بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهدا لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى عليه، وقد بلغ بنا المطاف إلى الحديث عن أحكام كان وأخواتها.
كنا أيها الأحبة في الدرس الماضي شرعنا في تقسيمات كان وأخواتها، فبينا أن كان وأخواتها تنقسم بعدة اعتبارات. الاعتبار الأول من حيث شروط العمل؛ فعرفنا أن هناك ثمانية أفعال من كان وأخواتها لا تحتاج إلى شرط في العمل، وهناك أربعة أفعال منها تحتاج إلى شرط أن تسبق بنفي أو شبهه، وهو النهي والدعاء، وهي: زال، وفتئ، وانفك، وبرح. والقسم الثالث والأخير ما يشترط فيه أن يسبق بـ "ما" الظرفية، وذلك فعل واحد وهو "دام".
ثم قسمناها تقسيما آخر وهو باعتبار التصرف والجمود، هل هي متصرفة أو جامدة؟ فعرفنا أن أيضا بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ منها ما يتصرف تصرفا يأتي منه الفاضي والأمر والمضارع والمصدر واسم الفاعل إلى غير ذلك من المشتقات، وهي أيضا الأفعال الثمانية الأولى باستثناء "ليس". الثمانية التي تعمل من دون شروط هي المتصرفة باستثناء "ليس"، إنها تعمل من دون شروط لكنها ليست متصرفة. وفي القسم الثاني ما يتصرف تصرفا ناقصا، وقلنا ما معنى أنهم يتصرفوا تصرفا ناقصا؟ أنه يأتي منها الأمر والمضارع وليس لها مصادر، وذلك في الأفعال الأربعة: زال، وفتئ، وبرح، وانفك. والقسم الثالث والأخير ما لا يتصرف أبدا، وهو "ليس" باتفاق، و"دام" على الأصح.
طبعا هذا الكلام أيها الأحبة، كما قلنا، لهذا الأفعال، إن هذا التقسيم لهذه الأفعال باعتبار أنها ما يكون منها متصرفا وما يكون منها تصرفه ناقص وما يكون غير متصرف، هذا في حالة نقصانها، ركز عليها في المحاضرة التي سبقت، هذا تقسيم باعتبارها ناقصة. أما إذا أصبحت تامة -كما سندرس اليوم إن شاء الله- فمنها ما يمكن أن يصبح تاما وهو الأكثر، ومنها ما لا يمكن أن يصبح تاما. ما أصبح منها تاما فهذا له أحكام جديدة بالنسبة للتصرف، فلا تأخذ الأحكام التي درسناها هنا فتطبقها على هذه الأفعال إذا صارت تامة، لا انتبه، هذا التقسيم خاص بهذه الأفعال في حالة نقصانها. وسندرس اليوم أيضا شيئا من الكلام عن ما معنى النقصان.
ثم بعدا قسمنا هذه التقسيمات انتقلنا للحديث عن مسألتين؛ مسألة توسط الخبر بين كان وأخواتها والاسم، وعرفنا أنه جائز في الجميع على الصحيح. المسألة الثانية كانت تقدم الخبر على كان إحدى أخواتها واسمها، فعرفنا أن الأصل جواز تقدم الخبر على كان واسمها، ومنعنا ذلك أين؟ منعنا ذلك في "ليس". هل منعنا فيها ذلك؟ قال ابن هشام، ما أخذنا في الدرس الماضي؟ قلنا ابن هشام اختار اختيار الكوفيين، واختيار طائفة كثيرة أيضا من غير الكوفيين، أنه ليس لا يجوز أن يتقدم عليها خبرها. وما "دام" أيضا لا يجوز أن يتقدم عليها خبرها، ولا يجوز كما قلنا أيضا أن يتوسط خبرها بينها وبين اسمها، فذكرنا في "دام" صورتين من المنع.
وأما "ليس" فابن هشام كما قلنا اختار اختيار الكوفيين وهو عدم جواز تقدم الخبر عليها، وأما سائر ذلك من أخوات كان فيجوز تقدم الخبر عليها، لكن هناك صورة أيضا لا يجوز فيها تقدم الخبر، أنا أذكرها اليوم سريعا على الهامش مما لم يذكره ابن هشام، لكن حتى أكمل الفائدة، يقولون إذا كانت كان أو إحدى أخواتها منفية بـ "ما" النافية، فلا يجوز في هذه الحالة تقدم الخبر على "ما" النافية. إذا كانت كان أو إحدى أخواتها منفية بـ "ما" فلا يجوز أن يتقدم الخبر على "ما" النافية؛ فمثلا: ﴿مَا كَانَ زَيْدٌ قَائِماً﴾ لا يجوز أن أقول: قائما ما كان زيد، وكذلك في زال: "ما زال زيد قائما" لا يجوز أن أقول: قائما ما زال زيد. فهذا الحكم خاص بـ "ما" النافية فقط دون غيرها من أدوات النفي، ولا يختص بـ "ما" النافية إذا كانت في الأخوات الأربع التي يشترط أن تسبق بنفي، اللي هو: زال، وفتئ، وانفك، وبرح.
إذا أيها الأحبة، بالنسبة هناك مسألة لم يذكرها ابن هشام وأنا أذكرها لتتميم الفائدة كما قلت؛ أن كان أو إحدى أخواتها إذا سبقت بـ "ما" النافية خصوصا، فلا يجوز في هذه الحالة تقدم الخبر على "ما" النافية. فهذه حالة ثالثة اذكروها عندكم ودونوها من حالات منع تقدم الخبر على كان إحدى أخواتها مع اسمها. وأما ما سوى كذلك من الصور فهي على الجواز، فيجوز أن أقول: قائما كان زيد نائما، بات محمد، إلى آخر الأفعال.
الآن اليوم أيها الأحبة ننتقل إلى بعض الأحكام التي تتعلق أيضا في باب كان وأخواتها. قال ابن هشام رحمه الله تعالى عليه: «وتختص الخمسة الأول بمرادفة ما». يقول في الشرح: يجوز في الخمس الأول، يعني التي عدها في المتن الخمسة الأول، يعني أول خمسة أفعال عدها في المتن، يجوز في: كان، وأمسى، وأصبح، وأضحى، وظل.
هذه الأفعال الخمسة نحن قلنا أيها الأحبة في الدرس الماضي ما معنى هذه الأفعال في حالة كونها ناقصة؟ حينما نقول: كان محمد قائما، وأمسى زيد نائما، وأصبح محمد نشيطا، وأضحى بكر قارئا للقرآن، وظل محمد يدرس، ما معنى هذه الأفعال ابتداء؟ في حالة نقصانها -ودائما أركز على حالة النقصان أنه سيأتي معنا حالة تمام لها- هي لا تكون من كان وأخواتها إلا إذا كانت في حالة النقصان. قلنا "كان محمد قائما"، معنى كان محمد قائما: تقرير وتأكيد اتصاف محمد بالقيام في الزمن الماضي.
هنا أيها الأحبة، أنا أريد أن أذهب إلى السبورة قليلا؛ هي حقيقة معاني كان وأخواتها هي مسار نقاش عميق في كتب النحو المتقدمة، لذلك تجد كلاما عميقا عند ابن الحاجب وعند الزمخشري، وفي شروح ابن الحاجب، وفي شروح المفصل وفي غيرها كلام عميق واختلاف في التعبير، وفي بيان ما هو المدلول الحقيقي لهذه الأفعال، ما الذي أفادته هذه الأفعال حقيقة؟
أن تتذكر دائما يا طالب العلم أن هذه الأفعال التي قلنا هي أفعال نواسخ، دعونا ننتبه؛ هذه الأفعال نواسخ. ما معنى أنها نواسخ؟ كما قلنا إنها تدخل على الجملة الاسمية؛ على المبتدأ والخبر، فتنسخ حكمه السابق وتحدث حكما جديدا.
إذا كانت مثلا تدخل على جملة اسمية من مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية كانت: «محمد قائم»، هكذا كانت، مبتدأ وخبر؛ محمد متصف بالقيام، تدخل «كان» فتصبح: «كان محمد قائمًا» بدل «قائم». الآن «كان» ما الذي أفادته بالضبط في هذا المقام؟ يقولون أفادت، وانظروا الفائدة بالدقيقة هنا، أفادت تأكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ الذي أصبح اسمه اسم «كان»، تأكيد، والبعض يعبر عن هذا التعبير -كما عند ابن الحاجب في الكافية- بالتقرير؛ تقرير أو تأكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ. ثانيا: تحديد زمن معين لهذه النسبة، هذا فيما يتعلق بـ«كان».
فـ«كان» ماذا أفادت؟ أولا: تأكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ؛ لأنه هو ابتداءً كانت جملة اسمية «محمد قائم»، أدخلت عليها «كان»، و«كان» هي لم تحدث معنا جديدا، لذلك قلنا إنها لا تدل على حدث، هي ماذا فعلت؟ هي أكدت نسبة القيام إلى محمد، لكن ما المعنى الذي جاء زيادة على التأكيد؟ دلت على زمن، وهو ماذا؟ زمن الماضي في حالة كونها بصيغة الماضي؛ تحديد زمن معين، أنه كان محمد قائما، يعني تقرير اتصاف محمد بالقيام وفي أي زمن؟ في الزمن الماضي. وقلنا هل تدل على انقطاع ولا على عدم انقطاع؟ كنا نحتاج إلى قرينة؛ يعني هل هذا الاتصاف من محمد بالقيام قد انقطع وكان في الماضي؟ ممتاز، هل انقطع أو لم ينقطع؟ هذا يحتاج إلى قرينة أخرى، «كان» لا تدل على الانقطاع وعدم الانقطاع.
لو قلت «أمسى»، الآن الجملة الأصلية «محمد نائم»، عندما أدخل «أمسى» تصبح: «أمسى محمد نائما»، ما الذي أفادته «أمسى» حينما دخلت؟ سامحوني أن أحاول أن أدخل في بعض الأمور العميقة نحويا ولغويا، لكن دعونا نفهم، دعونا نحاول أن نحلل هذه الأفعال الناقصة حينما تدخل على الجملة الاسمية، ما الذي أحدثته في الجملة الاسمية؟ ما الواقع الجديد الذي أصبحت تدل عليه الجملة؟
فحينما نقول: «أمسى محمد نائما»، دخول «أمسى» على «محمد نائم» أفاد تأكيد نسبة النوم إلى محمد، ولكنها في نفس الوقت قيدت أو حددت وقت هذه النسبة؛ فمحمد النائم، لما قلت: «أمسى محمد نائما»، أنا أكدت أنه محمد نائم، وهذا أول معنى لإفادة «أمسى»، ثانيا: قيدت زمن هذا الاتصاف؛ متى محمد اتصف بالنوم؟ في وقت المساء. ونفس الشيء، يقول فيه «أصبح»، «أصبح محمد نشيطا»، كان في الجملة قبل «أصبح»: «محمد نشيط»، لما قلت: «أصبح محمد نشيطا» ماذا أفادت «أصبح»؟ أولا: تأكيد الاتصاف وتقريره، وهذه عبارة تقرير للباحثين إن شاء الله في المستقبل، ركزوا عليها وستجدونها عند ابن الحاجب وفي شروح مفصلة؛ تقرير يعني تأكيد اتصاف محمد بالنشاط، هذا واحد، ثانيا: تحديد زمن هذا الاتصاف، أنه في زمن الصباح.
فقلنا: «كان» «أمسى» «أصبح» «بات»؛ «بات محمد قائما لليل»، نفس الشيء؛ تقرير اتصاف محمد بالقيام، وفي أي وقت؟ في وقت البيات، وقت الليل. الخامس هو «ظل»، «ظل محمد يدرس»، تأكيد اتصاف محمد بالدراسة وتحديد هذا الوقت، فهو متى محمد اتصف بالدراسة؟ «ظل» تدل على وقت الظل، وهو وقت النهار بشكل عام قبيل الظهر أو ما بعد الظهر. فإذا ركزنا الآن على هذه الأفعال الخمسة: «كان»، «أصبح»، «أمسى»، «ظل»، و«بات»، إذا فهي تفيد تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر وتحدد زمن هذا الاتصاف.
الآن عرفتم معاني هذه الأفعال الخمسة، يقول ابن هشام: هذه الأفعال الخمسة يمكن أن تدل على معنى آخر غير هذا المعنى الذي وضعت له، ما هو المعنى الذي يمكن أن تدل عليه؟ قال: يمكن أن تأتي هذه الأفعال الخمسة لتفيد معنى «صار»، لتفيد معنى «صار»، و«صار» أيضا من أخوات «كان». دعونا نذهب لننظر ما معنى «صار»، ثم بعد ذلك نفهم كيف هذه الأفعال الخمسة تصبح بمعنى «صار». يهمني أن تفهموا المعاني الحقيقية لهذه الأفعال الخمسة ابتداء: تدل على تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر، ثانيا: تحديد الوقت الذي اتصف به المبتدأ بالخبر، هذا كن على استحضار له؛ فهي تدل على تأكيد وتحديد زمن.
هل تدل على حدث؟ الآن: «ضرب محمد بكرا»، بدك تقارن بين هذه الأفعال والأفعال التامة، «ضرب محمد بكرا»، الآن ماذا نستفيد من «ضرب»؟ هل «ضرب» أكدت نسبة في الجملة؟ هل جاءت لتأكيد نسبة؟ لا، هي جاءت لإحداث نسبة؛ فـ«ضرب» هذا الفعل لم يأت لتأكيد اتصاف مبتدأ بخبر، لذلك هو أصلا لا يدخل على جملة أصلها المبتدأ والخبر، بل يأتي ابتداء لإحداث نسبة، فـ«ضرب» لم يأت لتأكيد نسبة بل جاء لإحداث نسبة، هذا أول شيء. هل جاء ليدل على زمن؟ نعم، هو يدل على زمن، فالفعل «ضرب» يدل على زمن، هل يدل على تأكيد نسبة؟ نقول لا، لا يدل على تأكيد نسبة بل جاء لإنشاء نسبة، ففعل «ضرب» هو الذي أنشأ النسبة، هو الذي أوجد عندنا الحدث وهو ماذا؟ الضرب الذي قام به محمد. فـ«ضرب» إذا ثبت أنها تدل على زمن وعلى حدث.
بينما «أمسى» لا تدل على حدث، تدل فقط على زمن وتؤكد اتصاف المبتدأ بالخبر. فلاحظ؛ «أمسى» طبعا «أمسى» و«أصبح» و«ظل» و«بات» و«كان» نتكلم عنها جميعا، لن تأتي لتحدث حدثا، لتتدل على حدث، جاءت لماذا أيها الأحبة؟ لتؤكد اتصاف المبتدأ بالخبر، والخبر هو الحدث. لما أقول لك: «كان محمد قائما»، إذا محمد متصف بماذا؟ بالقيام، فإذا قلت: «أمسى محمد قائما» يعني محمد متصف بالقيام في وقت المساء، فالحدث في هذه الجملة في الحقيقة مأخوذ من الخبر وليس من الفعل «أمسى» أو «أصبح» أو «ظل»، وفائدة «أمسى» أو «أصبح» أو «ظل» التقييد الزمني زيادة وتأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر فقط، فـ«أمسى» ليست تدل على حدث، الحدث موجود في الخبر.
بينما «ضرب محمد بكرا»، لا، نفس الفعل هو الذي يدل على الحدث وهو الضرب. أريدك دائما أن تحلل عندما تقول «ضرب محمد بكرا» وحينما نقول «كان محمد قائما»، ما الفرق بين «ضرب» و«كان»؟ نحلل؛ نقول «ضرب» تدل على زمن الماضي وهي التي تدل على الحدث الواقع في الجملة وهو الضرب، بينما «كان محمد قائما»، «كان» فقط تدل على زمن ولم تدل على الحدث، والحدث في الجملة هو ماذا؟ هو الخبر الذي وصف به المبتدأ.
فكان جاءت لتؤكد فقط نسبة الخبر إلى المبتدأ، ولتحدد زمن اتصاف المبتدأ بهذا الخبر. لاحظت كيف الأمور تأتي في هذه الأفعال؟ لذلك قلنا كان وأخواتها ناقصة؛ لأنها فقط تدل على الزمن مع زيادة التأكيد لمضمون الجملة، بينما الأفعال الحقيقية الأصلية: ضرب وأكل وشرب ولعب ونام وقعد وجلس وذهب، لا تدل على الزمن وعلى الحدث، هي التي تدل على الحدث. هذا فقط زيادة توضيح للفكرة.
الآن أيها الأحبة، يقول كما قلنا ابن هشام إن الأفعال الخمسة: كان وأصبح وأمسى وظل وبات، قد تأتي بمعنى صار. ما معنى صار؟ معناها الذي تدل عليه وهي ناقصة، الكلام على أنها وهي ناقصة تفيد تحول المبتدأ من صفة إلى صفة جديدة دل عليها الخبر.
صار تدل على ماذا؟ على أن المبتدأ تحول من الصفة التي كان عليها إلى صفة جديدة دل عليها الخبر. حينما أقول: صار الحجر طيناً، صار ما الذي دلت عليه؟ دلت على أن المبتدأ تغيرت صفته من الحجرية إلى صفة جديدة دل عليها الخبر وهي الطينية. المبتدأ تغير من الصفة التي هو عليها واتصف بصفة جديدة دل عليها الخبر، والفعل صار هنا لم يأت لإيجاد الحدث، لم يأت ليدل على حدث. هذا معنى دقيق قليلاً حاول أن تركز فيه، هي فقط جاءت لتدل على اتصال المبتدأ بالخبر، وأن المبتدأ تحول وتغيرت صفته إلى صفة جديدة.
لأنه هنا في الحقيقة أجد أن الفعل صار مربك للطالب. كان وأمسى وأصبح وظل وبات، هذه الأفعال الخمسة عدم دلالتها على الحدث قد تكون واضحة، لكن صار في الحقيقة مربك قليلاً؛ لأنه صار الحجر طيناً. يمكن نقول صار يعني تحول الحجر طيناً، إذاً في دلالة على الحدث؟ يعني التحول هو الحدث، في دلالة على الحدث، يعني في دلالة على وجود تحول، وجود انتقالية.
عفواً، الحجر طين ليست جملة صحيحة، الذهب خزف مش صحيحة، لكن متى صحت لما دخلت صار؟ صار الحجر طيناً، هكذا صحت. بخلاف محمد قائم، لما دخلت كان ما أحدثت معنى جديداً، فقط أكدت المعنى القديم: كان محمد قائماً، زادت قضية التقييد الزمني. النائم، انسى، محمد نائماً، أمسى ما غيرت مضمون الجملة، وإنما فقط أكدت المضمون وقيدت بالزمن. لكن الحجر طين ابتداءً صعب نقول إن هذا المعنى بقي على حاله حينما دخلت صار؛ صار الحجر طيناً. فأنت صار عندك في الحقيقة تدل على معنى زائد، يعني فيها معنى آخر غير معاني كان وأخواتها الخمسة.
كان وأصبح وأمسى وظل وبات تدل على تقييد زمني، هنا صار تدل على زمن، صار يعني أمسى بفهم منها المساء، وأضحى بفهم منها الضحى. نحن لم نذكر أضحى عندما تكلمنا عن الخمسة، قلنا كان وأمسى، لكن أنا كنت أمثل بـ "أضحى" وذهب ذهني إلى الزمخشري، عفواً هنا أنا قبل قليل قلت بات، انتبهوا إلى هذا التعديل، قلت قبل قليل بات قبل أضحى، والأفعال الخمسة هي: كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل وبات، الحقها بهذه الخمسة الزمخشري، وهي مسألة خلافية؛ هل تأتي بات بمعنى صار؟ هذه طريقة الزمخشري، وهي مسألة خلافية، لكن الخمسة ليس منها بات، بل أضحى مكان بات. هذا التعديل أنه سبق لساني حدث أثناء الشرح.
المهم أعود الآن إلى معنى صار: صار الحجر طيناً. في الحقيقة صار كما قلت لكم أيها الأحبة لا تدل على زمن عندما تدخل على الجملة الاسمية، هي لا تدل على زمن وإنما تدل على تحول. صار الحجر طيناً، صار زيداً جميلاً، إذاً أنت استفدت معنى جديداً، أنه زيد تحول من حالة إلى حالة جديدة دل عليها الخبر، زيد ما كان جميلاً ثم أصبح جميلاً.
إذاً هنا كما قلت لكم قضية مربكة، كيف صار إذاً لا تدل على الحدث؟ نقول صار عندما تكون ناقصة لم يؤتَ بها لتدل على حدث التحول، وإنما أتي بها لتدل على مجرد أن المبتدأ موصوف بصفة جديدة دل عليها الخبر. صار الحجر طيناً، صار لم تأتِ لتدل على حدث ابتداءً، وإنما جاءت لتدل على أن المبتدأ اكتسى واحتل بصفة جديدة لم يكن عليها، فالطين هي الصفة الجديدة التي أصبحت للحجر ولم تكن موجودة سابقاً، هي صفة جديدة اتصف بها الحجر ولم تكن موجودة. صار فقط أتت لهذه القضية؛ تدل على أن المبتدأ اكتسى صفة جديدة دل عليها الخبر لم تكن هذه الصفة له.
فإذاً هي تدل على هذه القضية، متى اكتسى بها؟ هل صار تدل على زمن معين، كالصباح أو المساء أو الضحى أو البيات؟ لا، تدل فقط على مجرد أن المبتدأ اكتسى بصفة جديدة دل عليها الخبر. هل هناك وقت محدد لهذه العملية؟ متى اكتسى المبتدأ هذه الصفة؟ لا يدل على زمن محدد.
الآن يقول ابن هشام: الأفعال الخمسة وهي كان وأمسى وأصبح وظل وأضحى، والحق الزمان كما قلنا باتاً، وهذا فيها خلاف. سادساً، هذه الخمسة قد تستخدم بمعنى صار. إذا أصبحت هذه الأفعال الخمسة تستخدم بمعنى صار، فما معناها الجديد الآن؟ إذا استخدمت بمعنى صار، يصبح معناها نفس الشيء، يصبح معنى كان وأصبح وأضحى وظل وأمسى الدلالة على تحول المبتدأ أو انتقال المبتدأ من صفة إلى صفة جديدة دل عليها الخبر، وهو معنى صار الذي ذكرته في الأعلى.
فتصبح كان أو أضحى أو أصبح أو ظل أو أمسى أو بات، على طريقة الزمخشري، تدل على اتصاف المبتدأ بصفة جديدة دل عليها الخبر، من دون التقييد بزمن معين. فتصبح أضحى وأمسى وظل وكان تدل على الزمن والوقت المحدد الذي كانت تدل عليه ابتداءً، وتجردت من دلالتها على الزمن.
تصلح هذه الأفعال الخمسة: كان، وأمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات، على طريقة الزمخشري؛ تصبح هذه الأفعال مجردة من الدلالة على الزمن. لا تدل "أضحى" حينئذٍ على الضحى، ولا "ظل" على النهار، ولا "أمسى" على المساء، ولا "أصبح" على الصباح، ولا "كان" تدل على تأكيد الزمن الماضي فقط.
أصبحت هذه الأفعال إذا أصبحت بمعنى "صار" فقط، تدل على أن المبتدأ اكتسى بصفة جديدة دل عليها الخبر، ولا نعلم الزمن بالتحديد الذي حدث فيه هذا الاكتساب؛ فلا تدل على زمن كما كانت تدل مسبقًا. ما الأمثلة التي أتى بها ابن هشام لهذه الأفعال الخمسة حينما تكون بمعنى "صار"؟
يقول ابن هشام: «يجوز في كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل أن تستعمل بمعنى صار». ويقول محمد محي الدين في الحاشية: "معنى مرادفة هذه الأفعال اللي صارت إنها تدل على تحول الموصوفة، اللي هو المبتدأ، تحول المبتدأ من صفته إلى صفة جديدة دل عليها الخبر". وزدت لكم قيدًا مهمًا، وهو أنها من غير تقييد بزمن معين؛ لأنها ابتداءً كانت تدل على التقييد بزمن معين، كل فعل له زمنه، الآن ما عادت تدل على معين، أصبحت كل هذه الأفعال الخمسة بمعنى "صار" تمامًا؛ تدل على تحول المبتدأ إلى صفة جليلة دل عليها الخبر من دون الزمن.
مثلاً قال تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: 6]. الآن "كان" هنا لم تأتِ لتدل على أن الجبال اتصفت بأنها هباء منبث؛ ما الدليل على ذلك؟ لكي تفهم لماذا "كان" هنا بمعنى "صار" وليست بالمعنى الأول الذي ذكرناه، نريد التحليل. أقول لك: أخرج "كان" من الجملة وانظر هل تصلح الجملة؟ إذا كانت "كان" دلت على معناها الأول -وهو التأكيد-، فمعناها الأول أكيد هو اتصاف المبتدأ بالخبر فقط، ولا تدل بمعناها الأول على الصيرورة.
الآن أزل "كان" من الجملة، هل يصلح أن أقول: "الجبال هباء منبث"؟ هل تصلح الجملة في حالتها الطبيعية؟ في الحقيقة الجبال ليست هباء منبثًا في حالتها الطبيعية؛ فعندما أدخلت "كان" على معناها الأول، وهو تأكيد اتصال المبتدأ بالخبر، لكانت الجملة قبل إدخال "كان" هي "الجبال هباء منبث"، ثم دخلت "كان" فأصبحت تؤكد أن الجبال هباء منبث.
وفي الحقيقة، الجبال ليست هباء منبثًا ابتداءً، وإنما تحولت من الصفة التي عليها وهي أنها جبال قائمة راسخة، وأصبحت وتحولت وصارت هباءً منبثًا. فإذاً "كان" هنا لم تأتِ لتؤكد النسبة القديمة وهي أن الجبال هباء منبث، بل جاءت لتدل على أن المبتدأ -وهو الجبال- اكتسى صفة جديدة لم يكن عليها، وتحول من الصفة التي كان عليها إلى صفة جديدة وهي أنه هباء منبث.
فـ "كان" هنا إذن هي بمعنى "صار"، فمعنى "كانت هباء منبثًا" أي صارت هباء منبثًا. "كان" هنا جاءت لتفيد معنى "صار"، ويتحول المبتدأ من الصفة التي كان عليها إلى صفة جديدة دل عليها الخبر. هذه فائدة "كان" هنا، فائدتها معنى التحويل؛ لذلك هي بمعنى "صار" ولن تأتي لتؤكد فقط نسبة قديمة؛ لأنك لو قلت إنها جاءت لتؤكد نسبة قديمة، فما معنى هذا الكلام؟ إنك تستطيع أن تزيل "كان" وتكون الجملة قائمة بنفسها: "الجبال هباء منبث"، والجبال ليست هباء منبثًا، الجبال راسخة قائمة في الأرض، هي تحولت إلى هباء منبث لما بُسّت، فقضية التحول هي التي جعلت "كان" هنا بمعنى "صار" وليست بمعناها الأصلي.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]. ما الدليل على أن "أصبح" هنا بمعنى "صار" وليست بمعناها الأصلي؟ معناها الأصلي عندما تكون ناقصة هو تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر في وقت الصباح، هل هذا هو المراد بهذه الآية؟ الطريقة للتأكد من هذا هي: أزل "أصبح".
الآية أيها الأحبة، من قرأ سياقها تريد أن تبين أنهم -أي الأوس والخزرج- كانوا أعداءً تحاربوا فيما بينهم في الجاهلية، وعندما جاء الإسلام حولهم من العداوة إلى الأخوة، مش هذا هو معنى الآية؟ فلو أني أزلت "أصبح" ستصبح الجملة في وضعها الطبيعي: "أنتم أيها الأوس والخزرج إخوان"، وفي الحقيقة هم لم يكونوا إخوانًا، هم كانوا أعداءً، ثم تحولوا إلى صفة الأخوة عندما جاء الإسلام. فـ "أصبح" هنا إذن في الحقيقة لم تأتِ لتؤكد جملة "أنتم إخوان"، بل أتت لتدل على التحول الذي طرأ من كونهم كانوا خصومًا فصاروا إخوانًا؛ فهي جاءت لتدل على معنى التحول ولم تأتِ لتؤكد النسبة القديمة.
ثانيًا، لاحظوا هل جاءت "أصبح" لتدل على وقت الصباح هنا أيضًا، أم جاءت لتدل على أنهم تحولوا من صفة إلى أخرى بغض النظر عن الوقت الذي حدث فيه هذا التحول؟ صباحًا أو مساءً أو ظهرًا أو قيلولة أو ما شابه ذلك. نلاحظ أيضًا أن "أصبح" هنا لا تدل على الصباح وقت النهار، جاءت لتدل فقط على صيرورة من حال إلى حال، فـ "أصبح" هنا بمعنى "صار" وليست بمعناها الأصلي.
قوله تعالى: ﴿وَظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]. الرجل في الجاهلية إذا بُشر بالفتاة، ويأتي وهو مبيّض، فيتحول إلى ماذا؟ إلى صفة السواد. لو قلت إن "ظل" هنا بمعناها الأصلي، وهي أنها جاءت لتأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر في وقت النهار، ماذا سيكون معنى هذه الجملة؟ أزل "ظل" منها، كانت الجملة الأصلية "وجهه مسود"، ثم دخلت "ظل"، فكانت لو على المعنى الأول تفيد تأكيد اتصاف الوجه بالسواد.
وفي الحقيقة الآية لم تأتِ لتقول إنها تؤكد اتصاف هذا الجاهلي بالسواد، بل الآية تريد أن تفيدنا أن الجاهلي يتحول وجهه حين يُبشر بالبنت، يكون وجهه أبيض أو حنطيًا على حالته الأصلية، حينما يُبشر بالبنت يتحول وجهه وتتغير ملامح الوجه إلى السواد. هذا المعنى الذي أرادت أن تفيده الآية، وبالتالي "ظل" هنا جاءت لتفيد معنى "صار". أنتم تفهمون ماذا أقول أيها الأحبة؟ لو كانت "ظل" بمعناها الحقيقي الأصلي وهو تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر، لكان المعنى أن الجاهلي وجهه أسود ابتداءً.
ظل الجاهل وجهه أسود. يعني تأكيد اتصاف الجاهل بسواد الوجه في وقت النهار. هل هذا هو المعنى؟ الآن، هل هذا هو المعنى؟ تأكيد اتصاف الجاهلي بسواد الوجه في وقت النهار؟ لا معنى، ألا تجد في هذا المعنى فائدة كبيرة؟ الآية لم تأتِ بهذا المعنى.
الآية أتت لتدل على التحول الذي يطرأ في وجه الجاهل حينما يبشر بالهدى، في تحول يطرأ عليه النظر؛ بشر بها صباحًا أو مساءً أو ضحى أو بياتًا. وسيتحول وجهه مهما كان الوقت الذي بُشر فيه. فجاء «ظل» لتدل على التحول، أي لتدل على معنى السيرورة. فلو رُفعت «ظل» ووُضعت «صار» لدلت على السيرورة؛ «صار وجهه مسودًا». فـ«ظل» هنا لم تأتِ لتؤكد نسبة، بل أتت لتدل على تحول الوجه من الصفة التي كان عليها إلى صفة دل عليها الخبر، بغض النظر عن الوقت؛ هو في النهار أو في الليل، لا يهمنا الوقت الذي حدث فيه هذا التحول.
قال الشاعر: أمسى خلاءً وأمسى أهلها ارتحلوا ... أثنى عليها الذي أثنى على لبدِ وقفتُ فيها أسيلانٍ أسائلها ... عيتْ جوابًا وما بالربعِ من أحدِ
هذا بيت النابغة الذبياني في الشورى، لدار ميت بالعلياء في السند، أختنت وطال عليها سالف الأمد، وقفت فيها أسيلان أسائلها. المهم ثم يقول بعد ذلك: «أمسى خلاءً وأمسى أهله وارتحلوا، أثنى عليها الذي أثنى على لبدي، وقفت فيها أسيلان وسائرها، عيت جوابًا وما بالربع من أحد».
ثم يقول بعد بيتين: «أمسى خلاءً وأمسى أهله وارتحلوا، أثنى عليها الذي أثنى على لبدي، فعدى عما ترى التي جعلت، وأنهى القدود على عيرانة النجوم، إذا أمسى خلاءً». هو يريد أن يقول إن ديار المحبوبة التي كانت عامرة سابقًا تحولت إلى ماذا؟ إلى خلاء.
الآن تخيل أن «أمسى» بمعناها الأصلي -والتحليل مهم، حاول أن تتأمل وتفكر ولا تسلم عقلك هكذا سريعًا- تخيل أن «أمسى» معناها الأصلي هو تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر في وقت المساء. جميل، إذًا بمعنى التأكيد، هي لم تنشئ معنى وحدثًا جديدًا، هي فقط تؤكد المعنى السابق قبل دخولها، وتحدد الفترة الزمنية له.
قبل دخول «أمسى» ماذا كانت الجملة؟ ديار المحبوبة خلاء؛ هل ديار المحبوبة فعلاً متصفة بالخلاء؟ أم أنها تحولت إلى خلاء وكانت عامرة؟ الحقيقة أن الديار المحبوبة ليست متصلة اتصافًا دائمًا بالخلاء، بل كانت عامرة بأهلها، ثم اتصلت بصفة جديدة وتحولت إلى صفة جديدة هي الخلاء. فـ«أمسى» لم تأتِ لتؤكد معنى كان موجودًا قبل دخولها، بل جاءت لتفيد التحول الذي طرأ على هذه الديرة؛ تحولت من ديار عامرة واتصفت بأنها ديار خالية.
وهل أراد أن يقول إن دار المحبوبة أصبحت خلاء في وقت المساء؟ هو لا يريد هذا، هو يريد أنها أصبحت ديارًا خالية سواء كان السفر سفر المحبوبة كان في وقت الصباح أو الضحى أو النهار، فبمجرد أن ارتحلت المحبوبة تحولت الديار إلى خالية، وليست مقيدة بالتحديد في وقت المساء.
إذاً، إذا قلت لي: يا شيخ، أريد أن أفهم كلامك، هو أراد مجرد صيرورة المبتدأ من حالة إلى حالة، لماذا لم يقل «أصبح» إذا كانت بمعنى «صار»؟ لماذا اختار النابغة الذبياني أن يقول «أمسى» ولم يرد أن يقول «أصبحت خلاء»؟ انظروا المعاني الآن كيف تتزاحم. أنت تقول هي فقط أفادت معنى صيرورة المبتدأ إلى صفة جديدة دل عليها الخبر، لماذا لم يقل «صارت خلاء»؟ البيت لن ينكسر.
هنا ستبقى هناك دلالات بلاغية؛ إن «أمسى» في الحقيقة توحي إيحاءً بلاغيًا بنهاية الشيء، والصباح يوحي إيحاءً بلاغيًا ببداية مستقبل جديد وبداية قصة جديدة. فالنابغة الذبياني يريد التحول ومعنى السيرورة، لكنه يريد أن يشعر السامع بشعور بلاغي عميق وهو انتهاء قصة النابغة الذبياني مع محبوبته، وهذا المعنى البلاغي العميق تفيده «أمسى» أكثر مما تفيده «أصبح»، وإن كانت الكلمتان هنا تفيدان معنى الصيرورة، سواء جاء بـ«أصبح» أو «أمسى»، فهما تفيدان معنى الصيرورة ولا تدلان على التقييد بزمن معين، لكن من الإيحاء البلاغي والروحي الذي تفيده كلمة «أمسى» هو انتهاء القصة.
عندما تنظر في الأفلام تجد دائمًا عند بقية الأمور أن النهاية انتهت وكل شيء انتهى، ويشير إلى ذلك بماذا؟ بغروب الشمس؛ ليعطي معنى النهاية. لكن الصباح يدل على معنى البداية الجديدة والمستقبل الجديد الواعد الذي ينتظر؛ فعندما يأتي في الفيلم أو المسلسل وقت الصباح يعطيك معنى روحانيًا جديدًا أن هناك بداية مشرقة وتحولًا جديدًا. المهم، «أمسى خلاءً» يعني صارت خلاء، ولم يرد أن يدل على تأكيد نسبة سابقة.
«أضحى يمزق أثوابي ويضربني»؛ يعني كان البارحة طفلاً صغيرًا أراعيه، والآن أصبح يتعدى علي ويضربني ويشتمني. «أضحى» هنا قطعًا لم تأتِ لتدل على وقت الضحى، هل هو يمزق ثوب والده في وقت الضحى؟ لا، هو يريد أن يقول إنه تحول من صفة إلى صفة، صار يمزق أثوابي بغض النظر عن الوقت الذي يتم فيه هذا التمزيق، هل هو وقت الضحى أم الليل أم الصباح أم المساء. «أضحى» هنا أصبحت منقطعة عن الزمن الذي تدل عليه، وأصبحت تدل على التحول فقط، أي أن المبتدأ اتصف بصفة لم يكن عليها.
هذا معنى أيها الأحبة، أن هذه الأفعال الخمسة: «كان»، و«أمسى»، و«أصبح»، و«أضحى»، و«ظل»، تُستعمل بمعنى «صار». رأيتم كيف التحليل اللغوي في المعنى يضفي لك شعورًا آخر؟ بإمكاني أن أقول إن هذه الأفعال الخمسة تأتي بمعنى «صار» وأنت لا تفهم المعنى الأول ولم تفهم المعنى الجديد الذي انتقلت إليه، لكن الأمانة العلمية تقتضي أن نفهم ما هو معناها الأول، وهو تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر في الوقت المحدد، وما هو المعنى الذي يطرأ عليها حين تشبع بمعنى «صار»، وهو أنها تتجرد من دلالتها على الزمن وتصبح تدل على مجرد تحول في المبتدأ إلى صفة جديدة.
واضح الأمور أيها الأحبة في المعنى الأول والمعنى الثاني، وهي في كلا الحالتين أفعال ناقصة. هذه الأفعال الخمسة، سواء كانت بمعناها الأول أو أصبحت بمعنى صارت، هي في كلا الحالتين أفعال ناقصة.
ما معنى أفعال ناقصة؟ هي في كلا الحالتين لا تدل على حدث، لأن صار الناقصة لا تدل كما قلت لكم على حدث، وإنما جاءت لتدل على أن المبتدأ اكتسى صفة جديدة لم تكن له. هذا الذي جاءت صار لتدل عليه، فإذا كانت كان وأخواتها الخمسة بمعنى صارت، إذاً هي تدل على أن المبتدأ اكتسب صفة جديدة ولم تدل بنفسها على حدث وقع، بخلاف حالة إذا كانت تامة كما سيأتي معنا.
إذا اتضح معنا أيها الأحبة، لن أناقش الزمخشري في "بات"؛ إن هناك خلافًا شديدًا، هل "بات" فعلًا وردت في اللغة العربية بمعنى "صار"؟ والخلاف في السماع؛ يقولون إن الأكثر يخالف الزمخشري، يقولون "بات" لم يُسمع فيها أنها بمعنى "صار"، وإنما جاءت لتدل على التحول من دون الدلالة على زمن البيات.
بماذا استدل الزمخشري؟ لماذا استدل؟ استدل بالحديث الذي ذكرناه في المحاضرة السابقة: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده».
طبعًا على رأي الحنابلة كلام الزمخشري مغلوط؛ لأن الحنابلة يقولون إن "بات" جاء ليدل على اتصاف البيات أنه وقع في الليل، والحديث جاء ليقيد وضع اليد في وقت المساء بالتحديد. الزمخشري، على طريقة الشافعية وعلى طريقة أكثر العلماء، يقول إنه لا ينبغي أن يُقيد غسل اليد للقائم من النوم بنوم الليل، بل حتى لو استيقظ من نوم النهار عليه أن يغسل يده.
يقول الزمخشري "بات" هنا بمعنى "صار"، ويرد على الحنابلة قائلاً: "بات" لم تأتِ لتدل على زمن البيات أو زمن الليل، إنما جاءت لتدل على معنى "صار". فأين باتت يده عند الزمخشري؟ بمعنى أين صارت يده.
لكن حتى الشافعية الذين يوافقون الزمخشري في أن غسل اليدين لا يتعلق بالليل أو بنوم الليل خصوصًا، بل يكون حتى من نوم النهار، يقولون: إنما ذكر البيات في الحديث خروجًا على مخرج الغالب؛ لأن أغلب النوم يكون في وقت الليل، فذكر التقييد بالليل ليس تقييدًا مقصودًا لذاته، وإنما خرج مخرج الغالب، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم﴾ [النساء: 23]. فالربائب محرمة سواء كانت في الحجور أو في غير الحجور، ولماذا بقيت كلمة "في حجوركم" في الآية؟ قالوا: هذا مخرج الغالب، لأن الغالب أن الربيبة تكون في الحجر، وليس المراد التقييد. وهكذا بقوله "أين باتت يده"، ليس المراد التقييد في وقت النوم ليلًا، وإنما ذكر البيان لأنه العادة في النوم أن يكون ليلًا، ولكن لو نام نهارًا فالحكم واحد. هذا نقاش سريع في "بات"، والمقابلة الآن معناها بالتأكيد، ولكن الأكثر لا يوافق الزمخشري في دلالتها على السيرورة، هذا الواقع.
ننتقل إلى مسألة جديدة، لا أريد أن أتعبكم أكثر من ذلك. قال: "وغيره ليس زال بجواز التمام"، أي الاستغناء عن الخبر، نحو: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، و﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 107].
هذه مسألة جديدة وهي التي دائمًا قلت لكم سأذكرها، والآن جاء وقت ذكرها، وهي تحول كان وأخواتها من أفعال ناقصة إلى أفعال تامة. وإذا تحولت إلى أفعال تامة، أصبحت مثلها مثل سائر الأفعال في اللغة العربية، تأخذ فاعلًا حقيقيًا. لكن النقاش الذي سيدور معنا هو: ما معنى أنها كانت ناقصة وأصبحت تامة؟ وما اختيار ابن هشام في هذه القضية؟ وما اختيار الجمهور؟ طبعًا ابن هشام تبع ابن مالك صاحب الألفية في اختياره.
الآن أيها الأحبة، نقول كان وأخواتها، ما معنى أنها ناقصة؟ أنتم ماذا فهمتم مني خلال شرحي في هذا الدرس والدرس السابق؟ ما معنى النقصان الذي فهمتموه مني؟ فيما أظن أن الناقصة معناها أنها تدل على زمن ولا تدل على حدث، لا تدل على حدث معين، وإنما تدل على زمن مع التأكيد كما ذكرت لكم.
إذا كان هذا معنى النقصان، فماذا سيكون معنى التمام؟ معنى التمام في كان وأخواتها بناءً على هذا المعنى للنقصان، هو أن كان وأخواتها التامة هي التي تدل على زمن وحدث، وهذا هو الوضع الحقيقي الطبيعي للفعل في اللغة العربية. الفعل وضعته العرب ليدل على حدث وزمن؛ "ضرب" حدث وهو الضرب زائد الزمن الماضي، "أكل" حدث وهو الأكل زائد الزمن الماضي، "يأكل" حدث وهو الأكل زائد الزمن الحالي. فالفعل في اللغة العربية وضعه الطبيعي الكامل هو أنه يدل على زمن وحدث، ولما كانت كان وأخواتها تدل على الزمن فقط، أصبح فيها نقصان في دلالتها؛ إذ تدل على زمن فقط دون حدث.
دعنا نطبق قبل أن ننتقل إلى الرأي الثاني على الأفعال التي بين أيدينا. "كان" كانت ناقصة تدل على تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر في الزمن الماضي، فإذا أصبحت تامة ماذا يصبح معناها؟ ستصبح تدل على حدث وزمن، والحدث الذي تدل عليه هو "حصل".
نقول في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. لاحظوا "كان ذو عسرة"، "كان" هنا أيها الأحبة لا يمكن أن تكون ناقصة، أولًا لأنه لا يوجد خبر، فلو كانت ناقصة كان ينبغي أن يوجد خبر، والآية "ذو عسرة"؛ "عسرة" مضاف إليه، ثم انتقلت مباشرة "فنظرة إلى ميسرة"، لا يوجد خبر لو كانت ناقصة أصلاً. فما معنى "كان" هنا؟ "كان" هنا بمعنى "حصل"، فإذاً: إن حصل ذو عسرة، يعني كان هذا الرجل في وضع عسرة، ما عنده ما يسدد به الدين، فعليك أن تنظره إلى ميسرة.
أما الفعل الثاني "أمسى"، فكانت تدل على تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر في وقت المساء، وهذا معنى كونها ناقصة.
معناها وهي تامة أصبحت تدل على حدث. ما الحدث الذي تدل عليه "أمسى" وهي تامة؟ تدل على أمسى الرجل بمعنى دخل في وقت المساء؛ نقول أمسى الرجل، جملة كاملة. ما معناه؟ دخل في وقت المساء، فأصبحت "أمسى" تدل على دخل في وقت المساء، فهي تدل على حدث. ما هو الحدث؟ الدخول في وقت المساء.
أصبح معناها دخل في وقت الصباح. ماذا عندنا من فعل؟ أضحى، دخل في وقت الضحى. ظل، ماذا تدل؟ ظل التامة ما معناها؟ ظل محمدًا، ما معناها؟ بقي واستمر، يعني أصبحت تدل على حدث وهو البقاء والاستمرار.
كانت: أمسى، أضحى، ظل. مثلاً معنى "صار"، صار بمعنى انتقل، وتأتي أيضًا بمعنى رجع. الآن سأمثل على هذه الأفعال. ماذا بقي عندنا من الأفعال أيها الأحبة؟ مشكلة الإنسان مع كثرة الكلام ينسى. برح، ما معنى برح؟ إذا كانت تامة، برح التامة بمعنى ذهب. ماذا قال موسى في سورة الكهف؟ يقول: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: 60]، لا أبرح ما فيها خبر، قال: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ﴾ أي لا أذهب.
برح بمعنى ذهب، وانفك بمعنى ماذا؟ انفك التامة ما معناها؟ انفصل. دونوا معاني هذه الأفعال حينما تكون تامة حتى تعرفوا الأحداث التي تدل عليها. انفك بمعنى انفصل.
ماذا بقي علينا من الأفعال؟ مثلاً "دام"، هذه ما ذكرنا معناها؛ "خالدين فيها ما دامت السماوات"، دام بمعنى ماذا تدل؟ أيضًا بمعنى بقي، مثلها مثل ظل تصبح تدل على ما حدث وهو البقاء.
بات، هناك فعل نقول بات؛ بات الرجل أي عرس، بات الرجل في المكان أي عرس الرجل في المكان. بات بمعنى عرس، وعرس معناها النزول ليلاً، هذا معنى عرس أي نزل ليلاً بمحل، فبات التام بمعنى عرس.
إذا كان بمعنى حصل: أمسى بمعنى دخل في المساء، أصبح معناه دخل في الصباح، أضحى بمعناها دخل في وقت الضحى، ظل معناها بقي واستمر، صار معناها انتقل، بات بمعنى عرس، برح بمعنى ذهب، انفك بمعنى انفصل.
فمثال "كان" تامة مثلما قلنا: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. مثال "أمسى" و"أصبح" الآية القرآنية التي سجد بها ابن هشام: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]. ماذا يعني تمسون؟ هذه ليست "كان" ناقصة، بدليل أنه لا يوجد خبر حين تمسون وحين تصبحون. ماذا تمسون؟ تمسون من أمسى، أمسى يمسي تمسي، فتمسون معناها حين يدخلون في وقت المساء.
لاحظ هنا الفعل "أصبح" يدل على حدث. أمسى يعني دخل في وقت المساء، هنا أمسى لم تأتِ لتدل على اتصال مبتدأ بخبر في وقت معين، أتت لتدل على الحدث وهو الدخول في وقت المساء. وحين تصبحون يعني حين تدخلون في وقت الصباح.
كذلك ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 108]. "دام" هنا لم تأتِ لتدل على استمرارية في مدة أو على استمرارية حدث في مدة اتصاف المبتدأ والخبر كما قلنا؛ إن "دام" تكون مسبوقة بمصدرية ظرفية وتدل على أن الحدث الذي قبلها مثلاً: صلى الله على محمد ما دام كذا، أو سأضربك ما دمت كسولاً، فـ "دام" تدل على توقيت الحدث السابق لها بما بعدها. فهنا نلاحظ أن "دام" جاءت بمعنى بقي، ولم تأتِ للتوقيت؛ ما دامت السماوات والأرض أي بمعنى ما بقيت السماوات والأرض.
كذلك قال الشاعر: تطاول ليلك بالأثمد ... وبات الخلي ولم ترقد
ما معنى بات الخلي؟ أي عرس ونزل في المكان. فبات هنا لم تأتِ لتدل على اتصاف المبتدأ بالخبر في وقت البيان، بل أتت لتدل على حدث وهو التعري والنزول في المكان.
كذلك مثلاً "صار"، الآن آتي بأمثلة لم يذكرها؛ "صار" التامة مثل ماذا؟ صار محمد إلى... أو صرت إليك. ولو قلت "صرت" لا نقول هذه "صار" بالسين. صار، صار الأمر إليك، أي انتقل الأمر إليك. فهنا لاحظ أن القضية في "صار"، "صار" عندما تكون تامة هي أتت لتنشئ الحدث بنفسها، جاءت لتدل على انتقل، "صار الأمر إليك" هنا لم تأتِ لتدل على أن المبتدأ اكتسى صفة جديدة دل عليها الخبر، بل جاءت لتدل بذاتها على الحدث: انتقل الأمر إليك.
فلاحظوا كيف معناها حينما تكون ناقصة ومعناها حينما تكون تامة؛ مثلاً "أضحى" يقول لك أضحى محمد أي دخل في وقت الضحى، "ظل" ظل محمد في المكان أي بقي واستمر، مثل آية الكهف: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾، وانفك نقول انفك الخاتم أي انفصل.
لاحظوا القضية هنا، جميع هذه الأفعال التي ذكرتها أيها الأحبة حينما تصبح أفعالًا تامة فإنها تكون أفعالًا لازمة. ماذا يعني لازمة؟ أي لا تأخذ مفعولاً به. هذه الأفعال حينما تصبح تامة فإنها تصبح أفعالًا لازمة. لاحظوا جميع المعاني كانت بمعنى حصل، فالفعل لازم: أمسى وأصبح وأضحى، دخل في وقت المساء أو الصباح أو الضحى، فعل لازم لا يأخذ مفعولاً به. ظل بمعنى بقي واستمر لا يأخذ مفعولاً به. صار بمعنى انتقل لا يأخذ مفعولاً به. بات بمعنى عرس لا يأخذ مفعولاً به. برح بمعنى ذهب لا يأخذ مفعولاً به. انفك بمعنى انفصل لا يأخذ مفعولاً به.
لاحظوا أن جميعها عندما تكون تامة، صار هدفها الحدث، لكن كلها أفعال لازمة، أي لا تأخذ مفعولاً به، تأخذ فقط فاعلاً وتأتي متعلقات بالفاعل؛ يعني يأتي بعدها جار ومجرور أو ظروف. ما عندنا مشكلة مثل: "صار الأمر إليك"، أي انتقل الأمر إليك، ما عندنا مفعول به، عندي فعل وفاعل وجار ومجرور متعلق بالفعل. فلاحظنا أن هذه الأفعال إذا أصبحت تامة فإنها كلها تكون أفعالاً لازمة لا تأخذ مفعولاً به.
إذاً في هذه الحالة خلاص انتهى الأمر، إذا أصبحت أفعالًا تامة تدل على هذه المعاني، تأخذ فعلاً وفاعلاً، وما عندنا الآن "كان وأخواتها"، انتهى الأمر، ولا نقول إنها داخلة على جملة أصلاً (مبتدأ وخبر)، خلاص أصبحت أفعالاً مثلها مثل لعب وأكل وشرب ونام وما شابه ذلك. هذا هو المعنى الذي عليه جمهور النحاة في قضية النقصان والتمام. أما ابن مالك وتبعه ابن هشام، فذهبوا إلى معنى آخر للنقصان والتمام. ما هو المعنى الذي...
يرى ابن هشام أن معنى نقصان كان وأخواتها أنها مفتقرة دائما إلى الخبر، وهذا معنى أن فلا تستغني عن خبرها. متى جاءت ناقصة معنى نقصانها أنها لا تستغني عن الخبر، فهي تفتقر دائما إلى الخبر. وليس معنى النقصان عند ابن مالك وابن هشام أنها وهي ناقصة لا تدل على حدث، وهنا تنقلب كل القضية التي أتكلم عنها؛ إذ أصبحنا نؤصل في درسين كاملين لقضية أن النقصان دلالتها على الزمن فقط.
جاء ابن مالك وابن هشام لينسف هذا المعنى، إذ يرى ابن هشام معنى آخر للنقصان. أريد أن أختار عبارة ابن هشام في الصفحة التي تليها بالضبط، ولا أريد أن نجتهد في العبارة، حيث يقول ابن هشام: «التمام في هذه الأفعال أن تستغني بمرفوعها عن منصوبها» كما ذكر عندكم في الشرح.
هذه الأفعال، ولنحذف كلمة النقصان التي في الأعلى، معنى تمام هذه الأفعال أن تستغني بمرفوعها عن منصوبها باختصار؛ أي لا تحتاج إلى خبر، وتكتفي بمرفوعها، وماذا سيكون مرفوعا في هذه الحالة؟ هو الفاعل. بعبارة أوضح: أن تكتفي بالفاعل ولا تحتاج إلى خبر، وهنا يصبح تسمية مرفوعها فاعلا تسمية حقيقية.
لماذا نصت على هذه الفائدة؟ لأن ابن هشام في بداية الكلام عن كان وأخواتها قال: اسم كان الناقصة أو إحدى أخواتها يجوز أن يسمى اسم كان ويجوز أن يسمى فاعلا، وخبر كان يجوز أن يسمى مفعولا، لكن تسمية اسم كان فاعلا وتسمية خبر كان مفعولا يقولون هذه التسمية مجازية. أما هنا، فإذا أصبحت كان وإحدى أخواتها تامة، فما معنى التمام؟ قالوا: أن تستغني بمرفوعها عن منصوبها، فحينئذ تأخذ فاعلا حقيقيا، وهذا الفاعل فاعل حقيقي ولا يسمى اسم كان، وانتهت القضية؛ لأن هذه الأفعال إذا كانت في حالة تمامية تصبح مثلها مثل أي فعل في الجملة العربية.
لكن ماذا قال؟ قال إنها تكتفي ولا تحتاج إلى خبر. عبارة «أن تكتفي بالفاعل» ماذا تفهم منها؟ ما ذكرته أخيرا قبل قليل أن هذه الأفعال إذا كانت تامة فإنها أفعال لازمة وليست متعدية؛ لأنه قال إنها تكتفي بمرفوعها عن منصوبها، فكأنه يشير بهذه العبارة إلى أن التمام فيها أن تصبح أفعالا تحتاج إلى فاعل فقط، وهي بالتالي ستكون أفعالا لازمة لا تأخذ مفعولا به ولا تأخذ خبرا أيضا. فعبارة «أن تكتفي بالفاعل» فيها دلالة على أن هذه الأفعال حينما تكون أفعالا تامة فهي لازمة لا تأخذ مفعولا به.
إذن هذا معنى التمام، وما معنى النقصان في هذه الأفعال بناء على رأي ابن هشام وابن مالك؟ معنى النقصان عندهم أن تحتاج هذه الأفعال إلى خبر، فلا تكتفي بمرفوعها بل تحتاج إلى خبر، فإن احتاجت إلى خبر حينئذ يسمى المرفوع اسم كان ولا يسمى فاعلا. إذا كانت كان وإحدى أخواتها ناقصة معناها أنها لا تكتفي ولا تستغني بمرفوعها، بل نحتاج إلى شيء آخر حتى يكتمل المعنى، وهذا الشيء الآخر الذي نفتقر إليه ونحتاج إليه حتى يتم به المعنى هو الخبر، وبالتالي المرفوع هنا لن يسمى فاعلا حقيقة، بل يسمى مجازا، ويسمى المرفوع حينئذ على وجه الحقيقة اسم كان.
فإذا كان سبب النقصان هو الافتقار، فمعنى النقصان هنا على رأي ابن مالك وابن هشام هو الافتقار إلى الخبر، ومعنى التمام هو عدم الحاجة والافتقار إلى الخبر واستطاعة الفعل أن يكتفي بمرفوعه. هذا معنى النقصان والتمام.
وابن هشام وابن مالك يريان أن قضية أن كان أو إحدى أخواتها لما تكون ناقصة لا تدل على الحدث وتدل على الزمن فقط هي قضية مرفوضة. ابن هشام وابن مالك يقولان: كان وأخواتها عندما تكون ناقصة معنى النقصان أنها تفتقر وتحتاج إلى الخبر، وليس معنى النقصان أنها لا تدل على حدث. وأطال ابن مالك الاستدلال على مذهبه في أن هذه الأفعال -وإن كانت ناقصة- هي تدل على حدث، وأن معنى نقصانها هو فقط احتياجها وعدم استغنائها عن الخبر.
فعند ابن مالك وابن هشام هذه الأفعال تدل على أحداث، لكن كما قلت الجمهور يرى أن معنى النقصان فيها أنها لا تدل على أحداث وتدل على أزمنة فقط. نحن لا نأبى ولا نرفض قول ابن مالك إن هذه الأفعال الناقصة مفتقرة إلى الخبر، نحن نقر بذلك، لكن ليس هذا هو سبب تسميتها ناقصة؛ سبب تسميتها ناقصة أن تدل على الزمن فقط، ولأنها تدل على الزمن فقط افتقرت إلى الخبر. فافتقارها إلى الخبر ناتج عن نقصان دلالتها، احفظوا هذه العبارة: افتقار كان وأخواتها إلى الخبر ناتج عن نقصان دلالتها؛ لأنها لما كانت تدل على الزمن فقط افتقرت الجملة إلى خبر، ولو كانت كان وإحدى أخواتها تدل على الزمن والحدث لما افتقرنا إلى ذكر الخبر، فالافتقار إلى الخبر هو ناتج عن النقصان وليس هو النقصان.
أما ابن مالك وابن هشام فلا يريان أن النقصان هو الافتقار إلى الخبر، وأن هذه الأفعال أفعال تدل على الحدث حتى في حالة نقصانها، والنقاش سيدور لو أكملنا مع ابن مالك وابن هشام في هذه القضية. لذلك ماذا يقول ابن هشام؟ يقول إن هناك قضية ربما قفزت أنا ولم أشرحها، وهي هل كل أفعال كان وأخواتها تأتي ناقصة وتامة أم منها ما لا يكون إلا ناقصا؟ ابن هشام استثنى ثلاثة أفعال لا تأتي إلا ناقصة، سواء على رأينا أو على رأي بني هشام، سواء على رأي الجمهور أو رأي بني هشام؛ فهناك ثلاثة أفعال لم تسمع عند العرب إلا ناقصة.
ما هي؟ قال: «فتئ»؛ هذه يا أحبة لم يسمع عن العرب استخدامها تامة، لا يوجد باختصار معنى تام تدل عليه، وعلى طريقتنا دائما هي ناقصة، فدائما هي تدل على استمرارية اتصاف المبتدأ والخبر وتكون دائما مسبوقة بنفي أو ما فيه معنى النفي، ولم يسبق عن العرب أن أُشبعت معنى تاما. و«زال» أيضا لم يسمع عن العرب أنها تأتي تامة، دائما تكون ناقصة.
تقول: يا شيخ، أنت في المحاضرة الماضية قلت إنه قد تأتي تامة؟ قلت لكم في المحاضرة الماضية إن قضية أن «زال» تامة هي «زال» التي مضارعها يزول، فهذه تامة وقلنا إنها تدل على نفي المفردات، أليس كذلك؟ «زالت الشمس»، هذه الجملة صحيحة، نقول نعم «زالت الشمس» صحيحة.
فعل وفاعل، لكن زالت هنا ليست مضارعها يزال، زالت الشمس؛ هذه التي زالتنا، مضارعها إيش؟ يزول. ففي الحقيقة اختلف الفعل، زال التي مضارعها يزال دائماً ناقصة عند العرب؛ لذلك ابن هشام يقول: هذه الكلمة زال التي مضارعها يزال دائماً ناقصة لم يسمع التمام فيها، وإنما التي سمع فيها التمام زال التي مضارعها يزول، وهي التي تدل على -كما قلنا- نفي المفردات.
وأما زال التي مضارعها يزال، لم يسمع عن العرب استخدامها إلا في إثبات استمرار اتصاف المبتدأ بالخبر، لأنها تكون دائماً مسبوقة -كما قلنا- بنفي، وبما أنها دائماً مسبوقة بنفي فنافي النفي إثبات. ليس أيضاً -أيها الأحبة- لا تدل إلا على ماذا؟ بسم الله، ليس أيضاً لا تأتي إلا ناقصة ولم يسمع عن العرب استخدامها التامة.
وللمعلومة، ابن هشام -رحمة الله عليه- كما قلنا هو يرى أن معنى النقصان ليس أنها لا تدل على حدث، أليس كذلك؟ لكن ليس استثناها ابن هشام، قال هي الوحيدة ناقصة ولا تدل على حدث، وفي النهاية ابن هشام وقف أمام ليس لم يجد لها حدثاً تدل عليه، فقال كل كان وأخواتها وهي ناقصة تدل على أحداث، إلا ليس فلا تدل على حدث وإنما لمجرد النفي.
كم ذهب من الوقت؟ تسعة وعشرون ساعة وعشرون دقيقة. لذلك يقول ابن هشام بعد أن ذكر الأمثلة: «وما فسرنا به التمام». أريد أن أقرأ ابتداءً حتى ما أقفز. قال: «ويختص ما عدا فتى وزال وليس». استثنى إذاً فتى وزال وليس؛ هذه الأفعال دائماً معك، ويختص ما عدا فتى وزال وليس من أفعال هذا الباب بجواز استعمالها تامة.
عرفنا، قال: «ومعنى التمام عند ابن هشام وابن مالك أن يستغني بالمرفوع»، وهو هنا سيكون الفاعل عند المنصوب، كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةً﴾ [البقرة: 280]، أي وإن حصل ذو عسرة. وكقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 107].
قال: «وما فسرنا به التمام هو الصحيح»، على رأي ابن هشام، هو يرجح مذهبه. وعن أكثر البصريين أن تمامها دلالتها على الحدث والزمان. وكذلك الخلاف في تسمية ما ينصب الخبر ناقصاً، لما سمي ناقصاً؛ طبعاً بناءً على أنك إذا اختلفت في معنى التمام ستختلف في معنى النقصان.
فعلى ما اخترناه نحن، اختيار ابن هشام، سمي ناقصاً لكونه لم نكتفِ بالمرفوع بل يحتاج إلى المنصوب وهو الخبر في هذه الحالة. وعلى قول الأكثرين، لماذا سميت ناقصة؟ قال لأنه سلب الدلالة على الحدث تجرد للدلالة على الزمان. ثم رجح قوله طبعاً في النهاية، قال: «والصحيح الأول»، ويرى أنها تبقى تدل على الحدث حتى ولو كانت ناقصة.
واضح الكلام أيها الأحبة؟ طبعاً هذا الكلام يحتاج منك الآن أن تكتب ما أقول، لكن عد وتأمل وتفكر في دلالة هذه الأفعال. انظر في الأمثلة وتفكر في دلالتها، انظر كيف سلبت الدلالة على الحدث على رأي الجمهور، وكيف أصبحت تدل فقط على تأكيد النسبة. طبعاً تأكيد النسبة كما قلت لكم في كان وأمسى وأصبح وظل وبات وأضحى.
نعم، لا الخلاف مع الزمخشري في قضية أن هذه الأفعال تأتي بمعنى صار، لكن معناها الحقيقة كان وأمسى وأصبح وبات وظل وأضحى، هذه الأفعال الستة تفيد ماذا كما قلنا؟ تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر في ذاك الوقت. بينما فتى وزال وبرح وانفك، هذه الأفعال في الدرس الماضي قلنا ما معانيها التي تدل عليها؟ استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر، أي من اللحظة التي تلبس بها المبتدأ والخبر إلى هذه اللحظة الحالية التي نتكلم فيها ما زال متلبساً به.
يعني يكون المبتدأ تلبس بالخبر في الماضي وهو إلى وقت الكلام ما زال؛ ما فتئ ومن برح ومن انفك، يكون ما زال متصفاً بالخبر. فما زال محمد قائماً، محمد اتصف بالقيام في الماضي وهو إلى هذه اللحظة التي أتكلم بها متصف بالقيام، فإذا هي تدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر، من لما تلبس المبتدأ بالخبر إلى هذه اللحظة ما زال المبتدأ متلبساً ولم يحدث انفكاك.
وكذلك دام، لكن دام إيش إشكاليتها التي تفترق فيها عن الأخوات الأربع، وهي زال وبرح وانفك؟ أن دام -صحيح- تدل على اتصاف المبتدأ بالخبر أو استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر، لكن دام قلت لكم في المحاضرة السابقة إنه يشترط فيها شرط وهو ماذا؟ أن تكون بفعل أو بجملة تأتي "دام" مع "ما" المصدرية الظرفية لتقيد وقت هذه الجملة.
حينما أقول: "سأكرمك ما دمت مجتهداً"، إيش معنى هذه الجملة؟ تقييد الإكرام بمدة بقائك مجتهداً، بمدة استمرار اتصافك بالاجتهاد. لذلك قلت لكم لا تأتي "كان" و"دام" الناقصة في بداية الجملة، هكذا تقول: "والله ما دام محمد قائماً" وتسكت، هذا لا يصلح؛ لأن فكرة "دام" مع "ما" المصدرية الظرفية قبل فكرتها عند العرب أنها تأتي مقيدة للزمان لزمن الفعل أو الحدث الواقع قبلها.
فحينما أقول: "سأكرمك ما دمت قائماً" أو "ما دمت مجتهداً"، "ما دمت مجتهداً" أتت لتقيد مدة الإكرام، أن الإكرام سيبقى ما دمت متصفاً بالاجتهاد. أما "ما زال" و"ما فتئ" و"ما برح" و"ما انفك" فلا، هذه الأفعال تأتي ابتداءً يمكن أن تصدر بها جملة، تقول: "ما زال محمد قائماً"، لا يشترط أن تكون مسبوقة بحدث. هل اشترط أن أقول قبل أحد الوضع: "محمد ضرب محمد ما زال قائماً"؟ هي لم تأتِ ابتداءً لهذين فقط، هذه الأفعال الأربعة: زال وانفك وبرح، أتت لتدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر من لما تلبس به.
بينما "دام" هي صحيح تدل على الاستمرارية، لكن الإتيان بها مشروط بأن تكون مسبوقة بجملة، جاءت "دام" لتقيد المدة الزمنية لهذه الجملة السابقة لها. وهذه معانٍ دقيقة أيها الأحبة، قل من يشير إليها من الشراع بهذا التوضيح، فانتبهوا عليه رضي الله عنكم. إن هي صح تدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر، لكن المغزى من الإتيان بها تقييد الحدث الواقع قبلها بجملة.
«صلى الله على محمد ما دامت العيس تذهب إلى مكة»، أي الصلاة على النبي ﷺ مقيدة بهذه المدة الزمنية، اتصاف العيس -أي الإبل- بأنها تذهب إلى مكة، وهذا لن يقل، هذه مدة زمنية، لاحظ أنها مدة لا تقف إلى قيام الساعة، لكن بالنهاية تقييد، وإن كان المراد بهذا التقييد التأبيد، لكن في النهاية هو تقييد. فهذه الفرق بين ما دام وبين الأفعال الأربعة.
لا أريد أن أقحمكم في أكثر من هذا الدرس. كان عميقاً اليوم من حيث المعاني اللغوية، فانتبهوا عليه. في الدرس القادم إن شاء الله ننهي الحديث عن كان وأخواتها.
الله يرحمها برحمته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل