دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 29 - خصائص ( كان )

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم كثيرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى عليه. وقد وقفنا في الحديث عن خصائص كان التي تمتاز بها عن أخواتها. نحن الآن إذا ما زلنا نعيش في فيء باب كان وأخواتها، عرفنا التقسيمات، وعرفنا بعض الأحكام التي تتعلق بالتوسط والتقديم في الدرس الماضي. عرفنا متى تكون هذه الأفعال ناقصة بحيث ترفع اسماً وتنصب خبراً، ومتى تكون تامة فتعامل معاملة الأفعال الحقيقية الكاملة.

واليوم بإذن الله سنتكلم ونختم هذا الباب فيما يتعلق بمسائل تختص بها كان عن سائر أخواتها. وهذه فكرة متكررة أيها الأحبة في أبواب النحو؛ ففي كل باب من أبواب النحو مجموعة من الأدوات تختص بعمل معين، فتوجد أداة مميزة في هذا الباب. تجدون مثلاً في أبواب نواصب الفعل المضارع، وجوازم الفعل المضارع، وكان وأخواتها، وإن وأخواتها، وأدوات النداء، فكل مجموعة من الأدوات تختص بباب معين أو بعمل معين، وتكون هناك أداة مميزة من بين هذه الأدوات تسمى «أم الباب».

وبناء على ماذا يتم اختيار هذه الأداة لتكون أم الباب عن سائر أخواتها؟ باعتبار أن هذه الأداة فيها تفريعات واختصاصات ومزايا لا يشاركها فيها أخواتها، تكون هذه الأداة لها أحكام ومزايا وتفصيلات وخصائص لا يشاركها فيها أخواتها، هذا الذي يجعل هذه الأداة تسمى أم الباب. في كان وأخواتها، ما هي الأداة؟ ما هو الفعل الذي يسمى أم الباب؟ إنه «كان»، لذلك الأخوات كلها تضاف إلى كان، فيقال باب كان وأخواتها. هكذا يقولون، لماذا لم يقولوا مثلاً باب ليس وأخواتها؟ أو باب أضحى وأخواتها؟ قالوا باب كان وأخواتها لأن «كان» هي أم الباب ولها مزايا وخصائص لا يشاركها فيها أخواتها.

اليوم سنتعلم هذه الخصائص التي تختص بـ «كان»، وهو باب جديد على طالب العلم الذي اقتصر على دراسة الآجرومية، فاليوم ندرس جديداً على طالب العلم ليحسن ضبطه وأن يفهم جديده. ننظر وننتقل إلى كلام ابن هشام رحمه الله في بيان مزايا وخصائص كان، قال رحمه الله في المتن: «وكان بجواز زيادتها متوسطة نحو: ما كان أحسن زيداً».

الآن أيها الأحبة، «وكان» في المتن هي حرف العطف الذي يعطف «كان» على ماذا؟ قال: «وكان بجواز زيادتها متوسطة»، هذه الجملة معطوفة على جملة سابقة في المتن، أليس كذلك؟ نعم، هذه الجملة تعود إلى قوله قبل صفحتين حين قال: «تختص الخمسة الأولى بمرادفة سارة»، ثم بعد ذلك قال: «وغير ليس وفتئ وزال بجواز التمام»، أي وتختص غير ليس وفتئ وزال بجواز التمام، وهنا «وكان بجواز زيادتها متوسطة» أي وتختص كان بجواز زيادتها متوسطة. فهو الآن في آخر ثلاث عبارات من المتن، كلها معطوفة على بعضها البعض على فعل الاختصاص.

«تختص الخمسة الأولى بمرادفة سارة»، العبارة الثانية: «وغير ليس وفتئ وزال بجواز التمام»، هذه الجملة معطوفة على الجملة السابقة التي جاءت بعد «تختص»، ثم: «وكان بجواز زيادتها متوسطة»، أي تختص كان بجواز زيادتها متوسطة نحو: «ما كان أحسن زيداً».

الآن أيها الأحبة، هناك أول خصيصة وميزة لـ «كان»، أنها قد تأتي في الجملة العربية زائدة. هذه أول ميزة لها تختص بها، أنها يمكن أن تأتي في الجملة العربية زائدة، وإذا جاءت زائدة فليس لها مرفوع ولا منصوب، لا يوجد لها اسم كان ولا خبر كان، ولا يوجد لها فاعل ولا شيء، فقط تسمى هذه «كان» فعلاً ماضياً مبنياً على الفتح زائداً، لا محل له من الإعراب.

ومن خلال كلامنا السابق نستخلص أن «كان» في اللغة العربية لها ثلاثة أحوال أيها الأحبة: الحالة الأولى أن تكون «كان» ناقصة، وهذا هو الأشهر والمتداول فيها، فترفع اسماً وتنصب خبراً. وتدل «كان» الناقصة -كما قلنا في الدرس الماضي- على تأكيد مضمون الجملة الاسمية وتقييدها بالزمن؛ فإذا كانت بالماضي تؤكد مضمون الجملة وتقيده بالزمن الماضي، وإذا كانت بالمضارع (يكون) نقول تأكيد مضمون الجملة وتقيد حدوثها في الوقت الحالي، لأنك تفتح الآن «كان» مثل «يكون»، و«يكون» مضارع يدل على الحال.

إذن، «كان» يمكن أن تأتي ناقصة وهذه الحالة الأولى وهي الحالة الأشهر لها، وتدخل بالتالي على جملة اسمية ترفع الاسم وتنصب الخبر، وتدل على تقرير مضمون الجملة الاسمية إذا كانت بالماضي، تدل على أن مضمون هذه الجملة الاسمية وقع في الزمن الماضي، وقلنا لا تدل على انقطاع ولا استمرار، هل انقطع هذا الماضي أو استمر؟ هذا نحتاج فيه إلى قرينة خارجية، وإذا كانت بالمضارع «يكون» فتدل على الوقت الحالي، على أن مضمون الجملة يقع في الوقت الحالي.

النوع الثاني وتكلمنا عنه في الدرس الماضي، هو «كان» التامة، والتي هي بمعنى «حصل»، تدل على زمن وعلى حدث، وهذه أيها الأحبة تأخذ فاعلاً، سميت تامة لأنها تدل على حدث وزمن فاكتملت دلالتها، وهي تأخذ فاعلاً مثل أي فعل في اللغة العربية.

النوع الثالث الذي تحدثنا عنه اليوم هو «كان» الزائدة. الآن سينتقل بنا ابن هشام ليبين لنا متى تكون «كان» زائدة في اللغة العربية. حتى تكون «كان» زائدة أيها الأحبة، هناك شرطان ذكرهما ابن هشام في الشرح؛ الشرط الأول أن «كان» لا تُزاد إلا بصيغة الماضي، هذا هو الشرط الأول، أنها لا تُزاد وهي على صيغة المضارع أو الأمر أو ما شابه ذلك، لا تُزاد إلا على...

الماضي صيغة كان، إذاً هذا هو الشرط الأول أن تكون بصيغة الماضي. الشرط الثاني كما يقول ابن هشام حتى نحكم عليها بأنها زائدة، أن تقع بين شيئين متلازمين ليسا جاراً ومجروراً.

معنى هذا الكلام أنها تقع في حشو، تقع فاصلة بين كلمتين متلازمتين في العادة، بشرط ألا تكون هاتان الكلمتان المتلازمتان جاراً ومجروراً؛ فباختصار لا تقع كان زائدة بين حرف الجر ومجروره. الآن نحن نقر أن حرف الجر مع الاسم المجرور متلازمان، ولكن كان لا تأتي فاصلة بينهما؛ لماذا؟ لشدة تلازمهما وارتباطهما مع بعضهما، فحرف الجر لا يقوى أن يأتي مفصولاً عن الاسم المجرور بكان.

إذاً أين تأتي كان زائدة؟ إذا كانت لا تقع بين حرف الجر ومجروره، فما هما الكلمتان المتلازمتان في العادة اللتان يفصل بينهما كان الزائدة أو قد يفصل بينهما كان الزائدة؟ اكتب عندك أشهر ثلاثة أحوال أو ثلاثة مواقع تأتي فيها كان زائداً.

الموضع الأول: تأتي كان زائدة بين الفعل والفاعل. مثال ذلك: «لم يوجد كان مثلك».

أشهر ثلاثة مواقع لكان الزائدة، الموقع الأول قلنا بين ماذا؟ بين الفعل والفاعل. الآن هل الفعل والفاعل متلازمان في العادة؟ نعم، لأن الأصل والعادة المطردة بعد الفعل يوجد فاعل، والفعل دائماً في اللغة العربية يطلب فاعله، فالفعل والفاعل يقولان هذان متلازمان. طبعاً ليس المراد بالتلازم أنه لا يجوز في حالة الاتساع بينهما، لا، لأن الفعل عادي يمكن يأتي بعد الفعل مفعول به ثم يأتي الفاعل، قد يأتي مثلاً متعلق من متعلقات المفعول به وهو يأتي جار ومجرور بعد الفعل ثم يأتي الفاعل. وإنما المراد هنا بالتلازم أن الفعل يطلب فاعله، والعادة الأكثر انطباقاً أن الفعل يأتي بعده الفاعل. أريدك أن تفهم التلازم بهذا المعنى، ولا أريدك أن تفهم التلازم أنه لا يجوز في حالة الاتساع وفي حالة الاختيار أن يفصل بين الفعل والفاعل؛ لا، الفصل بين الفعل والفاعل جائز، الفصل بين الفعل والفاعل جاء إذ تأتي مفعول به، تأتي بجر ومجرور وما شابه ذلك إلا في أحوال معينة يجب أن يأتي الفاعل بعد الفعل، وإلا فالأصل أنه يجوز الفصل بينهما بمفعول به، بجانب مجرور، بظرف زمان، وهذا كثير في اللغة العربية.

فالمراد بالتلازم إذاً هو أن العادة الكثيرة المطردة أن الفاعل يأتي بعد فعله، وأن الفاعل رتبته بعد الفعل، وأن الفعل يطلب الفاعل، هذا هو معنى التلازم بينهما. فإذا قلت «لم يوجد كان مثلك»، بـ«يوجد» فعل مضارع، أين فاعله؟ يطلب فاعلاً. فهذه الجملة «لم يوجد كان مثلك» أنت لا تجد فيها فاعلاً ظاهراً. لو أني حملت «كان» على أنها ناقصة أو تامة، ستجد أنه لا يوجد هنا ضمير يصلح أن يكون فاعلاً لها، ولا اسماً ظاهراً يصلح أن يكون فاعلاً لها. إذا جعلت «كان» ناقصة، فأنت من خلال السياق ومن خلال الجملة ستدرك أنه يستحيل أن تكون «كان» هنا ناقصة أو تامة؛ لأنه سيؤدي إلى خلو الفعل «يوجد» من فاعل، لا يصلح هنا ضمير تقول ضمير مستتر، «لم يوجد هو كان مثلك»، يعني الجملة غير سليمة وغير واضحة الترتيب. هكذا جملة ابتداء، أنا قلت لشخص «لم يوجد كان مثلك»، جعل «كان» ناقصة أو تامة يفقد الفعل فاعله.

فإذا قالوا «كان» هنا ليست ناقصة ولا تامة، بل «كان» هنا زائدة جاءت تفصل بين الفعل والفاعل، و«مثلك» هو الفاعل؛ فأنت تريد أن تمدح شخصاً فتقول له: «لم يوجد مثلك أبداً»، أو تأديباً: «لا يوجد مثلك أبداً»، هكذا تقول أنت. فالإتيان بـ«كان» هنا فصل بين الفعل والفاعل، وجعلها ناقصة أو تامة يؤدي إلى خلل في المعنى.

لماذا العرب تأتي بـ«كان» هنا؟ ما الفائدة من إتيانها بين الفعل والفاعل؟ «لم يوجد كان مثلك»، لماذا ما قال ابتداءً «لم يوجد مثلك»؟ هل معنى الزيادة عفواً هذا الذي أريد أن أوضحه؟ هل معنى الزيادة أنا فقط «كان» هنا تحصيل حاصل، أو أن العرب زادتها اعتباطاً؟ لا، اعلم أخي الكريم أن العرب لا تتكلم بحرف هكذا اعتباطاً. إذا قلنا إن الحرف أو الفعل أو الاسم زائد، هذه قاعدة عامة في علم النحو، فإنه يفيد التوكيد لمضمون الجملة. فمن أساليب التوكيد الإتيان بـ«كان» زائدة تفصل بين شيئين متلازمين، وهي من أساليب التوكيد المسموعة عن العرب. وفي النهاية الأمر سُمع عن العرب، أنا مضطر أن أمشي مع أساليب العرب في توكيدهم.

لما رأينا مثل هذه الأمثلة وعرفنا أن «كان» هنا لا يمكن أن تكون ناقصة ولا تامة، حكمنا عليها بأنها زائدة، وفائدتها توكيد مضمون الجملة. فـ«لم يوجد مثلك»، الأقوى منها أن تقول «لم يوجد كان مثلك»، هذا فيه توكيد. طبعاً متى استخدم التوكيد ومتى لا أستخدمه؟ هذا يدرس في علم البلاغة، أي ليس التوكيد دائماً هو الصحيح، قد يكون ترك التوكيد هو الأفصح؛ مواطن التوكيد وترك التوكيد هذه لها باحث خاص في علم البلاغة.

الموضع الثاني: قد تأتي زائدة بين المبتدأ والخبر. مثال: يقولون «زيد كان عالم»، الآن هذه «زيد كان عالم»، أنت مباشرة عندما تنظر إلى الجملة ستقول يستحيل أن تكون «كان» ناقصة، لأنها لو كانت «كان» الناقصة لكانت: «زيد كان عالماً»، فقطعاً هنا «كان» ليست ناقصة. هل يمكن أن تكون تامة؟ «زيد كان عالم» يعني زيد حصل عالم؟ كذلك لا يصلح. إذاً لا تصلح ناقصة ولا تصلح تامة، قالوا إذاً هذه «كان» هنا زائدة فقط، وأصل الجملة: زيد مبتدأ، وعالم خبر، وجاءت «كان» زائدة بينهما.

كيف نعرب هذه الجملة؟ نعربها: زيد مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، «كان» فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وعالم خبر مرفوع لزيد وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وانتهى الأمر.

الموضع الثالث الذي تُزاد فيه «كان»، طبعاً أنا لا أحصر الآن، أنا أعطي أشهر المواضع، انتبهوا على التسجيل.

الحمد لله، أموره طيبة. تأتي "كان" بين اسم الموصول وصلته، مثال ذلك: "جاء الذي كان ضربته". الآن لاحظوا، "الذي" اسمه موصول، جاءت "كان" بعدها.

لو أردت أن تجعلها ناقصة: "جاء الذي كان هو ضربته"، ستجد الجملة مبناها ركيكًا، أليس كذلك؟ تقول: لماذا يقول "كأنه وضربته"؟ ليقل مباشرة: "جاء الذي ضربته". لماذا يقول "جاء الذي أنا ضربته" ومبناها ركيك إذا جعلناها ناقصة؟ ربما من ناحية نحوية كقواعد يصلح أن تقول "كان هو ضربته"، فتقول: "كان" اسمها ضمير مستتر، و"ضربته" هذه الجملة في محل نصب خبر "كان"، و"كأنه وضربته" صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.

من الناحية النحوية ليس عندي مشكلة، لكن من ناحية المعنى، أنت في النهاية -أيها الأحبة- وعلم النحو هو يريد أن يوصل المعنى، وهذه خلاصة نهائية، فالمعنى النهائي للجملة يهمني. فعندما أقول "جاء الذي كان ضربته"، تشعر أن الجملة لو كانت "كان" هنا ناقصة فيها تكلف وكلام لا داعي له، والصواب: "جاء الذي ضربته". ففي الحقيقة "كان" هنا لا يصلح من ناحية معنوية أن تكون ناقصة.

فقالوا: هذه "كان" هنا زائدة، وأصل الجملة "جاء الذي ضربته"، وزيدت "كان" بين اسم الموصول وصلته، ففصلت بينهما، وفي النهاية اسم وصلته متلازمان، أليس كذلك؟ جاءت "كان" تفصل بين اسم موصول وبين صلته لتفيد التوكيد فقط. فأنت عندما تقول "جاء الذي ضربته" انتهت الجملة، وما في داعي تقول "جاء الذي كان ضربته"، فعندما فصلنا ووضعنا "كان" بين اسم موصول وصلته أفادت "كان" هنا مجرد التوكيد. فتقول: "كان" فعل ماضٍ، ولا تقل لنا "ناقصة" لأنها ليست ناقصة هنا، بل نقول: فعل ماضٍ مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وليس لها فاعل أو مرفوع.

هذه أشهر المواضع التي تزاد فيها "كان" أيها الأحبة في اللغة العربية، وما فائدتها؟ فقط هذا الذي يريدك أن تعرفه، فائدتها التوكيد. متى زيدت؟ سريعا نقرأ ما قال ابن هشام رحمه الله: «تأتي "كان" في العربية على ثلاثة أقسام: ناقصة فتحتاج إلى مرفوع ومنصوب، مثل: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الإسراء: 22]، وتامة فتحتاج إلى مرفوع فقط وهو الفاعل، ودون منصوب، مثل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، والثالثة زائدة فلا تحتاج إلى مرفوع ولا إلى منصوب». انظر كيف ابن هشام يرتب الفكرة في ذهن الطالب لتبقى الفكرة في ذهنه.

ثم قال: «وشرط زيادتها أمران: أحدهما أن تكون بلفظ ماضٍ»، هذا هو الشرط الأول، فلا يوجد "كان" زائدة بصيغة المضارع أو الأمر أو اسم الفاعل أو ما شابه ذلك. والثاني: أن تكون بين شيئين متلازمين ليسا جارًا ومجرورًا، فـ "كان" لا تفصل بين الجار والمجرور، وإنما تفصل بين الأشياء المتلازمة، سوى الجار والمجرور.

وأنا ذكرت أشهر ثلاثة مواضع، وهناك موضع رابع عفوا هو ذكره ابن هشام، أنا لم أشر إليه في شرحي على السبورة. الرابع الذي يمكن أن نضيفه إلى هذه المواضع الأربعة أن تأتي "كان" فاصلة بين "ما" التعجبية والفعل الواقع بعدها، كقولك: "ما كان أحسن زيدًا". هذا موضع رابع أضيفوه أيها الأحبة، لم أذكره على السبورة، أن تأتي "كان" زائدة فاصلة بين "ما" التعجبية والفعل الواقع بعدها، سمه فعل التعجب، ما عندي مشكلة، فنقول: "ما كان أحسن زيدًا".

أصل الجملة قبل إدخال "كان": "ما أحسن زيدًا"، أو "ما أجمل السماء". "ما" للتعجب مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، و"أحسن" فعل ماضٍ لإنشاء التعجب، وهو فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا، وقلنا هذه من المواضع التي يستتر فيها الضمير وجوبًا عندما عددنا مواضع استتار الضمير وجوبًا، ومنها بعد فعل التعجب، ففاعل "أحسن" ضمير مستتر وجوبًا تقديره "هو"، و"زيدًا" مفعول به لـ "أحسن"، وجملة "أحسن هو زيدًا" في محل رفع خبر المبتدأ "ما".

إذن "ما" مبتدأ، و"أحسن هو زيدًا" هذه الجملة هي الخبر، وكان "كان" جاءت فاصلة بين "ما" وبين فعل التعجب "أحسن". الآن يمكن أن لا تجعل حالة التعجب حالة استثنائية، يمكن أن تلحقها بما أنه إذا كانت "ما" مبتدأ و"أحسن" وزيدًا خبر، إذًا ما جاء الفاصل بين المبتدأ والخبر، فيمكن أن تردها إلى الحالة الثانية.

ظهر لي الآن أنه يمكن أن ترد إلى الحالة الثانية، ويمكن أن تتبع طريقة الترتيب التي تعود لك أيها الطالب، فتقول: "فصلت "كان" بين المبتدأ والخبر"، فيكون من أنواع الفصل بين المبتدأ والخبر. ويمكن أن تجعلها قسمًا مستقلًا لكي تضبطها لأنها في الحقيقة كثيرة، فتقول: "تأتي زائدة بين "ما" التعجبية وجملة الخبر"، فتقول: "ما كان أحسن زيدًا"، "ما كان أجمل السماء". فأنت مخير بين أن تعيدها إلى الفصل بين المبتدأ والخبر، وهذا جيد لكي تقلل الأقسام عليك، وبين أن تجعلها قسمًا مستقلًا.

إذن "ما كان أحسن زيدًا" أصلها "ما أحسن زيدًا"، فزيدت "كان" بين "ما" وفعل التعجب. لذلك "أحسن" نسميها فعل التعجب. ولا نعني بزيادتها أنها لم تدل على معنى البتة، لا، بل معنى الزيادة أنها لم يؤتَ بها للإسناد. ما معنى ذلك؟ يعني أنها لم يؤتَ بها لتأخذ فاعلاً، فتكون "كان" مسندًا والفاعل الذي بعدها مسندًا إليه، فلم يؤتَ بها لعملية إسنادها إلى فاعل يأتي بعدها، بل أتي بها بمجردها لتكون مفيدة للتوكيد. ولم يؤتَ بها ليسند إليها فاعل أو اسم، يعني إذا كانت ناقصة سيسند إليها الاسم، وإذا كانت تامة سيسند إليها فاعل، أما إذا كانت زائدة فلن يسند إليها لا اسم ولا فاعل، بالتالي هذا معنى زيادتها: أنها لم يؤتَ بها للإسناد وإنما أوتي بها للتوكيد.

انتهينا من الخصيصة الأولى لـ "كان"، ننتقل للميزة الثانية.

قال: وحذف نون مضارعها، وحذف؛ معطوفة على ماذا أيها الأحبة؟ معطوفة على ماذا؟ لماذا جاءت مجرورة في المتن؟ يقول: «وحذفي»، لا، أحسنت، «وحذفي» معطوفة على كلمة «زيادتها» في الفقرة السابقة، وفي العبارة السابقة في المتن. وتقدير الجملة -قال الآن في تقدير الجملة كاملاً متن السابق مع العبارة التي بين أيدينا الآن-: «تختار كان بجواز زيادتها متوسطة وبجواز حذف نون مضارعها». فهو أراد أن يبين أن الحذف الذي سيذكره الآن على سبيل الجواز أيضًا، كما أنه يجوز أن تأتي زائدة في اللغة العربية؛ يجوز ولا يجب.

يجوز ماذا؟ حذف نون مضارعها؛ بما أنها جاءت معطوفة فجاءت مجرورة، أي: «وكان بجواز زيادتها وبجواز حذف نون مضارعها». جميل أيها الأحبة؟ إذاً هذه مسألة جديدة: «وحذف نون مضارعها المجزوم وصلاً إن لم يلقَها ساكن ولا ضمير نصب متصل». مسألة تتعلق «كان» حينما تكون بصيغة المضارع المجزوم. يقول ابن هشام في المتن: «تختص كان بأمور، منها مجيئها زائدة»، وقد تقدمت هذه المسألة السابقة، «ومنها جواز حذف آخرها». ما المراد بآخرها؟ النون، هذا المراد بآخرها؛ جواز حذف آخره أي حذف النون.

وذلك بخمسة شروط؛ هذه مسألة فرعية تختص بـ«كان»، وهي أنه يجوز حذف النون من «كان» في اللغة العربية، لكن بكم شرط؟ قال ابن هشام: «بخمسة شروط». الآن نعددها واحدًا واحدًا: أولًا: أن تكون «كان» بصيغة المضارع. متى تزاد؟ إذا كانت بصيغة الماضي، هذه الميزة تختص بـ«كان» إذا كانت بصيغة المضارع، أي بلفظ المضارع.

الشرط الثاني: أن يكون هذا المضارع مجزومًا، وقيدها: أن يكون هذا المضارع مجزومًا بالسكون؛ لإخراج المضارع المجزوم بحذف النون الذي هو من الأفعال الخمسة، فالمراد المضارع هنا المجزوم بالسكون فقط، هو لم يقيدها هنا لكن هذا هو المراد، أي أن تكون مجزومة بالسكون فقط.

الشرط الثالث: أن تُحذف النون من المضارع المجزوم في حالة وصل هذا المضارع المجزوم بما بعده؛ فإذا وقفت على هذا المضارع المجزوم بالسكون لا يجوز حذف النون، بل يجب إبقاء النون، وأما متى تسقطها؟ في حالة وصل هذا المضارع المجزوم بالسكون بما بعده، في حالة الوصل وليس الوقف.

الشرط الرابع: أن لا يكون المجزوم بالسكون متصلًا بضمير نصب؛ يعني باختصار ألا يكون الخبر ضمير نصب متصل بها، فإذا كانت مجزومة بالسكون ومعها ضمير نصب متصل بها، ففي هذه الحالة لا يجوز أيضًا حذف النون.

الشرط الخامس: ألا يأتي بعدها ساكن أيضًا؛ فإذا كان عنده -عفوًا- يكون مجزومًا بالسكون ولكن بعدها ساكن أيضًا، لا يجوز حذف هذه النون بل يجب إبقاؤها مكسورة تخلصًا من التقاء الساكنين.

سأعيد شرح هذه الشروط بإذن الله، لكن احفظها ابتداءً وعددها. متى يجوز حذف النون من «كان»؟ إذا كانت بصيغة المضارع المجزوم بالسكون في حالة الوصل، ولم يتصل بضمير نصب ولا بسكون. مثال ذلك، كقوله تعالى على لسان مريم: ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]. أليس هكذا نقرأه أيها الأحبة؟ «لم أكُ بغيًا».

كيف صارت «أكُ»؟ من أين أتت كلمة «أكُ»؟ أصلها يكون؛ سأذهب إلى السبورة. أصلها «لم أكن بغيًا». الفعل المضارع الذي بين أيدينا الآن، «كان»، قد يكون مضارعه مبدوءًا بالهمزة إذا كان للمتكلم، أو بالنون إذا كان للغائب، أو بالياء أو التاء؛ هذه أحرف المضارعة. هنا حرف المضارعة الذي بدأت به هو همزة المتكلم لأن مريم تتكلم عن نفسها، أصلها «أكون»، هذا هو الفعل المضارع في حالته الطبيعية.

دخل عليه جازم، علامة جزم «أكون» ستكون السكون، ليس حذف النون؛ فحذف النون يكون في الأفعال الخمسة، فهنا علامة جزمها السكون. انتبهوا الآن ماذا سيحدث؛ النون ساكنة، والواو التي قبل النون أيضًا ساكنة في وضعها الطبيعي، فهنا التقى ساكنان، والسابق منهما حرف لين. وإذا التقى ساكنان وكان الأول حرف لين (ألف أو واو أو ياء)، فإن حرف اللين يحذف؛ هكذا نتخلص من التقاء الساكنين في هذه الحالة، فأصبح «أكن».

هذه الحالة الطبيعية: «لم أكن»، فيجوز أن تقول: «لم أكن واقفًا»، «لم أكن جالسًا»، «لم أكن نائمًا»، جملة صحيحة ما فيها أي إشكال. لكن يجوز جوازًا في اللغة العربية -وليس لزومًا- أن تُحذف هذه النون، وهذا بناءً على السمع عن العرب؛ سمع عن العرب أنها تجوز حذف النون، فيبقى الفعل بعد حذف النون «أكُ»، وهذا هو الذي ورد في الآية: ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.

لكن حتى نقول «أكُ»، لابد أن نتأكد من استكمال جميع الشروط؛ الشرط الأول أن يكون مضارعًا مجزومًا بالسكون، وقد ذكرنا الشروط التي ذكرناها ابتداءً. بقي ثلاثة شروط يجب أن نتأكد منها: الشرط الثالث أن يكون الحذف في حالة الوصل، وسأترك الوقف لآخر شيء لأن فيه نقاشًا، والشرط الرابع ألا يتصل هذا الفعل المضارع بضمير نصب؛ فإذا اتصل الفعل المضارع المجزوم بالسكون بضمير نصب لا يجوز حذف النون أبدًا، هكذا سمع عن العرب. فإقول مثلاً...

«لم أكنه»، ما كنت أنا هو، «لم أكنه». «أكن» مجزومة، لكن هل يجوز حذف النون في هذه الحالة؟ أقول: «لم أكن»؟ لا يجوز، لماذا؟ لأن الفعل المضارع المجزوم هنا بالسكون اتصل بضمير نصب وهو الهاء.

هذه جملة «لم أكنه» أي «لم أكن أنا هو»، فـ «أكن» اسمها ضمير مستتر وجوبًا تقديره «أنا»، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب خبر «أكن». هذا إعراب الجملة، ولا يجوز حذف النون في هذه الحالة؛ لأن الفعل المضارع المجزوم بالسكون اتصل بضمير نصب، ولم يُسمع عن العرب حذف النون في هذه الحالة. في حالة اتصال الفعل المضارع المجزوم بالسكون بضمير النصب، فهذه الحالة لم تتوفر فيها شروط الحذف فلا يجوز الحذف.

الشرط الرابع: ألا يتصل بسكون بعدها. أنا أحاول أن آتي بعبارة مفهومة أكثر للطالب؛ ألا يتصل بسكون بعدها. إذا جاءت عندي «أكن» مجزومة، مثل: «لم أكن» أو «لم تكن» أو «لم يكن»، ما عندي مشكلة، إذا جاء المضارع مجزومًا بالسكون، ولكن بعده في مطلع الكلمة التي تليها حرف ساكن، في هذه الحالة لا يجوز حذف النون بل نطق النون، لكننا سنبقيها مكسورة تخلصًا من التقاء الساكنين.

مثال ذلك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1]. لاحظوا عندي «يكن» فعل مضارع مجزوم بالسكون، جميل، لم يتصل به ضمير نصب، لكن المشكلة التي وقعت عندنا هنا أن بعد النون اتصل بها حرف ساكن، والمراد بالاتصال ليس في نفس الكلمة؛ لذلك أنا تحرجت قبل قليل حين قلت: «اتصل»، لكن البعض يعبر بالاتصال في نفس الكلمة، وإنما المراد أنه بعد النون جاء حرف ساكن في مطلع الكلمة التي تليها.

فنقول: «لم يكن الذين»، أين السكون؟ على النون. أليست «ال» سواء كانت تعريفية أو زائدة أو موصولية، مهما جاءت في اللغة العربية فاللام تكون ساكنة، «يكن» ماذا؟ ساكنة. طبعًا هذه الألف لما نصل النون بـ «الذين»، همزة الوصل هذه تسقط، لا عبرة لوجودها في حالة الوصل، عندما أصل النون بـ «الذين» هذه همزة في المنتصف بين النون واللام، وهذه همزة وصل تسقط في درج الكلام، هذا تعريف همزة الوصل.

«الذين» ألفيتها ليست تعريفية، بل هي زائدة لازمة تدخل على الأسماء الموصولة. لو بقيت على الحالة الأصلية: «يكن»، «يكن» فعل مضارع مجزوم بالسكون، ممتاز، لكن النون ساكنة، واللام في «ال» الزائدة هنا أيضًا ساكنة، فالتقى عندي ساكنان: النون الساكنة واللام الساكنة. ماذا يحدث الآن؟ لا يوجد عندنا حذف؛ لأنه ليس حرف لين. ما هي القاعدة في التخلص من التقاء الساكنين إذا التقى ساكنان والأول ليس حرف لين؟ احفظ البيت: «إنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا؛ اخْسِرْ مَا سَبَقَا».

فهنا التقى ساكنان والأول ليس حرف لين، فيجب كسر الحرف السابق، فتصبح «لم يكنِ»، اصبحت «لم يكنِ» حتى نتخلص من التقاء الساكنين. «لم يكنِ» في اللفظ، أنت لا تنظر إلى الصورة، انظر واسمع لفظك؛ «لم يكنِ»، تنتقل من النون إلى اللام، فاضطررنا أن نكسر النون تخلصًا من التقاء الساكنين، وبالتالي في هذه الحالة أيضًا لا يجوز حذف النون، بل تبقى مكسورة.

إذن، حتى تُحذف النون، الشروط هي: مضارع مجزوم بالسكون، ألا يتصل بضمير نصب، وألا يتصل بسكون بعده. يجب أن تتوفر كل هذه الشروط، وبقي الشرط الخامس والأخير وهو مثار الجدل، وهو أن يكون في حالة الوصل.

الشرط الخامس أيها الأحبة، أن يكون الحذف في حالة الوصل فقط، فإذا وقفت يجب إعادة النون. مثلاً: «لم يك محمدٌ» واقفة، الآن: «لم يكُ محمدٌ واقفًا». عندي فعل مضارع مجزوم بالسكون لم يتصل به ضمير نصب ولم يتصل به سكون بعده، توفرت جميع الشروط الأربعة، والآن الشرط الخامس يقول: إذا أردت أن تحذف النون، يجوز حذفها في حالة الوصل فقط؛ تقول: «لم يكُ محمدٌ واقفًا»، أما إذا أردت أن تقف، فلا يجوز أن تقول: «لم يكْ»، بل يجب أن تقف بالنون، فتقول: «لم يكنْ»، لا تقف على الكاف.

هذا الشرط الخامس الذي ذكره ابن هشام هو مثار جدل؛ لماذا قالوا إن الحذف يتعلق بحال الوصل فقط؟ فإذا وقفت يجب إعادة النون. هناك قاعدة ذكرها بعض النحاة، مثل ابن مالك رحمه الله، أن الفعل إذا بقي على حرف واحد، مثل «وعى» فعل الأمر منه «عِ»، و«وقى» فعل الأمر منه «قِ»؛ هذا درسناه في علم الصرف. إذا وقع «قِ» و«عِ»، فعل الأمر بقي على حرف واحد بعد كل عمليات الحذف التي حدثت، عندما أقف.

الفعل سواء كان فعل أمر أو فعل مضارع، أي فعل وقفت عليه وكان مبناه من حرف واحد، في الصورة النهائية إذا وقفت على هذا الفعل الذي مبناه من حرف واحد يجب أن تلحق هاء السكت به. فلا يجوز أن أقول عي وأسكت، يجب أن أقول عِهْ، فعل الأمر من وعى.

وعى محمد الدرس، إذا أردت أن آمر طالباً أمامي أن يعي الدرس، ماذا أقول؟ عِ. الآن إذا وقفت أقول عِهْ. أما إذا قلت "عِدْ درسه" فلا حاجة لهاء السكت، "عِدْ" فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والدرس مفعول به.

المشكلة إذا وقفت على "عِ"، لا يجوز أن أقول "عِ" وأسكت، لأن العرب لا تقف إلا على ساكن، ولن تقف على متحرك. فلو أني وقفت على "عِ" وقيس أخف بالسكون لا يصلح. فقال ماذا نفعل؟ قالوا نأتي بهاء السكت، نقول "عِهْ"؛ جاءوا بهاء السكت حتى تبقى الكسرة ظاهرة على العين، وإلا تقف على حرف واحد بالسكون لن تستفيد أي شيء، وليست كلمة عربية بهذه الصورة. إذا قلت "عِهْ" يكون جميلاً، وهذا فيما إذا بقي الفعل على حرف واحد، وهذه القضية متفقين عليها تقريباً.

أما الفعل الذي يبقى على حرفين في حال الوقف عليه، فهل يجب الاتيان بهاء السكت؟ الأفعال والأسماء مبناها الطبيعي من ثلاثة أحرف فصاعداً، فوجودها على حرف أو حرفين هذا خلاف الأصل. ما مثال ذلك؟ مثلاً "يبيع"، لا أقول "بي"؛ بل آتي بمضارع "وعى"، ومضارعه "يعي"، وإذا جزمته تقول "لم يعِ"، علامة جزمه حذف حرف العلة، فالفعل المضارع الآن موجود على حرفين.

إذا بقي الفعل على حرفين، هل يجوز الوقف عليه من دون الإتيان بهاء السكت؟ أم يجب الإتيان بهاء السكت أيضاً في هذه الحالة؟ فإذا قلت: "لم يعِ محمد الدرس"، وأردت أن أقف على "يعِ"، هل يجوز أن أقف من دون الإتيان بهاء السكت؟ أم يجب الإتيان بهاء السكت فأقول "لم يعِهْ"؟ طبعاً "يعِهْ" هنا ليس الضمير، بل هي ياء السكت.

باختصار، هل يجب الإتيان بهاء السكت أم لا؟ هذا محل خلاف. ابن مالك في الألفية اختار وجوب الإتيان بهاء السكت في هذه الحالة أيضاً. أما ابن هشام في "أوضح المسالك" فقد شدد النكير على ابن مالك في هذا المذهب، وأنكر عليه وقال: لا يجب الإتيان بهاء السكت في هذه الحالة، فيجوز الوقف على الفعل إذا بقي على حرفين من دون الحاجة إلى هاء السكت.

لكن المشكلة أن ابن هشام في "قطر الندى" وافق ابن مالك على وجوب الإتيان بهاء السكت. هذه المشكلة التي بين أيدينا الآن؛ أن ابن هشام في "قطر الندى" وافق ابن مالك على وجوب الإتيان بهاء السكت في حالة بقاء الفعل على حرفين.

سأحاول أن أنتقل بك بالمعلومة وأرتقي رويداً رويداً حتى تفهم وجهة نظر ابن هشام. ابن هشام في "قطر الندى" اختار مذهب ابن مالك في وجوب الإتيان بهاء السكت حال الوقف إذا بقي الفعل على حرفين، وأما في "أوضح المسالك" فاعترض على ابن مالك وأنكر عليه هذا المذهب.

يقول ابن هشام في "قطر الندى" الذي وافق فيه ابن مالك: "لم يعِ" إذا أردت أن تقف عليها يجب أن تقول "لم يعِهْ"، أضف هاء السكت. فلو جاز حذف النون في حالة الوقف أيضاً في مثل "لم يكن"، ماذا سيحدث؟ يقول ابن هشام لو أني جوزت حذف النون في حالة الوقف، سيقف المتكلم على حرفين، مثل الفعل المضارع المجزوم بعد حذف النون "لم يكِ".

لكن هناك فرق دقيق بين "لم يكِ" و"لم يعِ"، وهذا فرض جوهري جداً سينبني عليه الكلام: أن حذف الحرف الثالث في "يعِ" هو للاعراب، بينما حذف النون من "يكن" ليس للاعراب. الفرق بينهما أن "يعي" لماذا حذفنا حرفها الثالث؟ لأنه علامة جزم.

فعل المضارع المعتل الآخر، حذف حرف العلة؛ فحذف الحرف الثالث هنا وجوبًا لأنه علامة إعرابية، حذف الحرف الثالث هنا علامة إعرابية. بينما في «لم يكن» حذف الحرف الثالث وهو النون، هل هو علامة إعرابية؟ لا، لأن الفعل ملزوم السكون أصلاً، فحذف النون ليس علامة إعرابية وهو حذف جائز، إذاً في فرق بين «لم يعِ» و«لم يكن». في «لم يعِ» الحذف واجب؛ لأن سبب الحذف هو علامة إعرابية. كما في «لم يكن»، حذف النون ليس علامة إعرابية، فبالتالي هو حذف جائز.

في فرق بين الصورتين، لكن المحصل النهائي أنه «لم يعِ» على حرفين، و«لم يك» على حرفين. وابن هشام بما أنه وافق ابن مالك في قطر الندى، فإنه يرى عدم جواز الوقوف على الفعل الذي بقي على حرفين إلا بالإتيان بهاء السكت. بما أنه اختار ابن مالك، إذاً هو يرى أنه لا يجوز الوقف على الفعل الذي بقي على حرفين إلا بالإتيان بهاء السكت، لذلك هو يقول: «لم يعِه» هكذا تقف.

فلما جاء ابن هشام على «لم يك»، انظروا كيف تحليلي بنيان القضية؟ قال الفعل إذا بقي على حرفين لا يجوز الوقوف عليه إلا بهاء السكت، هذه هي القاعدة. في «لم يعِه»، فلماذا اضطررت أن آتي بياء السكت؟ لأن الفعل بقي على حرفين، وبقاؤه على حرفين أصلاً واجب؛ لأن الحرف الثالث المحذوف محذوف لأنه علامة إعرابية.

أما «لم يك»، هل هناك شيء يوجب أصلاً بقاءه على حرفين؟ في «لم يعِ» لماذا هناك شيء يوجب بقاءه على حرفين؟ لأنه الحرف الثالث المحذوف محذوف وجوبًا لأنه علامة إعرابية. بينما «لم يكن»، هل هناك شيء يوجب وجوبًا أن يبقى على حرفين؟ نقول ما في شيء يوجب أن يبقى على حرفين، والحرف الثالث المحذوف محذوف جوازًا. في «لم يكن» النون المحذوفة محذوفة وجوبًا لا جوازًا، فهو يقول: «لم يك».

الآن هي على حرفين، بدي أطبق قاعدة الفعل الذي بقي على حرفين في حالة الوقف؛ آتي بهاء السكت. سأقول في «لم يكن» حين الوقف: «لم يكه»، آتي بهاء السكت. هكذا الترتيب المنطقي. أنا لو أردت أن أطبق قاعدتي أن الفعل الذي بقي على حرفين في حالة الوقف عليه أقف بهاء السكت، ماذا سأقول؟ سأقول «لم يكه».

قال: طب لماذا أقول «لم يكه» وآتي بهاء السكت حرفًا زائدًا؟ مع أني أستطيع أن أرجع الحرف الثالث الذي هو من الكلمة من دون أي محظور، وهو النون. لماذا في حالة الوقف، بدل ما آتي بهاء السكت حرفًا أجنبيًا، ليش ما آتي بنفس الحرف الثالث إذا كان هو أصلاً محذوفًا على سبيل الجواز؟ فارجع الحرف الثالث، في حال الوقف أقول «لم يكن».

أيهما أولى أن تأتي بحرف أجنبي على الكلمة (هاء السكت)، ولا أعيد الحرف المحذوف إذا كان حذفه على سبيل الجواز؟ إعادة الحرف الذي هو من بنية الكلمة إذا كان حذفه جائزًا وليس واجبًا أولى من الإتيان بحرف أجنبي. بينما في «لم يعِ» لا أستطيع أن أعيد الحرف الثالث؛ لأن الحرف الثالث المحذوف محذوف وجوبًا لأنه علامة إعرابية، فبالتالي أنا مضطر للإتيان بحرف أجنبي وهو هاء السكت.

فهمتم الفرق بين حالتين؟ في «لم يعِ» لماذا لا أستطيع في حال الوقف أن أعيد الحرف الثالث؟ الياء لأن الحرف الثالث محذوف وجوبًا لأنه علامة إعرابية، فبالتالي لا أستطيع أن أعيده في حال الوقف، فأنا مضطر أن آتي بهاء السكت. بينما في «لم يكن»، الحرف الثالث المحذوف ليس محذوفًا لأنه علامة إعرابية، بل محذوف جوازًا، سمعنا عن العرب حذفه على سبيل الجواز، فإذا وقفت لماذا نأتي بهاء السكت أجنبي؟ أن آتي بالحرف الثالث الذي هو من الكلمة أولى.

هذه وجهة نظر ابن هشام، لذلك قال: حذف النون شرطه الخامس أن يكون في الوصل فقط، فإذا وقفت يجب إعادة النون. إذاً هذا كله أصلاً مبني على ماذا؟ على أن ابن هشام في الندى اختار مذهب ابن مالك أنه لا يجوز الوقف على الفعل إذا بقي على حرفين إلا بالإتيان بهاء السكت. في «لم يك»، لماذا آتي فيها بهاء السكت؟ لا، آتي بالحرف الأخير المحذوف جوازًا.

لكن على مذهب ابن هشام في أوضح المسالك، وهو مذهب طائفة كبيرة من النحاة، وهو أنه يجوز الوقف على الفعل الذي بقي على حرفين من دون الإتيان بهاء السكت أصلاً. لاحظوا، لو أننا اخترنا مذهب ابن هشام في أوضح المسالك، ومذهب -لا أريد أن أقول الأكثر لأنه ما عندي استقراء حقيقي- لكن مذهب كثير من النحويين يجوزون الوقوف على الفعل إذا بقي على حرفين من دون الإتيان بهاء السكت، فيقولون: «لم يعِ» يجوز أن أقول «لم يعْ»، وبالتالي «لم يك» يجوز أن أقف عليها وأقول «لم يك».

بالتالي على هذا الرأي الثاني -أيها الأحبة- وهو الرأي الذي يقول يجوز الوقوف على الفعل الذي بقي على حرفين من دون الإتيان بهاء السكت، يجوز حذف النون من الفعل المضارع المجزوم، يكون أو أكون، سواء في حالة الوصل أو في حالة الوقف.

لقد فصلت كثيرًا في المسألة حتى تعرفوا أن هذا الشرط الخامس (أن يكون الحذف في حال الوصل فقط) ليس متفقًا عليه، وإنما مأخذه عدم جواز الوقوف على الفعل الذي بقي على حرفين إلا بالإتيان بهاء السكت. وإنما من يرى جواز الوقوف على الفعل الذي يبقى على حرفين من دون الإتيان بهاء السكت، هذا يجوز حذف النون من الفعل المضارع المجزوم: يكون أو أكون أو تكون، سواء في حالة الوصل أو في حالة الوقف.

ممتاز، بقي إذاً ما هي الشروط الخمسة لحذف النون "يكون" على طريقة ابن هشام في قطر الندى؟ نعيد شرحها سريعًا، نعدّدها سريعًا: حتى تُحذف النون يجب أن تكون: يكون، أو أكون، أو نكون، المهم بصيغة المضارع، لا تُحذف النون من الماضي ولا من الأمر، تُحذف من المضارع. أن يكون هذا المضارع مجزومًا بالسكون. أن لا يتصل به ضمير نصب. أن لا يكون بعده حرف ساكن، أو ألا يتصل به حرف ساكن في مطلع الكلمة التي تليها. أن يكون الحذف في حال الوصل فقط وليس في حال الوقف.

هذه الشروط الخمسة حتى يجوز حذف النون أصلاً.

الجواز وليس على الوجوب أصالة. بقيت قضية بالنسبة لما يتعلق بالشرط الخامس، وهو أن يكون الحذف في حال، كما يقول ابن هشام، الوصل فقط، وفي حال الوقف يجب إعادة النون.

هذا سيشكل علينا في قضية القرآن الكريم أيها الأحبة، سيشكل في قضية الوقف في القرآن الكريم. الآن على طريقة ابن هشام في "قطر الندى" على ما اختار هنا، يقول: حذف النون في حالة الوصل، وفي حالة الوقف يجب أن تعيد النون. الآية القرآنية ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾، كيف نقف؟ لو أن شخصًا انقطع نفسه الآن، يا علماء التجويد، الطلبة الذين يهتمون بعلم التجويد، أنتم الآن انقطعتم عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَمْ أَكُ﴾. انقطع نفس القارئ عند ﴿لَمْ أَكُ﴾، ما استطاع أن يقرأ "بغيًا" معهم، قطع نفسه، كيف يقف؟ ما رأيكم تفضلوا؟

على طريق ابن هشام يقول: "أنا عرفت من هنا حذفت النون جوازًا"، وابن هشام يقول الحذف في حال الوصل فقط، إذا وقفت يجب إعادة النون. هل ابن هشام بناءً على هذا، فيما سوى القرآن، مثلاً في جملة "لم يكن محمدٌ واقفًا"، يقول ابن هشام: إذا وقفت قل "لم يكن"، وإذا أكملت قل "لم يكن محمدًا واقفًا"؟ في حالة الوقف تعيد النون، وفي حالة الوصل أسقطت النون، ما عندي مشكلة، إذاً في غير القرآن طريقته مطردة بنجاح.

لكن في القرآن ماذا سيفعل ابن هشام؟ هل سيطبق قاعدته؟ أنه تحذف منه فقط في حال الوصل وفي حالة الوقف يجب إعادة النون؟ هل سيقف ابن هشام على قوله تعالى: ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾؟ هل يقول: "لم أكن بغيًا"؟ عفواً: "لم أكن" ويسكت؟ هل سيزيد ابن هشام النون؟ يقول: "لم أكن".

في الحقيقة أيها الأحبة، القرآن له وضع خاص. نقل أن بعض أجمع قراء القرآن على أنه هذه الآية إذا وقفت عليها تقول "لم أكُ" ولا تعيد النون. طيب، ابن هشام بماذا سيجيب؟ الآن ابن هشام في ورطة، لأنه هو الآن في إجماع على أن هذه الآية إذا وقف عليها يوقف على الكاف ولا يعيد النون في حالة الوقف، فبماذا يجيب؟

أجاب الخضري في "الحاشية" على "ابن عقيل" أن القرآن أحكام الوقف فيه تتبع الرسم فقط. إن هناك خصيصة تتعلق بالقرآن الكريم أيها الأحبة لا توجد في سائر الكلام، وهو أن مسالك الوقف والابتداء فيه تعتمد على الرسم المرسوم أمامك في المصحف، ولا تعتمد اعتمادًا كليًا على قواعد النحو. يعني رسم المصحف يؤثر في عمليات الوقف، وليس فقط قواعد النحو هي التي تؤثر في عمليات الوقف والابتداء.

الأصل والأغلب أن قواعد الوقف والابتداء في القرآن هي قواعد علم النحو، لكن هناك أمور للقرآن له فيها خاصية لا توجد في سائر الكلام العربي الفصيح، وهو أن أحكام الوقف تتبع الرسم فقط. فابن هشام في مثل هذه الآية سيقف على الكاف ولم يطبق قاعدته وجوب إعادة النون. لماذا لم يطبقها وهو يؤمن بها؟ لأنه وقفة في القرآن الكريم خاصة تعتمد على صورة الرسم، وفي الرسم أمامنا لا توجد النون، بالتالي الوقف سيكون على الكاف.

الطالب سيشكل عليه الآن؛ هو يقرأ قاعدة ابن هشام في "قطر الندى" يقول: الحذف في حال الوصل، وفي حالة الوقف يجب إعادة النون، إذاً الآية القرآنية ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ سيقرأها ابن هشام: "لم أكن بغيًا" سيعيد النون؟ أقول لا، ابن هشام لن يقف على هذه الآية بالنون، لن يطبق قاعدته؛ لأن القرآن الكريم أحكام الوقف فيه تتبع الرسم فقط ولا تتبع دائمًا قواعد علم النحو. لذلك سيخالف ابن هشام قاعدته على الكاف ولن يأتي بالنون اتباعًا لرسم المصحف، وأما في غير القرآن سيطبق قاعدته.

وأما الذين يخالفون ابن هشام في "قطر الندى" ويوافقونه في أوضح المسالك، أنه لا يجب الإتيان بهاء السكت إذا بقي الفعل المضارع، وبشكل عام إذا بقي الفعل على حرفين، فليس عندهم مشكلة في الوقف على الكاف. من يرى أصلاً جواز الوقف على الفعل إذا بقي على حرفين من دون الإتيان بهاء السكت ما عنده مشكلة في الوقف على "لم أكُ". لكن الذي سيجد مشكلة هو ابن هشام الذي اتبع ابن مالك في أن الفعل الذي يبقى على حرفين يجب الإتيان بهاء السكت بعده في حالة الوقف. ففي المصحف هم سيطبقون قاعدة اتباع رسم المصحف، وفي غير المصحف سيتبعون رأيهم النحوي. فقط، هذا من باب تجلية الموضوع بقدر الإمكان.

كم ذهب من الوقت؟ طيب، إذاً أيها الأحبة، اليوم في نفس ما شاء الله، قال: "أنا سأقرأ سريعًا كلام ابن هشام". قال ابن هشام: "تختص كان بأمور ابنها مجيئها زائد وقد تقدم، ومنها حذف آخرها جواز حذف آخرها، وذلك بخمسة شروط، وهي: أن تكون بلفظ المضارع، وأن تكون مجزومة، وألا تكون موقوفًا عليها - وعرفنا الخلاف في هذا الشرط - ولا متصلة بضمير نصب، ولا بساكن". لاحظوا حتى ابن هشام استخدم تعبير "بساكن" مع أن السكون ليس متصلاً معها في الكلمة نفسها وإنما هو في مطلع الكلمة التي تليها.

وذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾، أصله "أكونُ" فحذفت الضمة للجزم، أي الضمة يقصد "أكونُ" هي الفعل المضارع، حذفت الضمة ووقف على النون بالسكون. وحذفت الواو، قال: "والواو للساكنين"، لماذا حذفت الواو وأصبحت "أكن"؟ منعًا لالتقاء الساكنين، وهذا أيضًا حذف واجب. قال: "والنون"، وحذفت النون، لماذا؟ قال: "للتخفيف".

يعني كل حرف النون هنا أصلًا سببه عند العرب هو التخفيف على اللسان فقط، اطلبوا التخفيف، لا يوجد شيء يوجب حذف النون. لماذا ما ريحونا وذكروا النون؟ نقول: لماذا النون تخفيفًا على اللسان، والعرب تريد أن تخفف، أن تقتصر، وهذا فنها وهم أربابه. قال: "والنون للتخفيف"، انظروا ماذا قال؟ قال: "وهذا الحذف جائز"، أي حذف النون للتخفيف جائز، والحذفان الأولان واجبان.

ما هما الحذفان الواجبان؟ قوله: "والحذفان الأولان واجبان"، حذف الضمة لأنه حذف الضمة والوقوف على السكون واجب لأن علامة الجزم الوقوف على السكون، وحذف الواو منعًا لالتقاء الساكنين. أريدك أن تفهم معنا هذه العبارة إذاً، "وهذا حذف جائز" الإشارة إلى حذف النون أن حذف النون جائز ليس واجبًا، أما حذف الضمة للجزم وحذف الواو للتخلص من التقاء الساكنين فهذا واجب.

ثم الآن أراد أن يبين المستثنيات، قال: "ولا يجوز الحذف في نحو لم يكن الذين كفروا". لماذا لا يجوز الحذف؟ يلا سريعًا من عندكم.

لماذا لا يجوز في نحو «لم يكن الذين كفروا»؟ لأن النون جاء بعدها ساكن موجود في أول مطلع الكلمة التي تليها على اللام بالزائدة. قال: لأجل اتصال الساكن بها فهي مكسورة لأجله. شايف، قال: لا يجوز لأحد في نحو «لم يكن الذين كفروا» لأجل اتصال الساكن بها فهي مكسورة لأجله، أي من أجل التخلص من التقاء الساكنين.

فانظر عبارة ابن هشام اللطيفة هنا، قال: «فهي» أي النون «عاصية على الحذف لقوتها بالحركة». لما كانت النون ساكنة في الحالة الطبيعية في حالة الجزم، سهل حذف الحرف الساكن، أما هنا لما اتصلت النون بساكن بعدها فاضطررنا أن نكسر النون تخلصًا من التقاء الساكنين، فأصبحت النون متحركة، والحرف المتحرك يعتصى صعب تحذفه من بنية الكلمة، قال: «عاصية على الحذف لقوتها بالحركة».

قال: «ولا في نحو إن يكنه فلن تسلط عليه». هذا في حديث ابن صياد لما استأذن عمر النبي ﷺ في قتله، فقال: «إن يكن هو فلن تسلط عليه». مش أنت راح تقتله يا عمر؟ قال: «إن يكنه». لماذا لا يجوز حذف النون من «إن يكنه»؟ «يكن» فعل مضارع مجزوم بالسكون، وجزم أداة الشرط؛ لأنه اتصل بضمير النصب الهاء. قال: «الاتصال بالضمير المنصوب بها».

طيب شو يعني؟ يعني إيش المشكلة؟ يعني اتصل بها الضمير، لماذا لا يجوز الحذف؟ هكذا ابن هشام يتوقع أن الطالب سيسأل: إيش المشكلة؟ اتصل بـ «يكن» ضمير النصب «يكنه»، لماذا لا تخفف هذه النون الساكنة؟ هي غير عاصية على الحذف. قال: «الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها». الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، هذه قاعدة صرفية أكثر منها نحوية تدرس إن شاء الله في علم الصرف، وربما أشرنا إلى أنه الضمائر -أيها الأحبة- في كثير من الأحيان عندما تتصل بالكلمات ترد الكلمات إلى أصولها.

أعطيك مثالًا سريعًا: «رمى»، هذه الألف منقلبة عن ياء، كيف يستدلون على ذلك؟ يقولون: صل ضمير رفع متصل بفعل «رمى»، إيش تقول؟ «رميت»، «رمينا»، صح؟ وصلت ضمير الرفع المتحرك بالفعل «رمى»، أعاد الألف إلى أصلها الياء. «رميت»، كيف الضمير أعاد الكلمة إلى أصلها؟ «دعا»، صلّها مثلاً بتاء المتكلم أو المخاطبة، وإيش تقول؟ «دعوت»، الألف عادت إلى أصلها الواو، كيف بالضمير؟ فالضمائر كثيرًا ما ترد الأشياء إلى أصولها.

فإذا كانت «يكن» مجزومة بالسكون وبها ضمير، فإنه في هذه الحالة لن تحذف النون؛ لأنها لو حذفت سيعيدها الضمير. لو حذفت النون من «يكن» ثم اتصل الفعل بضمير النصب المتصل، هذا الضمير ماذا سيفعل؟ سيعيد النون، لأن الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، والأصل أن النون المذكورة مش محذوفة. فإذا حذفنا النون ثم أوصلنا هذا الفعل بضمير النصب المتصل، هذا الضمير سيقوم بإعادتها، قالوا إذاً خلاص لا نحذف النون ابتداءً إذا كان الضمير سيعيدها. لذلك في حالة اتصال الفعل «يكن» بضمير نصب متصل لا يجوز حذف النون.

قال: «ولا الموقوف عليها»، أي لا يجوز حذف النون في حالة الوقف. نص على ذلك ابن خروف وهو من المتأخرين من النحاة أيها الأحبة، قال: «وهو حسن». لاحظوا أيها الأحبة من الذي وافق ابن هشام على هذا الشرط؟ يعني ذكر ابن خروف وكم نحوي فقط الذي وافق ابن هشام على الشرط الخامس أن الحذف في حالة الوصل فقط؟ ما قال ابن خروف هو مذهب الكوفيين أو البصريين أو كذا، لا، نسبه لابن خروف وهو من متأخري النحاة، فهذا يدل على أن هذا الشرط الخامس ليس بالقوي حقيقة، وإن الحذف فيما يظهر والله أعلم يجوز في حال الوصل وفي حال الوقف. لذلك نُسب أن لا يجوز إلا في حال الوصل، وأنه لا يجوز في حال الوقف أن تقف في حذف النون، قد نص على ذلك ابن خروف وهو حسن، يعني استحسنه ابن هشام.

والآن انظروا إلى لماذا استحسنه؟ قال: «لأن الفعل الموقوف عليه إذا دخله الحذف حتى بقي على حرف واحد أو حرفين وجب الوقف عليه بهاء السكت». الآن من شأننا أن نقول: الفعل الموقوف عليه إذا دخله الحذف حتى بقي على حرف واحد نحن نوافقك على وجوب بهاء السكت، أما إذا بقي على حرفين يجب الإتيان بهاء السكت، هذا مذهبك هنا، وأنت بنفسك خالفت هذا المذهب ورددت بقوة على هذا المذهب في «إيضاح المسالك»، اختلف رأيك، فهذا اختيارك في «قطر الندى».

قال: «كقولك ع ولم يع». «ع» مثال على فعل بقي على حرف واحد، «لم يع» مثال على فعل بقي على حرفين، قال: «فلم بمنزلة لم يع»؛ من أي ناحية؟ بمنزلة من حيث إنه حذف الحرف الثالث وبقي على حرفين، لكن هناك فرق جوهري بينهما؛ أنه «لم يعِ» في الثورة محذوف وجوبًا، و«لم يكن» الحرف الثالث محذوف جوازًا. إذاً «فلم» بمنزلة «لم يعِ»، فالوقف على «لم يكن» بإعادة الحرف الأصلي اللي هو النون، إعادة الحرف الذي كان فيه أولى من اجتلاب حرف، «لم يكن» إنك تقف بالنون تقول «لم كن»، أولى من أنك تجيب حرفًا أجنبيًا زائدًا على بنية الكلمة ما كان موجودًا أصالة، تنوع هاء السكت.

فهمتم هذا التعليم؟ ولا يقال مثله قبل يا شيخ. لا، بقول لك هل يقال هذا مثله أيضًا في لميائه؟ قال: «لا، ولا يقال مثله في لم يع». لماذا ما تعيد الياء في «يعِ» بدل ما أنك تشتري بحرف أجنبي؟ قال: «لا يقال في مثله لم يعِ»، لأن إعادة الياء لو قلت «لم يعِ» بالياء أعدت الحرف الثالث لإلغاء الجازم، لأنه سيصبح الجازم كأنه غير موجود، لأن الجازم إنما ظهر أثره في حذف حرف العلة، فإذا أعدت حرف العلة كأنك لم تعبر عن الجازم بلغتنا العامية.

طيب، قال: «بخلافي لم يكن»، «الم يكن» لو أعدت النون هنا أنا لم ألغِ الجازم، لماذا؟ قال: لأن الجازم اقتضى حذف الضمة فقط لا حذف النون، بخلاف «يعِ» الجازم طلب واقتضى حتى يظهر أثره حذف الحرف نفسه، بينما في «لم يكن» الجازم ظهر أثره في السكون وحذف الضمة وليس في حذف النون، وأما حذف النون فكان مجرد تخفيف على اللسان. جيد، انتقل إلى المسألة التي تليها. المسألة.

قال: وحذفها وحدها، عفواً، وحذفها بالكسر، وحذفها معطوف على ماذا؟ أيضاً هنا نفس الشيء، وزيادتها أي، وكان بجواز زيادتها متوسطة، وحذف نون مضارعها إلى آخره، وحذفها، أي تختص كان بجواز حذفها. فهذا الحذف الجديد الذي سندرسه أيضاً أيها الأحبة حذف جائز وليس واجباً.

هذا الحذف الجديد الذي سندرسه الآن أيضاً هو حذف جائز، لكن ما الذي سيحذف؟ هذا ما قال: «وحذفها وحدها معوضاً عنها ما في مثلي أما أنت ذا نفر». هذه الحالة الأولى من الحذف. الصورة انتهينا من الحذف مع اسمها في مثل: «إن خيراً فخير»، و«التمس ولو خاتماً من حديد».

يقول ابن هشام في الشرح: من خصائص كان جواز حذفها. المحذوف الآن أيها الأحبة ليس حرفاً، المحذوف الآن كان بأسرها، من خصائص كان جواز حذفها. قال: ولها في ذلك حالتان إذا حذفناها؛ فتارة تحذف وحدها ويبقى الاسم والخبر، وتحذف كان ويبقى اسمها ويبقى خبرها مذكورين ولكن يعوض عنها بـ«ما».

الحالة الثانية: وتارة تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، ولا يعوض عنها شيء. إذاً هنا مسألتان سندرسهما أيها الأحبة: المسألة الأولى أن تحذف كان ويبقى اسمها وخبرها، وفي هذه الحالة سيعوض عن كان الزائدة. الحالة الثانية، أو المسألة الثانية، أن تحذف كان مع اسمها ويبقى الخبر، وفي هذه الحالة لن يعوض عن شيء.

نبدأ بالمسألة الأولى؛ أن تحذف كان ويبقى اسمها وخبرها ويعوض عنها بـ«ما» الزائدة. ضابط هذه الحالة، طبعاً أنت ستكتشف أن هذه الحالة ربما غريبة وقليلة الورود في سنتنا، بل حتى عند العرب عندما تقرأ أشعار العرب أو تقرأ في كلامهم ليست بكثيرة الورود. وهذه الجمل والحالات التي لا ترد كثيراً في لغة العرب، ولكن النحاة يضبطونها بقواعد وضوابط. الطالب يحتاج فيها في حقيقة الأمر إلى جهد حتى يضبطها ويفك معالمها ومراسمها بسبب قلة ورودها.

هناك أشياء قد تفهمها سريعاً يا طالب العلم لأنها كثيرة الورود، مثل: مبتدأ وخبر، فعل وفاعل، وكان ترفع خبراً؛ هذه سهلة كثيرة الورود، لكن المشكلة عندما تأتي إلى قليل الورود، وما ستحتاج إلى ذهن متقد وانتباه أكثر.

نبدأ بالحالة الأولى؛ أن تحذف كان ويبقى اسمها وخبرها، ومن يعوض عنها بما قال: «فالأول بعد أن المصدرية في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بفعل». كقولهم: «لأن كنت منطلقاً انطلقت». الآن أيها الأحبة، عندنا فعل وقع، جميل، هذا الفعل وقع نتيجة لوقوع سبب أو فعل آخر، على طريقة بني شيبان: تعليل الفعل بفعل. عندنا فعل وقع وأريد أن أبين سبب وقوع هذا الفعل، ما سبب وقوع هذا الفعل؟ يكون هذا الفعل وقع لوقوع فعل آخر.

هذه الفكرة مجملة الآن، دعونا بالإجمال. وقع عندنا فعل، مثال ذلك: انطلقت، صرت، ذهبت، نمت، شربت، أكلت؛ أوقع فعل وأريد أن أبين علة وقوع هذا الفعل، فماذا قلت؟ انطلقت لأجل كذا، انطلقت لأني حزين، انطلقت لأذهب إلى الدرس، انطلقت لأحضر تفاحة؛ هذا تعليل سبب وقوع الفعل، لماذا فعلت هذا الفعل؟ فإذا عندي فعل أريد أن أعلل سبب وقوعه، فأتيت بماذا؟ قال: مثال ذلك، فقلت: «لأن كنت منطلقاً انطلقت».

يعني ماذا؟ «لأن كنت منطلقاً انطلقت»، يعني لأنك أنت انطلقت، أنا أقول: «انطلقت لأن كنت منطلقاً». أنت تخاطب شخصاً أمامك الآن، أنت تجلس أمامي، فأنا أقول لك انطلقت ثم عللت سبب انطلاقي؛ انطلقت لأن كنت منطلقاً، يعني بالعبارة يا عمي لأنك أنت انطلقت أنا انطلقت، أليس هكذا نقول؟

لاحظوا الإتيان بلام التعليل، هذه لام حرف جر تفيد التعليل، لأنك أنت تريد أن تعلل لماذا انطلقت؛ انطلقت ليه؟ «لأن كنت منطلقاً». فعندنا إذا فعل تريد أن تبين لشخص أمامك علة قيامك بهذا الفعل فقلت له هذه العبارة: «انطلقت لأن كنت منطلقاً»، يعني سبب انطلاقي لأنه أنت انطلقت، أنت انطلقت أنا انطلقت.

الآن أذهب إلى السبورة، من هنا ستبدأ المشاكل. العرب أيها الأحبة تبحث عن الاختصار، وعندما بحثت عن الاختصار سببت لنا مشاكل في الفهم؛ تختصر كثيراً حتى يقل الكلام، ونحن الحمد لله في مجتمعات نتكلم كثيراً. الآن ماذا نقول: «انطلقت لماذا؟ لأن كنت منطلقاً»، فلان كنت منطلقاً هو السبب، وانطلقت هو المسبب، فأنا أبين لماذا انطلقت؛ لأن كنت منطلقاً.

الآن ماذا فعلوا؟ قالوا: المتكلم قدم السبب على المسبب، قدم العلة على المعلول، فجاء بـ«لأن كنت منطلقاً» ووضعها في البداية، وأخر المسبب إلى النهاية، فأصبحت الجملة «لأن كنت منطلقاً انطلقت» بالعكس. تقديم السبب على المسبب هذا له علة بلاغية تدرس في علوم البلاغة؛ إما للاهتمام بالسبب أكثر من المسبب، يعني أنا مش مهتم بالنتيجة، أنا مهتم بالسبب فأقدمه، أو لبيان الاختصاص، لأبين أن الانطلاق سببه هذا حدث دون غيره.

فدائماً هذه قاعدة عامة: أن تقديم ما حقه التأخير يكون بسبب الاهتمام، وسندرس إن شاء الله في علم البلاغة أن تقديم أي شيء حقه التأخير الأصل فيه أنه بسبب الاهتمام به. ثم قد تأتي نكت زائدة مثل مثلاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ما المقصد؟ الأصل «نعبدك»، لماذا قدم «إياك»؟ قالوا هنا للاهتمام، وهناك ميزة أخرى، يعني الاهتمام هذا شيء مشترك في جميع صور التقديم، ثم تكون في كل صورة ميزة زائدة؛ فـ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ للاهتمام والتخصيص، يعني ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدل على أن العبادة تختص بك ولا نعبد سواك، أما لو قلت «نعبد» في الحالة الطبيعية، لا ينفي هذا أننا نعبد غيره، لكن لما قلنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: نعبدك ولا نعبد غيرك، فأفادتني فائدة جديدة.

فدائماً تقديم ما حقه التأخير له فائدة، الأصل أنه للاهتمام وهذه فائدة دائماً مضطردة، وهناك فوائد أخرى قد تكون مثل الاختصاص. «لأن كنت منطلقاً انطلقت»، بالله ألا يوجد فرق بين أن تقول «انطلقت لأن كنت منطلقاً» وبين أن تقول «لأن كنت منطلقاً انطلقت»؟ أنت نفسك تجد فرقاً، أنه هنا يريد أن يركز على السبب، بينما في الحالة الأولى يركز على الحدث، إذا أنا انطلقت ثم بينت لأن كنت منطلقاً فقط، فجاء التعليل تبعاً، بينما هنا التعليل هو المقصود أصالة وهو المنتبه: «لأن كنت منطلقاً انطلقت»، فالنتيجة النهائية مطلوبة لكن ليست بالدرجة الأولى، الدرجة الأولى المطلوبة هي العلة.

الآن ما سأذكره بعد ذلك مما سمع عن العرب وليس شيئاً من عندي؛ العرب في مثل هذا النمط بعد أن تقدم السبب للاهتمام...

أولاً، تقوم بحذف حرف الجر اللام الذي أتى به للتعليل، تحذف حرف الجر أيها الأحبة قبل «أن» المصدرية، و«أن» التي من أخوات «إن»؛ هذا مطرد كثيراً في اللغة وفي القرآن. احفظ حذف حرف الجر بغض النظر هو حرف الجر الموجود قبل «أن» المصدرية أو قبل «أن» التي من أخوات «إن»، هذا مطرد كثيراً في القرآن، فيجب عليك أن تنتبه على هذه القضية.

مثال ذلك قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176]. يبين الله لكم أن تضلوا؛ الذي لا يعرف النحو ما يعرف معنى «يبين الله لكم أن تضلوا». كيف هذا التركيب؟ نقول إنه كثيراً ما تُحدث معها حروف الجر، فعليك أن تقدر: يبين الله لكم أن تضلوا أي: لئلا تضلوا. لئلا؛ ليس فقط المحذوف حرف الجر، بل محذوف حرف الجر قبلها ومحذوف «لا» النافية بعدها، أي: لئلا تضلوا.

قال تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾. هذه الآية بسبب الاختلاف في تقدير حرف الجر اختلف معناها؛ من العلماء من يقول: وترغبون في أن تنكحوهن، فهناك «في» قبل «أن» محذوفة، وهذا معناها أنكم ترغبون في نكاحهن. ومن العلماء من يقول: لا، حرف الجر المحذوف هو «عن»، وترغبون عن أن تنكحوهن، واختلفوا؛ لأن «رغبت في الشيء» يعني أحببته، و«رغبت عن الشيء» يعني كرهته. فلاحظوا أن كثيراً ما يحذف حرف الجر قبل «أن». وكذلك «أن» هكذا يقول من مالك الألفية نقلاً: «وفي أن يطردوا»، لكن مع «أن» ليس كما جُب. المهم، حذفت اللام قبل «أن»، وهذا حذف مطرد، يعني ليس شاذّاً، هو حذف مطرد في اللغة العربية.

طيب، كيف أصبحت الجملة بعد حذف اللام؟ في اللعب، كيف أصبحت الجملة: «أن كنت منطلقاً انطلقت»؟ هكذا صارت، ممتاز. بعد ذلك حذفت «كان»، وحذفت «كان» ماذا؟ حذفت «كان» وأبقت الضمير التاء. الآن التاء كانت متصلة بـ«كنت»، ولما حذفنا «كان»، التاء لا تستقل بنفسها، لا يمكن تبقى التاء وحدها هكذا قائمة، فتحولت من ضمير متصل إلى ضمير منفصل، فأصبحت التاء في «كنت» بعد حذف «كان» هي «أنت»؛ لأننا قلنا «إن كنت» عفواً، لأننا حذفنا اللام أولاً ثم حذفنا «كان»، ولما حذفنا «كان» مباشرة الضمير المتصل تحول إلى منفصل فأصبحت «أنت»، وأصبح التركيب: «أن أنت منطلقاً انطلقت».

ممتاز، بعد أن حذفوا «كان» عوضوا عنها بـ«ما» الزائدة، فصارت: «أن ما أنت منطلقاً انطلقت». ما هذه «ما»؟ عوض عن الكائن المحذوفة. بعد ذلك حدث إدغام بين النون والميم، أليس هذا في علم التجويد؟ عندنا نون ساكنة بعدها ميم، إدغام؛ أحرف الإدغام «يرملون»، إذاً هي حالة إدغام، فأصبحت ترسم هكذا. أما هكذا ترسم، بس هي في الحقيقة «أن ما».

«أن أنت منطلقاً انطلقت»، هنا حذفت «كان»، الآن حذف «كان» هنا جائز، جائز؛ هو قبل قليل قلنا وتختص «أن» بجواز حذف هذه، من صور جواز الحذف ليس واجب، لكن هو يعطيك الآن عن العرب ماذا سمع، يعطيك ما سمع عن العرب حتى تستطيع أن تعرب.

فما إعراب هذه الجملة أيها الأحبة؟ كيف نعربها؟ نقول: «أن» حرف مصدري، «ما» زائدة لا محل لها من الإعراب، «أنت» اسم «كان» المحذوفة، طبعاً ضمير منفصل مبني على الفتح وهو اسم «كان» المحذوفة، «منطلقاً» خبر «كان» المحذوف. لذلك قلنا حذفت «كان» وبقي اسمها وخبرها. ضابط الحالة الأولى: أن تُحذف ويبقى اسمها وخبرها ويعوض عنها بـ«ما»، فاسمها «أنت» بقي، وخبرها «منطلقاً» بقي.

«انطلقت» هذا فعل، هو الفعل المعدل، «انطلق» فعل ماضٍ مبني على السكون الاتصالي بضمير الرفع. «أن كنت منطلقاً انطلقت»؛ «أن» مصدرية، إذاً بعد فعل مصدري لكنه محذوف. كل هذه الجملة، أو نقول المصدر المؤول من «أن» مع «كان» المعوض عنها بـ«ما» هو طويل الإعراب؛ المصدر المؤول من «أن» مع «كان» المحذوفة المعوض عنها بـ«ما» في محل الجر بحرف الجر اللام المحذوفة. يا نهار! وبالنهاية كله يأتي مع بعضه، هناك لام محذوفة، و«أن» هذه لابد من إعرابها، فنقول: المصدر المؤول من «أن» مع «كان» المحذوفة في محل جر بحرف الجر اللام المحذوفة. هذيك، إنك تكتب هذا وتدبر حالك معه.

طبعاً هذه أيها الأحبة عليك أن تدرسها، تعرف طريقتها، ثم بعد ذلك تحفظ إعرابها حفظاً، لأنه يُنسى عادةً، لأنها قليلة الورود. قال: «فالأول بعد ما المصدرية في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بفعل...». «انطلقت لأن كنت منطلقاً»، لقولهم: «أما أنت منطلقٌ انطلقته»، هو أعطاك النتيجة النهائية طبعاً، بعدين بدأ يحلل بها: «أما أنت منطلقاً انطلقت»، وأصل هذه الجملة: «انطلقت لأن كنت منطلقاً»، فقدمت اللام وما بعدها على الفعل، قال: لقصد الاهتمام به أو لقصد الاختصاص، أو يعني هو جاء للتنويه، لكن في الحقيقة الاهتمام دائماً موجود وقصد الاختصاص أحد أنواع الاهتمام، هذا الذي أراه والله أعلم.

فصارت الجملة: «لأن كنت منطلقاً انطلقت»، ثم حذفت اختصاراً كما يحذف قياساً من «أن»، كقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطُوفَ بِهِمَا﴾ [النساء: 101]. ما تقدير الآية هنا؟ لاحظوا كيف حذف حرف الجر، قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطُوفَ بِهِمَا﴾، فإني أيها الأحبة حذف حرف الجر قبلها؛ التقدير: «في أن يطوف بهما». ثم حذفت «كان» اختصاراً أيضاً، لاحظ كل هذا حذف اختصاري، حذف اختصاري للتسهيل وتقليل الكلام، فانفصل الضمير الذي هو التاء التي كانت متصلة بـ«كان»، فصار: «أن أنت منطلقاً انطلقت»، ثم زيدت «ما» عوضاً عن «كان» فصارت: «أما أنت»، ثم أُدغمت النون في الميم فصارت: «أما أنت».

وعلى ذلك قول العباس بن مرداس أبا خراشة: أما أنت ذا نفرٌ فإن قومي ... لم يأكلهم الدبرُ

لاحظوا إذاً هذا وارد في أشعار العرب الفصيحة: «أما أنت ذا نفر». الآن طبعاً هنا الفعل المسبب محذوف، والتقدير: «أما أنت ذا نفر افتخرت علينا»، فالفعل المسبب الذي هو المعلل والذي جاءت «أما أنت ذا نفر» لتعلله هو مفهوم من السياق، فأصل الجملة: «افتخرت علينا لأن كنت ذا نفر»، أي: عندك عشيرة وجماعة وناس قائمة، افتخرت علينا لأن كنت ذا نفر، فقدمت «أن كنت ذا نفر» وأخرت «افتخرت»، وحذفت «افتخرت»، وتم الحذف في «لأن كنت ذا نفر» بالصورة السابقة؛ أصله «لأن كنت» فعمل ما ذكرناه.

طيب، هذه الصورة الأولى من صور الحذف عرفناها؛ كيف نحذف «كان» ونعوض عنها بـ«ما» ويبقى اسمها وخبرها؟ الصورة الثانية أسهل منها إن شاء الله نختم بها درس اليوم.

الصورة الثانية كما قلنا، أن تُحذف "كان" مع اسمها ويبقى الخبر فقط. في هذه الحالة لن يُعوض عن "كان" بشيء. أين يضطر هذا؟ قال: والثاني بعد "إن" و"لو" الشرطيتين؛ "إن" الشرطية و"لو" الشرطية، يضطر في لسان العرب إذا جاء بعدها "كان" مع اسمها وخبرها، يُحذف "كان" مع اسمها ويبقى الخبر وحده اختصاراً، وهذا حذف جائز.

مثال ذلك بعد "إن" الشرطية: «إن سيفاً فسيف»، و«إن خنجراً فخنجر». أظن أن القضية تحتاج إلى ناحية لغوية؛ أظنها "خنجراً" تقرأ بهذه الصيغة، لكن تحتاج للرجوع إلى المعجم قليلاً. «إن خنجراً فخنجر»، وقد تكون فيها لغتان والله أعلم. المهم: «إن سيفاً فسيف»، و«إن خنجراً فخنجر» أو «إن خنجراً فخنجر» بناءً على ما يصح من الرواية فيها.

"إن" الشرطية يا شيخ، أليس دائماً بعدها أفعال؟ أحسنت، الشرطية بعدها فعل. "إن سيفاً"، أنا شايف اسماً، أين الفعل؟ نقول: "إن سيفاً فسيف"، التقدير: "إن كان ما قُتل به سيفاً". "إن كان"؛ أين "كان"؟ وأين الاسم؟ أيضاً اسم "كان" محذوف؛ "إن كان ما" اسم موصول، "ما قُتل به" صلة الموصول. "إن كان ما قُتل به سيفاً فسيف"، كيف نعربها؟ نقول: "سيف" هو الخبر الذي كان محذوفاً مع اسمها، وأصل الجملة: "إن كان ما قُتل به سيفاً".

"فسيف"؛ الفاء رابطة، وقلنا متى تأتي الفاء في جواب الشرط؟ إذا كانت جملة الجواب لا تصلح لأن تأتي جملة شرط. هنا جملة الجواب جملة اسمية. أين الجملة الاسمية؟ "فسيف"؛ الفاء رابطة، "سيف" خبر لمبتدأ محذوف تقديره "كان" الذي قتل به سيف، فالمعنى: أن الإنسان سيقتل بما قتل به غيره؛ إن قُتل غيره بسيف فالذي سيقتل به سيف. و«إن خنجراً فخنجر»؛ أي وإن كان الذي قُتل به خنجر، فـ"الذي" اسم موصول مبتدأ، فالذي سيقتل به خنجر، و"خنجر" خبر للمبتدأ المحذوف.

المثل الآخر عند العرب: "الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فالشر". هذه كثير ما نسمعها: «إن خيراً فخير، وإن شراً فشر». ما أبسط الجملة؟ "إن كان عملهم خيراً، فخير"؛ "خير" خبر الذي "كان" المحذوفة مع اسمها، وأصل الجملة: "إن كان عملهم خيراً فجزاؤهم خير". "وإن شراً فشر"؛ أي وإن كان عملهم شراً فجزاؤهم شر. لاحظتم أصل الجملة عند التفكيك إلى الوضع الأصلي.

وقول الشاعر: لا تقربن الدهر أُل مِطرفٍ ... إن ظالماً أبداً وإن مظلوماً

هؤلاء جماعة "أوعك تقربهم". "إن ظالماً"؛ أي إن كنت ظالماً، وإن كنت مظلوماً. وأين جواب الشرط برأيكم؟ "إن ظالماً" ليس شرطية لها شرط وجملة شرط وجملة جواب، أين جملة جواب الشرط؟ "إن كنت ظالماً أبداً وإن كنت مظلوماً". طبعاً "لا تقربن" ليست جملة جواب الشرط، وإنما نقول: جواب الشرط محذوف دلت عليه الجملة المتقدمة. وهذا كثير جداً في اللغة وفي القرآن وفي الشعر، لكن أنا لم أتطرق إلى مسائل حذف جواب الشرط وما شابه ذلك في "قطر الندى" حتى لا أطيل على الإخوة، وإنما هذه تذكر إن شاء الله في "الألفية"، وهنا حذف جواب الشرط لدلالة ما سبق عليه، وهذا من دائماً، وحذف ما يُعلم جائز.

حذف جواب الشرط هنا يجوز حذفه لأن ما قبله دل عليه، بل ذكره هنا عجمة؛ كيف تذكره؟ "لا تقربن الدهر أُل مطرف إن ظالماً أبداً وإن مظلوماً"، فلا تقربن، يعني تريد أن تعيده، هذه عجمة وليس كلام العرب.

مثاله بعد "لو" الشرطية الحديث الشهير، قال ﷺ: «التمس ولو خاتماً من حديد». ما التقدير؟ "ولو كان الملتمس خاتماً من حديد". فـ"كان" والملتمس محذوفة، هل حُذف "كان" مع اسمه؟ وبقي الخبر "خاتماً من حديد"، وجواب الشرط جواب لـ"لو" الشرطية محذوف دل عليه فعل الأمر المذكور قبلها "التمس".

وقول الشاعر: لا يأمن الدهر ذو بغيٍ ... ولو ملكاً جنوده ضاق عنها السهل والجبل

البيت يحتاج لتعليق روحاني؛ "لا يأمن الدهر ذو بغي"؛ الظالم الذي يبغي على حقوق الناس ويؤذي البشر لا يأمن، حتى ولو كان ملكاً، وليس أي ملك، "ولو كان"؛ سنستفيد "ولو كان الباغي مليكاً". ما صفة هذا الملك؟ "جنوده ضاق عنها السهل والجبل"؛ هذه الجملة نعت للملك لأنه ملك نكرة ونُعتت بجملة في هذه الحالة. فالملك الباغي، لو أنه ملك ما ملك من الجنود والحشم والحواشي والقصور، فإنه لابد بغيه سيزول.

قال: "ولو كان الملتمس خاتماً من حديد"، "ولو كان الباغي مليكاً". وهذا نهاية الدرس، وهذا نهاية باب "كان وأخواتها". في الدرس القادم إن شاء الله نشرع في الكلام عما يلحق بـ"كان وأخواتها" وهي ثلاثة أحرف: "ما، لا، لا"، ثم ننتقل إن شاء الله إلى باب "إن وأخواتها". نسأل الله أن يعيننا وأن ينفعنا بما سمعنا وأن يجعله في ميزان حسناتنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.