بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهد لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري، رحمة الله تعالى عليه. وقد وقف بنا المسير أيها الأحبة في باب كان وأخواتها، وكنا في نهاية الدرس الماضي قدمنا توطئة لهذا الباب فقط.
قلنا المبتدأ والخبر أيها الأحبة يدخل عليهما ما يسمى في علم النحو النواسخ. وهذه النواسخ لماذا سميت بهذا الاسم؟ لأنها تنسخ الحكم القديم للمبتدأ والخبر؛ أي تزيل. والنسخ قلنا بمعنى الإزالة، وهناك مجموعة من العوامل والأدوات تدخل على المبتدأ والخبر تنسخ الحكم القديم وتحدث له حكمًا جديدًا.
وبين لنا الدرس الماضي أن هذه النواسخ يقسمها النحاة إلى ثلاثة أقسام: كان وأخواتها، وإن وأخواتها، وظن وأخواتها. هذه هي النواسخ تقسم إلى ثلاث مجموعات. كان وأخواتها ماذا تفعل في جملة المبتدأ والخبر؟ قلنا إنها ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبر لها. وأما إن وأخواتها فهي العكس؛ تنصب المبتدأ على أنه اسمها وترفع الخبر على أنه خبرها. وأما ظن وأخواتها تدخل على الجملة الاسمية فتجعل المبتدأ مفعولًا به أولًا وتجعل الخبر مفعولًا به ثانيًا، كما سيتضح معنا إن شاء الله في الشرح.
واليوم سنبدأ بأول مجموعة من مجموعات النواسخ، وهي مجموعة كان وأخواتها. وقلنا في الدرس الماضي إن كان وأخواتها ترفع الاسم وتنصب الخبر، والاسم الذي ترفعه كان يسمى اسم كان، ويجوز أن يسمى فاعلاً على سبيل التجاوز، وخبر كان يجوز أن يسمى مفعولًا على سبيل التجاوز.
إذًا اليوم أيها الأحبة نتكلم عن كان وأخواتها. قلنا كان ماذا تعمل؟ عملها ترفع المبتدأ ويسمى الاسم الأشهر المتداول أنه يسمى مبتدأ اسم كان، وبالإنصاف بين لنا كما أخذنا في نهاية الدرس الماضي أنه يجوز أن يسمى اسم كان فاعلاً، لكن تسميته فاعلاً هي التسمية على سبيل المجاز، والأحق أنه اسم كان. وتنصب الخبر ويسمى خبر كان، وله تسمية أخرى وهي يسمى مفعولًا، ولكن أيضًا تسمية مفعول هي تسمية مجازية والمشهور أنه خبر كان.
إذًا هذا عمل كان وأخواتها: تدخل على المبتدأ والخبر ترفع المبتدأ. هنا سؤال يمكن يقوله الطالب: يا شيخ المبتدأ أصلاً كان مرفوعًا، فكيف تقول كان ترفع المبتدأ؟ أليس المبتدأ كان مرفوعًا؟ نقول انتبه، المبتدأ حينما كان مرفوعًا كان مرفوعًا بعامل معنوي هو الابتداء، وأما الآن فإنه مرفوع أيضًا، لكنه مرفوع بعامل لفظي هو كان أو إحدى أخواتها. صحيح أن المبتدأ عندما يصبح اسم كان سيبقى مرفوعًا لكن سيختلف العامل؛ فالمبتدأ عامل الرفع فيه الابتداء وهو عامل معنوي، وأما الآن فالذي سبب الرفع عامل لفظي هو كان أو إحدى أخواتها. فهل انتبهتم عليها أيها الأحبة؟ إذًا هذا عمل كان وأخواتها: ترفع المبتدأ ويسمى اسمها، ويتصل بالخبر ويسمى خبرها.
جميل، الآن كم عدد أفعال هذا الباب؟ أولاً، جميع أدوات أو جميع أخوات كان هي أفعال، هذه قاعدة عامة. وذكرنا الخلاف السابق في "ليس"، هل هي حرف نفي؟ قلنا الصحيح أنها فعل جامد للنفي كما ذكرنا في مطلع دراستنا لقطر الندى. وإذًا كلها أفعال، وعدد هذه الأفعال كما ذكر ابن هشام هي ثلاث عشرة لفظة، أو تريد أن تقول فعلًا؟ نقول ثلاثة عشر فعلًا.
ما هي هذه الأفعال الثلاثة عشر؟ سنبينها الآن وسأبين معاني هذه الأفعال. الأفعال هي: كان، وأمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات، وصار، وما زال، وما فتئ، وما انفك، وما دام، وليس.
هذه هي الأفعال هنا أيها الأحبة: كان، أمسى، أصبح، أضحى، ظل، بات، صار، ما برح، ما زال، ما فتئ، ما انفك، ما دام، ليس. وهناك مجموعة أخرى من الأفعال تلتحق بكان وأخواتها، ذكر الشيخ محمد محيي الدين في الحاشية مجموعة من الأفعال مثل: قاسى، وغدا، ورأى وما شابه ذلك، ويمكن أن تعمل عملها، لكن لا أريد أن أبحثها في هذا المستوى، اجعلوها في مستوى أرقى إن شاء الله. المهم أن نركز على الأفعال الأساسية المشهورة في كان وأخواتها وهي هذه الأفعال الثلاثة عشر.
الآن ما أريد أن أبينه هو معاني هذه الأفعال. ما الذي تفيد هذه الأفعال؟ قلنا أيها الأحبة إن هذه الأفعال الثلاثة عشر حتى تعمل هذا العمل الذي ذكرناه قبل قليل، وهو الدخول على الجملة الاسمية فترفع المبتدأ على أنه اسمها وتنصب الخبر على أنه خبرها، يجب أن تكون ناقصة، حفظتم؟ يشترط أن تكون ناقصة حتى تكون من النواسخ.
ما معنى النقصان والتمام؟ هذا ستتكلم عنه أثناء حديثي عن معاني هذه الأفعال، فدونوا هذا عندكم. الآن سأنتقل لأبين معاني هذه الأفعال السريعة. أقول ابتداءً أيها الأحبة: انظر إلى هذه الفلسفة في اللغة العربية.
أيها الأحبة، الفعل في اللغة العربية مثل الفعل الطبيعي: ضرب، أكل، شرب، نام، قام، جلس؛ ما فائدته؟ وما المعنى الذي جاء ليدل عليه؟
يقولون في تعريف الفعل: هو ما دل على معنى في نفسه واقترنت به زمن. إذاً، فالفعل في اللغة العربية يدل على معنى، ويدل على زمن، إما الماضي أو الحاضر أو المستقبل. الفعل يدل على معنى، دعوني في القسم الأول: الفعل يدل على معنى. هذا المعنى الذي يدل عليه الفعل قام به الفاعل؛ لماذا؟ لأن الفعل يدل على معنى، والآن سأكمل: الفعل يدل على معنى قام به من الذي قام بهذا المعنى؟ قام به الفاعل أو قامت به الفاعل. ما الفرق بين التعبيرين؟ من خلال أمثلة يتضح.
عندما أقول: ضرب زيد كرة، الآن "ضرب" فعل، تدل على معنى، ما هو المعنى الذي تدل عليه؟ المعنى هو الحدث الذي تضمنته كلمة "ضرب" وهو الضرب، إذاً "ضرب" تدل على معنى، ومن الذي قام به؟ من الذي أحدثه وأوجده؟ الفاعل، فمن الذي ضرب؟ زيد. وعندما أقول: لعب بكر، "لعب" تدل على معنى، ما هو المعنى الذي تدل عليه؟ اللعب، وهذا المعنى قام به الفاعل، أي أحدثه وأوجده الفاعل.
انظروا وانتبهوا في هذا المثال: مات بكر. "مات" تدل على معنى، وهو ماذا؟ وهو الموت، هذا هو المعنى الذي تدل عليه. وهل الموت هو المعنى الذي تدل عليه كلمة "مات" قام به بكر؟ يعني هل بكر هو الذي فعل الموت؟ لا، هذا الحدث الذي دلت عليه كلمة "مات" لم يقم به الفاعل، بل قام بالفاعل، أي حل به. أنت لو كان هناك أحد يموت، هل هو الذي يحدث الموت؟ لا، الموت يحل به. فلذلك كما سيأتي إن شاء الله عندما نعرف الفاعل: الاسم المرفوع الذي قام بالفعل أو قام به الفعل، هكذا يقولون.
فباختصار، إذاً الفعل في اللغة العربية يدل على معنى قام به الفاعل أو قام بالفاعل، قد لا يكون صدر منه لكنه حل به، مثل "مات". هذا هو الشطر الأول من دلالة الفعل: الدلالة على معنى قام به الفاعل أو قام بالفاعل. لذلك أي فعل في اللغة العربية يطلب مباشرة بعده فاعلاً، وهذه قاعدة كلية في اللغة العربية؛ أي فعل يطلب فاعلاً لأن الفعل يدل على معنى، وينبغي أن نعرف من الذي قام بهذا المعنى أو أول من قام به هذا المعنى.
الشطر الثاني من دلالة الفعل أنه يدل على زمن؛ فـ "ضرب" تدل على المعنى وتدل على زمن الماضي، و"يضرب" تدل على المعنى وهو الحدث وعلى زمن الحاضر، و"اضرب" تدل على طلب إيقاع الفعل في المستقبل. إذاً الشطر الثاني من دلالة الفعل هو الزمان. هذه القاعدة استحضروها أمامكم، هذا هو الفعل الحقيقي، ويسمى الفعل التام؛ الفعل الذي يدل على شطري موضوعه وهو الحدث أو المعنى والزمن يسمى فعلاً تاماً.
كان وأخواتها أيها الأحبة تسمى في اللغة العربية أفعالاً ناقصة. كان وأخواتها التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، لأننا سنبين إن شاء الله ربما في الدرس القادم أن كان وأخواتها أحياناً لا تعمل، أي لا ترفع اسماً وتنصب خبراً، بل تعمل عمل الأفعال الحقيقية تأخذ فعلاً وفاعلاً، فحينئذ تسمى أفعالاً تامة. فأنا أتكلم الآن عن كان وأخواتها التي هي من النواسخ التي ترفع المبتدأ على أنه اسم وتنصب الخبر على أنه خبر لها.
لماذا تسمى أفعالاً ناقصة؟ يقولون: كان وأخواتها التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر تدل على جزء واحد من مدلوليها؛ مدلول الفعل هو المعنى والزمن، وكان وأخواتها تدل على جزء واحد من مدلوليها، إذ تدل على الزمان فقط. هذه هي القاعدة التي ننطلق منها، طبعاً ابن هشام لن يوافقنا على هذا بل اختار رأي ابن مالك، لكن أنا أختار رأي الجمهور في توضيح مفهوم كان وأخواتها. ستعرف إن شاء الله ما رأي ابن هشام، لكن دعونا على رأي الجمهور.
كان وأخواتها: كان، أمسى، أصبح، أضحى، ظل، بات، صار، كذلك ما زال، ما برح، ما انفك، إلى آخرها؛ تدل على ماذا؟ تدل على الزمان فقط، ولا تدل على معنى قام به الفاعل أو قام بالفاعل. إذاً نقول: كان وأخواتها لا تدل على معنى قام بالفاعل أو قام به الفاعل، بل تدل على الزمان فقط. عندما أقول: "كان زيدٌ قائماً"، "كان" لا تدل على حدث قام بزيد أو قام به زيد، "كان" هنا اسم كان، و"قائماً" خبر كان، "كان" هنا لم تأتِ لتدل على حدث قام به زيد بل جاءت لتدل على الزمان فقط. كذلك لو قلت: "أصبح عمروٌ نشيطاً"، "أصبح" لم تأتِ لتدل على حدث قام به زيد أو قام به زيد.
أين الحدث في جملة كان وأخواتها إذاً؟ لابد أن يكون فيها حدث. إذا كانت كان وأخواتها لا تدل على الحدث، نقول: الحدث أو المعنى بما يشمل الحدث وغير الحدث، يكون في الخبر؛ يعني الحدث أو المعنى الذي قام بالفاعل أو قام به الفاعل يوجد في خبر كان وليس في الفعل نفسه.
هذه القاعدة احفظوها مثل أسمائكم: المعنى الذي قام به الفاعل أو قام بالفاعل في جملة كان وأخواتها يكون في الخبر وليس في فعل كان أو إحدى أخواتها. كيف ذلك؟ عندما أقول: "كان زيدٌ قائماً"، هذه الجملة ماذا أفهم منها؟ قيام زيد، هذا المعنى الذي هو القيام، من أين استفدنا؟ هل استفدناه من "كان" وحدها أو أخواتها؟
قائمًا، اللي هو الخبر؛ أي لاحظ: "كان زيدٌ قائمًا"، قيام زيد الذي هو المعنى الذي اتصف به زيد، أو قام به زيد الذي هو القيام. من أين استفدنا؟ هل استفدناه من الفعل؟ لا، استفدناه من الخبر.
أصبح زيدٌ نشيطًا، النشاط هذا المعنى الذي نستطيع أن نقول قام به زيد. ليش أقول فعله زيد؟ النشاط ربما صعب أن نقول فعله زيد، وإنما مثله مثل أنه يحلّ به زيد. هذا المعنى الذي هو النشاط الذي قام به زيد، من أين استفدناه؟ هل استفدناه من "أصبح" ولا من الخبر؟ استفدناه من الخبر، وهذا ينطبق على كل أخوات كان.
إذا المعنى الذي قام به الفاعل في جملة كان وأخواتها يكون في الخبر. طيب، إيش فائدة إذاً "أصبح" و"أمسى" و"أضحى" و"ظل" و"بات" و"كان" و"ما زال"؟ هذا الذي أريد أن أتكلم عنه الآن. ما معنى هذه الأفعال؟ أنا ما حدثنا قلنا إنها جاءت لتدل على الزمان فقط، لكن الآن سأبين أكثر من دلالة لها.
لكن أريدك أن تحفظ هذه القاعدة: في جملة كان وأخواتها، المعنى الذي قام به الفاعل يوجد في الخبر، وليس في الفعل. طبعًا أنا أريد أن أسمي "زيد" فاعلاً، ونحن قلنا اسم "كان" يسمى فاعلاً على سبيل المجاز قبل قليل، فزيد هو الفاعل؛ "كان زيدٌ قائمًا"، "أصبح زيدٌ نشيطًا"، والمعنى الذي قام به يوجد في الخبر وليس بالفعل. وأما دلالة الفعل هنا فهي دلالة على الزمان فقط؛ لذلك تسمى كان وأخواتها أفعالًا ناقصة لأنها لا تدل على حدث قام به الفاعل، بل تدل فقط على عنصر الزمان.
الآن سأمسح السبورة لأقرر قواعد في هذا الباب. إذا عرفنا أنها أفعال ناقصة، وهي ثلاثة عشر فعلًا، تدل على الزمان فقط، الآن سأضع قواعد معنى هذه الأفعال. سأبدأ في دراسة وتحليل معنى هذه الأفعال.
هناك أيها الأحبة معنى مشترك بين كل هذه الأفعال الثلاثة عشر. ما هو؟ هو -وطبعًا أنا أقول معنى مشترك في الجملة لأن بعض الأفعال سنحتاج فيها إلى شيء من التأويل- معنى هذه الأفعال أولًا هو: تقرير، يعني تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر. هذا معنى قليل ما يذكره المتأخرون؛ أنه كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل وبات وصار وما زال وما فتئ وما برح وما انفك وما فتى، ما تدعي إلى آخرها، تدل على تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر.
طبعًا نريد أن نستثني فعلين من هذه القاعدة، خلوني أستثنيهم من الآن أحسن؛ "صار" و"ليس"، استثنوا هذين الفعلين من هذه القاعدة، دعوهما لاحقًا لأن فيهما دلالة تحتاج إلى قول كثير. المهم: تقرير أي تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر في "كان" و"أمسى" و"أصبح" و"أضحى" و"ظل" و"بات" وفي "ما زال" و"ما فتئ" و"ما برح" و"ما انفك".
كيف يعني؟ الآن "زيدٌ قائمٌ" مبتدأ وخبر، عندما تدخل "كان" هناك تؤكد وتقرر اتصاف زيد بالقيام أكثر وأكثر. حينما أقول "أصبح عمرو نشيطًا"، عمر مقصود بأنه نشيط، وحينما أقول "أصبح عمرو نشيطًا" هذه تدل على تأكيد اتصاف عمرو بالنشاط. وحينما أقول "أضحى زيدٌ يدرس" تدل على تأكيد اتصاف زيد بالدراسة. فإذا قلت: "ما زال محمدٌ يطلب العلم" فهو تأكيد لاتصاف محمد بطلب العلم، و"ما برح محمدٌ يلعب" تأكيد لاتصاف محمد باللعب. فهي تؤكد اتصاف المبتدأ بالخبر. واستثنيت "صار" و"ليس" بما سيأتي، بمعنى أن دلالتها على التأكيد ربما لا تكون قوية ظاهرة، بل دلالة "صار" على التحويل ودلالة "ليس" على النفي هي الأفضل فيه.
إذن هذا هو المعنى الأول: تقرير أي تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر. ثانياً، الدلالة الثانية لهذه الأفعال هي الدلالة على الزمان. الفائدة الثانية لهذه الأفعال هي الدلالة على الزمان؛ لذلك الأصل أننا سميناها أفعالًا ناقصة لأنها كما قلنا تدل على الزمان فقط، لكن طريقة دلالتها على الزمان مختلفة فيما بينها، وسأشرحها الآن. ستجدون أنها متباينة في كيفية الدلالة على الزمان، لكن ما يجمعها هو الدلالة على الزمان، وهذا في الجميع حتى في "ليس"؛ فإنها تدل على الزمن.
فهذا موجود في جميع الأفعال الثلاثة عشر، ولن أستثني الدلالة على الزمان، لكن كيفية دلالتها على الزمان سأقسمها بناءً على هذا إلى أقسام. المجموعة الأولى مجموعة: "كان، أمسى، أصبح، ظل، بات، أضحى". هذه الأفعال الستة عندما تدخل على المبتدأ والخبر، الفائدة الأولى أنها تؤكد اتصاف المبتدأ بالخبر، والفائدة الثانية وهي مهمة وانتبهوا عليها أنها تبين وتقيد الزمن الذي اتصف به المبتدأ بالخبر.
عندما أقول "كان زيدٌ قائمًا"، تأكيد معنى الجملة هذه هي الفائدة الأولى، والفائدة الثانية أن هذا الاتصاف -اتصاف زيد بالقيام- كان في الزمان الماضي. وهذه فائدة على الهامش: هل تدل على الانقطاع؟ هي تدل على الزمن الماضي، لكن هل هذا الماضي انقطع أو استمر؟ "كان" لا تدل على الانقطاع ولا على الاستمرار، ونحن نحتاج في الانقطاع أو الاستمرار إلى قرينة خارجية؛ فقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: 29]، هذه قطعًا مستمرة لأن الله عز وجل أزلي الاتصال بصفاته، فصفاته دائمة وأبدية إلى يوم القيامة. بينما قد تكون "كان زيدٌ قائمًا" ثم جلس، فهذا يدل على أن الماضي انقطع، لكن من خلال "كان" باختصار هي تدل على اتصاف المبتدأ بالخبر في الزمن الماضي من دون أن تدل على انقطاعه ولا على استمراره.
أما "أصبح"؛ فـ"أصبح زيدٌ نشيطًا" تدل على تقرير النشاط لزيد وأنه اتصل بهذا في وقت الصباح، فـ"أصبح" تدل على وقت الصباح. و"أضحى"؛ فـ"أضحى محمدٌ مصليًا" تدل على تأكيد اتصاف محمد بالصلاة وفي أي وقت؟ في وقت الضحى فقط. فلاحظوا، الجملة "محمدٌ مصلي" جملة عامة في الوقت، ولما دخلت عليها "أضحى" قيدت وقت الصلاة بوقت الضحى.
أصبح زيد نشيطًا، هنا قيدت الجملة مضمونها؛ فقد أكدت اتصاف زيد بالنشاط، لكنها من جهة أخرى قيدت وقت هذا النشاط أنه في الصباح. إذا لاحظنا: «أمسى زيد يدرس»، فهي تأكيد لمعنى الجملة ثانياً، وتقييد لزمنها، أي زمن الدراسة الذي كان في المساء.
أما «ظل»، فإذا كانت تدل على الزمن الماضي، فـ«أمسى» على المساء، و«أصبح» على الصباح، و«أضحى» على وقت الضحى. و«ظل» أيها الأحبة معناها النهار مطلقاً، لا تدل على وقت معين، هكذا يقول كثير من الدعاة، إنها تدل على هذه في الجملة. فحينما نقول: «ظل محمد يلعب»، معناها اتصال محمد باللعب مؤكد، وأنه في جملة النهار وليس في الليل.
و«بات» تدل أيضاً على الليل، فهي مقابلة لـ«ظل»، فـ«باتت» تدل على الليل، مثل: «بات محمد نائماً»، وهو تأكيد لاتصاف محمد بالنوم في جملة الليل. فإذاً اتصاف محمد بالنوم مقيد بالليل. هذه الأفعال الخمسة: أمسى، وأصبح، وظل، وبات، وأضحى، دلالتها على الزمان تكون من خلال تقييد الزمن الذي اتصف به المبتدأ بالخبر، تقييد الزمن الذي اتصل به المبتدأ بالخبر.
ثانياً: الأفعال ما برح، وما فتئ، وإن فك، وما زال، هذه أفعال أربعة، حتى في التقسيمات التي ستأتي في باب «كان» نجدها دائماً أربعة مع بعضها البعض. هذه الأفعال الأربعة: ما برح، وما فتئ، وإن فك، وما زال، سندرس إن شاء الله شروط عملها، فلها شروط في العمل كما سيأتي مع الأفعال الناقصة التصرف.
هذه الأفعال الأربعة تدل على تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر، ودلالتها على الزمان تكون من خلال دلالتها على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر إلى لحظة التكلم. أما الآن، جالس معك أقول لك: «لا زال محمد قائماً» أو «ما زال محمد قائماً»، فماذا استفدت؟ ماذا فهمت من هذه الجملة؟ فهمت أن محمداً إلى الآن قائم.
الجملة هذه قبل إدخال «ما زال» أو «ما فتئ» أو «ما فك» أو «ما برح»، كانت الجملة: «محمد قائم»، أثبتت القيام لمحمد. وحينما أدخلنا «ما زال محمد قائماً»، هنا نؤكد اتصال محمد بالقيام، والفائدة الثانية نؤكد الاستمرارية؛ نؤكد أن محمداً قد اتصف بالقيام ثم ندلل على استمرارية هذا الاتصاف إلى هذا الوقت.
إذاً «ما برح محمد يدرس» تدل على تأكيد اتصال محمد بالدراسة واستمرارية هذا الاتصال إلى وقت التكلم. وعلى ذلك، فـ«ما فتئ»، و«إن فك»؛ جميل طبعاً، سينتظر لكم أن معنا: «برح»، و«فتئ»، و«انفك»، و«زال»، معناها انتفى. ما معنى «الانتفاء» في كلمة «ما برح»؟ معناها ذهب وانتهى. كذلك «فتئ»، و«انفك»؛ أي ذهب وانفصل عن الشيء وذهب. و«زال» أيضاً معناها ذهب وانتفى.
فمعنى هذه الأفعال الانتفاء والذهاب، لكن هذه الأفعال سيأتي معنا من شروطها أن تسبق بنفي، فحينما تسبق بنفي تكون قد نفيت الانتفاء، ونفي النفي إثبات. «زال» معناها ذهب، فإذا قلت: «ما زال»، فمعناها ما ذهب، أي أنه موجود. «برح» معناها ذهب، فإذا قلت: «ما برح»، فمعناها ما ذهب، وطالما لم يذهب فإنه لا يزال موجوداً. وكذلك «ما فتئ» و«إن فك»، يعني ما زال موجوداً.
فهذه الأفعال دلالة الاستمرارية تأخذ من خلال النفي، لأن معناها الذهاب والزوال والانتفاء، وشرطها أن تسبق بنفي، فإن تلتها النفي عرفت الزوال، فنفت الذهاب، فإذن أنت تثبت البقاء واتصاف المبتدأ بالخبر. لذلك «ما برح»، و«ما فتئ»، و«إن فك»، و«ما زال»، تدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر.
إذاً قلنا هذه الأفعال، أوقاتها تدل على الزمان بطرق متنوعة؛ المجموعة الأولى من خمسة أفعال: أصبح، وأضحى، وظل، وبات، وأمسى، تقيد وتبين الزمن الذي اتصف به المبتدأ بالخبر. والمجموعة الثانية: ما برح، وما فتئ، وإن فك، وما زال، لا تدل على زمن معين مثل المجموعة الأولى، بل تدل فقط على استمرارية اتصاف المبتدأ وهذه الزمانية.
طيب، ماذا بقي عندنا؟ بقي عندنا «ما دام» و«صار»، وليس "ألف باء ساءنا" أيها الأحبة حتى يبقى عندي مجال للكتابة.
ثالثاً: «ما دام». أيها الأحبة، انتبهوا على فلسفتها في اللغة العربية. «ما دام» تأتي لتقييد وقت، ولا تأتي في صدر الجملة، وإنما يأتي قبلها فعل أو حدث بأي طريقة، بغض النظر هل عبرت عنه بالفعل أو بمصدر أو ما شابه ذلك؛ المهم أن هناك حدثاً يكون قد وقع قبلها، فتأتي «ما دام» لتقيد هذا الحدث.
من خلال المثال سيتضح؛ «ما دام» فائدتها تقييد وقت، تأتي لتقييد زمن أو وقت فعل وقع قبلها في الجملة. مثال ذلك: «سأكرمك ما دمت تدرس». لاحظوا أنها لا تأتي في مطلع الجملة، كأن تقول: «ما دام محمد يدرس»، فهذه لا معنى لها، بل يشترط أن تكون بفعل قبلها في الجملة.
تأتي «ما دام» لتقيد زمن هذا الفعل، أقول: «سأكرمك ما دمت تدرس»، ومعنى هذا الكلام أن الإكرام مقيد بمدة دراستك، فإذا لم تعد تدرس وتركت الدراسة سيرفع الإكرام، فهنا أنا قيدت مدة هذا الفعل، أي تقييد زمن إيقاع الفعل.
أنا أحاول أن آتيك بعبارة -وربما لم أجد تعبيراً واضحاً جداً في كتب النحاة لأنهم يتكلمون بعبارات عالية جداً على مستوى الطلبة- لكن أحاول أن أصوغ العبارة بلغة قريبة من ذهن الطالب، وأظنها من خلال المثال قد تكون أوضح من خلال التنظير العام. حينما أقول: «سأكرمك ما دمت تدرس»، لاحظ أنني قيدت مدة الإكرام بماذا؟ قيدت الإكرام بأنه ليس دائماً في جميع الأحوال، بل هو مقيد بمدة بقائك على الدراسة.
كقولهم مثلاً في الصلاة: «صلى الله على محمد ما دام في القلب عرق ينبض»، صلى الله عليه وسلم، ما دام في القلب عرق ينبض. هنا أنت تقيد الصلاة على النبي ﷺ بنبض القلب، وبالتالي أنت تريد أن تصلي على النبي ﷺ مدة زمنية مرتبطة بخفقان هذا القلب؛ فبالتالي أنت تقصد أني سأصلي عليه أو أدعو الله أن يصلي على النبي ﷺ ما دام...
ما دام تأتي لتقيد مدة هذا الفعل الذي وقع قبلها في الجملة. استخدموا هذه العبارة في التعبير، فهي تأتي لتقيد زمن أو مدة فعل وقع قبلها في الجملة. هكذا نقول ما دام تأتي لتقيد مدة فعل وقع قبلها في الجملة، أي هذا الفعل الذي وقع قبلها كم سيستمر؟ والله سأكرمك ما دمت تسيء، سأفعل كذا ما دمت تفعل كذا، سأصلي ما دمت كذا، سأفعل كذا ما دمت كذا. لاحظ أنها إذا تقيد مدة إيقاع وتكرار، هذه المادة مبين شرطها أنه يسبقها "ما" المصدرية الظرفية.
المجموعة الرابعة أنا تكلمت عنها، والمجموعة الخامسة: من كان وأمسى وأصبح وظل وأضحى. المجموعة الثانية كانت الأفعال الأربعة: ما زال وما فتئ وما برح وما انفك. إذا خمسة وأربعة هذه تسعة، وما دام عشرة، صح؟ كم بقي صار وليس صوت واحد؟ كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل وبات، هذه ستة عفوا، وما فتئ وما برح وما انفك وما زال هذه أربعة، هذه عشرة، وما دام هذا أحد عشر، الثاني عشر هو صار.
جميل، ما معنى "صار" الناقصات؟ صار أيها الأحبة، يقولون تأتي لتدل على ماذا؟ تدل على أن المبتدأ اكتسب صفة جديدة لم تكن له حينما أقول، ويسمون هذا "التحول". أريد أن أصوغ العبارة بطريقة أوضح، أقول: "صار" تدل على تحول المبتدأ من الصفة التي كان عليها إلى صفة أخرى يدل عليها الخبر.
"صار" ماذا تدل؟ عندما أقول: "صار محمد غنيًا"، حينما أقول: "صار الحجر طينًا"، ماذا تفيد "صار" هنا؟ انتبه: "صار محمد غنيًا"، "صار الحجر طينًا". اكتب هذا المثال وتأمل فيه؛ تدل على تحول المبتدأ من صفة كان عليها إلى صفة جديدة اكتساها من الخبر. حينما تسمع "صار محمد غنيًا" ماذا تفهم؟ أن محمدًا لم يكن غنيًا وتحول واكتسب بصفة الغنى بعد ذلك، صح؟ حينما أقول "صار الحجر"، إذًا الحجر لم يكن طينًا ثم تحول وأصبح على صفة الطينية التي دل عليها الخبر. فإذاً "صار" تدل على تحول المبتدأ من الصفة التي كان عليها واكتسب واحتلى صفة جديدة دل عليها الخبر.
فـ"صار" على ماذا؟ على التحول. وفي الحقيقة "صار" فيها نوع من المشقة على طالب العلم في تصورها تامة وناقصة. الآن تقول لي: ماشي، إذًا "صار" هنا على تحول المبتدأ من صفة إلى صفة أخرى دل عليها الخبر. إذًا هي تدل على الحدث؟ شف الأفعال التي سبقت معنا، فعلًا واضحة أنها لا تدل على أحداث وإنما تدل على الأزمنة فقط. لكن "صار" حينما تقول "صار محمد غنيًا"، الطالب يقول "صار" بمعنى "تحول"، هي لا تقيد بزمن معين، هي تدل على ماذا؟ على وقوع حدث التحول.
أقول: لا، "صار" لم تأتِ لتدل على حدث قام به محمد. ها هنا "صار" الناقصة لم تأتِ لتدل على حدث قام به محمد مثل سائر الأفعال التامة، مثل ضرَب وأكل وشرب. لا، "صار" هنا لتدل فقط على أن محمدًا متصف بالغنى، أي اتصاف المبتدأ بصفة جديدة دل عليها الخبر بعد أن لم يكن متصفًا بها. يعني هي فقط جاءت لتدل على التحول الذي طرأ على المبتدأ، لم تأتِ "صار" لتدل على حدث قام به المبتدأ أو قام بالمبتدأ. هي "صار" فقط تريد أن تدل على التحول الذي طرأ على المبتدأ حين اكتسى صفة الخبر.
فـ"صار محمد غنيًا"، الملحوظ فقط في هذه الجملة أن محمدًا متصف الآن بالغنى ولم يكن متصفًا به. فـ"صار" لم تأتِ لتدل على الحدث مثل "ضرب محمد"، يعني محمد قام بالضرب. "صار" هنا لم تأتِ على الحدث، لا، "صار" فائدتها في "صار محمد غنيًا" لتدل على اتصاف محمد بالغنى بعد أن لم يكن متصفًا به. فالملحظ إذًا في الحقيقة في "صار محمد غنيًا" النظر إلى الغنى، الغنى الذي هو النتيجة النهائية للتحول هو النتيجة النهائية للتحول، الحالة النهائية التي اتصف بها المبتدأ بعد أن لم يكن متصفًا بها.
فحينما نقول "صار محمد غنيًا"، فلا أقول إلا إن التصور على الطالب يحتاج إلى جهد ذهني، لكن أعانك الله، حاول أن تتأمل. "صار محمد غنيًا" المراد بهذه الجملة الدلالة فقط على أن محمدًا اكتسب صفة الخبر بعد أن لم يكن مكتسبًا لها، فهو تحول من حالة إلى حالة. وبالتالي "صار" أيها الأحبة لا تدل على معنى التقرير والتوكيد الذي تدل عليه سائر أفعال كان وأخواتها.
أنا قلت إن كان وأخواتها تدل -المعنى الأول- على التقرير، اتصاف المبتدأ بالخبر، واستثنيت "صار" وعيسى. لماذا استثنيت "صار"؟ لأن محمد الغني لما يدخل عليها "صار"، "صار محمد غنيًا"، في الحقيقة "صار" هنا لم تَدُل على تأكيد اتصاف محمد بالغنى، عرفت؟ هي تدل على أن محمدًا تحول من حالة إلى حالة أخرى.
أريدك أن تقارن بين هذه وهذه الجملة: "محمد غني"، "محمد غني" أدخل عليها "كان"، "محمد غني" أدخل عليها "صار". "كان محمد غنيًا" أو "أصبح محمد غنيًا" أو "أضحى" أو "ظل" أو "بات"، هذه تدخل على "محمد غني" وتدل على ماذا؟ على تأكيد اتصاف محمد بالغنى مع التقييد بالزمن الذي تدل عليه؛ "كان" للزمن الماضي، "أصبح" في الصباح، "أضحى" وقت الضحى، "ظل"، "بات" إلى آخر ذلك. بينما "صار محمد غنيًا" تلاحظ أنه هنا "صار" أفادت معنا معنى جديدًا، وهو ماذا؟ تدل على أن محمدًا اكتسب صفة بعد أن كان متصفًا بضدها. فعندما تسمع "صار محمد غنيًا" أنا أفهم الآن أن محمدًا كان فقيرًا ثم اغتنى، صح؟ بينما "أصبح محمد غنيًا" هي لا تدل على أن محمدًا لم يكن غنيًا ثم اغتنى، بل هي تؤكد على اتصاف محمد بالغنى لكن في وقت الصباح.
طيب ما ننسى المثال ربما نسقطها يوم في واحد يتصل في وقت الصبح وكذا، فقط يعني يمكن الشغل، لا يعترض بمثال. المهم، فـ"صار" في الحقيقة هي لا تدل على تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر.
وإن كان في الحقيقة البعض يقول تدل على تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر، لكنها تدل على معنى الصيرورة أيضًا. وفي الحقيقة بعض المعاني تتجاذبها الأنظار، فصعب نصل إلى شيء يجزم تام بالمعنى الذي تدل عليه "صار"، لكن أنا أحاول أن أقرب إليه، إن وجدت أنت معنى أوضح وأقرب قل به، لكن هذا ما أفهمه في "صار".
"صار محمد غنيًا" تدل على التحول الذي طرأ على محمد، ولا تدل طبعًا على زمن معين لوقوعه، هي فقط تدل على أن هناك تحولًا حدث في حال محمد؛ هل هو في المساء، في النهار، في الليل، في كذا؟ لا، لا تدل على زمن معين لهذا التحول. لذلك يقولون تدل على مجرد التحول في خلال الزمن، إذ هذه هي دلالتها على الزمنية. أنت تقول: طب إذا "صار" تدل على التحول، أين دلالتها على الزمنية؟ والدلالة على الزمنية أن التحول يحدث خلال الزمن، خلال مرور الساعات، كان محمد على صفة ثم أصبح على صفة أخرى، وهذا يحمل خلال الزمن، فهذه دلالتها على الزمان، أنها تدل على أن محمد في وقت كان فقيرًا ثم اكتسب صفة أخرى فصار غنيًا.
إن كان مثلاً الحجر دينًا، تدل على أن الحجر كان مستحجرًا في زمن ثم تحول مع الوقت وأصبح طينًا. فإذاً "صار" أيها الأحبة، وفي الحقيقة وإن كنت أطلت الكلام فيها، لكن محاولة لتوضيح معناها أكثر وأكثر، تدل على أن المبتدأ أو الاسم اتصل بالخبر بعد أن كان متصفًا بضده، وليس مرادها دلالة على حدث قام به محمد، وإنما مرادها الدلالة فقط على الانتقالية التي حدثت في محمد أو التي حدثت في الحجر. والله تعالى أعلم.
لذلك هي فيها دلالة على الزمن مطلقة، طبعًا ليست مقيدة بوقت معين، لكن دلالتها على التأكيد أظن أنها تحتاج إلى نظر. لا أريد الآن دلالتها على التأكيد، يعني في الحقيقة أنا عندي نوع من التردد في دلالة "صار" على التأكيد مثل دلالة أخواتها على التقرير، لأن كثيرًا من الدعاة يقولون هي تدل على تأكيد اتصال المبتدأ بالخبر، لكن دلالتها على التقرير أقول تحتاج لبحث.
فقط هذا الذي أقوله الآن، ليس هي الأخيرة من أخوات كان، ليس تدل على ماذا؟ ليس تدل على نفي اتصاف المبتدأ بالخبر. فحينما أقول "ليس" -لكن انتبهوا- تدل على نفي اتصاف المبتدأ بالخبر في الوقت الحالي. لذلك تذكر عندما عددت سابقًا أدوات النفي، يقولون لك أدوات نفي الماضي: لم ولما، وأدوات نفي للحال: وهي ما وليس، وأدوات للمستقبل: وهي لا ولن. فـ "ما" وليس هي تنفي اتصاف المبتدأ بالخبر في وقت الحال، لذلك سيأتي معنا أن "ما" تعمل عمل "ليس" ترفع اسمًا وتنصب خبرًا بشروط؛ لماذا "ما" تعمل عمل "ليس"؟ لأن "ما" في الحقيقة تفيد معنى "ليس" في نفي الحال.
ولكن سيأتي معنا أيضًا أن "لا" و "لن" تعملان عمل "ليس"، ربما ليست هذه المقارنة الصحيحة، لأن "ما" تعمل عمل "ليس" لأنها تدل على الحال، أما "لا" ولعلّها تعمل عمل "ليس" مع أن الأصل فيها أنها تدل على نفي المستقبل. لكن المهم، أنا أريدك أن تفهم أنها تنفي اتصاف المبتدأ بالخبر في الوقت الحالي. حينما أقول الجملة "لو كان محمد قائمًا" هذه إثبات، لكن عندما أدخل عليها "ليس" تصبح ماذا؟ "ليس محمد قائمًا". صح، الجملة بعد إدخال "ليس" تدل على النفي، "ليس" دلت على ماذا؟ على النفي.
فإذاً "ليس" أيها الأحبة تدل، يعني فيها ميزة عن كل الأخوات الثلاث عشر، أن فيها دلالة على ماذا؟ على النفي، أنها تدل على نفي اتصاف المبتدأ بالخبر في وقت الحال. جميع الأخوات تدل على الإثبات إلا "ليس"، "ليس" هي الوحيدة، هي الأخيرة التي تدل على نفي اتصاف المبتدأ بالخبر، هذه دلالة "ليس"؛ نفي اتصال المبتدأ بالخبر، ودللت على الزمان أنها تنفي اتصاف المبتدأ بالخبر في وقت الحال. فهذه دلالتها على الزمن، أنها تنفي اتصاف المبتدأ بالخبر في الوقت الحالي، من هذه الجهة تدل على الزمان.
أنا قلت لكم هل تؤكد "ليس" اتصاف المبتدأ بالخبر؟ هي قطعا لا تدل على اتصاف المبتدأ بالخبر، لأنها بالعكس هي تنفي اتصاف المبتدأ بالخبر. لكن هل دلالة "ليس" على النفي -أي نفي اتصاف المبتدأ بالخبر- تتضمن توكيدًا زائدًا؟ هذا قد يقوم به البعض، وهذه فائدة على الهامش. "ليس" لا تؤكد اتصاف المبتدأ بالخبر، هي تنفي اتصاف المبتدأ بالخبر، لكن هل دلالة "ليس" على النفي أقوى وأشد من دلالة "ما" على النفي؟ "ما محمد قائمًا" مثل "ليس محمد قائمًا"، قد يقول قائل إنه ليس ذلك على النفي أكد من دلالة "ما" على النفي، مع أن إليهما الحال.
فبالتالي نستطيع أن نقوم بناءً على هذا الرأي أن "ليس" لا تؤكد اتصاف المبتدأ بالخبر، بل تؤكد عدم اتصاف المبتدأ بالخبر. إذا قلنا إن "ليس" على النفي أقوى من "ما"، نقول "ليس" تدل على تأكيد عدم اتصاف المبتدأ بالخبر، فمن هذه الناحية إذا قلنا إنها تفيد التقرير والتأكيد يصلح، لأنها هي في الواقع قد تكون أشد من "ما" في النفي. فبالتالي نقول إنها تدل على تأكيد عدم اتصاف المبتدأ بالخبر، ودلالتها على أنها تنفي الحال.
هذه رحلة إذاً أيها الأحبة في معاني "كان" وأخواتها، خلاصتها أن "كان" وأخواتها أفعال ناقصة لأنها تدل على الزمن، ولا تدل على معنى قام بالفعل، وإنما المعنى هذا لا بد من الخبر. ثانيًا أنها تدل على تأكيد اتصاف المبتدأ بالخبر، وقلت هذا التأكيد بالنسبة لـ "صار" محل نقاش، وبالنسبة لـ "ليس" قد نكون في حال النفي أنها تؤكد عدم اتصاف المبتدأ بالخبر.
أما طرق دلالة هذه الأفعال الثلاثة عشر على الزمان، فالمجموعة الأولى من ستة أفعال: "كان، أمسى، أصبح، أضحى، ظل، بات"، تدل على أو تؤكد اتصاف المبتدأ بالخبر وتقيد بزمن معين. والأفعال الأربعة: "ما برح، وما فتئ، وما انفك، وما زال"، تؤكد على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر. و"ما دام" أتت لتقيد زمن أو مدة وقوع الفعل الواقع قبلها؛ الفعل الذي قبلها في الجملة جاءت "ما دام" بعده لتدل على مدة وقوعه وحدته، كم سيستمر هذا الفعل؟ تأتي "ما دام" لتبين. و"صار" أتت كما قلنا للتحويل، هي لا تدل على الحدث، وإنما جاءت لتدل على أن المبتدأ اكتسى بصفة الخبر بعد أن كان بغيرها، ودالتها على التحويل لا تدل بحد ذاتها على الحدثية، فهي في ذاتها لا تدل على حدث.
وهي ناقصة. الحالة الأخيرة أو الفعل الأخير ليس يدل على نفي اتصاف المبتدأ والخبر في وقت الحال. إذاً هذه جملة في معاني كان وأخواته.
الآن سننتقل إلى تقسيمات كان وأخواتها. سنقسم التقسيم الأول: هذه الأدوات هل تحتاج إلى شروط حتى تعمل أو لا تحتاج إلى شروط؟ أو هل منها ما يحتاج إلى شروط ومنها ما لا يحتاج إلى شروط؟ هذا التقسيم الأول، تقسيمها باعتبار شروط عملها. التقسيم الثاني سنقسمها باعتبار هل هي متصرفة أو جامدة؟
وسنبدأ إن شاء الله بالتقسيم الأول، وهو تقسيمها باعتبار شروط عملها. إذا نعود أيها الأحبة الآن إلى ابن هشام رحمه الله تعالى عليه، نقرأ ماذا قال في القطر؟ قال: «ويسمى الأول من معموليها فاعلة ويسمى الثاني خبرا ومفعولا. ويسمى الأول من معمولي بابن أنسى اسما والثانية خبرا ويسمى بظن مفعولا أولا وثانيا». هذا رأيناه في الدرس الماضي. قال: «والكلام الآن في بابي كان وألفاظه ثلاث عشرة لفظة، قال وهي على ثلاثة أقسام».
الآن سيبدأ ابن هشام رحمه الله عليه في هذا التقسيم الأول بالنسبة لنا قسماً واحداً، ونحن أيها الأحبة سنقسم كان وأخواتها إلى تقسيمين: التقسيم الأول تقسيمها باعتبار شروط عملها، والتقسيم الثاني كما قلنا تقسيم كان وأخواتها باعتبار الجمود والتصرف. ابن هشام ذكر تقسيماً واحداً، وهو تقسيم كان وأخواتها باعتبار شروط العمل، ولم يذكر التقسيم الثاني في هذا الكتاب، لكنه مهم في الحقيقة، لذلك سأذكره إن شاء الله.
إذاً بدأ بالتقسيم الأول، واذكروا هذا التقسيم الأول هو تقسيم كان وأخواتها باعتبار ماذا؟ باعتبار شروط العمل. تنقسم كان وأخواتها باعتبار شروط العمل إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول منها قسم يعمل من دون أي شروط، قال ابن هشام -وما يرفع المبتدأ بدل تعداد الأقسام باعتبار هذا التقسيم- ما يعمل بدون شروط.
القسم الأول قال: ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر بلا شرط، لا تحتاج إلى أي شرط حتى تعمل. قال: «وهي ثمانية». فما هي إذاً من مجموع ثلاثة عشر؟ تعمل من دون شروط، وهي: كان، وأمسى، وأصبح، وأضحى، وبات، وظل، وصار، وليس. هذه الثمانية لا تحتاج إلى أي شروط حتى تعمل، أهم شيء أن تكون ناقصة. ما يعني ناقصة؟ يعني تدل على الزمان فقط.
هذا شرطها الأساسي، يعني يا شيخ ممكن هذه الأفعال ما تكون ناقصة وتكون تامة؟ نعم، يمكن تكون تامة تدل على الحدث والزمان، وسيأتي إن شاء الله حيث سيعقد ابن هشام باباً مستقلاً: متى تكون هذه الأفعال تامة تدل على حدث وزمان؟ فتصبح مثلها مثل أي فعل في اللغة العربية تأخذ فاعلاً، ولا تعود إلى النواسخ أبداً، تصبح مثلاً مثل أي فعل. طبعاً سنتعرف إن شاء الله أنه ليس كل هذه الأفعال تأتي تامة، منها ما هو ملازم للنقصان وهي: ليس، وزال، وفَتِئ، وانفك؛ هذه دائماً ناقصة. لكن هذه الأفعال للجملة، أنا أقولها في الجملة لا أريدها تفاصيل، قد تأتي تامة، إذا جاءت تامة خلاص انتهى، لا تعود من هذا الباب أصالةً، ليست من النواسخ بل تصبح مثل أي فعل في اللغة العربية كما سيتضح معنا إن شاء الله.
إذن: «ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر بلا شرط»، وهي ثمانية عددناها. المجموعة الثانية ما تعمل هذا العمل؛ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر بشرط أن تسبق بنفي أو أداة نفي، "ما" أو "لا"، أو نهي، أو دعاء. والدعاء قد يكون باستخدام النفي أو النهي في الحقيقة، لذلك سيعود في محصلته إلى النفي والنهي. ثم قالوا إن تكون مسبوقة بنفي أو نهي أو دعاء، وسنجد أن الدعاء في محصلته النهائية سيكون إما بالنفي -فتسميته قسماً ثالثاً من باب التأدب- أو بالنهي.
ما هي الأفعال التي تعمل بشرط أن تسبق بنفي أو نهي أو دعاء؟ أربعة أفعال ذكرتها قبل قليل: زال، وفَتِئ، وبرح، وانفك. هذه الأفعال قبل قليل تدل على ماذا؟ تدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر، مثل: «ما زال محمدٌ قائماً»، «ما فتئ محمدٌ يدرس»، «ما زال بكرٌ يصلي». تدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر، حتى تدل على الاستمرارية يجب أن تسبق بنفي أو نهي أو دعاء؛ لماذا؟ لأن معنى هذه الأفعال -كما قلت- "برح" معناها ذهب في الأصل، و"زال" معناها ذهب، و"فتئ" و"انفك" كلها بمعنى الانتفاء والذهاب والزوال، حتى تدل على الاستمرارية والبقاء لازم تسبق بنفي أو نهي؛ لأن نفي النفي إثبات فيدل على البقاء، أو النهي عن الانتفاء والزوال؛ لأنك تنهى عن الانتفاء والذهاب.
إذن يدل على ماذا؟ على طلب البقاء والاستمرار. فلان هذه الأفعال تدل وحدها على الذهاب والزوال والانتفاء، فإذا سبقت بنفي أو نهي أو دعاء دلت على الاستمرار والبقاء. لذلك قال ابن هشام: «وما يعمل هذا العمل أن يرفع المبتدأ وينصب الخبر بشرط أن يتقدم عليه نفي أو شبهه»، وشبهه هو النهي أو الدعاء. وهي أربعة: زال، وفتئ، وبرح، وانفك.
نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118]، أي خلافهم مستمر وسيستمر. و"زال" أصلها بمعنى ذهب، تدل على الانتفاء، لكن لما جاء قبلها النفي "لا يزال" يعني لا يذهب ولا ينتفي، إلا على البقاء، فلا ينتفي معناته إذاً يبقى، هذا معنى "لا يزالون مختلفين" أي سيبقون مختلفين. ونحو قوله تعالى: ﴿لَنْ أَبْرَحَ﴾ [الكهف: 62]، لو قال "برح" تدل على الذهاب، لكن "لن أبرح" يعني لن أذهب ولن أنتقف، يعني لن أترك عبادتي، أي سنبقى نعبده. هذا معناه.
قال: «وشبهه»، أي شبه النفي والنهي والدعاء. فالأول أي النهي، مثال قوله: «صاحبي شمر ولا تزل»، وهذا نوع من الترخيم على خلاف قواعد باب الترخيم كما سيأتي معنا: «صاحبي شمر ولا تزل ذاكراً الموت». ما معنى "لا تزل ذاكراً الموت"؟ أي ابقَ ذاكراً للموت. لو "تزل" زال، ومعناه انتفى كما قلنا، بمعنى انتفى وذهب، فعندما أقول لك "لا تزل" يعني لا تنتفي ولا تذهب، المعنى: ابقَ ذاكراً للموت، فنسيانه ضلال مبين.
الثاني مثال الدعاء: «أدار ميٌّ على البلاءِ، ولا زال منهلاً بجرعائك القطرُ». أين اسم "زال"؟ القطر متأخر، وأين خبرها؟ "منهلاً" متقدم، ونتقدم الخبر على الاسم. قال: «ولا زال منهلاً بجرعائك القطرُ»، "لا" هنا نافية، فكيف الدعاء؟ كما قلت لكم إن هنا يتصور أن الشاعر يدعو، الشاعر يدعو الله سبحانه وتعالى ببقاء...
استمرار نزول المطر على ديار، لا زال منهلاً بجرعاء القطو، يدعو الشاعر لماذا؟ ببقاء المطر ينهمر على ديار. قال: «لا زال منهلاً بجرعاء القطو»، يعني يا ليت يبقى القطر منهلاً على أرضك. «لا زال» يعني ماذا؟ يعني أتمنى بقاءه، وهذا معنى «لا زال»، إذا ذهب لا زال يعني أدعو الله أن يبقى القطر منها. في الحقيقة هذه الأفعال نعم، لأن عندما تعمل هذا العمل وهو أن ترفع الاسم وتنصب الخبر تدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر، وهذه الاستمرارية لا يمكن أن تتأتى إلا إذا سبقت بنفي أو نهي أو دعاء.
الثالث والأخير أيها الأحبة هو «دام»، هذا القسم الثالث. «دام» تعمل بشرط، هذا الشرط هو أن تسبق بما المصدرية الظرفية. فالفعل «دام» لا يعمل عمل «كان» وأخواتها حتى يكون مسبوقاً بـ«ما» المصدرية.
سريعاً أيها الأحبة، طبعاً حروف المصدر أصبحت واضحة لديك، كررتها كثيراً، وهي الحروف الموصولة: «أن»، و«أنَّ»، و«كي»، و«لو»، و«ما»، و«أنْ» المصدرية. ما معنى حروف الموصولية وحروف المصدر؟ هي الحروف التي تُسبك مع ما بعدها وينتج منها مصدر مؤول. هذه حروف المصدر كما قلنا سابقاً، ويكون «دام» حتى تعمل إذاً أن تسبق بـ«ما» المصدرية.
لكن اليوم سنتعلم فائدة جديدة وهي أن «ما» المصدرية على نوعين: هناك «ما» مصدرية غير ظرفية، وهناك «ما» مصدرية تسمى مصدرية ظرفية. هذا تقسيم جديد لـ«ما» المصدرية. «ما» المصدرية الظرفية هي «ما» مصدرية تشبك مع الفعل الذي بعدها وينتج عندي مصدر مؤول، لكن بعد أن أنتج المصدر المؤول أقدر قبل هذا المصدر المؤول كلمة «مدة». إذاً هذه تسمى «ما» مصدرية ظرفية. عادي يأتي بعدها فعل، وتُسبك مع الفعل الذي بعدها وينتج عندي مصدر مؤول، لكن بعد إنتاج المصدر المؤول السياق يقتضي أن نقدر قبل هذا المصدر كلمة «مدة» حتى يلتئم المعنى. فإذا كانت «ما» المصدرية بعد إنتاج المصدر يقتضي سياقها أن نقدم «مدة» قبلها، حينئذ تكون هذه «ما» المصدرية الظرفية.
مثلاً لو قلت: «سأكرمك ما أتيتني ونفعتني». «سأكرمك» الآن نأتي بـ«ما» مصدرية ظرفية مع «ما» سآتي بها من دون «دام»، فـ«ما» المصدرية الظرفية تأتي أيضاً من غير «دام». مثل: «سأكرمك ما درست»، ماذا تستفيد من هذه الجملة؟ سأكرمك مدة دراستك. الآن هنا «ما» مصدرية وبعدها فعل، أنتج المصدر «دراسة»، الآن لو قدمت الجملة: «سأكرمك دراستك»، تجد أن المعنى لا يلتئم كثيراً، «سأكرمك دراستك» ليست بتلك القوة، لكن لو قدرت قبل «دراسة» كلمة «مدة»: «سأكرمك مدة دراستك» ربما يتضح المعنى، لأن الإكرام هنا مقدر بمدة الدراسة، فنجد أن ذكر المدة بعد إنتاج المصدر المؤول أعطى للجملة معنىً واضحاً. فهذه تسمى «ما» المصدرية الظرفية، هي التي تقتضي بعد أن ننتج المصدر المؤول أن تقدر قبلها كلمة «مدة» ليلتئم السياق.
وهذا يعني التفريق بين «ما» المصدرية الظرفية وغير الظرفية يكون بحسب السياق. حينما قال الشاعر: «يسرُّ المرءَ ما ذهبَ الليالي»، هذا البيت الذي تقدم معنا، «ما» هنا مصدرية، ذهاب الليالي، هل نحتاج قبل «ذهاب» أن نقدر كلمة «مدة»؟ يعني: «يسرُّ المرءَ ذهابَ الليالي»، لو قدرت كلمة «مدة» قبل المصدر المؤول ماذا يصبح؟ «يسرُّ المرءَ مدةَ ذهابِ الليالي»، ما لها معنى، المعنى يلتئم من دون تقدير كلمة «مدة»، فإذاً هذه «ما» مصدرية ليست ظرفية، «يسرُّ المرءَ ذهابَ الليالي» وليس «مدة ذهاب الليالي». إذن هذه فائدة على الهامش لتفهم ما معنى «ما» المصدرية الظرفية، حتى تعلم أن «ما» المصدرية هي على قسمين: مصدرية ظرفية ومصدرية غير ظرفية، والمصدرية الظرفية هي التي تقدر أنت بعد إنتاج المصدر المؤول كلمة «مدة» قبلها.
شرط «دام» حتى تكون من أخوات «كان» ما هو؟ يشترط أن تسبق بـ«ما» المصدرية الظرفية. فمثلاً: «سأدرس ما دمتُ مجتهداً». لاحظوا الآن كيف «ما» هنا مصدرية ظرفية، سأجتهد، الآن أنتج المصدر المؤول من «ما» مع الفعل «دام» وهو «دوام»، فكأن المعنى: «سأدرس مدة دوامي مجتهداً»، فبعد أن أنتجت المصدر وهو «الدوام» قد تذكر له كلمة «مدة» حتى يلتئم السياق. لذلك قلت لكم مسبقاً عندما تكلمت عن معاني هذه الأفعال، إن معنى «دام» أنها تؤكد وتبين مدة الفعل الواقع قبلها في الجملة، «ما دام» هذه إنما تأتي بها العرب لتبين المدة التي سيستمر لها الفعل الواقع قبلها في الجملة. لذلك لا تأتي في بداية الجملة، أقول: «والله ما دام محمد قائماً»، هكذا جملة عربية؟ لا يوجد هكذا «ما دام محمد قائماً»، لا بد قبل «ما دام» يكون في علم يأتي لتبين استمرارية هذا الفعل، كم سيستمر؟ والله مدة الدراسة، مدة العمل، المهم أنها تؤقت مدة فعل واقع قبلها من خلال «مدة»، لذلك كانت «ما» قبلها مصدرية ظرفية.
إذاً أفعال هذا الباب من حيث شروط عملها ثمانية: أفعال تعمل من دون شروط، وهناك أربعة أفعال تعمل بشرط أن تسبق بنفي أو نهي أو دعاء، وهناك فعل واحد وهو «دام» يعمل بشرط أن يسبق بـ«ما» المصدرية الظرفية.
أختم بهذه الفائدة في هذا التقسيم قبل أن أنتقل إلى التقسيم الثاني أيها الأحبة، وهي فائدة تتعلق بـ«زال» فقط على الهامش. هناك فائدة تتعلق بـ«زال» فقط، حتى الطالب تكليفته «زال» أيها الأحبة تأتي في اللغة العربية على ثلاثة أحوال. هناك «زال» مضارعها «يزيد»، وهذه ليست من أخوات «كان» وإنما هي بمعنى «مازا»، مازا الشيء عن الشيء، زال القطيع بعضه عن بعض، معناها ما زال قطيع بعضه عن بعض، يعني مثلاً رجل عنده قطيع من الغنم فيه أصناف متنوعة، فزال بعضه عن بعض معناها ماذا؟ بعضه عن بعض ذهب بنوع هنا، وذهب بنوع إلى هنا، وذهب بنوع إلى هنا. هذه «زال» التي بمعنى «مازا» مضارعها «يزيد»، وهذه تأخذ فاعلاً ومفعولاً به، مثلها مثل أي فعل في اللغة العربية متعدٍ، ليس لها علاقة بأخوات «كان»، مثل: «مازا محمدٌ قطيعَه؟» عفواً: «زال محمدٌ قطيعَه»، أي مازا محمد قطيعه، ومضارعها «يزيد».
فهذه ليست من أخوات كان، إذاً هذا نوع من ذلك. في نوع ثاني: «زال» التي مضارعها «يزول»، زال التي مضارعها «يزول»، هذه بمعنى ذهب.
«زال» التي مضارعها «يزول» معناها ذهب، ومثالها: زالت الشمس عن كبد السماء، بمعنى ذهبت وتركت منتصف السماء. وهذا أيها الأحبة تكون «زال» التي مضارعها «يزول» بمعنى ذهب، تكون فعلاً أيضاً تاماً، ليست من أخوات كان، لكنها تكون فعلاً تعمل لازماً، لا يأخذ مفعولاً به.
أما «زال» التي مضارعها «يزيل»، هذه فعل تام متعدٍ، تأخذ مفعولاً به، ومعناها ماذا؟ زال محمدٌ قطيعه. «زال» التي مضارعها «يزول» بمعنى ذهب، وهي فعل تام لكنه لازم، يأخذ فاعلاً ولا يأخذ مفعولاً به.
النوع الثالث: «زال» التي مضارعها «يزال»، وهذه هي المراد بأخوات كان أيها الأحبة. «زال» التي مضارعها «يزال»، إذاً «زالت» مضارعها «يزال» هي التي من أخوات كان. ما معناها أصالة؟ «زال» أيضاً بمعنى ذهب كما قلنا وانتفى، مش قبل كدة فسرناها بمعنى ذهب وانتفى؟
يا شيخ، «يزول» بمعنى ذهب، و«يزال» بمعنى ذهب أيضاً، فما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن العرب أتت بـ«يزال» ليستخدم في باب كان وأخواتها مسبوقاً بنفي أو نهي أو دعاء، ليدل على استمرارية نسبة المبتدأ إلى الخبر، بينما «زال» التي مضارعها «يزول» أتت بها العرب لنفي الفاعل الواقع بعدها فقط. يقولون جاءوا بها يعني هكذا عثر بعضهم، «يزول» تأتي لنفي المفردات، أي نفي الفاعل الواقع بعدها، زالت الشمس يعني ذهبت الشمس.
بينما هي التي مضارعها «يزال» أتت بها العرب ليس في الحقيقة للنفي، هي صحيح معناها النفي والذهاب، لكن عندما استخدمتها العرب استخدمتها دائماً مسبوقة بنفي أو نهي أو دعاء لتدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر، فإذاً هما لا يشتركان في «يزول» و«يزال» في دلالتهما على الذهاب والانتفاء، لكن يختلفان في طريقة الاستخدام.
«زال» التي مضارعها «يزول» أولاً هي فعل وليس الفعل ناقصاً، تدل على معنى ذهب وتنفي الفاعل الواقع بعدها، زالت الشمس ممتاز. بينما «يزال» هي بمعنى ذهب وانتفى، تدل على الانتفاء والذهاب والنفي، لكن استخدمتها العرب لتدل على استمرارية اتصال المبتدأ بالخبر من خلال النفي، فهي في النهاية معناها النفي، لكن نفي النفي إثبات. وهكذا استخدمت دائماً لتدل على استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر لأنها دائماً تكون مسبوقة بنفي أو نهي أو دعاء.
فهذا هو الفرق بينهما، «زال» التي مضارعها «يزول» ليست من أخوات كان، ولا تأتي لنفي المفردات، لا تنفي ما بعدها بل هي دائماً مسبوقة بنفي أو نهي أو دعاء يدل على استمرار اتصاف المبتدأ بالخبر. فإذاً «زال» التي مضارعها «يزال» هي المراد هنا انتبهوا، وليس التي مضارعها «يزيل» ولا التي مضارعها «يزول». حتى نطالب بإزالة الشمس أو الشيخ عطاء بإزالة هذه من أخوات كان، لا انتظر، هذه زالت الشمس، هذه «زال» التي مضارعها «يزول» وهي بمعنى مالت الشمس، وهذه ليست من أخوات كان، هذه تأخذ فعلاً وفاعلاً وهي فعلاً لازم وليس متعدياً، بينما التي من أخوات كان هي التي تدل ونفهم منها استمرارية اتصاف المبتدأ بالخبر. إذاً فالسياق هو الذي يوضح لك بين «زال» التي مضارعها «يزول» و«يزال»، فعليك أن تنتبه على هذه القضية.
إذا دعونا أيها الأحبة ننتقل الآن إلى القسم الثاني: «هذا قلمٌ صالحٌ ليس بصالحٍ». إذاً أيها الأحبة نعود إلى تقسيم كان وأخواتها باعتبار التصرف، فنقول أيضاً هناك تقسيم ثلاثي.
القسم الأول: ما يتصرف تصرفاً تاماً، يعني يأتي منهم جميع المشتقات، تأتي منه المصدر، ويأتي منه الفعل المضارع، ويأتي منه اسم الفاعل واسم المفعول، تأتي المشتقات منه بشكل عام. وهذا أيها الأحبة يوجد فيه سبعة أفعال، وهي الأفعال التي تعمل من دون شروط. الأفعال التي تعمل من دون شروط كم فعلاً؟ ثمانية، إذاً هناك واحد يُستثنى وهو «ليس». فإذا كان «أصبح»، «أضحى»، «ظل»، «بات»، «صار»، «كان»، «أمسى»، ماذا بقي عندنا؟ كان، وأضحى، وأمسى، وأصبح، وظل، وبات، وصار. هذه الأفعال السبعة أيها الأحبة تتصرف تصرفاً تاماً، يأتي منها جميع المشتقات، مثلاً: كان يكون كائناً، ظل يظل ظالاً، أمسى يمسي.
القسم الثاني: ما يتصرف تصرفاً ناقصاً، وهي الأفعال التي لا يأتي منها مصدر ولا يأتي منها أمر. وهذا التعبير أفضل من التعبير بأنه من يتصرف تصرفاً ناقصاً هي التي يأتي منها الماضي والمضارع فقط، فهذا عليه انتقاد؛ لأن هذه الأفعال التي تتصرف تصرفاً ناقصاً ليس فقط يأتي منها ماضٍ ومضارع، بل قد يأتي منها أيضاً اسم فاعل، سُمع فيها اسم الفاعل، وإنما المشكلة فيها أنه لا يأتي منها المصدر ولا يأتي منها الأمر، فالتعبير بهذا أجده أسلم، أن نقول هي الأفعال التي لا يأتي منها المصدر والأمر، ويأتي منها باقي المشتقات، وهي الأفعال التي تعمل بشرط أن تسبق بنفي أو نهي أو دعاء، وهي الأفعال الأربعة: «زال»، «فتئ»، «انفك»، «برح».
المجموعة الأخيرة لا تتصرف أبداً، وهي «ليس» بالاتفاق، و«دام» مع وجود الخلاف. «ليس» بالاتفاق لا يأتي منها مضارع ولا أمر ولا مصدر ولا ما شابه ذلك، لذلك يقولون «ليس» فعل ماضٍ جامد، ولماذا جامد؟ لأنها لا تتصرف، والأفعال التي لا تتصرف تسمى جامدة. أما «دام» ففي الحقيقة فيها خلاف قوي جداً في التصرف، هل هي تتصرف تصرفاً ناقصاً أم لا تتصرف أبداً؟ كثير من المتأخرين يقولون إنها لا تتصرف أبداً، «دام» التي من أخوات كان، لأن هناك نحن نتكلم الآن عن كان وأخواتها أيها الأحبة، أما «دام» التي بمعنى «يدوم» فليس عندنا مشكلة فيها، «دام يدوم» هذه «دام» التامة، لا تهمني، أنا أتكلم عن كان وأخواتها التي تأخذ اسماً.
وخبراً، فهذه على أقسام: ما يتصرف تصرفاً تاماً، وما يتصرف تصرفاً ناقصاً، وما لا يتصرف أبداً. ويهمني في هذا ماذا؟ يهمني أن تعلم قاعدة أن ما كان منها يتصرف تصرفاً تاماً فجميع المتصرفات تعمل عمل الماضي؛ فلنضارع واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر يعمل عمل الفعل الأصلي، له اسم وخبر.
إن كثيراً من الإخوة لما تأتي كلمة "كونه قائماً" تشكل عليه: كيف أعربها؟ "كونه قائماً" الضمير هو الاسم في المعنى، وهو في النهاية مضاف إليه، لكن من حيث المعنى هو الاسم، و"قائماً" هو الخبر. ما هذا؟ يكتم. فالمتصرفات تعمل عمل الماضي، وليس هذا العمل اللي كان وأخواتها يتعلق بصورتها وهي في حالة الماضي، بل هذه الأفعال ما كانت تصرفاً تاماً يعمل في جميع تصرفاته؛ يأخذ اسماً وخبراً.
وما يتصرف تصرفاً ناقصاً يعمل في الأحوال التي يتصرف فيها، مثل "لا يزالون مختلفين"؛ "يزالون" استخدمت في حالة المضارع. وأما ما لا يتصرف، فهذا لا يعمل إلا في حالة الجمود وهي حالة الماضي. إذاً هذا التقسيم الآخر عليكم أن تضبطوه. كم ذهب من الوقت؟ الآن صعب جداً، ساعة وست دقائق، جيد.
إذا أيها الأحبة، تقسيمات كان وأخواتها. طبعاً بقي علي أن أقول، ستجدون إن شاء الله ربما في شروح موسعة في شرح الألفية وما شابه ذلك. نقف على أن في الحقيقة كان وأخواتها -صحيح ذكر ابن هشام ثلاث عشرة لفظة لها- لكن هناك أفعالاً أخرى تعمل عمل كامل، هناك أفعال أخرى فوق هذه الثلاث عشرة تعمل عمل كان، وربما الشيخ عبد المحيي الدين عبد الحميد أشار في الهامش إلى أفعال تعمل عمل كان أيضاً لكنها ليست مشتهرة كثيراً بتلكها، لذلك أنا غضضت الطرف عنها في هذا المستوى.
يهمني أن أربط كان وأخواتها وتقسيماتها؛ فهي ثلاثة عشرة، منها ما يعمل من دون شرط، ومنها ما يعمل بشرط يستقبلنا فيه أو نهي أو دعاء، ومنها ما يعمل بشرط أن يسبق بمعنى المصدرية الظرفية، بينما هو تصرف تصرف تام، منها ما هو تصرف تصرف ناقص، ومنها ما لا يتصرف. عرفنا هذه الأفعال تسمى أولاً كلها أفعالاً، وعرفنا أيضاً أنها تدل على ماذا؟ تدل على زمن اتصاف الاسم بالخبر.
هذه الفائدة التي نستفيدها من المجموعة الأولى، هذا فيما يتعلق بالمجموعة الأولى. عفواً، أنا أريد أن أنبه هنا، عندما أقول تدل على زمن اتصاف الاسم بالخبر؛ هذا لو عدة سريعة فقط حتى أكون دقيقاً معكم. هذا يتعلق بـ "كان، وأمسى، وأصبح، وأضحى، وبات، وظل"؛ هذه تدل على ماذا؟ هذه الأفعال الستة تدل على زمن اتصاف الاسم بالخبر، زمن معين: "كان" الماضي، "أمسى" في المساء، "أصبح" في الصباح، "أضحى" في الضحى، "بات" في الليل، "ظل" في النهار. فترى على زمن الاسم بالخبر.
"صار" تدل على ماذا؟ تدل على تحول الاسم إلى الخبر، تدل على مجرد تحول وانتقال الاسم إلى الخبر، عن الانتقالية، ليس تدل على نفي اتصاف الاسم بالخبر في الحال. الأفعال الأربعة: "فتئ، وما زال، وبرح، وانفك" تدل على ماذا؟ على استمرارية اتصاف الاسم بالخبر، على الاستمرارية. "دام" تدل على ماذا؟ دوام اتصاف الاسم بالخبر.
فهذه معاني هذه الأفعال، دوام اتصال الاسم بالخبر. ليس كله على الأسماء؟ كيف؟ ذكرنا في البداية أن جميع الأخوات -كان وأخواتها- تدل على عنصر الزمان فقط لما تكون ناقصة، لكن ما هو الزمان؟ طريقة دلالتها على الزمان مختلفة. فمنها ما يدل على زمن معين مثل: كان، وأضحى، وظل، وبات. ومنها ما يدل على استمرارية اتصاف الاسم بالخبر، وهذا زمان أيضاً؛ استمرارية اتصاف الاسم بالخبر. "دام" تدل على دوام اتصاف الاسم بالخبر، فهذه كلها إذاً هي مشتركة فيما بينها على الدلالة على عنصر الزمان.
ربما "صار" هي التي تحتاج إلى شيء من النظر؛ كيفية ما هو الزمن الذي تدل عليه؟ لكن يمكن أن نؤولها بالزمن من حيث إنها تدل على وقوع انتقال زمني؛ محمد كان على حال ثم أصبح على حال أخرى، وإن كان ربما تحتاج إلى شيء من النظر أدق من الناحية المعنوية، لكن بشكل عام.
لماذا تسمى أفعالاً ناقصة؟ طبعاً هذا الذي يريد أن يرسخه، ما سبب النقصان؟ الآن ابن هشام ذكر وجهة نظره وستأتي معنا، لكن وجهة النظر التي أراها أوضح للطالب هي رأي مدرسة من مدارس النحاة، أن سبب نقصانها أنها تدل فقط على عنصر الزمان ولا تدل على كامل مدلول الفعل؛ لأن الفعل ما دل على حدث وزمن، هذا التمام، فإذا دل على الزمن فقط هذا يسمى النقصان.
هذا واضح، دلالتها على الزمن فقط هذا واضح في جميع هذه الأفعال، لكن "صار" يمكننا أن نقول إننا نلحقها إلحاقاً بنقصانها أو نحتاج فيها لنوع معنى، لأن في الحقيقة "صار" وجدتها متأرجحة، يمكن أن نقول إنها تدل على حدث وهي في هذه الحالة، حدث السيرورة حالة الانتقال. ما زال ملموحاً ظاهراً، أنا فتحتها بالنسبة لي إلى بحث أكثر في النظر لماذا "صار" تعتبر ناقصة عن المعنى الذي أذكره، وهو النقصان والدلالة على الزمن فقط.
أما ما سيذكره ابن هشام، وهو أن معنى النقصان هو أنها تأخذ اسماً وخبراً ولا تقف على الاسم فقط، لا يمكن أن تقتصر على الاسم فقط بل تحتاج إلى خبر، هذا سبب نقصانها؛ أنها مفتقرة إلى الخبر. ومتى تكون تامة؟ إذا فقط أخذت فاعلاً ولم تحتج إلى خبر، وبالتالي تخرج من باب كان وأخواتها. فابن هشام يجعل النقصان والتمام يتعلق بأمر لفظي؛ إذا أخذت خبراً هذه الأفعال تكون ناقصة لأنها مفتقرة إلى خبر، وإذا لم تحتج إلى خبر فهي تامة، فجعل عود التمام والنقصان فيها إلى أمر لفظي. وأما ما أذكره، فأعود التمام والنقصان إلى أمر معنوي يتعلق بالمعنى، قضية أنها تدل على الزمن فقط ولا تدل على الحدث.
إذا انتهينا أيها الأحبة من تقسيمات كان وأخواتها، ننتقل الآن إلى مسائل. نفس الشيء الآن سيطرح مجموعة من المسائل والمهارات التي تتعلق بباب كان وأخواتها. المسألة الأولى: قضية توسط الخبر. الآن أيها الأحبة يقول ابن هشام؛ نبدأ نقرأ ماذا يقول ابن هشام في المتن ثم نشرح ونعلم.
يقول ابن هشام: «وقد يتوسط الخبر نحو: فليس سواءً عالمٌ وجهولٌ». هكذا يقول في المتن، وذكر مثالاً واحداً؛ "فليس سواءً عالمٌ وجهولٌ"، "سواءً" خبر ليس مقدم على اسمها، و"عالمٌ" هو اسم ليس مؤخراً، فسواءً خبر ليس مقدم، وعالمٌ اسم ليس مؤخر.
أقول ابتداءً أيها الأحبة في باب المبتدأ والخبر، انتبهوا لما أقول: في باب المبتدأ والخبر كانت مسائل التقديم والتأخير منحصرة في تقديم الخبر وتأخير المبتدأ، يعني هل الوضع الطبيعي أن المبتدأ مقدم والخبر مؤخر؟ والخلاف هو في تقدم الخبر على المبتدأ، فهل هناك شيء أو نوع ثالث من أنواع التقديم والتأخير؟ لا، الاسم مقدم والخبر مؤخر، فإذا حدث اختلاف في الترتيب سيتقدم الخبر على المبتدأ، ما عندنا صورة ثالثة.
لكن في "كان وأخواتها" عندنا الآن صورتان مخالفتان للأصل. الأصل في المبتدأ والخبر قلنا ما هو في الحالة الطبيعية؟ أنا عندي مبتدأ وعندنا خبر، والخلاف الذي يمكن أن يحدث هو أن يتقدم الخبر ويتأخر المبتدأ، وعندنا صورة أخرى بالخلاف في حالة ذات عقلية ما، فإنه يتقدم الخبر عن المبتدأ، وانتهينا، هذه هي الحالة الاستثنائية.
لكن في "كان وأخواتها" عندنا حالتان استثنائيتان. الحالة الطبيعية الأصلية أن يأتي الفعل أولاً، "كان" إحدى أخواتها، ثم يأتي اسم "كان"، هذا الترتيب الطبيعي الأصلي، ثم يأتي خبر "كان"، أليس كذلك؟ الآن هذا الترتيب كيف يمكن أن يختل ويختلف؟ عندنا الآن احتمالان: الاحتمال الأول أن يتوسط خبر "كان" أو إحدى أخواتها بين "كان" والاسم، فيأتي الخبر ويصبح في الوسط، فهذا يسمونه التوسط؛ أن يقع الخبر بين "كان" وبين اسمها، مثل "أضحى" واسم "أضحى"، أو "بات" واسم "بات"، أو "صار" واسم "صار"، يقع الخبر في المنتصف، هذا يسمونه التوسط.
الصورة الثانية ما هي؟ الصورة الثانية أن يتقدم الخبر على "كان" بأسرها أو على إحدى أخواتها، فتصبح عندي "كان" واسمها، والخبر يصبح قبل "كان" أصلاً، فانتقل انتقالاً نوعياً في الحقيقة، أصبح قبل الفعل بأسرها، وهذا سيأتي معنا تفصيله.
يأتي شخص يقول: "طيب يا شيخ، أنا عندي حالة ثالثة"، ما هي؟ أحسنت، يقول: "يا شيخ لماذا لا أقول إنه اسم "كان" يتقدم؟ قال زيدٌ كان قائماً". جائز عقلاً؟ أقول: عقلاً جائز، لكن نحوياً ليس بجائز. لماذا هذه الصورة، أن يأتي اسم "كان" ثم تأتي "كان" ثم يأتي الخبر، لا تجوز. لماذا؟ لأنه اسم "كان" مر معنا في مطلع دراستنا أنه يسمى فاعلاً، والفاعل لا يتقدم على فعله.
هل أقول: "ضرب زيدٌ بكراً" ثم أقول: "زيدٌ ضرب بكراً"؟ عُقلاً "زيدٌ" فاعل مقدم، لا، بل أقول: "زيدٌ" مبتدأ، و"ضرب" فعل ماضٍ، والفاعل ضمير مستتر تقديره "هو" يعود على "زيد"، و"بكراً" المفعول به، وجملة "ضرب زيدٌ" هي خبر للمبتدأ "زيد". وهذا ما سيحدث بالضبط لو أنني قدمت اسم "كان". لن يكون اسم "كان" لو قال شخص: "زيدٌ ها كان قائماً"؛ "زيدٌ" ليس اسم "كان" مقدم على "كان"، بل نقول: "زيدٌ" مبتدأ، و"كان" فعل ماضٍ ناقص مبني على الفتح، واسم "كان" ضمير مستتر تقديره "هو" يعود على "زيد"، فاسم "كان" لا يتقدم عليها لأنه بمنزلة الفاعل، وكما أن الفاعل لا يتقدم على فعله، كذلك اسم "كان" لا يتقدم عليها، ففي "زيدٌ كان قائماً" "زيدٌ" ليست اسم "كان" مقدماً، بل هي مبتدأ، و"كان" فعل ماضٍ واسمها ضمير مستتر، فإذن هذه الحالة غير مقبولة.
إذن حالات التقدم في الحقيقة هناك حالتان: أن يتوسط الخبر بين "كان" وبين اسمها، أو أن يتقدم الخبر على "كان" واسمها. طبعاً أقول "كان" وباقي الأخوات، أنا لا أريد "كان" فقط، لكن هل هذا جائز فعلاً في جميع أخوات "كان"؟ لماذا؟ هل يجوز في البعض ودون البعض؟ هذا ما سندرسse إن شاء الله، لكن يهمني أن تعرفوا المسألتين.
المسألة الأولى التي بدأ بها ابن هشام هي مسألة التوسط، فقال ابن هشام: «وقد يتوسط بالخبر». يقول ابن هشام: يجوز في هذا الباب أن يتوسط بين الاسم والفعل كما يجوز في باب الفاعل؛ أي في باب الجملة الفعلية يجوز أن يتقدم المفعول به على الفاعل، فلو كانت عندي "ضرب زيدٌ بكراً"، ألا يجوز أن يتوسط المفعول به بين الفعل والفاعل؟ فقل: "ضرب بكراً زيدٌ"، يجوز. فكما أن هذا المفعول به يتوسط بين الفعل وفاعله، كذلك خبر "كان" يتوسط بين "كان" وبين اسمها، لأنه في النهاية جملة أقرب للجملة الفعلية، لأن هناك فعلاً في البداية.
فلما كان هناك أوجه كثيرة، قالوا يجوز أن يتوسط خبر "كان" بين "كان" وبين اسمها كما توسط المفعول به بين الفعل وفاعله. قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]. لاحظ كيف "حقاً" خبر "كان" مقدم على اسمها، توسطها؛ "حقاً" بين "كان" وبين "نصرُ"؛ "نصرُ" هي اسم "كان"، فلاحظ كيف توسط الخبر بين "كان" وبين اسمها.
أحسنت، المصدر المؤول من أنواع المبتدأ المتأخر. ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ [الأعراف: 178]؛ "أن أوحينا" هذا المصدر المؤول هو اسم "كان" مؤخر، فكان "إيحاؤنا" هو اسم "كان"، وأين خبر "كان"؟ "عجباً"، إذن "عجباً" هي خبر "كان" وتوسطت بين "كان" وبين المصدر المؤول "أن أوحينا".
"للنَّاسِ" ليست هي الخبر، الظروف متعلقة بالمصدر، الجار والمجرور يحدد معنى الآية تحديداً خطيراً. فنقول: المصدر والجار والمجرور "للنَّاسِ" متعلقان بماذا؟ متعلقان بالمصدر "عجباً"، فكان الإيحاء عجباً للناس؟ هذا ترتيب الجملة أصلاً: "أكان إيحاؤنا عجباً للناس؟"، فـ "للنَّاسِ" الجار والمجرور متعلق بـ "عجباً" التي هي الخبر.
فهي متعلقة بعجبا وليست هي خبرًا كاملًا. لا، الجر مجرور متعلق بعجبا، وعجبا هي خبر كان. لكن طبعًا كل هذه التقديمات، لماذا قال للناس قبل عجبا؟ ولماذا قال عجبا قبل أن أوحينا؟ كل تقديم له معنى عميق في الآية، وليس هذا موطن البحث عنه.
وقرأ حمزة وحفص في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ [البقرة: 177]. صح، ليس البر منشورة لها، لماذا قال ليس البر؟ ولماذا ليس ليس البر؟ لأن البر خبر ليس مقدم، وأنتم دوليتكم هي المصدر، اسم ليس مؤخر.
قال الشاعر السموأل: فليس سواءً عالم وجهولُ
هذا هو الذي استشهد به أصلًا في المتن: «فليس سواءً عالم وجهول»، وهذا البيت من كلام السموأل اليهودي. قال السموأل وإن كان يهوديًا أيها الأحبة، لكنه كان مشهورًا عند العرب بالأخلاق، هو يهودي من يهود العرب كان مشهورًا بالأخلاق الرفيعة، وأشعاره فيها كثير من الحكم ويتمثل بها كثيرًا ويستشهد بها كثيرًا على القواعد النحوية.
«فليس سواءً عالم وجهولُ»؛ فليس سواءً خبر ليس مقدم، وعالم اسم ليس مؤخر. وقال الآخر: «لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته». لاحظ: «ما دامت منغصة لذاته»، أي مدة دوام لذاته، لذاته اسم دام مؤخر، ومنغصة خبر دام مقدم.
ابن دراستويه، هذا أيها الأحبة من تلاميذ المبرد رحمه الله، توفاه الله عز وجل عام ثلاثمائة وسبعة وأربعين هجريًا. ابن دراستويه ماذا يقول أيها الأحباب؟ هو من أنصار المدرسة المصرية في الحقيقة لأن المبرد بصدق، وإن كان له اجتهادات وآراءه الشخصية. ابن دراستويه يقول: يمنع تقديم خبر ليس. ويقصد بالتقديم هنا التوسط، حتى نحافظ على المصطلح.
تقصد بالتقديم إيش هنا؟ التوسط، يعني منع أن يتوسط خبر ليس بين ليس واسمها، فلا يجوز عند ابن دراستويه أن تقول: ليس قائمًا زيد، لا بد تقول: ليس زيدٌ قائمًا. هذا رأي، لكن في الحقيقة أكثر النحاة على خلافه؛ ثبوت التوسط لخبر ليس مثل توسط سائر الأخبار.
وابن معطي منع التوسط في ألفيته. ألفية ابن معطي حينما قال: وفائقةٌ ألفيةُ ابنِ معطي ... وهو بصدقٍ حائزٌ تفضيلا مستوجبٌ ثنائيًا الجميلة
فابن معطي كان له ألفية قوية في النحو أيها الأحبة، جاء بعده وضع ألفية ولكنها فعلا كانت فائقة لألفية ابن معطي. ابن معطي في ألفيته يقول: يمنع أيضًا تقديم... يقصد بالتقديم إيش؟ التوسط. ابن معطي يقول: لا يجوز ما جاز في البيت: «لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته»، هذا البيت لا يجوزه ابن معطي وقد يحمله على الشذوذ.
هو التقديم هنا أريد به التوسط، المحافظة على مفهوم التوسط؛ توسط خبر دام بين دام واسمها. منعه ابن معطي، لكن أنت ترى البيت في النهاية يرد على ابن معطي. البيت في النهاية يرد على ابن معطي، لذلك إيش قال ابن هشام بعد أن ذكر هذين القولين؟ قال: «وهما محجوجان»، أي ابن دراستويه وابن معطي، تجانبا بما ذكرنا من الشواهد وغيرها.
فما الشاهد الذي يرد عليه من كلام ابن هشام؟ الشاهد الذي جاء به في الإجابة يرد على ابن دراستويه: «فليس سواءً عالم وجهول»، والشاهد الذي رد به على ابن معطي هو: «ما دامت منغصة لذاته». وهذه تنبئ أن أمثلة ابن هشام ليست اعتباطية أيها الأحبة، يعني ليس هكذا ابن هشام كان يكتب ويقول يلا أمثل لأي حالة من حالات توسط الخبر في كان وأخواتها، بل أتى ببيتين يقصدهما رحمه الله؛ أراد بالبيت الأول «فليس سواءً عالم وجهول» أن يرد على ابن دراستويه، وأراد بالبيت الثاني «لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته» أن يرد على ابن معطي. وأما سائر الأفعال الأخرى فلا يوجد خلاف فيها، لذلك لم يحتاج ابن هشام للتمثيل عليها.
عرفتم كيف ابن هشام يهندس الفكرة قبل أن يذكرها؟ إذاً هذه المسألة الأولى: توسط الخبر بين الفعل والاسم. المسألة الثانية: تقدم الخبر على الفعل واسمه. الآن هذه نعم ذكر فيها ابن هشام خلافًا وتبنى وجهة نظر معينة فقال: «وقد يتقدم الخبر إلا خبر دام وليس». لذلك هناك أيها الأحبة في الفقرة السابقة قلت لكم عدلوا كلمة تقدم خبر ليس، أن مراد التقدم هو التوسط حتى لا تختلط عليكم هذه المسألة بالمسألة التي سنشرع فيها الآن. منع توسط الخبر عند ابن معطي فيه دعوة للفهم، لكن ما سندرسه الآن في تقدم الخبر هو المراد تقدم الخبر على الفعل وعلى اسمه.
وهنا ابن هشام يختار أن كان وأخواتها يجوز فيها أن يتقدم الخبر على الفعل والاسم جميعًا، إلا ليس ودام، فلا يجوز أن يتقدم خبر ليس على ليس وعلى اسمها معًا، ولا يجوز أن يتقدم خبر دام على دام واسمها معًا. فهذه مسألة وتلك مسألة، حتى تقول كيف يا ابن هشام تنفي والآن تثبت؟ لا، هذه مسألة وهذه مسألة.
إذا قال: «وقد يتقدم الخبر إلا خبر دام وليس»، يقول ابن هشام في الشرح للخبر ثلاثة أحوال: أحدها التأخير عن الفعل واسمه، عاد ابن هشام ليؤصل الآن ما قبل تغيير السبورة؛ أن الحالة الأصلية للخبر أن يتأخر عن الفعل واسمه، وهو الأصل، كقوله: ﴿كَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الكهف: 59].
الحالة الثانية أن يتوسط الخبر بين الفعل واسمه، وهي الحالة التي درسناها في المسألة السابقة، كقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، وقد تقدم شرح ذلك. قال: والثالث التقدم على الفعل واسمه، هذه الحالة التي أدرسها الآن، كقولك: «كان زيدٌ فعالاً»، خبر كان مقدم على الفعل وعلى اسمها.
طيب الدليل على ذلك؟ أراد أن يستدل من القرآن. طبعًا الاستدلال النحوي له فقهه ومصنفاته، لكن من خلال شرطنا لتقريب المدى، نعطي إشارات سريعة للاستدلال النحوي على القواعد. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40].
تأملوا في هذه الآية جيدًا أيها الأحبة: ﴿أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾؟ نأتي إلى التحليل؛ كان، أين اسمها؟ كان، الواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع اسم كان.
«يعبدون»، أيش رأيكم فيها؟ أين خبر كان؟ جملة «يعبدون»، كانوا «يعبدوا»، إذا «يعبدون» هي خبر كان.
يا شيخ، هو يريد أن يستدل على جواز تقدم الخبر على كان وعلى اسمها، وهنا الخبر لم يتقدم على كان وعلى اسمه بل جاء في موضعه الطبيعي متأخراً. جملة «يعبدون» هي جملة الخبر لكان.
كيف الاستدلال؟ جميل، «يعبدون» أيها الأحبة، إيش إعرابها؟ «يعبدون» فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، و«يعبدون» فعل متعدٍ يحتاج إلى مفعول به. أين المفعول به لـ«يعبدون»؟ المفعول به لـ«يعبدون» متقدم على كان وهو الضمير المنفصل «إياكم».
هذا الضمير المنفصل المتقدم على كان هو المفعول به لـ«يعبدون»، فتقدير الجملة: هؤلاء كانوا يعبدون إياكم. هيك أصل الجملة: هؤلاء كانوا يعبدون إياكم. طبعاً لو تأخر، لو جاءت الجملة على ترتيبها الطبيعي، لما جاز أن يُفصل الضمير، ولكانت: هؤلاء كانوا يعبدونكم؛ لأننا قلنا لا يجوز العدول إلى المنفصل مع إمكانية الإتيان بالمتصل. ولما تقدم مفعول به على فعله، أكيد لا نستطيع أن نأتي بالمتصل فعدل إلى المنفصل، فقال: هؤلاء إياكم كانوا يعبدون. وأما أصل الجملة: أولئك كانوا يعبدون إياكم، ونوصي بالضمير: كانوا يعبدونكم، فلما قدم الضمير فصله.
أين الاستدلال في هذه الآية على جواز تقدم الخبر على كان مع أن المتقدم ليس هو الخبر؟ المتقدم هو معمول الخبر، صح؟ المتقدم هو المفعول به للخبر وليس الخبر، الخبر متأخر. لكن هناك قاعدة عليه أن تحفظها مثل اسمك، قاعدة يكثر الاستدلال بها عند النحاة على قواعدهم وشواهدهم، يقولون: «إياكم مفعول يعبدون مقدم وقد تقدم على كان». انظر هذه القاعدة، تحفظها مثل اسمك.
وتقدم المعمول يؤذن، أي يدل وينبه، أن تقدم معمول يؤذن ويؤذن ويدل بجواز تقدم العامل؛ احفظ هذه بعد اشرحها: «تقدم المعمول يؤذن بجواز تقدم العامل». يعني إذا كان معمول الخبر يستطيع أن يتقدم على كان، فالخبر من باب أولى يجوز أن يتقدم على كان، هكذا يريدون أن يقولوا. إذا كان الآن إيش اللي تقدم عليك؟ أنا معمول الخبر.
أيها الأحبة، معمول الخبر ضعيف علاقته بـ«كان»، صح؟ يعني علاقته مباشرة بـ«يعبدون»: «إياكم يعبدون». فإذا كانت «إياكم» مع أنها هي معمول الخبر تستطيع أن تتقدم على كان، فالخبر من باب أولى أنه يستطيع بنفسه أن يتقدم على كان. إذا كان معمول الخبر، يعني شيء من لواحق الخبر يتبع الخبر، يستطيع أن يتقدم على كان، فالخبر من باب أولى أن يتقدم على كان. فاستدلوا إذن بتقدم المعمول على جواز تقدم الخبر.
المعمول هنا في هذه الجملة هو «إياكم»، يؤذن بجواز تقدم العامل، أي يقصد بالعامل هنا «يعبدون»، الفعل «يعبد» هو المراد بالعامل وليس «كان»، المراد بالعامل «يعبدون»، فهي التي تعمل النصب في «إياكم». فإذا تقدمت «إياكم» على كان مع أن «إياكم» معمول لـ«يعبدون»، فتقدم العامل الذي عمل فيه «يعبدون» على «كان»، من باب... رأيتم كيف الاستدلال النحوي العميق أيها الأحبة؟
ثم قال بالإشارة: لكن أيها الأحبة عندنا فعلاً من أفعال كان لا يجوز فيهما تقدم الخبر عليهما. عندنا فعلان من أفعال كان لا يجوز تقدم الخبر عليهما، قال: «ويمتنع ذلك في خبر ليس ودام». قال: «أما امتناعه في خبر دام فبالاتفاق، موافقون على منع تقدم خبر دام على دام واسمها». لأنك إذا قلت... انظروا التعديل لها، كل الآن نقاش تعليم نحوي، يقول: لأنك إذا قلت: «لا أصحبك ما دام زيد صديقاً»، ثم قدمت الخبر الذي هو «صديقاً» على «ما دام»، إيش راح يحدث؟ راح تصبح الجملة: «لا أصحبك صديقاً ما دام زيد»، بشكل راح تصبح: «لا أصحبك صديقك ما دام زيد».
طيب، شو المحظور؟ إيش المشكلة؟ لماذا منعتم؟ لزم من ذلك تقديم معمول الصلة على الموصول؛ لأن «ما» هذه موصول حرفي يقدر بالمصدر كما قدمناه. ما الذي يريد أن يقول به الهجرة، رحمه الله، انتهى بهذا التعليق. يعني هنا ضع نقطة، انتهى التعليق. أما هو إن قدمته على «دام» دون ما... هذا يعني تعليل آخر، يقول: لأنك إذا قلت: «لا أصحبك ما دام زيد صديقاً»، ثم قدمت الخبر على «ما دام»، لزم من ذلك تقديم معمول الصلة على الموصول؛ لأن «ما» هذه موصول حرفي يقدر بالمصدر كما قدمناه.
الآن أيها الأحبة، هذا يشير إلى قاعدة، انظروا كيف نأخذ نحن قواعد النحو أحياناً من ثواني كلام الأئمة. الآن هناك قاعدة من قواعد الموصولات الحرفية والموصولات الاسمية، هناك قاعدة من قواعد الموصولات سواء كانت حرفية أو الأسماء الموصولة اسمية. الموصولات الحرفية: «أن»، «لو»، «ما»، «إن»، «كي»، صح؟ والموصولات الاسمية ذكرناها بالأسماء الموصولة.
الآن السبورة، وضح قضية إن شاء الله أيها الأحبة بهذا المبحث، إن شاء الله لن ندخل إلى بعض هذا اليوم الآن. في الاسم الموصول قلنا الاسم الموصول بعده جملة أو تأتي صلة الموصول، صح؟ عندنا اسم موصول وبعده صلة. في الأسماء الموصولة وصلتها، الآن مثلاً: «جاء الذي ضرب بكراً»، الأمطار... أبو بكر، هذه الصلة للاسم الموصول. لا يجوز في الأسماء الموصولة مع صلتها أن يتقدم معمول الصلة على الاسم الموصول، لا يجوز أن أقول: «جاء بكراً الذي ضربه»، وأقول: «بكراً» مفعول به مقدم لـ«ضرب». يصير أقول هكذا؟ لا يجوز، هذه قاعدة من استقرار كلام النحاة، وجدوا أن معمول الصلة... الآن إيش الصلة؟ الجملة الفعلية «ضرب بكراً»، «بكرًا» هو معمول لـ«ضرب»، صح؟ لأنها هي مفعول به بالفعل «ضرب»، فهي إذاً معمول لـ«ضرب»، و«ضرب» هي العاملة فيه النصب على المفعول به.
فباختصار، «بكرًا» هي معمول مرتبط في جملة صلة الموصول، المعمول في جملة صلة الموصول لا يجوز أن يتقدم على الاسم الموصول، فجاء: «الذي ضرب بكراً»، لا يجوز أن أقول: «جاء بكراً الذي ضربه»، لا يجوز. وهذا كما يوجد في الأسماء الموصولة، كذلك أيها الأحبة، يوجد في الحروف الموصولة، إيش الحروف الموصولة؟ «أن»، «إن»، «لو»، إلى آخر الحروف الموصولة. الآن يعني ربما هذا التعبير جديد عليكم، نحن قلنا مثلاً «ما» لما تأتي موصولة، «أن» لما تأتي موصولة، «لو» لما تأتي موصولة، هي تثبت مع ما بعدها وينتج عندنا مصدر مؤول، صح؟
الذي بعدها، الذي بعد "ما" الموصولة، أو "أن" الموصولة، أو "لو" الموصولة، يسمى تجوزًا "صلة" أيضًا. أنا مصطلح الصلة كنا نستخدمه في الاسم الموصول، لكن ما استخدمناه كثيرًا في الحرف الموصول، الآن ابن هشام استخدمه في الحرف الموصول؛ فيقول ما بعد الحرف المصدري أو الحرف الموصول سميه كما تشاء يسمى صلة.
فالفعل الذي يقع بعد "ما" المصدرية يسمى صلة "ما"؛ الفعل الذي يقع بعد "أن" المصدرية يسمى صلة "أن"، فيسمى أيضًا صلة كما يسمى في الأسماء الموصولة ما بعدها صلة. الآن يقول ابن هشام: "ما" المصدرية لو جاءت عندي، "ما" المصدرية دام الفعل؛ مثل: "ما دام زيدٌ قائمًا" مثلاً، "ما دام زيدٌ قائمًا" هذه صلة "ما". الفعل هو في الحقيقة الصلة، هو فقط الفعل "دام"؛ الفعل الواقع بعد "ما" المصدرية والذي سيثبت مع "ما" المصدرية وينتج عندي مصدرًا مؤولًا، هذا الفعل وهو "دام" يسمى صلة "ما".
طبعًا لا يشترط فيها ما يشترط في زمن صلة الموصول من كذا وكذا، لذلك نحن نسميها صلة تجوزًا. فدائمًا تسمى صلة "ما". لو قدمت "قائمًا" على "ما دام"، فصارت: "قائمًا ما دام زيدٌ"، نقول "قائمًا" هو معمول الصيغة، أليس كذلك؟ لأنه "قائمًا" ما الذي نصبه؟ "ما" التي هي الصلة؛ فـ"قائمًا" هو معمول في الصلة، معمول للصلة.
وفي الحروف الموصولة مثلها مثل الأسماء الموصولة؛ لا يجوز تقدم معمول الصلة على الموصول وصلته. فلو قلت: "قائمًا ما دام زيدٌ"، هنا أيها الأحبة "قائمًا" تقدمت على الموصول، لكن هنا الموصول حرفي طبعًا، وعلى صلة موصولة و"دام"، ولا يجوز، سواء في الأسماء الموصولة أو في الحروف الموصولة أن يتقدم معمول الصلة على الموصول وصلته؛ لا يجوز، احفظ هكذا تقول تحفظ. لا يجوز أن يتقدم معمول الصلة على الموصول وصلته، فهذا هو المحظور الأول في ذلك.
إذاً لا يجوز أن تتقدم الخبر على "ما دام"، وهذا واضح. لكن هناك مسألة أخرى طرقها ابن هشام؛ هل يجوز أن يأتي الخبر -لاحظوا الآن- هل يجوز أن يقع الخبر بين "ما" المصدرية وبين "دام"؟ هي كانت: "ما دام زيدٌ قائمًا"، هل يجوز أن تأتي "قائمًا" هنا بالضبط بين "ما" و"دام" في النص؟ في هذه المنطقة؟ الآن تقدمه على "ما دام" عرفنا أنه لا يجوز، لأنه تقدم، ولا يجوز تقدم معمول الصلة على الموصول وصلته.
طيب، لو جعلنا الخبر وهو "قائمًا" مثلاً بين "ما" و"دام"، وقلنا: "ما قائمًا دام زيدٌ"، لم يتقدم معمول الصلة على الموصول وصلته، بالعكس جاء المعمول "قائمًا" بعد الموصول. طيب يا شيخ، روح لنا على الأسماء الموصولة: "جاء الذي ضرب بكرًا"، هل يجوز أن تقع "بكرًا" بين "الذي" و"ضرب"؟ فآقول: "جاء الذي بكرًا ضرب"، هل يجوز هذا؟ نقول نعم، في الأسماء الموصولة يجوز أن يتقدم معمول الصلة على الصلة، ولكن يبقى بعد الاسم الموصول، هذا أهم شيء؛ فعندما جاء "الذي ضرب بكرًا"، "بكرًا" هي معمول الآن في جملة الصلة، يجوز أن يكون هناك تقدم فيه وأن يقع بين الاسم الموصول وبين الفعل، فنقول: "جاء الذي بكرًا ضرب"، في الأسماء الموصولة جائز.
هل هذا أيضًا جائز في الحروف الموصولة؟ ابن هشام يقول: لا، الحروف الموصولة أضعف من الأسماء الموصولة، فمعمول الصلة في الحروف الموصولة أيضًا لا يجوز أن يقع بين الموصول الحرفي وبين صلته وهو الفعل أيضًا. لا تجوز هذه الصورة في الموصولات الحرفية، أن يأتي معمول الصلة بين الحرف المصدري والفعل الذي هو صلته؛ فلا يجوز أيضًا: "ما قائمًا دام زيدٌ".
فباختصار إذا "دام" أيها الأحبة، لا يجوز أن يتقدم خبرها عليها، ولا يجوز أيضًا أن يقع خبرها بين "ما" المصدرية الظرفية وبينها، الحالتان لا تجوز. لذلك قال في الحالة الثانية -وإن قدمتِه أي الخبر، اقرأ لي الحالة الأولى وعلق عليها سريعة ثم عد للحالة الثانية- قال: "لأنك إذا كنت لا أصحبك ما دام زيدٌ صديقًا"، ثم قدمت الخبر على "ما دام" كلها، لازم من ذلك ما قال: تقديم معمول الصلة على الموصول الذي هو "ما". لأن "ما" هذه موصول، لكن الموصول حرفي، فالموصول الحرفي يقدر بالمصدر كما قدمناه.
أنتم لاحظوا ابن هشام اختصر الكلام، لكن أنت ما فهمت أن "ما" موصول حرفي، أنا حاولت أن أفصل لك أصل الفكرة، أنه الموصولات الحرفية مثلها مثل الموصولات الاسمية؛ لا يجوز أن يتقدم معمول الصلة على الموصول وصلته. احفظ هذه القاعدة، فهذه القاعدة التي ذكرتها على السبورة تشرح ما أجمله ابن هشام.
قال في الحالة الثانية: "وإن قدمته" أي أن قدمت الخبر على "دام" دون "ما"؛ ماذا يعني "قدمته على دام دون ما"؟ يعني وضع الخبر بين "دام" وبين "ما"، فهو لم يتقدم على "ما" ولكنه تقدم على "دام" فقط، فيعني أنه توسط بين "ما" و"دام". أيضًا لا يجوز؛ لماذا؟ قد لزم الفصل بين الموصول الحرفي وصلته. لو قلت: "نفسي ما قائمًا دام زيدٌ"، فصلنا بين الموصول الحرفي وصلته، والموصول الحرفي لا يقوى لأنه ضعيف لأنه حرف، لا يقوى أن يفصل عن صلته بخلاف الموصول الاسمي فهو أقوى، فيقوى على أن يفصل بينه وبين الصلة. قد لزم الفصل بين الموصول الحرفي وصلته، وذلك لا يجوز.
لا تقل: "عجبت مما زيدًا تصحب"، "مما" هذه مصدرية، طبعًا هذه المصدرية ليست ظرفية، وأنا هذه مصدرية، "عجبت" يعني من صحبتك زيدًا، هكذا أصل الجملة؛ "عجبت" أصل الجملة "عجبت من ما تصحب". هل يجوز أن أقول -طبعًا "ما" موصولية حرفية- هل يجوز أن أقول: "عجبت من ما زيدًا تصحب"؟ أضع "زيدًا" المفعول به لتصحب بين "ما" المصدرية وبين "تصحب"؟ أريدك أن تفهم هذا المثال: "عجبت مما زيدًا تصحب"، "مما" من حرف جر و"ما" مصدرية، ليست اسم موصول بل هي حرف موصول، حرف مصدري. أصل الجملة "عجبت مما تصحب زيدًا"، لاحظ كيف قدرت المصدر المؤول؟ الآن "زيدًا" المفعول به لـ"تصحب"، إذًا هو معمول الصلة، "زيدًا" معمول الصلة. هل يجوز أن يتقدم معمول الصلة فيقع بين الحرف المصدري وبين...
الصلة، هل يجوز أن تقع «زيدا» بين «ما» المصدرية وبين صلتها؟ لا يجوز، لا تقود العرب ذلك.
قال: وإنما يجوز ذلك أين؟ هذا التوسط بين الاسم الموصول وصلته أين يجوز؟ قال: وإنما يجوز ذلك من وصول الاسم غير الألف واللام؛ لأن الألف واللام مش قلنا تأتي اسم موصول، لكن الألف واللام إذا جاءت اسم موصول صلتها بوصف صريح غير «أفعل» تقدير، فكذلك الأسماء الموصولة يجوز أن تفصل فيها بين الاسم الموصول والصلة بمعمول الصلة، إلا إذا كان الاسم الموصول هو... قال: لأنه... هي اسم موصول لكنها في الحقيقة تشبه الأحرف الموصولية، هي صح من ناحية اسمية لكنها تشبه الأحرف الموصولية شكلاً وقصراً في الصلة، لأن صلتها برضه كلمة واحدة، هي الصفة.
من حيث هذا التغيير في الألف واللام، فتقول: جاءني الذي زيدا ضرب. قال: ولا يجوز في الموصولية أن تقول: جاء الضارب زيدا، لا يجوز أن تقول: جاء زيدان ضارب، هو أصلاً لا يصلح أن تفصل بين الـ وبين الاسم الفاعل، جاء الـ زيدان ضارب ما ينفع أصلاً من ناحية ذوقية.
فإذاً، بين لك أنه في داعٍ أيها الأحبة؛ لا يجوز أن يتقدم الخبر على «ليس» بأسرها، ولا يجوز أن يقع بين «ما» وبين دامة. وعرفنا تعديل الحالة الأولى وتعديل الحالة الثانية.
قال: وأما امتناع ذلك في خبر ليس، يعني امتناع تقدم الخبر على «ليس»، هذا رأي... أيها الأحبة، قال: فهو اختيار الكوفيين والمبرد. المبرد من أي مدرسة؟ مصرية، وابن السراج من أي مدرسة؟ بغداد، إن المبرد ٢٨٦ هـ وابن السراج ٣١٦ هـ من بغداد. قال: وهو الصحيح. لاحظ أن ابن هشام مجتهد أيها الأحبة، هو بصري في جملة لكنه قد يختار مذهب الكوفيين، اختار مذهب الكوفيين في مسألة سابقة، في مسألة أن العامل للفاعل المضارع المرفوع عام معنوي هو التجرد، اختار مثلاً الفراء والكوفيين وطائفة من الكوفيين. وهنا أيضاً يختار الكوفيين أنه خبر «ليس» لا يجوز أن يقدم عليه.
قال: لأنه لم يسمع. فما الدليل على عدم جواز تقدم خبر «ليس»؟ أولاً: عدم السماع. ثانياً: ولأنها فعل جامد، ليس مرّ على قبل قليل أنها لا تتصرف باتفاق، والأفعال الجامدة هذه قاعدة عندهم؛ الأفعال الجامدة معمولاتها لا تتقدم عليها بغض النظر عن «ليس» أو غيره. ولأنها فعل جامد فأشبهت «عسى»، «عسى» أيضاً فعل جامد كما سيأتي معنا وخبرها لا يتقدم باتفاق، انظروا الآن إلى القياس، هذا قياس نحوي؛ ليس فعل جامد مثل «عسى» باتفاق الجميع، وهذا سندرس إن شاء الله في باب «عسى»، «عسى» تعمل عمل «كان» ولا يتقدم خبرها، «عسى محمد أن يقوم» لا يمكن أن يتقدم على «عسى» جميل، فكذلك في «ليس» لا يجوز أن يتقدم خبرها عليها. فلاحظوا كيف القياس؟ عندنا ما هو الأصل؟ «عسى»، وما هو الفرع؟ «ليس»، وما هي العلة التي تجمع بينهما؟ الجمود، وما الحكم؟ الذي سنعديه من «عسى» إلى «ليس» هو عدم جواز تقدم الخبر عليهما، كما أنه الخبر لا يتقدم على «عسى» كذلك الخبر لا يتقدم على «ليس»، والعلة المشتركة بينهما الجمود.
ذهب الفارسي، والفارسي طبعاً بغدادي وهو تلميذ ابن السراج (٣٧٧ هـ)، وابن جني (٣٩١ هـ) تلميذ الفارسي، ذهب ابن جني إلى ماذا؟ قال: إلى الجواز. استدل الفارسي وابن جني بقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [الملك: ٤].
لنحلل هذا الاستدلال؛ «ليس» أين اسمها؟ مستتر تقديره «هو» أي العذاب، «ليس مصروفًا عنهم»، فأين خبر «ليس»؟ «مصروفًا». كيف استدل الفارسي وابن جني بهذه الآية على جواز تقدم خبر «ليس» مع أن خبر «ليس» جاء مؤخراً؟ الاستدلال هو نفس الاستدلال في القضية الساخنة؛ قالوا: «يوم» هذا الظرف الزمان المقدم على «ليس»، أين عامله؟ ما الذي نصبه على الظرفية؟ «مصروفًا» الذي هو اسم مفعول، وهو متعلق بـ «الذين صبروا» أو بـ «مصروفًا»، قلنا أي ظرف موجود هو متعلق مباشرة بما تبحث عنه وتتلاءم معه.
إذاً أصل الجملة كتركيب: «ليس العذاب مصروفًا عنهم يوم يأتيهم»، جاءت في الآية مقدمة: «أولا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم»، قدمت «يوم يأتيهم» مع أنها متعلقة بمصروفها، وبما أنها متعلقة والتي نصبها «مصروفًا» هي التي عملت فيها النصب، نطبق القاعدة السابقة: تقدم المعمول يؤذن بجواز تقدم العامل. فتقدم المعمول «يوم يأتيهم» يؤذن ويدل على جواز تقدم «مصروف» على «ليس»، يعني إذا كانت «يوم» وهي هناك وتوابع «مصروف» جاز تقديمها على «ليس»، فمن باب أولى أن «مصروف» نفسها هي الأصل أن تتقدم على «ليس». لذلك قال: وذلك لأن «يوم» متعلق بـ «مصروف»، وقد تقدم.
لكن ابن هشام هنا سيضطر للرد، لأنه لا يوافق الفارسي وابن جني، ابن هشام وافق الكوفيين على عدم جواز تقدم خبر «ليس»، فيحتاج ابن هشام هنا ليرد على استدلال الفارسي وابن جني. فبماذا رد؟ قال: والجواب أنهم توسعوا في الظروف ما لم يتوسعوا في غيرها. يريد أن يقول: في الآية التي استدللنا بها في مطلع الصفحة، المعمول الذي تقدم على عامله مفعول به، بينما في هذه الآية المعمول الذي تقدم على عامله من حيث الإعراب ظرف زمان. ونعم، هناك قاعدة عامة في علم النحو يقولون: الظروف والجار والمجرور يتسامح فيها ويتساهل فيها ما لا يتسامح ولا يتساهل في غيرها. فيريد أن يقول: إن تقدم المعمول هنا لا يدل دلالة قوية على جواز تقدم العامل؛ لأن الظروف بشكل عام -ظروف الزمان والمكان والجار والمجرور- في اللغة العربية يتساهلون في تقديمها وتأخيرها، وخالفت القواعد فيها ما لا يتساهل ويتسامح في غيرها، فتقدم الظرف هنا ليس دليلاً على جواز تقدم العامل، لأن تقدم الظرف هنا قد يكون من باب التسامح والتسهيل المشهور في اللغة العربية.
الظروف لا تدل على جواز تقدم العامل، بينما في الآية التي في مطلع الصفحة: ﴿هُؤُلَاءِ أَيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، المفعول به لا يتسامح فيه كما يتسامح في الظرف؛ فتقدم المفعول به، أتعرف؟ «أياكم» دليل قوي على جواز تقدم المعمول.
لكن «في يوم يأتيهم» ليس مصروفًا عنه، تقدم الظرف هنا ليس دليلاً قوياً على جواز تقدم عامله، وهو مصروف؛ لماذا؟ لأنه الظروف بطبيعتها يجوز التلاعب فيها وتقديمها وتأخيرها والتوسع فيها ومخالفة القواعد أكثر من غيرها.
فهذا يريد أن يقول ابن هشام: من باب التوسع، وإلا الأصل عدم جواز تقدم معمول الخبر، وعدم جواز تقدم الخبر أيضاً، وتقدمه هنا فقط من باب التوسع والتساهل الموجود والمضطرد في العربية في الظروف، وليس دليلاً مؤدياً على جواز تقدم المعمول من العامل، وليس دليلاً موجباً على جواز تقدم العامل.
فهمتم؟ ليس دليلاً على جواز تقدم العامل، لماذا؟ لأنهم أصلاً في الظروف يتساهلون فيها. قال: ونقل عن سيبويه القول بالجواز والقول بالمنع؛ إذاً ليس في الحقيقة لا يوجد فيها اتفاق، فيها أقوال عديدة؛ رأي الكوفيين، ورأي الفراء، وهناك رأي سيبويه نُقل عنه هذا وهذا، فإذاً مسألة خلافية.
هكذا نكون أنهينا الكلام عن متى يتوسط خبر ليس، ومتى يتقدم خبر ليس، ومع الأحوال الاستثنائية، وما هي التقسيمات الواردة في كان وأخواتها. إن شاء الله في الدرس القادم ننهي الكلام على كان وأخواتها ونشرع في بعض التتمات.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل