب، أنا فقط أريد ترك القاعدة العامة؛ أنه يجب فتح «أنْ» إذا وجب أن يحل محل هذا المصدر، وأشهر ثلاثة مواضع هي: الفاعل أو نائب الفاعل المفروض به، ولغير القول، وبعد حرف الجر. هناك مواضع أخرى نعم، ولكن استيفاء الاستقصاء والتعداد يطول، فلا أريد أن أثقل المادة على الطالب.
الفرق الأساسي هو أن «أنْ» مع اسمها وخبرها في تقدير المفرد لأنها ينتج منها مصدر، وقد تعلمنا كيف يكون المصدر المؤول، أما «إنَّ» مع اسمها وخبرها فهي جملة وليست في تقدير المفرد. وهذا الفرق في هذه الجزئية هو الذي سبب أنه في بعض المواضع يجب الفتح، ومواضع يجب فيها الكسر، ومواضع يجوز فيها الوجهان، كما ستدرسون إن شاء الله.
ماذا يقول ابن هشام؟ قالوا هي ستة أحرف، معناها التوكيد، تقول: «زيدٌ قائمٌ»، ثم تدخل «إنَّ» لتأكيد الخبر فتقول: «إنَّ زيداً قائمٌ»، وكذلك «إنَّ»، إلا أنها لابد أن يسبقها كلام، وهذا قلت لكم إنه لا تأتي في بداية الجملة؛ «إنَّ» لابد أن يسبقها كلام. لذلك ماذا يقول ابن مالك من مواضع وجوب الكسر؟ قال: «فاكسر في الابتداء»، يعني متى وقعت في بداية الجملة يجب الكسر، ولا يجوز الفتح، كقولك: «بلغني أنك قائم» أو «أعجبني أنك تدرس» ونحو ذلك.
الأداة الثالثة هي «لكنْ»، لكننا لم نذكر ما معناها في اللغة العربية ومتى نأتي بها؟ قال: للاستدراك. ما معنى الاستدراك؟ قال: هو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه. ما معنى هذا الكلام؟ تكون عندي أيها الأحبة جملة في البداية، هذه الجملة قد يتوهم في بادئ الرأي أنها تثبت شيئاً، فتأتي «لكنْ» لرفع هذا التوهم؛ لرفع توهم ثبوت شيء، أو العكس؛ تأتي عندي جملة توهم أنها تنفي شيئاً، فتأتي «لكنْ» بعدها للاستدراك لترفع توهم النفي.
فإما أن ترفع توهم الإثبات المستفاد من الجملة السابقة، وإما أن ترفع توهم النفي الذي أُخذ من الجملة السابقة. مثال ذلك: إذا قلت لك: «زيدٌ عالمٌ»، أنت تعرف وعرفنا أيها الأحبة في المجتمع، إذا كان شيخاً وهو رجل عالم دين، عالم شريعة، ماذا يتوهم؟ يتوهم أنه من أولياء الله الصالحين، لذلك عندما تقول «لكنه فاسق»، أنت هنا للاستدراك أردت أن تستدرك السامع لما سمع «زيد عالم»، توهم ذهنه أنه صالح، فأنت استدركت كأنك تقول: استنى، لا تفكر أنه صالح ولا تتوهّم أنه صالح، «لكنه فاسق»؛ باع علمه بعرض من الدنيا، نسأل الله العافية.
ثم قال مثلاً: «ما زيدٌ شجاعٌ»، هذه الجملة ماذا يتوهم منها السامع؟ القضية توهم السامع أنه أيضاً ليس بكريم، فأنت تستدرك تقول: «لا، هو ليس شجاعاً لكنه كريم». فلما كان «ما زيد شجاع» قد يتوهم منها معنى آخر كالكرم أيضاً، أردت أن تستدرك حتى لا يعمم النفي هذا السامع، فتقول: «لكنه كريم».
هذا هو الذي يسمى الاستدراك، وهو تعقيب الكلام برفع ما يتوهمه ثبوته أو نفيه. من خلال هذا الكلام أيها الأحبة، نستنتج قاعدة وهي أن «لكن» مثلها مثل «أن» لا تأتي في صدر الكلام، لا بد أن تسبق بجملة توهم شيئًا، فأنت تأتي بـ«لكن» لترفع هذا التوهم، وهذا واضح من خلال كلام ابن هشام.
نذهب إلى «كأن». يقول ابن هشام: «كأن» للتشبيه، تشبه شيئًا بشيء، تقول: كأن زيدًا أسد، هذا هو المعنى الأول لها في اللغة العربية أن تفيد التشبيه. كأن زيدًا أسد، أي زيدًا بماذا؟ بالأسد. وانتبهوا، بعد «كأن» يأتي المشبه، ثم الخبر يكون هو المشبه به، اسم «كأن» يكون هو المشبه، هذا هو الأصل؛ التشبيه الحقيقي المستوي أن يكون اسم «كأن» هو المشبه وخبر «كأن» هو المشبه به. احفظوا هذه المعلومة ستساعدنا في قضية ستأتي معنا بعد قليل أو ربما في الدرس القادم إن شاء الله.
المعنى الثاني لـ«كأن» قد يفيد الظن، تقول: كأن زيدًا كاتب، هنا لا يوجد تشبيه ولا يجوز الظن، يعني كأنه والله أعلم أنه زيد كاتب، «كأن زيدًا كاتب» للظن، تفيد هنا معنى الظن.
«ليت» ماذا تفيد؟ التمني. والتمني قال هو طلب ما لا طمع فيه، أي لا طمع في حصوله، كقول الرجل الذي تقدم بالسن: ليت الشباب يعود يومًا. ليت هل يمكن أن يعود الشباب لمن شاب في الحياة الدنيا؟ لا يمكن أن يعود. الآن أصبح هناك أدوات تعيد الشباب، يقول الرجل: استخدم مرهمًا فعاد في سن الثلاثين ما شاء الله. إذًا «ليت» ليس دائمًا للشيء المستحيل، نعم، إما للشيء المستحيل أو شيء فيه عسر وإن لم يكن مستحيلاً، كقول المعدم، والانس يعني شخص فقير لا يملك قوت يومه يقول: ليت لي قنطارًا من الذهب، هذا شيء وإن كان ليس مستحيلاً لكنه مستبعد في الوقت الحالي.
«لعل» الأداة الأخيرة، «لعل» للأقل للترجي، وهو طلب المحبوب المستقرب حصوله، هذا معنى الترجي. لعل لها ثلاثة معاني؛ المعنى الأول الترجي. ما معنى الترجي؟ قال هو طلب المحبوب، يعني شيء تحبه والمستقرب حصوله شيء تحبه وقريب حصوله. فأنت تقول: لعل الله يرحمني، فالآن هل تحب رحمة الله؟ قطعًا، لا أحد يكرهها والعياذ بالله، وهل هي قريبة الحصول؟ هي قريبة الحصول للمحسنين، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]. أما الإنسان الفاجر المسرف الذي لا يرعوي عن المعاصي ولا يستحي من ربه فهذا يحتاج إلى أن ينظر في أمره فقط، هذا الذي نقول.
المعنى الثاني لـ«لعل» أن تأتي للإشفاق، والإشفاق عكس الترجي، تكون توقع المكروه، ليس لطلب شيء مكروه تكرهه ولا تريد أن يحصل، تخشى من حصوله، فأكيد أنت لا تطلبه لكنك تتوقع حصوله. إذاً توقع المكروه، كقولك: لعل زيدًا هالك، لا تحب أنت أن يموت زيد، زيد صديقك تحبه، لا تريد موته، لكنه الآن في المستشفى ومصاب بمرض مزمن وقد في أي لحظة يفقد هذه الحالة، فأنت تقول: لعل زيدًا هالك، هذا توقع لشيء تكره حصوله.
المعنى الثالث للتعليل، كقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: 44]. الله سبحانه وتعالى هو الذي يتكلم بهذا الكلام، فالأخفش يقول: الله عز وجل، لا يصح أن نقول إنه يرجو ولا يشفق. هذا المعنى الثالث ذكره الأخفش، وفي الحقيقة المعنى الثالث فيه نقاش بين علماء المعاني، هل فعلاً «لعل» تأتي بالتعليل فقط؟ أثبت هذا المعنى الأخفش واستدل بهذه الآية: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾، إن الله سبحانه وتعالى هو المتكلم بهذه الآية ولا يطلب محبوبًا يستقرب حصوله سبحانه حاشاه، ولا يشفق من توقع مكروه. هذان المعنيان لا يعترضان في حق الله ولا يعرضان على الرب سبحانه. فإذاً ما معنى «لعل» حينما تكون من الله سبحانه؟ قال معناها التعليل فقط، فيقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر، أي ليتذكر فقط. «لعل» معناها «لي»، كأن معناها حرف الجر اللام للتعليل، أي لكي يتذكر، نص على ذلك الأخفش. لكن في الحقيقة البعض أبقاها على المعاني السابقة لكنها تأويلات ندرسها إن شاء الله في علم البلاغة إن كانت بقيت.
وهنا أظن ذهب من الوقت ساعة وثلاث وثلاثون دقيقة، خلاص لا أريد أن أطيل على الطلبة، ربما كانت الدروس الماضية فيها من الإطالة ما فيه، بالخير الكبير. فهنا نقف إن شاء الله، وفي الدرس القادم نكمل الكلام على «إن» وأخواتها التي تعرض لها، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل